ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [ الأعراف : ١٨٠ ].
تفسير المفردات : الأسماء : واحدها اسم، وهو اللفظ الدال على الذات أو عليها مع صفة من صفاتها، والحسنى : مؤنث الأحسن، فادعوه بها : أي سموه ونادوه بها للثناء عليه أو للسؤال وطلب الحاجات، وذروا : اتركوا، والإلحاد : الميل عن الوسط حسا أو معنى، والأول هو الأصل فيه، ومنه لحد القبر : وهو ما يحفر في جانب القبر مائلا عن وسطه وألحد السهم الهدف : أي مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه، ومن الثاني ألحد فلان : مال عن الحق، سيجزون : أي سيلقون جزاء عملهم.
المعنى الجملي : بعد أن بين عز اسمه في الآية السالفة أن المخلوقين لجهنم لم يستعملوا عقولهم ومشاعرهم في الاعتبار بالآيات والتفقه في تزكية أنفسهم بالعلم النافع، فأورثهم ذلك الإهمال الغفلة التامة عن صلاح أنفسهم بذكر الله وشكره والثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال قفى على ذلك بذكر الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج إلى ضدها وهي ذكر الله ودعاؤه في السر والعلن بكرة وعشيا.
الإيضاح : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها أي ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات، فاذكروه ونادوه بها إما للثناء عليه نحو : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ البقرة : ٢٥٥ ] نحو : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم [ الحشر : ٢٢ ] وإما لدى السؤال وطلب الحاجات.
وللذكر فوائد منها : تغذية الإيمان، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده، واحتقار آلام الدنيا، وقلة المبالاة بما يفوت المؤمن من نعيمها، ومن ثم جاء في الحديث :( من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم ) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وروى الحاكم في المستدرك عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة :( ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ).
وأسماء الله كثيرة، وكلها حسنى لدلالة كل منها على منتهى كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين : كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم.
وروى الشيخان من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) وفي رواية له :( إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر ) وقد سرد الأسماء التسعة والتسعين الترمذي والحاكم من طريق الوليد بن مسلم قال :
( هو الله الذي لا إله إلا هو : الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ).
وقد اختلف المحدثون في سرد هذه الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الحديث من بعض الرواة ؟ والثاني هو الراجح ومن ثم لم يخرّجه الشيخان لتفرد الوليد به واحتمال الإدراج كما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح.
وذروا الذين يلحدون في أسمائه أي ادعوه أيها المؤمنون واتركوا جميع الذين يلحدون في أسمائه بالميل بألفاظها أو معانيها عن نهج الحق الوسط إلى متفرق السبل من تحريف أو تأويل أو شرك أو تكذيب أو زيادة أو نقصان أو ما ينافي وصفها بالحسنى كأن يوصف بما لا يصح وصفه به أو تتأول أوصافه على ما لا يليق به.
ثم بين العلّة في تركهم في خوضهم يلعبون فقال :
سيجزون ما كانوا يعملون أي لأنهم سيلقون جزاء عملهم وتحل بهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فاجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم مثل ما يصيبهم.
والإلحاد ضربان : إلحاد إلى الشرك بالله وهو ينافي الإيمان ويبطله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب كأن ينظر إليها مع الغفلة عن كونها من خلق الله وتسخيره أو يعتقد أنها مؤثرة بذاتها لا بفعله تعالى، وهذا يوهن عرى الإيمان ولا يبطله.
والخلاصة : إن الإلحاد في أسمائه الحسنى أقسام :
( ١ ) تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه في كتابه أو ما صح من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم فقد اتفق أهل الحق على أن أسماءه وصفاته تعالى توقيفية : أي تحتاج إلى إذن من الشارع لصحة إطلاقها عليه تعالى، وكل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة دعاء ووصفا له وإخبارا عنه يصح إثباته له، ويمنع كل ما دلت على منعه، قال في الكشاف كقول أهل البدو : يا أبا المكارم : يا أبيض الوجه. يا سخي.
( ٢ ) ترك تسميته بما سمي به نفسه أو وصفها به أو ترك إسناد ما أسنده تعالى إلى نفسه من الأفعال بناء على أن ذلك لا يليق به تعالى أو أنه يوهم نقصا في حقه، كأن هؤلاء الملحدين أعلم منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم بما يليق به وما لا يليق.
( ٣ ) تغيير أسمائه بوضعها لغيره مما عبد من دونه كاللات والعزى.
( ٤ ) تحريف أسمائه وصفاته تعالى عما وضعت له بضرب من التأويل، فقد ذهب جماعة من المسلمين إلى جعل الرب القدوس الذي ليس كمثله شيء كرجل من خلقه لأنه تعالى وصف نفسه بصفات يدل مجموعها على ذلك : كالسمع والبصر والكلام والوجه واليد والرجل والضحك والرضا والغضب، وذهب آخرون إلى تأويل جميع صفاته تعالى حتى جعلوها كالعدم.
( ٥ ) إشراك غيره فيما هو خاص به من أسمائه باللفظ كاسم الجلالة الله والرحمن ورب العالمين، وما في معناه كرب السماء والأرض أو رب الكعبة أو رب البيت " الكعبة " كما قال : فليعبدوا رب هذا البيت [ قريش : ٣ ].
( ٦ ) إشراك غيره في كمال أسمائه كمن يزعم أو يعتقد أن لغيره رحمة كرحمته ورأفة كرأفته وغير ذلك من معاني أسمائه كالمجيب مثلا كما قال تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [ البقرة : ١٨٦ ].
وبعض الذين يدعون غير الله تعالى من الموتى يعتقدون أنهم أسرع وأقرب في إجابتهم من الله تعالى فيجمعون بذلك بين شركين : شرك دعاء غير الله مع اعتقاد إجابته للدعاء، وشرك الكفر به بتفضيل غيره عليه سبحانه في سرعة الإجابة مع أن الله يقول : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله [ النمل : ٦٢ ] أي لا يجيب المضطر إلا هو فهو المستحق وحده للعبادة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه ذرأ لجهنم كثيرا من الثقلين. الجن والإنس وأبان أهم أسباب ذلك، وهي أن هؤلاء أفسدوا فطرتهم بإهمال مواهبهم من العقل والحواس، ثم أرشدنا إلى ما يصلح الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى، قفى على ذلك ببيان وصف أمة الإجابة وثنى، بذكر المكذبين من أمة الدعوة، وثلث بتفنيد ما عرض لهم من الشبهة، ثم أرشد إلى التفكر الموصل إلى الفقه في الأمور ومعرفة الحقائق، وإلى النظر الهادي إلى الحجة، والبرهان الموصل إلى معرفة صدق الرسول، ثم ختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة الله بضلاله وتركه يعمه في طغيانه.
تفسير المراغي
المراغي