ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ( ١٩٩ ) .
وهذه آية جمع فيها المولى سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق.
وبعد أن أبلغ الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو المشركين لأن يكيدوا له مع شياطينهم وأصنامهم ولن يستطيعوا. بعد ذلك يوضح له : أنا أحب أن تأخذ بالعفو، وفي هذا تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن يتبعه، وكلمة " العفو " ترد على ألسنتنا، ونحن لا ندري أن لها معنى أصيلا في اللغة. وقد يسألك سائل : من أين أتيت بهذا الشيء ؟ فتقول له : جاءني عفوا، أي بدون جهد، وبدون مشقة، وبدون سعي إليه ولا احتيال لاقتنائه.
ويقال أيضا : إن هذا الشيء جاء لفلان عفو الخاطر، أي لم يفكر فيه، بل جاء ميسرا. وهذا هو معنى العفو. والحق هنا يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو، أي أن يأخذ الآمر الميسر السهل، الذي لا تكلف فيه ولا اجتهاد، لأنه بذلك تُسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها، أما حين تتكلف الأشياء، فذلك يرهق الناس، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول :
قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين( ٨٦ ) ( سورة ص ).
وقوله : " وما أنا من المتكلفين " أي أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين الناس، لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس، ويجب أن تقوم المعاملة فيما بينهم بدون لدد أو تكلف. ولذلك يقال : إن المؤمن هو السمح إذا باع، والسمح إذا اشترى، والسمح إذا اقتضى، والسمح إذا اقتُضي منه : أي في كل أموره سمح.
وللأمر بأخذ " العفو " معنى آخر وهو أن تعفو عمن ظلمك، لأن ذلك ييسر الأمور.
والعفو أيضا له معنى ثالث، هو الأمر الزائد، مثل قوله الحق تبارك وتعالى من قبل أن تفرض الزكاة :
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ( من الآية ٢١٩ سورة البقرة ).
ثم حدد الحق بعد ذلك الزكاة وأوجه إنفاقها، ونلحظ أن الأمر بالأنفاق من قبل أن تفرض الزكاة، والأنفاق بعد أن نزل الأمر بالزكاة يلتقيان في السهولة ؛ لأن المؤمن لا ينفق مما يحتاجه. بل من الزائد عن حاجته.
وقول الله سبحانه وتعالى في الآية " خذ العفو " فيه أمر " خذ " ومقابله " أَعْط " وقد تعطي إنسانا فلا يأخذ منك إن رأى أن ما تعطيه له ليس في مصلحته، لكن إذا قال الحق تبارك وتعالى : " خذ "، فهذا أمر يعود نفعه عليك، فإن كان العفو عمن ظلمك في ظاهر الأمر ينقصك شيئا، فاعلم أنك أخذت العفو لنفسك.
واعلم أن الحق سبحانه وتعالى يحب من عبده المؤمن أن يكون هينا لينا مع إخوانه من المؤمنين. فإن عز عليه أخوه المؤمن فَلْيَهنْ له، فإن تعالى أو تعالم أخ مسلم عليك، فلا تتعال عليه أو تتعالم حتى لا تقوم معركة بينكما، بل تواضع أنت، ليزيدك الله رفعة وعزة.
وكأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لك : أنك حين تعطي العفو تأخذ الخير من خلاله. ودائما أضرب هذا المثل – ولله المثل الأعلى- أنت حين تدخل إلى منزلك وتجد ابنا لك قد أساء إلى أخيه فيتجه قلبك وحنانك إلى المظلوم. ونحن عيال ربنا، فإن ظلم واحد آخر، فالظالم بظلمه يجعل الله في جانب المظلوم، ولذلك يحتاج الظالم إلى أن نحسن إليه حيث كان سببا في رعاية الله لنا فنفعل معه مثلما فعل سيدنا حسن البصري عندما قيل له : إن فلانا اغتابك بالأمس. ونادى سيدنا حسن البصري الخادم وقال له : جاءنا طبق من باكورة الرطب. اذهب به إلى فلان -وحدد للخادم اسم من اغتابه- وتعجب الخادم : كيف تبعث بالرطب إليه وهو قد اغتابك ؟ فقال : أفلا أحسن إلى من جعل الله بجانبي، قل له : " يقول لك سيدي بلغه أنك قد اغتبته فأهديت إليه حسناتك، وهو أهداك رطبه ".
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين .
وتتناول الآية الكريمة الأمر بالعرف :
والعرف هو السلوك الذي تعرف العقول صوابه، وتطمئن إليه النفوس، ويوافق شرع الله، ونسميه العرف، لأن الكل يتعارف عليه، ولا أحد يستحيي منه، لذلك نسمع في شتى المجتمعات عن بعض ألوان السلوك : هذا ما جرى به العرف. وما يجري به العرف عند المجتمعات المؤمنة يعتبر مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية. وخير مثال على ذلك : أننا نجد الشاب لا يخجل من أن يطرق باب أسرة ليطلب يد ابنتها، لأن هذا أمر متعارف عليه ولا حياء منه، بينما نجد المجتمع المسلم يستحيي أن يوجد بين أفراده إنسان يزني، والغاية من الزنا الاستمتاع، والغاية من طلب يد الفتاة هو الاستمتاع، لكن هناك فارق كبير بين متعة يحرمها الله عز وجل، ومتعة يُحلّها الله تعالى.
وفي نهاية الآية يقول الله تعالى : وأعرض عن الجاهلين .
وكيف يكون الإعراض عن الجاهلين ؟. يخطئ من يظن أن الجاهل هو الذي لا يعلم، لأن من لا يعلم هو الأمي، أما الجاهل فهو من يعلم قضية تخالف الواقع. ونلحظ أن المشكلات لا تأتي من الأميين الذين لا يعلمون، فالأمي من هؤلاء يصدق أي قضية تحدثه عنها وتكون مقبولة بالفطرة ؛ لأنه لا يملك بديلا لها، أما الجاهل فهو من يعلم قضية مخالفة للواقع ويحتاج إلى تغيير علمه بتلك القضية، والخطوة الثانية أن تقنعه بالقضية الصحيحة.
والحق هنا يوضح : أعرضْ عن الجاهل الذي يعتقد قضية مخالفة للواقع ويتعصب لها، وأنت حين تعرض عن الجاهل، يجب ألا تماريه، أي لا تجادله، لأن الجدل معه لن يؤدي إلى نتيجة مفيدة ؛ لذلك أقول لكل من يواجه قضية التدين ولم يقرأ عن الدين كتابا واحدا، وقرأ في كتب الانحراف عن الدين المئات، أقول له : كما قرأت فيما يناهض الدين مئات الكتب فمن الحكمة يجب عليك أن تكون عادلا ومنصفا فتقرأ في مجال التدين بعض الكتب الخاصة به مثلما قرأت في غيرها. وإن أردت أن تبحث قضية الدين بحثا منطقيا يصحح لك عقيدتك، فعليك أن تخرج كل الاقتناعات المسبقة من قبلك ووجدانك. وتدرس الأمرين بعيدا عن قبلك، ثم أَدخل إلى قبلك الأمر الذي ترتاح إليه، لكن لا تحتفظ في قلبك بقضية وتناهض منطوقها بظاهر لسانك. والحق سبحانه وتعالى يقول :
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ( من الآية ٤ سورة الأحزاب ).
فأنت لك قلب واحد، إما أن يمتلئ بالإيمان واليقين وإما بغير ذلك. والقلب حيز واحد فلا تشغله أنت بباطل، حين تبحث قضية الحق، بل أخرج الباطل من قلبك أولا، واجعل الباطل والحق خارجه، وابحث بعقلك، والذي ييسرُ إليك أن تدخله إلى قلبك فأدخله.
وفي بيان معنى هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها روى لنا أبيّ قال : لما أنزل الله عز وجلّ على نبيه صلى الله عليه وسلم : " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما هذا يا جبريل ؟ قال : إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " (١).. وسبحانه – إذن- يريد أن يعلمنا قضية إيمانية إنسانية ؛ لأنك كمسلم تساعد المصاب في بدنه ؛ فما بالك بالمصاب في قيمه، ألا يحتاج إلى معونتك ؟.
تفسير الشعراوي
الشعراوي