ولله الأسماء الحسنى [ الأعراف : آية ١٨٠ ] ( جل وعلا ) الأسماء الحسنى، والحسنى : تأنيث الأحسن، وهو صيغة تفضيل الأحسن الذي هو أحسن من غيره، والحسنى التي هي أحسن من غيرها. وأفرد نعت الأسماء في قوله : الأسماء الحسنى لما تقرر في علم العربية من أن ثلاثة من الجموع أعنى جمع المكسر بنوعيه، وجمع التأنيث، كل منها يجري مجرى الواحدة المؤنثة المجازية التأنيث، ومثله كثير، كقوله : ولي فيها مآرب أخرى [ طه : آية ١٨ ] تشهدون أن مع الله آلهة [ الأنعام : آية ١٩ ].
قال بعض العلماء : سبب نزول هذه الآية : أن رجلا من المسلمين قال : يا الله، يا رحمن. فقال واحد من كفار مكة : كيف يقول محمد : إن الإله واحد، ثم إنه يدعو إلهين : أحدهما : الله، والثاني : الرحمن ؟ ! فأنزل الله : ولله الأسماء الحسنى وأنزل قوله : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [ الإسراء : آية ١١٠ ].
ولله الأسماء الحسنى أسماء اله حسنى، أي : هي أحسن شيء ؛ لأن الحسنى صيغة تفضيل، هي أفضل من كل شيء في الحسن والجمال لما تدل عليه من صفات الكمال والجلال الموصوف بها خالقنا ( جل وعلا ) تقدس وتعاظم وتنزه ؛ لأن أسماءه تدل على صفات كماله وجلاله جل وعلا.
فادعوه بها فادعوه بتلك الأسماء كأن تقول : يا رحمن ارحمنا، يا رحيم ارحمني. قال بعض العلماء : تقول : يا رحيم ارحمني، يا رازق ارزقني، يا حكيم احكم لي، ولا تقول : يا حكيم اغفر لي، أو : يا رزاق ارحمني. والتحقيق أن هذا كله جائز ؛ لأن أسماء الله متلازمة، كل صفة في واحد منها تستلزم جميع الصفات الأخرى لعظمة صفاته ( جل وعلا )، واستلزام كل واحدة منها غاية الكمال والجلال، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) هذا حديث صحيح معروف، وقد جاء عد أسمائه عن بعض الناس، ذكره الترمذي، وذكر غيره روايات فيها بعض الأسماء، والرواية التي ذكرها الترمذي تقريبا مائة وواحد تزيد باثنين، وهي معروفة، وجاءت روايات في السنن وأخرج الحاكم بعضها وصححه تذكر بعض أسماء الله جل وعلا.
والمحققون من العلماء يقولون : إن أسماء الله لا تحصر في ذلك، كما دل عليه الحديث المشهور حديث ابن مسعود الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن كل من أصابه حزن – مثلا- أو غم إذا دعا به أذهب الله حزنه وأبدله له سرورا، وهو حديث معروف مشهور :( اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وشفاء صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي ). ومحل الشاهد منه : قوله صلى الله عليه وسلم فيه :( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) فدل أن له أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده. وهذا هو الأصح ؛ لأن صفاته ( جل وعلا ) الحسنى لا تحصى، وأسماءه لا يحصيها غيره ( جل وعلا ). وقد جاء في رواية الترمذي أنه لما ذكر الحديث الذي أصله في الصحيحين :( إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو جل وعلا وتر يحب الوتر – أنه سردها كما يلي- هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ). هكذا ذكره، وذكر بعضهم في السنن وغيره زيادات على هذا ونقصا. وبعض المحققين يقولون : إن هذا مدرج في الحديث الصحيح جمعه العلماء من القرآن. وكان ابن العربي يقول : إنه جمع حوالي ألف اسم من القرآن والأحاديث الصحيحة.
وقوله تعالى : وذروا الذين يلحدون في أسمائه [ الأعراف : آية ١٨٠ ] ( ذروا ) معناه اتركوا : وصيغة الأمر هنا للتهديد على التحقيق، وقد تقرر في فن الأصول في مباحث الأمر، وفي فن المعاني : أن من الصيغ التي تأتي لها ( افعل ) أنها تأتي للتهديد. والتحقيق أن الصورة هنا للتهديد، وهو قوله : وذروا الذين يلحدون في أسمائه بدليل قوله : سيجزون ما كانوا يعلمون .
والعرب تقول : ألحد يلحد، ولحد يلحد. إذا مال عن الحق، أصل ( اللحد ) في لغة العرب والإلحاد : الميل عن القصد والجور عنه، ومنه اللحد في القبر ؛ لأنه حفر أميل به عن وضعه الأول إلى جهة القبلة ولم يكن على سمت الحفر الأول.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة : وذروا الذين يلحدون في أسمائه وقرأه حمزة من السبعة : وذروا الذين يلحدون في أسمائه بفتح الياء والحاء. وهما قراءتان صحيحتان، ولغتان عربيتان فصيحتان.
ومعنى إلحادهم بالأسماء : قال بعض العلماء : يلحدون فيها : يميلون فيها عن الحق، كاشتقاقهم اللات من اسم الله، واشتقاقهم العزى من اسم العزيز، واشتقاقهم مناة من اسم المنان. وقال بعض العلماء : إلحادهم في أسماء الله : إنكارها، ومن أمثلة ذلك أن الله يقول : إن إلهكم لواحد ٤ [ الصافات : آية ٤ ] وهم يلحدون في اسمه الواحد، ويقولون : أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ٥ [ ص : آية ٥ ] وهذا من أعظم الإلحاد وأكبره. وقوله : سيجزون ما كانوا يعملون سيجزيهم الله يوم القيامة جزاء ما كانوا يعملونه في الدنيا، ويدخل في ذلك دخولا أوليا إلحادهم في أسمائه ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : سيجزيهم ما كانوا يعملون .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير