ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

بينهما. فشبههم الله بها، إذ كانوا لا يتذكَّرون ما يرون بأبصارهم من حُججه، ولا يتفكرون فيما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: (بل هم أضل)، يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذَرَأهم لجهنم، أشدُّ ذهابًا عن الحق، وألزم لطريق الباطل من البهائم، (١) لأن البهائم لا اختيار لها ولا تمييز، فتختار وتميز، وإنما هي مسَخَّرة، ومع ذلك تهرب من المضارِّ، وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلح. والذين وصفَ الله صفتهم في هذه الآية، مع ما أعطوا من الأفهام والعقول المميِّزة بين المصالح والمضارّ، تترك ما فيه صلاحُ دنياها وآخرتها، وتطلب ما فيه مضارّها، فالبهائم منها أسدُّ، وهي منها أضل، كما وصفها به ربُّنا جل ثناؤه.
وقوله: (أولئك هم الغافلون)، يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم، القومُ الذين غفلوا =يعني: سهوًا (٢) عن آياتي وحُججي، وتركوا تدبُّرها والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دلّت عليه من توحيد ربّها، لا البهائم التي قد عرّفها ربُّها ما سخَّرها له.
* * *
القول في تأويل قوله: وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (ولله الأسماء الحسنى)، ، وهي كما قال ابن عباس: -
١٥٤٥١ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال حدثني عمي، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ومن أسمائه: "العزيز الجبار"، وكل أسمائه حسن.

(١) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(٢) انظر تفسير ((غفل)) فيما سلف ص: ١١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.

صفحة رقم 281

١٥٤٥٢ - حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها كُلَّها دخل الجنة". (١)
* * *
وأما قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، فإنه يعني به المشركين. (٢)
* * *
وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها "اللات" اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو "الله"، وسموا بعضها "العُزَّى" اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو "العزيز".
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٥٣ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، قال: إلحاد الملحدين: أن دعوا "اللات" في أسماء الله.

(١) الأثر: ١٥٤٥٢ - ((هشام بن حسان القردوسي))، ثقة. روى له الجماعة، مضى برقم: ٢٨٢٧، ٧٢٨٧، ٩٨٣٧، ١٠٢٥٨. وهذا إسناد صحيح. رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (الفتح ٥: ٢٦٢ / ١١: ١٨٠ - ١٩٤)، شرحه ابن حجر مستقصى غاية الاستقصاء.
ورواه مسلم في صحيحه، من مثل طريق البخاري، ثم من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة (مسلم ١٧: ٤، ٥).
ورواه أحمد في مسنده من طرق، رقم: ٧٤٩٣، ٧٦١٢، ٨١٣١، ٩٥٠٩، ١٠٤٨٦، ١٠٥٣٩، ١٠٦٩٦. وانظر تخريجه هناك.
وفي بعض طرقه زيادة: ((وإن الله وتر يحب الوتر)) أو ((إنه وتر يحب الوتر)).
(٢) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف من فهارس اللغة (وذر).

صفحة رقم 282

١٥٤٥٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: اشتقوا "العزى" من "العزيز"، واشتقوا "اللات" من "الله".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (يلحدون).
فقال بعضهم: يكذّبون.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٤٥٥ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) قال: الإلحاد: التكذيب.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون.
* ذكر من قال ذلك.
١٥٤٥٦- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن قتادة: (يلحدون) قال: يشركون. (١)
* * *
وأصل "الإلحاد" في كلام العرب: العدول عن القصد، والجورُ عنه، والإعراض. ثم يستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم، ولذلك قيل للحْد القبر: "لحد"، لأنه في ناحية منه، وليس في وسطه. يقال منه: "ألحد فلانٌ يُلْحِد إلحادًا"، و"لَحد يلْحَد لَحْدًا ولُحُودًا". (٢) وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بين "الإلحاد" و"اللحٍْد"، فيقول

(١) الأثر: ١٠٤٥٦ - ((ابن ثور)) هو ((محمد بن ثور الصنعانى))، مضى في الإسناد مرارًا، آخره رقم: ١٥٤٣٧، حيث صححت خطأ آخر هناك. ثم ما سيأتي: ١٥٤٥٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا ((حدثنا أبو ثور))، وهو خطأ محض.
(٢) (٢) المصدر الثاني ((اللحود))، قلما نجده في معاجم اللغة، فقيده.

صفحة رقم 283

في "الإلحاد": إنه العدول عن القصد، وفي "اللحد" إنه الركون إلى الشيء. وكان يقرأ جميع ما في القرآن: (يُلْحِدُونَ) بضم الياء وكسر الحاء، إلا التي في النحل، فإنه كان يقرؤها: "يَلْحَدُون" بفتح الياء والحاء، (١) ويزعم أنه بمعنى الركون.
وأما سائر أهل المعرفة بكلام العرب، فيرون أن معناهما واحدٌ، وأنهما لغتان جاءتا في حرفٍ واحدٍ بمعنى واحد.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين: (يُلْحِدُون)، بضم الياء وكسر الحاء من "ألحد يُلْحِد" في جميع القرآن.
* * *
وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: "يَلْحَدُونَ" بفتح الياء والحاء من "لَحَد يَلْحَدُ".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. غير أنِّي أختار القراءة بضمِّ الياء على لغة من قال: "ألحد"، لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما.
* * *
وكان ابن زيد يقول في قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، إ نه منسوخٌ.
١٥٤٥٧ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: (وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه) قال: هؤلاء أهل الكفر، وقد نُسِخ، نَسَخه القتال.
* * *

(١) آية سورة النحل: ١٠٣ على قراءة الكسائى: "لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ". وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة / كما قال بن جرير بعد في تفسيره ١٤: ١٢٠ (بولاق)، ولم يفرد الكسائي بالذكر هناك، لأنه خالفهم في قراءة الحرف في غير هذا الموضع.

صفحة رقم 284

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية