ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋ

إن الذين تدعون من دون اللّه عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ١٩٤ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ١٩٥ إن وليّي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ١٩٦ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ١٩٧ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ١٩٨
هذه الآيات تتمة لما قبلها من آيات التوحيد مقررة ومؤكدة لمضمونها، لأن توحيد العبادة ونفي الشرك فيها هو أس الإسلام، ولا يتقرر في الأذهان، ويثبت في الجنان، ويكمل بالوجدان، إلا بتكرار الآيات فيه نفيا وإثباتا لمضمون كلمة ( لا إله إلا الله ).
ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها هذا تقريع موجه إلى الوجدان، في إثر احتجاج وجه قبله إلى الجنان، والاستفهام فيه للإنكار، وهو خاص بالأصنام والأوثان، ومعناه أنهم لفقدهم لجوارح الكسب، التي يناط بها في عالم الأسباب النفع والضر، قد هبطوا عن درجة مماثلتكم من كل وجه، فليس لهم أرجل يسعون بها إلى دفع ضر أو جلب نفع، وليس لهم أيد يبطشون بها فيما ترجون منهم من خير أو تخافون من شر، وليس لهم أعين يبصرون بها حالكم، وليس لهم آذان، يسمعون بها أقوالكم، ويعرفون بها مطالبكم، فأنتم تفضلونهم في الصفات والقوى التي أودعها الله في الخلق، فلماذا ترفعونهم عن مماثلتكم، وهم بدليل المشاهدة والاختبار دونكم ؟ وها أنتم أولاء تستكبرون عن قبول الهدى والرشاد من الرسول وتعللون ذلك بأنه بشر مثلكم، فيقول بعضكم لبعض ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [ المؤمنون : ٣٣، ٣٤ ] أفتأبون قبول الحق والخير من مثلكم، وقد فضله الله بالعلم والهدى عليكم، وهو لا يستذلكم بادعاء أنه ربكم أو إلهكم، ثم ترفعون ما دونه ودونكم إلى مقام الألوهية، مع انحطاطه وتسفله عن هذه المثلية ؟
قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون أي قل أيها الرسول لهؤلاء المرزوئين بعقولهم، المحتقرين لنعم الله تعالى عليهم، نادوا شركاءكم الذين اتخذتموهم أولياء، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء، ثم تعاونوا على كيدي جميعا، وأجمعوا مكركم الخفي لإيقاع الضر بي سريعا، فلا تنظرون أي لا تؤخروني ساعة من نهار، بعد إحكام المكر الكبَّار. وحكمة مطالبتهم بهذا أن العقائد والتقاليد الموروثة تتغلغل في أعماق الوجدان، حتى يتضاءل دونها كل برهان، ويظل صاحبها مع ظهور الدليل على بطلانها يتوهم أنها تضر وتنفع، وتقرب من الله وتشفع، فطالبهم بأمر عملي يستل هذا الوهم من أعماق قلوبهم، ويمتلخ الشعور به من خبايا صدورهم، وهو أن ينادوا هؤلاء الشركاء نداء استغاثة واستنجاد لإبطال دعوة الداعي إلى الكفر بها، وإثباته العجز لها، وبذل الجهد فيما ينسبون إليها من التأثير الباطن، والتدبير الكامن، الذي هو عندهم أمر غيبي، يدخل في معنى الكيد الخفي. فإن كان لها شيء ما من السلطان الغيبي في أنفسها أو عند الله تعالى فهذا وقت ظهوره، فإن لم يظهر لإبطال عبادتها وتعظيمها، ونصر عابديها ومعظمي شأنها، فمتى يظهر وينتفعون به ؟ وهم منكرون للبعث، وكل ما يرجونه أو يخافونه منها فهو خاص بما يكون في هذه الأرض ؟

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير