خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : ١٩٩ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه هو الذي يتولى أمر رسوله وينصره، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على إيذائه وإيصال الضر إليه بين في هذه الآية النهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس.
وهذه الآية تشمل أصول الفضائل فهي من أسس التشريع التي تلي في المرتبة أصول العقيدة المبنية على التوحيد الذي تقرر فيما سلف بأبلغ وجه وأتم برهان.
الإيضاح : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين أمر الله نبيه في هذه الآية بثلاثة أشياء هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسية والأحكام العملية :
( ١ ) العفو : وهو السهل الذي لا كلفة فيه : أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفِروا، وهذا كما جاء في الحديث :( يسروا ولا تعسروا ) وقال الشاعر :
| خذي العفو مني تستديمي مودتي | ولا تنطقي في سورتي حين أغضب |
والخلاصة : إن من آداب الدين وقواعده اليسر وتجنب الحرج وما يشق على الناس، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
( ٢ ) الأمر بالمعروف : وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه، ولا شك أن هذا مبني على اعتبار عادات الأمة الحسنة وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها.
وإجمال القول فيه : إنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس.
وقد ذكر المعروف في السور المدنية والأحكام الشرعية العملية كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر [ الحج : ٤١ ] وقوله : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [ آل عمران : ١٠٤ ].
وعند ذكر الحقوق الزوجية كقوله : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة [ البقرة : ٢٢٨ ] وفي أحكام الطلاق كقوله : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة : ٢٢٩ ] وقوله : فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف [ البقرة : ٢٣١ ] ومن ذلك ترى أن هذا اللفظ ( المعروف ) لم يذكر إلا في الأحكام الهامة، وأن المراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات، ولا شك أنه يختلف باختلاف الشعوب والبلاد والأوقات، ومن ثم قال بعض الأئمة : المعروف ما يستحسن في العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة، ويكفي المسلمين المحافظة على النصوص الثابتة، إذ لا يمكن المؤمن أن يستنكر ما جاء عن الله ورسوله، وليكن للجماعة الإسلامية بعده رأي فيما يعرفون وينكرون، ويستحسنون ويستهجنون، ويكون عمدتهم في ذلك جمهور العقلاء وأهل الفضل والأدب في كل عصر.
( ٣ ) الإعراض عن الجاهلين : وهم السفهاء بترك معاشرتهم وعدم مماراتهم، ولا علاج للوقاية من أذاهم إلا الإعراض عنهم، وقد روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، وروى الطبري وغيره عن جابر أنه لما نزلت هذه الآية سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عنها فقال :( لا أعلم حتى أسأل ) ثم رجع فقال :( إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ) وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال :
| خذ العفو وأمر بعرف كما | أمرت وأعرض عن الجاهلين |
| ولِن في الكلام لكل الأنام | فمستحسن من ذوي الجاه لين |
وأعرض عن الجاهلين ، تناول جانب الصفح الذي يتأتى للعبد به كل مراد في نفسه وغيره اه.
تفسير المراغي
المراغي