ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ١٨٠
بين الله تعالى لنا في الآية السابقة حال المخلوقين لجهنم في عدم استعمال عقولهم ومشاعرهم في الاعتبار بآيات الله والتفقه في تزكية أنفسهم بالعلم الصحيح الذي يترتب عليه العمل الصالح، وأن ذلك الإهمال أعقبهم الغفلة التامة عن أنفسهم وما فيه صلاحها من ذكر الله تعالى وشكره والثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال –وقفى على ذلك في هذه الآية بدواء هذه الغفلة وأقرب الوسائل للمخرج منها إلى ضدها فقال :
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الأسماء جمع اسم وهو اللفظ الدال على الذات فقط أو على الذات مع صفة من صفاتها سواء كان مشتقا كالرحمان الرحيم الخالق الرازق أو مصدرا كالرب والسلام والعدل. والحسنى جمع الأحسن، والمعنى : ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات، فادعوه أي سموه واذكروه ونادوه بها لمجرد الثناء وعند السؤال وطلب الحاجات، فمن الذكر لمحض الثناء آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ البقرة : ٢٥٥ ] الخ وآخر سورة الحشر هو اللّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو اللّه الذي لا إله إلا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان اللّه عما يشركون * هو اللّه الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم [ الحشر : ٢٢- ٢٤ ] وقد ورد في السنة الدعاء بهذه الآيات وأن يقول قبلها " أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم- ثلاث مرات " ١رواه الترمذي والدارمي وابن السني من حديث معقل بن يسار.
وللذكر المحض فوائد كثيرة في تغذية الإيمان ومراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والرغبة فيما عنده واحتقار مصائب الدنيا وقلة المبالاة والتألم لما يفوت المؤمن من نعيمها، ولذلك ورد في الحديث الصحيح ( من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل : لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم ) ٢ رواه الشيخان والترمذي والنسائي.
ومن الذكر بصيغة النداء ما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا وهو يقول ( يا ذا الجلال والإكرام ) فقال ( قد استجيب لك فسل ) ٣ وروى الحاكم في المستدرك من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ( ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الحافظ الذهبي على ذلك.
والأدعية بأسماء الله تعالى نداء أو غير نداء كثيرة تراجع في كتاب الأذكار للنووي، وكتاب الحصن الحصين لابن الجزري وغيرهما من كتب السنة.
وأسماء الله كثيرة وكلها حسنى بدلالة كل منها على منتهى كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم.
وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) ٤ هذا لفظ البخاري في كتاب الشروط وكتاب التوحيد ومسلم في الذكر ( قال مسلم ) وزاد همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه وتر يحب الوتر ) ٥ وفي الرواية الأخرى له ( إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة وإن الله وتر يحب الوتر ) ( قال ) وفي رواية ابن أبي عمر ( من أحصاها ) اه ورواه البخاري في كتاب الدعوات٦ بلفظ ( لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة من حفظها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر ) وقوله إلا واحدة بالتأنيث وجهه ابن مالك بأنه أنث باعتبار التسمية أو الصفة أو الكلمة.
ورواه الترمذي٧ والحاكم من طريق الوليد بن مسلم وسردا فيه الأسماء التسعة والتسعين ورواه غيرهما أيضا من طريقه وفي سرد الأسماء اختلاف في الروايات وقد اختلف المحدثون في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الحديث من بعض الرواة ؟ والراجح أنه مدرج لا مرفوع، ولم يخرجه الشيخان لتفرد الوليد به والاختلاف عليه فيه وتدليسه واحتمال الإدراج كما قال الحافظ في الفتح، وروي من طريق أخرى أضعف من هذه. وهذا سرد الأسماء في أمثل الطرق عن الوليد من جامع الترمذي كما قال الحافظ :
هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمان، الرحيم الملك القدوس السلام، المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد الصمد. القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الوارث، الرشيد الصبور ).
أورد هذه الأسماء الحافظ ابن حجر في الفتح وذكر اختلاف الروايات فيها وإنكار بعض كبار العلماء لرفعها كابن حزم والداودي والقاضي أبي بكر بن العربي، والأقوال في حصرها ومأخذها ثم قال :
( وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعا فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد فروينا في كتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني بسنده إلى محمد بن يحيى الذهلي أنه استخرج الأسماء من القرآن، وكذا أخرج أبو نعيم عن الطبراني عن أحمد بن عمر، والخلال عن ابن أبي عمر، وحدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين : سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى فقال هي في القرآن، وروينا في فوائد تمام من طريق أبي الطاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث، يعني حديث ( إن لله تسعة وتسعين اسما ) قال فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ، فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال : نعم هي هذه.
( وهذا سياق ما ذكره جعفر وأبو زيد قالا : ففي الفاتحة خمسة : الله، رب، الرحمان الرحيم مالك، وفي البقرة : محيط، قدير، عليم، حكيم، علي، عظيم، تواب، بصير، ولي، واسع، كاف، رؤوف، بديع، شاكر، واحد سميع، قابض، باسط، حي، قيوم، غني، حميد، غفور، حليم. وزاد جعفر : إله قريب مجيب، عزيز، نصير، قوي شديد، سريع، خبير قال وفي آل عمران : وهاب، قائم، زاد جعفر الصادق : باعث منعم متفضل، وفي النساء : رقيب حسيب شهيد مقيت وكيل، زاد جعفر علي كبير. وزاد سفيان : عفو. وفي الأنعام : فاطر قاهر، زاد جعفر : مميت غفور برهان. وزاد سفيان : لطيف خبير قادر، وفي الأعراف : محيي مميت. وفي الأنفال : نعم المولى ونعم النصير، وفي هود : حفيظ مجيد ودود، فعال لما يريد، زاد سفيان قريب مجيب، وفي الرعد : كبير متعال، وفي إبراهيم : منان، زاد جعفر : صادق وارث، وفي الحجر : خلاق، وفي مريم : صادق وارث، زاد جعفر : فرد، وفي طه عند جعفر وحده : غفار، وفي المؤمنين : كريم، وفي النور : حق مبين، زاد سفيان : نور.
