المعنى الجملي : هذه الآيات الكريمة من تتمة ما قبلها مؤكدة له ومقررة لما تتضمنه وهو إثبات التوحيد ونفي الشرك، وهو رأس الإسلام وركنه المتين، فلا غرو أن يتكرر الكلام فيه القرآن، نفيا وإثباتا ليتأكد في النفوس، ويثبت في القلوب، وبه تخلع جذور الوثنية، ويحل محلها نور الوحدانية.
الإيضاح : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها أي إن هؤلاء فقدوا وسائل الكسب التي يناط بها النفع والضر في هذه الحياة، فليس لهم أرجل يسعون بها إلى دفع أو جلب نفع، وليس لهم أيد يبطشون بها فيما ترجون منهم من خير أو تخافون من شر، وليس لهم أعين يبصرون بها حالكم ولا آذان يسمعون بها أقوالكم ويعرفون بها مطالبكم، فهم ليسوا مثلكم، بل دونكم في الصفات والقوى التي أودعها الله في الخلق، فكيف ترفعونهم عن مماثلتكم وهم دونكم بالاختبار والمشاهدة.
وإنكم تستكبرون عن قبول الهدى والرشاد من الرسول ويقول بعضكم لبعض : ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون٣٣ ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [ المؤمنون : ٣٣ ٣٤ ].
فما بالكم تأبون قبول الحق والخير من مثلكم وقد فضله الله عليكم بالعلم والهدى، ثم ترفعون ما دونه ودونكم إلى مقام الألوهية مع انحطاطه عن درجة المثلية.
ثم أمر رسوله أن يبين لهم حقارة شأنهم فقال :
قل ادعوا شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظروني أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين تحتقرون نعم الله عليهم : نادوا شركاءكم الذين اتخذتموهم أولياء، ثم تعاونوا على كيدي جميعا وأوقعوا الضربي سريعا فلا تنظرون : أي لا تؤخروني ساعة من نهار.
والحكمة في مطالبتهم بهذا : أن العقائد الموروثة يتضاءل دونها كل برهان ولا يجدي معها دليل، ومن ثم طالبهم بأمر عملي ينزع هذا الوهم من أعماق القلوب، وهو أن ينادوا هؤلاء الشركاء ويستنجدوا بهم لصد دعوة الداعين إلى الكفر بها وإثبات العجز لها وإنكار مالها من سلطان غيبي وتدبير كامن، فإن كان لها حقا سلطان في أنفسها أو من عند الله فهذا إبان ظهوره، وإلا فمتى يظهر ليساعد أبطال عبادتها وينصر عابديها ومعظمي شأنها، ومن الجلي أن القوم كانوا ينكرون البعث فكل ما يرجونه منها من خير أو يخافونه منها من شر فهو في هذه الحياة.
ثم زاد الأمر بيانا وبالغ في حقارة هذه المعبودات وعابديها على ما كان به من ضعف وقلة ناصر وهو بمكة حين نزول هذه السورة فقال : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين .
تفسير المراغي
المراغي