ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين ١٩٩ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ٢٠٠ [ الأعراف : الآيتان ١٩٩، ٢٠٠ ].
هذه الآية الكريمة من أخريات سورة الأعراف إحدى ثلاث آيات في كتاب الله بين الله ( جل وعلا ) فيها آدابا اجتماعية يجب على كل مسلم أن يتفهمها ويتدبرها ويعمل بها ؛ لأنه ينتفع بها في طول حياته انتفاعا تاما، وهي من تعاليم خالق السموات والأرض، وسنلم بهذه الآيات ونذر هذه الأدب الاجتماعية التي دلت عليها التي يحتاج إلى تعليمها كل إنسان، ثم نرجع إلى الآية فنفسر مفرداتها.
اعلموا أولا أن الله أجرى العادة بأنه لا يخلو أحد كائنا من كان من عدو مناوئ له من بني آدم ومن الشيطان، لا بد للإنسان من عدو يناوئه من بني جنسه ومن الشياطين. وهذا أمر غالبا، وخبر الناس الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم- والله يقول : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا [ الأنعام : آية ١١٢ ] فلا يخلو إنسان من عدو من بني جنسه وعدو من الشياطين.

ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس جبل
وفي هذه الآية والآيتان الأخريان بيان ما يتلقى الإنسان به العدو من جنسه والعدو من الشياطين ؛ ليكتفي شرهما ويكسر أصل هذه العداوة المضرة الشنيعة التي لا يسلم منها أحد، وذلك أن عدوك من بني جنسك أنك تقابل إساءته بالإحسان، ومنكره بالمعروف، وإساءته بالحلم والصفح، فإن ذلك الإحسان وذلك الحلم والصفح يقضي على إساءته ويذهبها حتى يضطر إلى أن يصير في آخر الأمر من أصدق الأصدقاء.
وأما إذا كان العدو من الشياطين فإن الملاينة لا تفيد فيه، وأنت لا تراه ولا لك فيه حيلة إلا الاستغاثة بخالق السموات والأرض والاستعاذة به منه. قال هنا فيمن يتسلط عليك من الإنس : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ١٩٩ [ الأعراف : آية ١٩٩ ] وقال في صاحبه الآخر من شياطين الجن : وإما ينزغنك من الشياطين نزغ فاستعذ بالله لا دواء له إلا ذلك إنه سميع عليم [ الأعراف : آية ٢٠٠ ].
الموضع الثاني : في سورة ( قد أفلح المؤمنون ) قال تعالى في عدوك من بني جنسك : ادفع بالتي هي أحسن يعني : ادفع سيئات المسيئين بمقابلتها بالتي هي أحسن نحن أعلم بما يصفون ثم قال في العدو الثاني من شياطين الجن : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ٩٧ وأعوذ بك رب أن يحضرون ٩٨ [ المؤمنون : الآيات ٩٦، ٩٨ ].
