والاستفهام في قوله : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ وما بعده للتقريع والتوبيخ، أي هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شيء من الآلات التي هي ثابتة لكم، فضلاً عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم. فإنهم كما ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها ليست لهم : أَرْجُل يَمْشُونَ بِهَا في نفع أنفسهم، فضلاً عن أن يمشوا في نفعكم، وليس لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا كما يبطش غيرهم من الأحياء، وليس لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا كما تبصرون، وليس لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُون بِهَا كما تسمعون، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب الأدوات، وبهذه المنزلة من العجز، وأم في هذه المواضع هي [ المنطقة ] التي بمعنى بل، والهمزة كما ذكره أئمة النحو. وقرأ سعيد بن جبير :«إِنَّ الذين تَدْعُونَ » بتخفيف إن ونصب عبادا : أي ما الذين تدعون مِن دُونِ الله عِبَادًا أمثالكم على إعمال إن النافية عمل ما الحجازية.
وقد ضعفت هذه القراءة بأنها خلاف ما رجحه سيبويه وغيره من اختيار الرفع في خبرها. وبأن الكسائي قال : إنها لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما » إلا أن يكون بعدها إيجاب كما في قوله : إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ ، والبطش : الأخذ بقوّة. وقرأ أبو جعفر يَبْطِشُونَ بضم الطاء، وهي لغة. ثم لما بين لهم حال هذه الأصنام، وتعاور وجوه النقص والعجز لها من كل باب، أمره الله بأن يقول لهم : ادعوا شركاءكم الذين تزعمون أن لهم قدرة على النفع والضرّ. ثُمَّ كِيدُون أنتم وهم جميعاً بما شئتم من وجوه الكيد فَلاَ تُنظِرُونِ أي : فلا تمهلوني، ولا تؤخرون إنزال الضرر بي من جهتها، والكيد : المكر. وليس بعد هذا التحدّي لهم والتعجيز لأصنامهم شيء.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني