حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه فى حبل فى بئر هناك، فلما جاء ورأى ذلك علم أن ما كان عليه من الدين باطل وأنشد:
| تالله لو كنت إلها مستدن | لم تك والكلب جميعا فى قرن |
وبعد أن نفى عنهم القدرة على النصرة قفى على ذلك بنفي قدرتهم على الإرشاد إلى الهدى والرشاد فقال:
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا) أي وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى ما تحصّلون به مقاصدكم وتنتصرون به: من أسباب خفية أو ظاهرة- لا يسمعوا دعاءكم فضلا عن مدّ يد المعونة والمساعدة.
والآية كقوله: «إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ».
(وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) أي وتراهم أيها المخاطب ينظرون إليك بما وضع لهم من أعين صناعية وحدق زجاجية أو جوهرية موجهة إلى من يدخل عليها كأنها تنظر إليه وهم لا يبصرون بها لأن حاسة الإبصار لا تحصل بالصناعة، وإنما هى من خواصّ الحياة التي استأثر الله بها.
وهم إذ فقدوا السمع لا يسمعون نداء ولا دعاء ممن يعبدونهم ولا من غيرهم وإذ فقدوا البصر لا يبصرون حاله وحال خصمه، فكيف يرجى منهم نصر وشد أزر أو أىّ معونة أخرى، أو كيف يخشى منهم إيصال ضر وأذى لمن يحتقرهم؟.
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٩]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه أنه هو الذي يتولى أمر رسوله وينصره، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على إيذائه وإيصال الضر إليه- بيّن فى هذه الآية النهج القويم والصراط المستقيم فى معاملة الناس. صفحة رقم 146
وهذه الآية تشمل أصول الفضائل فهى من أسس التشريع التي تلى فى المرتبة أصول العقيدة المبنية على التوحيد الذي تقرر فيما سلف بأبلغ وجه وأتم برهان.
الإيضاح
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) أمر الله نبيه فى هذه الآية بثلاثة أشياء هى أسس عامة للشريعة فى الآداب النفسية والأحكام العملية:
(١) العفو: وهو السهل الذي لا كلفة فيه: أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم وتسهّل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفروا، وهذا كما
جاء فى الحديث «يسّروا ولا تعسّروا»
وقال الشاعر:
| خذى العفو منى تستديمى مودتى | ولا تنطقى فى سورتى حين أغضب |
والخلاصة- إن من آداب الدين وقواعده اليسر وتجنب الحرج وما يشق على الناس، وقد صح أن النبي ﷺ ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
(٢) الأمر بالمعروف: وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه، ولا شك أن هذا مبنى على اعتبار عادات الأمة الحسنة وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة فى مصالحها.
وإجمال القول فيه- إنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس.
وقد ذكر المعروف فى السور المدينة فى الأحكام الشرعية العملية كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» وقوله: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». صفحة رقم 147
وعند ذكر الحقوق الزوجية كقوله «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» وفى أحكام الطلاق كقوله: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» وقوله «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» ومن ذلك ترى أن هذا اللفظ (المعروف) لم يذكر إلا فى الأحكام الهامة، وأن المراد به ما هو معهود بين الناس فى المعاملات والعادات، ولا شك أنه يختلف باختلاف الشعوب والبلاد والأوقات، ومن ثم قال بعض الأئمة: المعروف ما يستحسن فى العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة، ويكفى المسلمين المحافظة على النصوص الثابتة، إذ لا يمكن المؤمن أن يستنكر ما جاء عن الله ورسوله، وليكن للجماعة الإسلامية بعده رأى فيما يعرفون وينكرون، ويستحسنون ويستهجنون، ويكون عمدتهم فى ذلك جمهور العقلاء وأهل الفضل والأدب فى كل عصر.
(٣) الإعراض عن الجاهلين، وهم السفهاء بترك معاشرتهم وعدم مماراتهم، ولا علاج للوقاية من أذاهم إلا الإعراض عنهم،
وقد روى عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: ليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها،
وروى الطبري وغيره عن جابر «أنه لما نزلت هذه الآية سأل النبي ﷺ جبريل عنها فقال:
لا أعلم حتى أسأل ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك»
وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
| خذ العفو وأمر بعرف كما | أمرت وأعرض عن الجاهلين |
| ولن فى الكلام لكل الأنام | فمستحسن من ذوى الجاه لين |
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي