قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( ١٩٩ ) :
اختلف هل هو منسوخ أو محكم. والذين ذهبوا إلى أنه (١) منسوخ اختلفوا في الناسخ. فقيل هو منسوخ بالزكاة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر أولا قبل نزول الزكاة أن يأخذ ما عفا أي ما أتي به وهو قول ابن عباس والضحاك. قال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. وقيل هي منسوخة بالأمر (٢) بالقتال والغلظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشر سنين لا يقاتل أحدا ثم أمر بالقتال والغلظة فنسخ العفو وهو قول ابن زيد. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في التأويل. فقيل المراد (٣) بالعفو هنا الزكاة المفروضة(٤) وسميت عفوا لأنها قليل من كثير وهو قول مجاهد. وقيل المراد بها شيء من فضل المال عن ظهر غنى يعطى سوى (٥) الزكاة وهو قول القاسم (٦) وسالم (٧). وقيل المراد بها خذ العفو من أخلاق الناس ليس المراد بها المال وهو قول عبد الله (٨) وعروة (٩) ابني الزبير وروي عن ابن الزبير وروي عن مجاهد (١٠). ومن هذا قول حاتم الطائي :
| خذي العفو مني تستديمي خليقتي | ولا تنطقي في صورتي حين أغضب(١١) |
وقيل هو للمرأة على كل حال وهو قول ابن عبد الحكم (٢١). وقيل تعطى جهاز مثلها (٢٢) ومما بقي فهو للرجل وهو قول أبي يوسف (٢٣). واحتج أصحابنا لقولهم بأنه لما (٢٤) كان لكل واحد منهما يد في الدار نظرنا لمن يشهد له العرف بقوة دعواه فيكون أحق لقوله تعالى : وأمر بالعرف ، وقوله في قصة يوسف عليه السلام : إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ( ٢٦ ) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ( ٢٧ ) [ يوسف : ٢٦، ٢٧ ]. وأما ما كان يصلح للرجل خاصة وللمرأة خاصة فعندنا أنه يكون لمن يصلح له، وفي اليمين قولان.
وقيل جميع متاع البيت بينهما نصفين وهو قول زفر (٢٥) والشافعي ووقع لابن حبيب في المبسوطة وقيل متاع البيت كله للرجل إلا الدرع والخمار وشبيهه وهو قول ابن أبي ليلى. وقيل ما أغلقت عليه بابها فهو لها إلا الطيلسان والقميص ونحوه وهو قول الحسن. وقيل ثياب الرجل له وثياب المرأة لها وما تناكرا فيه فهو للذي في يده وهو قول حماد (٢٦). وقيل ما سوى ثياب الرجل والمرأة فهو بينهما وهو قول ابن حنبل (٢٧). وقيل جميع متاع البيت للرجل مع يمينه وهو قول المخزومي (٢٨) في المبسوطة. وذكر بعضهم عن الحسن وما جرى عليه أصحابنا في المسألة العرف ويحتجون بالآية. ومنها مسألة الحيازة فعندنا أنه من حاز شيئا عشر سنين فهو له كما جاء في الحديث ولا ينتفع القائم إذا كان حاضرا لتلك الحيازة بإثبات الشيء المحوز له، خلافا للشافعي في قبول بينة المدعى وإبطاله الحيازة. وحجتنا أن كل دعوى يبطلها العرف فهي غير مقبولة بقوله سبحانه : وأمر بالعرف .
ومنها مسألة (٢٩) السقف إذا تنازعا فيه صاحب العلو والسفل. فعندنا أنه لصاحب السفل وقال الشافعي هو بينهما. ودليلنا العرف والاحتجاج عليه.
ومنها إذا تنازع اثنان في حائط بين دارين. ففي المذهب أنه يحكم به لمن يشهد له العرف مثل أن يكون قد فعل فيه ما يفعل الملاك في أملاكهم من الرباط والمعاقل (٣٠) والقمط ووجوه الآجر واللبن (٣١) وما أشبه ذلك. وقال الشافعي لا يحكم بذلك بل يكون بينهما وقاله أبو ثور (٣٢) وزاد بعد أيمانهما. ودليلنا قوله تعالى : وأمر بالعرف . وقد حكم(٣٣) النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المسألة بما ذكرنا أنه مذهبنا. وكذلك إذا كان لأحدهما على الحائط جذوع والآخر لا جذوع له عليه حكم به عندنا لصاحب الجذوع قليلة كانت أو كثيرة. وقال أبو حنيفة إن كانت عدة جذوع حكم له به، فأما الجذع والجذعان فلا يعتبر بهما. وقال الشافعي لا يعتبر بالجذوع. ودليلنا قوله تعالى : وأمر بالعرف والعرف (٣٤) يقتضي (٣٥) أن الإنسان لا يتصرف إلا في ملكه كما لو بنى.
ومن ذلك إذا تنازع رجلان في بيع أو إجارة ونحوهما وادعى أحدهما الصحة (٣٦) وادعى(٣٧) الآخر فسادا وكان الفساد الذي ادعاه عرفا (٣٨) جاريا بين الناس. فالمشهور من القول أن القول قول مدعي الصحة. ومن أصحاب مالك من قال يكون القول قول(٣٩) مدعي (٤٠) عرف (٤١)الفساد وتفسخ المعاملات. ومسائل العرف كثيرة لا تحصى كمسألة الاختلاف في النقد في البيوع ونحوها وإنما نأتي من المسائل بطرف ليستدل به على ما بقي.
- قوله تعالى : وأعرض عن الجاهلين :
اختلف فيه فقيل هو محكم ومن ذلك حديث الحر بن قيس (٤٢) حين أدخل عمه عيينة بن حصن (٤٣) على (٤٤) عمر فجهل عليه فاحتج بالآية الحر على عمر فوقف عندها. وبدليل قوله تعالى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ [ الأعراف : ٢٠٠، فصلت : ٣٦ ] أي في احتمالك وصبرك فاستعذ بالله. وقيل هو منسوخ، قال ابن زيد : قوله تعالى : خذ العفو إلى قوله : الجاهلين إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ذلك بآية القتال (٤٥).
٢ "بالأمر" ساقطة في (أ)، (ز)..
٣ كلمة "المراد" ساقطة في (أ)، (ز)..
٤ كلمة "المفروضة" ساقطة في (ج)، (هـ)، (د)..
٥ كلمة "سوى" ساقطة في (د)، (هـ)..
٦ القاسم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. روى عن أبيه وعمته عائشة وغيرهما. كان ثقة فقيها. اختلف في تاريخ وفاته. راجع تهذيب التهذيب لابن حجر ٨/ ٣٣٥..
٧ سالم: وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عمر، ويقال أبو عبد الله المدني، الفقيه، تابعي، ثقة. توفي سنة ١٠٦هـ/ ٧٢٩م..
٨ عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد المكي. أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق هاجرت به حملا فولدته بعد الهجرة بعشرين يوما وهو أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة. توفي سنة ٧٣هـ/ ٧٠٠م. انظر الإصابة ٦/ ٨٢..
٩ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني أحد فقهاء المدينة السبع وأحد علماء التابعين. اختلف في وفاته بين سنة ٩١هـ إلى ١٠١هـ/ ٧٢٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص٥٨..
١٠ راجع ذلك في الإيضاح صفحة ٢٥٢، ٢٥٣..
١١ البيت من البحر الطويل..
١٢ والحديث ذكر في المحرر الوجيز ٧/ ٢٣٣ وقد أخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي..
١٣ "أفعال الخير وبين أن يراد به" ساقط في (ب)، (ح)، (هـ)..
١٤ في (أ)، (د)، (ز): "فيهما"..
١٥ "والقول" ساقط في (أ)، (ز)..
١٦ في (ج): "فيمينه"..
١٧ في (أ)، (هـ)، (ز): "مذهبهم". وفي (د)، (و): "مذهبهما"..
١٨ في (هـ): "هو لهما"..
١٩ في (أ): "مع"..
٢٠ المغيرة: هو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش المخزومي. فقيه أهل المدينة بعد مالك بن أنس. عرض عليه الرشيد القضاء بها فامتنع. توفي سنة ١٨٦هـ/ ٧٩٨م راجع الانتقاء لابن عبد البر ص ٥٣..
٢١ ابن عبد الحكم: هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. سمع من أصحاب مالك له تصانيف منها أحكام القرآن. توفي سنة ٢٦٨هـ/ ٨٨٢م. انظر طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٧٨..
٢٢ في (ح): "مثلا"..
٢٣ أبي يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم، الإمام المجتهد صاحب أبي حنيفة وقاضي القضاة. توفي سنة ١٨٢هـ/ ٧٩٦م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٣٤..
٢٤ في (ج): "لو"..
٢٥ زفر: ابن الهذيل بن قيس العنبري، أحد الفقهاء والعباد من أصحاب أبي حنيفة الذي قال فيه هو أقيس أصحابي. توفي سنة ١٥٨هـ/ ٧٧٥م. انظر الأعلام ٣/ ٧٨..
٢٦ حماد: هو أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان الكوفي الفقيه شيخ أبي حنيفة وأفقه أصحاب إبراهيم أخرج له البخاري ومسلم. توفي سنة ١١٩هـ/ وقيل سنة ١٢٠هـ/ ٧٣٥م. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٣..
٢٧ ابن حنبل: هو أحمد بن حنبل الشيباني المروزي إمام المحدثين وهو أحد الأئمة الأربعة وإليه ينسب المذهب الحنبلي. توفي سنة ٢٤١هـ/ ٨٥٧م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٦٣..
٢٨ المخزومي: هو أبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي. مات بعد مالك بسبع سنين وهو من فقهاء المالكية. توفي سنة ١٨٦هـ/ ٧٩٨م. راجع الانتقاء لابن عبد البر ص ٥٣..
٢٩ كلمة "مسألة" ساقطة في (ح)، (و)..
٣٠ في (و)، (د): "المعاقد"..
٣١ كلمة "واللبن" ساقطة في (ب)، (د)، (هـ)..
٣٢ أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد الكلبي المشهور بأبي ثور، الفقيه المجتهد صاحب الشافعي. توفي سنة ٢٤٠هـ وقيل سنة ٢٤٦هـ/ ٨٦٠م. انظر وفيات الأعيان ١/ ٢٦..
٣٣ في (ح): "حكى"..
٣٤ كلمة "والعرف" ساقطة في (و)..
٣٥ كلمة "يقتضي" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح)، (د)..
٣٦ في (ج): "صحة"..
٣٧ كلمة "وادعى" ساقطة في (أ)، (د)، (هـ)، (ز)..
٣٨ كلمة "عرفا" ساقطة في (أ)..
٣٩ كلمة "قول" ساقطة في (أ)، (ز)..
٤٠ في (أ)، (ز): "المدعي"..
٤١ كلمة "عرف" ساقطة في (ز)..
٤٢ الحر بن قيس الفزاري، ابن أخ عيينة بن حصن. يقال له صحبة. انظر المشتبه في الرجال للذهبي ١/ ١٥٤..
٤٣ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أسلم قيل الفتح وهو من المؤلفة قلوبهم. شهد حنين والطائف. انظر الإصابة ٧/ ١٩٥..
٤٤ "على" ساقط في (أ)، (ب)، (ح)..
٤٥ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٢٣٣..
أحكام القرآن
ابن الفرس