الموضع الثالث : في ( حم. السجدة ) زاد فيه تعالى أن هذا الدواء السماوي والعلاج القرآني الذي يكسر عداوة هذين العدوين لا يعطيه الله لكل أحد، وإنما يخص به من شاء ممن له عنده الحظ الأعظم، وزاد أن هذا دواء نافع وعلاج عظيم حيث قال في العدو من الإنس : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ فصلت : آية ٣٤ ] في غاية الصداقة ؛ لأن مقابلة إساءته بالإحسان تخجله وتقضي على عداوته حتى يضطر إلى أن يرجع صديقا. وقال : وما يلقاها إلا الذين صبروا [ فصلت : آية ٣٥ ] هذه الخصلة وهذا التعليم القرآني لا يعطاه كل الناس، لا يعطيه الله إلا لصاحب الحظ والبخت العظيم عنده من الصابرين ؛ ولذا قال : وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ٣٥ ثم قال في رفيقه الآخر : وإما ينزغنك من الشياطين نزاغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ٣٦ [ فصلت : الآيتان ٣٥، ٣٦ ] فهذا علاج قرآني ودواء سماوي نافع يحتاج إليه كل مسلم، ومحل هذا في غير الكفار المناصبين الناس بالعداوة، فالملاينة لهم لا تجوز ؛ لأن الكفار يجب عليهم الغلظة والقوة والعزة، ولا يلاينون، ولا تقابل سيئاتهم بالحسنات، كما وصف الله بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [ الفتح : آية ٢٩ ] يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم [ التوبة : آية ٧٣ ] مع أنه يقول : واخفض جناحك للمؤمنين [ الحجر : آية ٨٨ ] واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ٢١٥ [ الشعراء : آية ٢١٥ ] ويقول في غيرهم : واغلط عليهم [ التوبة : آية ٧٣ ] وقد مدح الله قوما بلين جانبهم لإخوانهم المسلمين وقوتهم على الكفرة فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [ المائدة : آية ٥٤ ] وقد قال الشاعر في نبينا صلى الله عليه وسلم :
وما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد
صلوات الله وسلامه عليه. ومن شعر مالك بن نمط الهمداني لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد همذان :
وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند
والحاصل أن الشدة في محل اللين حمق وخرق، واللين في محل الشدة ضعف وخور، وكل مقال له مقام. وقد صدق أبو الطيب المتنبي في قوله :
إذا قيل حلم فقل للحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وقوله : خذ العفو قال بعض العلماء : لما نزلت هذه الآية سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها جبريل فقال له : حتى أسأل ربي، ثم رجع له وقال : ربك يقول : خذ العفو أي : صل من قطعك، وأعط من حرمك. ونحو ذلك... فإن هذا هو العفو، بأن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، قال له : صل من قطعك، واعف عمن ظلمك. هذا هو الأخذ بالعفو، وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية الكريمة أن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري المعروف من رؤساء فزارة وهو الذي يقال : إنه مطاع أحمق، وكان ابن أخيه الحر بن قيس من خيار المسلمين ومن القراء، وكان له مكانة عند عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ؛ لأن عمر ( رضي الله عنه ) كان جلساؤه القراء صغارا كانوا أو كبارا، فقال عيينة لابن أخيه الحر بن قيس : لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لنا عليه. فاستأذن له عليه، فلما دخل عيينة على عمر ( رضي الله عنه ) – وكان عيينة بدويا جافيا - فقال : هي يا ابن الخطاب ! ! ما تعطينا الجزل، ولا تقسم بيننا بالعدل ! ! فغضب عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) حتى هم به، فقال به الحر بن قيس : يا أمير المؤمنين إن الله يقول لنبيه : خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين ١٩٩ وإن هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر، وكان عمر ( رضي الله عنه ) وقافا عند كتاب الله.
قال بعض العلماء :( العفو ) هو ما تسهل لك من أخلاق الناس، خذ ما وجدته سهلا من أخلاق الناس، وما وجدت منهم من طيب خذه، وما جاءك منهم من غير ذلك تجاوز عنه واصفح عنه.
والعفو في لغة العرب يطلق على ضد الجهد، فكل شيء متيسر لا مجهود فيه تسميه العرب عفوا. وقد قدمنا إيضاحه في تفسير قوله : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [ البقرة : آية ٢١٩ ] أي : الشيء الزائد الذي لا يجهد الزائد على قدر الخلة الضرورية على أصح التفسيرين. وهو معنى معروف في كلام العرب، تقول لك :( خذ العفو مني ) خذ ما تسهل لك مني، وما تعصي عليك لا تكلمني فيه. ومنه قول أسماء بن خارجة وقيل حاتم الطائي :
خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ومنه قول حسان ( رضي الله عنه ) يمدح المهاجرين في شعره المشهور الذي فاخر به وفد تميم :
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الآخر :
إذا ما بلغة جاءتك عفوا فخذها فالغنى مرعى وشرب
فعلى هذا خذ العفو ما تسهل لك من اخلاق الناس ووجدت منهم طيبا بلا كلفة فخذه، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوزه، كما قال : واعرض عن الجاهلين .
