قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه :
السبب فيها أن أبا جهل ١ سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ٢ ويذكر الله تعالى في قراءته ومرة يذكر الرحمان ونحو ذلك فقال : محمد يزعم أن إلهه واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة. فنزلت هذه الآية ٣ والأسماء هنا بمعنى المسميات بلا خلاف، ووصف تعالى أسماءه بالحسنى ومعناه الحسنة فيحتمل أن يريد بالحسنة ما أطلقه الشرع عليه خاصة، ويحتمل أن يريد ما يحسن أن يسمى به جاء به شرع أو لم يجئ. وبحسب هذا اختلف العلماء فيه. فذهب الجمهور إلى أنه لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعت ٤ الأمة عليه. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري٥ : أو على معناه وأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فلا يجوز عند هؤلاء أن يسمى به. وذهب قوم إلى أنه ما لم يستحل أن يكون من أوصافه تعالى ولم يرد به منع في الشريعة فجائز أن يطلق عليه كما يطلق عليه ٦ ما أذن الشرع فيه وهو قول أبي بكر الباقلاني ٧. قال بعضهم والحجة للقول الأول قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فأثبت كون أسماءه ٨ حسنى ولا حسن إلا ما ورد الشرع به. والآية محتملة كما قدمناه فلا وجه ينفي الاحتمال عنها. وبين متأخري الأصوليين الذين لا يطلقون على الله تعالى من الأسماء ٩ إلا ما أطلقه الشرع. واختلفوا في ما ورد من طريق الآحاد من أسماء الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يطلق عليه أم لا. والذي اختاره الحذاق إطلاقه وهو الصحيح، لأنا إذا جعلنا خبر الواحد شرعا يجب قبوله وهو الذي عليه الجمهور فيجوز إطلاقه لأنه مما ورد به الشرع وقد قال تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وهذا من الأسماء الحسنى فيجوز إطلاقه. واختلف في ما جاء في القرآن أيضا من نسبة أفعال إلى الله تعالى مثل قوله تعالى : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ آل عمران : ٥٤ ] ونحو ذلك هل يجوز أن يشتق منها اسم فاعل لله تعالى أم لا. فذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى ذلك ولا يسمى إلا بما سمى الله تعالى به نفسه وهو لم يسم نفسه بذلك وكذا يقول الباقلاني فيما يستحيل من صفته ١٠ من ذلك أنه لا يجوز أن يطلق عليه لقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى وما يستحيل في صفته فليست من الحسنى ١١. وذهب قوم إلى جواز إطلاق ذلك مقيدا بسببه. فيقال الله مستهزئ بالكافرين وماكر بالماكرين. وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع باتفاق وكان هؤلاء لما رأوا في ١٢ كلام العرب أن الفعل إذا نسب إلى أحد فاسم الفاعل منه مضمون قياسا مطردا في كلامهم ورأوا ١٣ أن هذا لم ينسبه تعالى إلى نفسه إلا وقد أباح أن يستعمل منه اسم الفاعل في الشيء الذي ذكره. وقوله تعال : ولله الأسماء الحسنى ليس يقتضي انحصار أسماء الله تعالى إلى عدد بل إطلاقه كذلك يقتضي أنها غير محصورة. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة " ١٤. وفي حديث آخر : " لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر " ١٥. واختلف في هذا الحصر، فذهب قوم إلى أنه لا اسم ١٦ لله تعالى أكثر مما جاء في هذا الحديث إذ لو كان له غيرها لم يكن لتخصيصه هذا العدد فائدة، وحملوا قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى أن المراد بها تلك الأسماء وخرجها كلها بعضهم من القرآن ولم يسلم له بعضهم ذلك وذهب آخرون ١٧ إلى أن أسماء الله تعالى لا تنحصر ١٨ في عدد واختلفوا في توجيه١٩ الحديث. فقال بعضهم معنى الحديث أن الأسماء التي شرع الدعاء بها هي التسعة والتسعون وأما غيرها فلم يشرع بها دعاء، قالوا لأن الحديث مبني على قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وهو قول أبي الحسن الأشعري وجماعة من أهل العلم ٢٠. وقال ابن الطيب ٢١ ليس بالحديث دليل على أن ليس ٢٢ لله تعالى أكثر من تسعة وتسعين اسما على وجه التعظيم لله تعالى ٢٣ لكن ظاهر الحديث يقتضي أن من أحصى تلك التسعة والتسعين اسما على وجه التعظيم لله تعالى دخل الجنة وإن كانت له أسماء أخرى ٢٤ وتكون الآية على هذا القول على عمومها أعني قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى وقوله تعالى : فادعوه بها أمر معناه الإباحة.
وقوله : وذروا الذين يلحدون في أسمائه :
اختلف فيه هل هو منسوخ أو محكم. فقال ابن زيد معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية منسوخة بالقتال. وقيل الآية على وجه الوعيد والتهديد كقوله : ذرني ومن خلقت وحيدا ( ١١ ) وقوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا [ الحجر : ٣ ] فهي محكمة٢٥.
٢ كلمة "يقرأ" ساقطة في (ب)، (ح)..
٣ ذكره هبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ صفحة ٢١٥..
٤ في (ب)، (د): "اجتمعت"..
٥ أبو الحسن الأشعري: هو علي بن إسماعيل الأشعري كان ينتمي إلى المعتزلة ثم انفصل عنهم وهو رائد الأشعرية. توفي سنة ٣٣٠هـ/ ٩٤٢م. انظر معجم المؤلفين ٧/ ٣٥..
٦ "كما يطلق عليه" ساقط في (ب)، (د)، (هـ)..
٧ أبو بكر الباقلاني هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد المعروف بالباقلاني صاحب إعجاز القرآن. توفي سنة ٤٠٣هـ/ ١٠١٣م. انظر الديباج لابن فرحون ص ٢٦٧..
٨ في (ح): "الأسماءه"..
٩ "من الأسماء" ساقط في (أ)..
١٠ في (ب)، (ح): "في صفته"..
١١ في (ح): "بالحسنى"..
١٢ "في" ساقط في (أ)..
١٣ في (ز) زيادة: "أيضا"..
١٤ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة. كتاب الدعوات، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد. ٧/ ١٦٩..
١٥ الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها ٨/ ٦٣..
١٦ في (ج): "لا أسماء"..
١٧ في (هـ): "بعضهم"..
١٨ "لا تنحصر" ساقطة في (ج)، وفي (و): "لا تحصر"..
١٩ في (ج) : "هذا الحديث"..
٢٠ "وجماعة من أهل العلم" ساقط في (ب)..
٢١ ابن الطيب وهو أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني سبقت ترجمته ص ٥٨..
٢٢ "ليس" ساقط في (أ)، (ح)..
٢٣ "على وجه التعظيم لله تعالى" ساقط في (أ)..
٢٤ راجع كل ذلك عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٢١٣، وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٢٣ و ٣٢٧..
٢٥ ذكره مكي في الإيضاح ص ٢٥٢..
أحكام القرآن
ابن الفرس