وفي الفرقان : هاد، وفي سبأ : فتاح، وفي الزمر : عالم، عند جعفر وحده وفي المؤمن : غافر قابل ذو الطول، زاد سفيان : شديد، وزاد جعفر : رفيع، وفي الذاريات : رزاق ذو القوة المتين، بالتاء، وفي الطور : بر، وفي اقتربت : مقتدر زاد جعفر : مليك، وفي الرحمان، ذو الجلال والإكرام، زاد جعفر ( رب المشرقين ورب المغربين ) باق معين، وفي الحديد : أول آخر ظاهر باطن وفي الحشر : قدوس سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر خالق بارئ مصور، زاد جعفر : ملك، وفي البروج : مبدئ معيد، وفي الفجر : وتر. عند جعفر وحده، وفي الإخلاص : أحد صمد. هذا آخر ما رويناه عن جعفر وأبي زيد وتقرير سفيان من تتبع الأسماء من القرآن وفيها اختلاف شديد وتكرار وعدة أسماء لم ترد بلفظ الاسم وهي صادق منعم متفضل منان مبدئ معيد باعث قابض برهان معين مميت باق.
( ووقفت في كتاب المقصد لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد أنه تتبع الأسماء من القرآن فتأملته فوجدته كرر أسماء وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم : الصادق والكاشف والعلام، وذكر من المضاف الفالق من قوله : فالق الحب والنوى [ الأنعام : ٩٥ ] وكان يلزمه أن يذكر القابل من قوله قابل التوب.
( وقد تتبعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي وهي الرب الإله المحيط، القدير الكافي، الشاكر الشديد، القائم الحاكم، الفاطر الغافر القاهر، المولى النصير، الغالب الخالق، الرفيع المليك، الكفيل الخلاق- الأكرم الأعلى، المبين- بالموحدة، الحفي- بالحاء المهملة والفاء- القريب، الأحد الحافظ. فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها من القرآن لكن بعضها بإضافة كالشديد من شديد العقاب [ البقرة : ١٩٦ ] والرفيع من رفيع الدرجات [ غافر : ١٥ ] والقائم من قوله : قائم على كل نفس بما كسبت [ الرعد : ٣٣ ] والفاطر من فاطر السماوات [ فاطر : ١ ] والقاهر من وهو القاهر فوق عباده [ الأنعام : ١٨ ] والمولى والنصير من نعم المولى ونعم النصير [ الأنفال : ٤٠ ] والعالم من عالم الغيب [ الأنعام : ٧٣ ] والخالق من قوله : خالق كل شيء [ الأنعام : ١٠٢ ] والغافر من غافر الذنب [ غافر : ٣ ] والغالب من والله غالب على أمره [ يوسف : ٢١ ] والرفيع من رفيع الدرجات [ غافر : ١٥ ] والحافظ من قوله : فالله خير حافظا [ يوسف : ٦٤ ] ومن قوله : وإنا له لحافظون [ يوسف : ١٢ ] وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذي وهي المحيي من قوله : المحيي الموتى والمالك من قوله : مالك الملك [ آل عمران : ٢٦ ] والنور من قوله : نور السماوات والأرض [ النور : ٣٥ ] والبديع من قوله : بديع السماوات والأرض [ البقرة : ١١٧ ] والجامع من قوله : جامع الناس [ آل عمران : ٩ ] والحكم من قوله : أفغير الله أبتغي حكما [ الأنعام : ١١٤ ] والوارث من قوله : ونحن الوارثون [ الحجر : ٢٣ ].
والأسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذي مما لم تقع في القرآن بصيغة الاسم وهي سبعة وعشرون اسما : القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، العدل الجليل، الباعث المحصي، المبدئ المعيد المميت، الواجد الماجد، المقدم المؤخر، الوالي ذو الجلال والإكرام، المقسط المغني، المانع الضار، النافع الباقي، الرشيد الصبور.
( فإذا اقتصر من رواية الترمذي على ما عدا هذه الأسماء وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها خرج من ذلك تسعة وتسعون اسما وكلها في القرآن واردة بصيغة الاسم ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن إلا قوله ( الحفيّ ) فإنه في سورة مريم في قول إبراهيم { سأستغفر لك ربي إنه ك
٢ أخرجه البخاري في الدعوات باب ٢٧، ومسلم في الذكر حديث ٦٠، والترمذي في الدعوات باب ٣٩، والوتر باب ١٧..
٣ أخرجه الترمذي في الدعوات باب ٩٣..
٤ أخرجه البخاري في الدعوات باب٦٩، ومسلم في الذكر حديث ٥، ٦..
٥ أخرجه البخاري في الدعوات باب ٦٩..
٦ باب ٦٩..
٧ كتاب الوتر، باب ٢..
تفسير المنار
رشيد رضا