وقوله : وأمر بالعرف العرب تطلق لفظة العرف والمعروف والعارفة على كل خصلة جميلة تستحسنها العقول وتطمئن إليها النفوس. معناه : وأمر بكل معروف تطمئن إليه النفوس. وهذا معنى قوله : وأمر بالعرف وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه قول الحطيئة :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
يعني : أؤمر بالعرف أي : بكل جميل حسن تطمئن إليه النفوس وتستحسنه العقول، كالإعراض عن الجاهل، والعفو عن المسئ، وكان بعض علماء الأصول يقول : إن هذه الآية يدخل فيها ما يتعارف عليه الناس في معاملتهم وبيوعاتهم ونحو ذلك، أن الناس إذا جرت عادتهم بعرف بينهم في جميع معاملاتهم يجب على الحاكم أن يأخذه ؛ ولذا قال العلماء : إذا جاء قاض إلى بلد وهو غريب عنها ليس من أهلها لا يجوز له أن يحكم ولا أن يفتي حتى يسأل عن عرفهم وعاداتهم في ماذا يريدون بالصيغ وألفاظ المعاملات ؛ لأن الأحكام تختلف باختلاف الأعراف، قد يكون الناس يطلقون هذه الكلمة على معنى معين لا يريدون غيره فيحملها القاضي على لفظها اللغوي فيظلمهم، ويحملهم ما لا يقصدون. ومن هذا كان بعض علماء الأصول يقول : هذه المسألة التي دخلت في عموم هذه الآية إحدى القواعد الخمس التي أسس عليها الفقه الإسلامي. وبعضهم يقول : أصلها أربعة، زاد بعض الأصوليين فيها خامسة، وهي قواعد خمس :
أولها :( الضرر يزال ) هذه قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي ( إزالة الضرر )، ويشهد لها حديث :( لا ضرر ولا ضرار ).
الثانية :( المشقة تجلب التيسير ) هذه من قواعد الفقه الإسلامي التي أسس عليها، ومن فروع هذه القواعد : التسهيلات والرخص، كقصر المسافر للصلاة، وفطره في رمضان، وغير ذلك من الرخص والتسهيلات المنتشرة في الشرع.
الثالثة :( لا يرفع يقين بشك ) وهذه من أمثلتها : أن الذمة تحمل على براءتها حتى يتحقق بالبينة شغلها. وكذلك إذا ثبت أن الذمة شغلت بدين وجب استصحاب ذلك الشغل حتى تقوم البينة على أنه قضاه. وهكذا في مسائل كثيرة.
الرابعة : قولهم ( العرف محكم ) وهو أن الناس في معاملاتهم وما يجري بينها في بيوعها ونكاحها وإجاراتها وطلاقها وغير ذلك من العقود أنها يرجع بها إلى عرفها وما تعتاده في مخاطبتها وتقصده، ولا تحمل بمطلق ألفاظ اللغة التي يخالفها عرفها.
القاعدة الخامسة :( الأمور تبع المقاصد ) وهذه قادة عظيمة يشير إليها قوله صلى الله عليه وسلم :( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) وهذا معنى قوله : خذ العفو وأمر بالعرف .
وأعرض عن الجاهلين الإعراض عن الجاهلين خلق سماوي أمر الله به نبيه ليعلم خلقه هذا الخلق الكريم، والأدب السماوي العظيم، أنه إذا جهل عليك جاهل فأساء إليك أن تعرض عنه ولا تأخذه بزلته، كما قال جل وعلا : وإذا مروا باللغو مروا كرما [ الفرقان : آية ٧٢ ] سلام عليكم لا نبغي الجاهلين [ القصص : آية ٥٥ ] ونحو ذلك. وهذا معنى قوله : وأعرض عن الجاهلين .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير