ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

قوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان الوسوسة : الصوت الخفي، والوسوسة : حديث النفس، يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواساً بكسر الواو، والوسوسة بالفتح الاسم : مثل الزلزلة والزلزال، ويقال لهمس الصائد والكلاب، وأصوات الحلى وسواس. قال الأعشى :
تسمع للحليّ وسواساً إذا انصرفت ***. . .
والوسواس : اسم الشيطان. ومعنى وسوس له : وسوس إليه، أو فعل الوسوسة لأجله. قوله : لِيُبْدِيَ لَهُمَا أي ليظهر لهما، واللام للعاقبة، كما في قوله : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً . وقيل هي لام كي : أي فعل ذلك ليتعقبه الإيذاء، أو لكي يقع الإيذاء. قوله : مَا وُورِيَ أي ما ستر وغطي عَنْهُمَا مِنَ سَوآتِهِما سمي الفرج سوءة، لأن ظهوره يسوء صاحبه، أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما كان مستوراً عنهما من عوراتهما، فإنهما كانا لا يريان عورة أنفسهما، ولا يراها أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو في وُورِيَ همزة، لأن الثانية مدة. قيل : إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما، وكان عليهما نور يمنع من رؤيتها وَقَالَ أي الشيطان لهما مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ أكل هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أن في موضع نصب، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره : ولا كراهة أن تكونا ملكين، هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون : التقدير لئلا تكونا ملكين أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين في الجنة، أو من الذين لا يموتون. قال النحاس : فضل الله الملائكة على جميع الخلق في غير موضع في القرآن، فمنها هذا، ومنها : وَلا أَقُولُ إِنّي مَلَكٌ ، ومنها وَلاَ الملائكة المقربون . قال ابن فورك : لا حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافاً كثيراً، وأطالوا الكلام في غير طائل، وليست هذه المسألة مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيها لا يعنينا. وقرأ ابن عباس، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك «ملكين » بكسر اللام، وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال : لم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين. وقد احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى :
هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى . قال أبو عبيد : هذه حجة بينة لقراءة الكسر، ولكنّ الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس : هي قراءة شاذة، وأنكر على أبي عبيد، هذا الكلام وجعله من الخطأ الفاحش. قال : وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه السلام أن يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين، وإنما معنى وَمُلْكٍ لاَّ يبلى المقام في ملك الجنة والخلود فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن وهب بن منبه في قوله : لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا قال : كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما سوءة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : أتاهما إبليس فقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين مثله، يعني مثل الله عزّ وجلّ، فلم يصدّقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في الآية إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين فلا تموتان فيها أبداً وَقَاسَمَهُمَا قال : حلف لهما إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين .
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب، في قوله : فدلاهما بِغُرُورٍ قال : مناهما بغرور. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي شيبة، عن عكرمة قال : لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة قال : ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال، فبقي في أطراف أصابعه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، قال : كان لباس آدم في الجنة الياقوت، فلما عصى قلص فصار الظفر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ قال : يرقعان كهيئة الثوب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة قال آدم : ربّ إنه حلف لي بك، ولم أكن أعلم أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً، وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا الآية قال : هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية