ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋ

ثم بين انحطاط درجة المعبودات عن درجة العابدين، وكأنه يقول لهم : بلغت عقولكم من السخافة حتى عبدتم من أنتم خير منه وأكمل ! ! ومعبود يكون عابده أكمل منه فهذا لا ينبغي لأحد أن يعبده، كما قال تعالى في الأصنام المعبودات وهي جمادات معبرا بهمزة الاستفهام – استفهام الإنكار- المضمنة معنى النفي : ألهم أرجل يمشون بها أنتم أيها العابدون كل واحد منكم ذو رجلين يمشي عليهما ويتصرف، والذي يعبده جماد لا يقدر أن يتحرك ولا يمشي، فيكف تعبدون من انتم أكمل منه وأقدر ؟ ! هذا عمى وسخافة ؛ ولذا قال : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها [ الأعراف : آية ١٩٥ ].
الأيدي جمع يد، ووزنه ( أفعل ) لأن الرجل هنا واليد والعين كلها مجموعة على ( أفعل ) أرجل، أعين، أيدي، أصله :( أيدي ) على وزن ( أفعل ) إلا أن الضمة قلبت كسرة للياء المتطرفة بعدها ؛ لأن الأيدي منقوص، والمنقوص إذا نكر نون على العين كما هو معروف في محله، ويرفع بضم مقدر، ويخفض بكسر مقدر، ويظهر نصبه كما هو معروف في محله. والأيدي جمع تكسير لليد، واحده يد. وأصل اليد ( يدي ) ففاؤها ياء، وعينها دال، ولامها ياء، فحرفها الأول : ياء، وحرفها الأخير : ياء، وبين الياءين دال، إلا أن العرب حذفت الياء الأخيرة التي في محل اللام ولم تعوض منها شيئا، وأعربت ( اليد ) على العين ولم تعوض من اللام المحذوفة شيئا. وهذا فعلته في كلمات معدودة، ك( يد ) و( دم )، و( هن ) و( غد ) و( دب ) ونحو ذلك، إلا أن اليد أصلها تعرب على العين، تقول :( قطع يده، وأعطاه هذا بيده، ومدته له يده ) بحذف الياء، إلا أن العرب إذا صغرت اليد أو جمعتها جمع تكسير رجعت الياء المحذوفة ؛ لأن المقرر في فن التصريف : أن جمع التكسير والتصغير كلاهما يرد الأمر إلى أصله، فصغرت العرب اليد على يدية، وجمعت اليد على أيدي. يظهر نصبه كقوله : فاقطعوا أيديهما [ المائدة : آية ٣٨ ] فرجعت في جمع التكسير الياء المحذوفة، وسمع عن العرب نادرا ذكر الياء في المفرد، وهو نادر، وإذا ذكرت فيها الياء كانت المقصور على الألف، فتقول العرب :( اليدي ) كالفتى ؛ لأن أصل الفتى ( فتي ) وأصل اليد :( يدي ) وهذا سمع قليلا في كلام العرب – وجود الياء من أصلها، وإبدالها ألفا، وجعل اليد من المقصور- ومنه بهذا المعنى قول الراجز :

يا رب سار بات ما توسدا إلا ذراع العنس أو كف اليدا
ف( اليدا ) هنا مردود إلى الأصل فيه ( الياء ) وأبدل منها الألف كما هو معروف.
وقوله : أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم قرأه بعض السبعة : قل أدعو بكسر اللام على الأصل في التخلص من الساكنين بكسر أولهما، وقرأه بعض السبعة : قل ادعوا بضم اللام إتباعا للضمة كما لا يخفى. وهذا معنى قوله : أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون [ الأعراف : آية ١٩٥ ]. أجرى الله العادة أنه إذا أرسل الأنبياء وعابوا الأصنام وقالوا : إنها لا تنفع ولا تضر، وأن عبادتها كفر بالله مخلد في النار، أن أصحاب الأصنام الذين يعبدونها يقولون للرسل : ستضركم هذه الآلهة، ستخبلكم وتخرب عقولكم، ويأتيكم منها الضر ؛ لأنكم عبتموها ! ! والرسل ( صلوات الله وسلامه عليهم ) لا يخافون هذا ؛ لأن الخوف من الأصنام كفر بالله وعدم توكل عليه، فقد خافوا النبي صلى الله عليه وسلم بأن أصنامهم تضره ؛ لأنه عابها، كما سيأتي إيضاحه في الزمر في قوله : أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه [ الزمر : آية ٣٦ ] وقد خوفوا بها نبي الله إبراهيم كما قال الله عنه أنه قال : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ألكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن [ الأنعام : آية ٨١ ] وقد قالوا لنبي الله هود : إن آلهتهم اعترته بسوء فخبلته وجننته، فزعموا أنه مجنون، وأن الذي أضر عقله آلهتهم، كما في قولهم لهود : إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون ٥٤ من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ينظرون ٥٥ [ هود : الآيتان ٤٥، ٥٥ ] هذا الذي قال لهم نبي الله هود هو الذي قال لهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : قل ادعوا شركاءكم وتعاونوا معهم وكل من قدرتم عليه ثم كيدون يعني : امكروا بي وافعلوا بي ما تستطيعون من الكيد والمكر ثم لا تنظرون، لا تمهلون ؛ إلا أن نبي الله هود قال : إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو اخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ٥٦ [ هود : آية ٥٦ ] ونبينا ( صلوات الله وسلامه عليه ) قال :

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير