وبعدما لقن كتاب الله خاتم أنبيائه ورسله حججه البالغة ليقارع بها الشرك وأهله، ويبطل بها أباطيلهم وأضاليلهم من أساسها، عاد إلى رسوله بالمواساة والتوجيه، ليثبت فؤاده على الحق، وليسلك به مسالك الأناة والصبر، وليمده بمدد روحي جديد يستعين به على تحمل الأذى، ومواجهة الجفاء، فقال تعالى مخاطبا لنبيه : خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشياطين نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم .
قال قتادة : " هذه أخلاق أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ودله عليها " وقال القاضي أبو بكر " ابن العربي " : " قال علماؤنا هذه الآية من ثلاث كلمات، قد تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، حتى لم يبق فيها حسنة إلا أوضحتها، ولا فضيلة إلا شرحتها، ولا أكرومة إلا افتتحتها، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام الثلاثة. فقوله تعالى : خذ العفو تولى بالبيان جانب اللين ونفي الحرج في الأخذ والإعطاء والتكليف، وقوله تعالى، وامر بالعرف تناول جانب المأمورات والمنهيات ؛ وأنهما ما عرف حكمه، واستقر في الشريعة موضعه، واتفقت القلوب على علمه. وقوله : وأعرض عن الجاهلين تناول جانب الصفح بالصبر، الذي به يتأتى للعبد كل مراد في نفسه وغيره. ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان أسفارا ".
وعلى عكس ما فهم بعض المتأخرين من كلمة " العرف " الواردة هنا، فحملها على الأعراف والعادات، نبه القاضي أبو بكر " ابن العربي " وغيره من المفسرين والفقهاء إلى أن المراد بالعرف في هذا السياق هو " المعروف من الدين، المعلوم من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، المتفق عليه في كل شريعة ". وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أوامر ربه حق الامتثال، وطبقها في حياته وسلوكه على التمام والكمال، ثم بسط القاضي أبو بكر " ابن العربي " القول في تفسير هذه الآية وتحليلها فقال : " أما العفو فإنه عام في متناولاته، ويصح أن يراد به : خذ ما خف وسهل مما تعطى، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل من الصدقة التمرة والقبضة والحبة والدرهم والسمل " الثوب البالي " ولا يلمز شيئا من ذلك ولا يعيبه، ولقد كان يسقط من الحقوق ما يقبل الإسقاط، حتى قالت عائشة في الحديث الصحيح ( ما انتقم رسول الله لنفسه قط ).
" وأما الاحتمال، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يصبر على الأذى ويحتمل الجفاء، حتى قال صلى الله عليه وسلم :( يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).
" وأما مخالقة الناس وملاطفتهم فقد كان أقدر الخلق عليها وأولاهم بها : فإنه كان صلى الله عليه وسلم يلقى كل أحد بما يليق به، من شيخ وعجوز، صغير وكبير، وبدوي وحضري، وعالم وجاهل، ولقد كانت المرأة توقفه في السكة من سكك المدينة فيقف لها، ولقد كان يقول لأخ صغير لأنس : يا أبا عمير ما فعل النغير، متلطفا ومؤنسا " والنغير تصغيرالنغر " وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار. ولقد كان يكلم الناس بلغاتهم " أي بلهجتهم " تأنيسا لهم وتطييبا لخواطرهم " كلام ابن العربي ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري