وقوله تعالى: لِيُبْدِيَ لَهُمَا، هذه اللام تسمى لام العاقبة (١)؛ وذلك أن الشيطان لم يقصد بالوسوسة بدو عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط، فلما بدت عوراتهما وكان ذلك بسبب معصيتهما جاز أن يقال: فعل ذلك لذلك (٢) كما قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨].
٢٠ - قوله تعالى: مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا أي: ما ستر؛ من المُواراة يقال: وَاريته فأنا أوَاريه أي: سترته، ويقال: وَارَيْت الميت في التراب أي: دفنته (٣)، ومنه قول النبي - ﷺ - لعلي -رضي الله عنه- لما أخبره بوفاة أبيه (٤) قال: (اذهب فوارِه) (٥) قال الشاعر:
(٢) هذا قول الجمهور أنها للعاقبة والصيرورة، ورجح أبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٧٨، والسمين في "الدر" ٥/ ٢٧٦، وهو الظاهر أنها لام العلة الباعثة على أصلها؛ لأن قصد الشيطان ذلك وهو يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر فهو وسوس لهما لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء ولغرض الإضرار بهما؛ لأن طبعه عداوة البشر، وانظر: "تفسير ابن عطية" ٥/ ٤٥٧، وابن عاشور ٨/ ٥٧.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٨٠، و"الصحاح" ٦/ ٢٥٢٣، و"المفردات" ص ٨٦٦، و"اللسان" ٨/ ٤٨٢٣ (ورى).
(٤) في (ب): (ابنه)، وهو تصحيف.
(٥) الحديث أخرجه أحمد في "المسند" ٢/ ١١٢، ١٣٦، وأبو داود (٣٢١٤) كتاب الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك، والنسائي في الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك ١/ ١١١، وفي الجنائز ٤/ ٧٩، باب مواراة المشرك عن علي رضي الله عنه أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: (إن أبا طالب مات قال: "اذهب فواره" قال: إنه مات مشركًا. فقال: "اذهب فواره" فلما واريته رجعت إليه فقال لي: "اغتسل" =
| علَى صدى أسود المُواري | في التُّرْب أمسى وفي الصفيح (١) |
وقال ابن عباس: (كانا قد ألبسا ثوبًا يستر العورة منهما، فلما عصيا تهافت عنهما ذلك الثوب، وذلك قوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) (٣) [الأعراف: ٢٢].
٢٠ - وقوله تعالى: وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، قال ابن الأنباري: (يمكن أن يكون هذا مخاطبة من إبليس لهما، ويمكن أن يكون بوسوسة أوقعه في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب والأكثر مخاطبته إياهما بدليل قوله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (٤).
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ تقديره: (إلا أن لا تكونا) عند الكوفيين، وعند البصريين (إلا كراهية أن تكونا) فحذف المضاف (٥).
فإن قيل: كيف أطمع إبليس لعنه الله آدم في أن يكون ملكًا عند أكله من الشجرة، فانقاد له مؤملًا ذلك، وقد شاهد الملائكة متواضعة ساجدة
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في "الدر المصون" ٥/ ٢٧٧. والصَفِيح: الحجارة العريضة. انظر: "اللسان" ٤/ ٢٤٥٥ (صفح).
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٨٣ (ساء)، و"المفردات" ص ٤٤١ - ٤٤٢ (سوأ).
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٦٦، والبغوي ٣/ ٢٢٠، والرازي ١٤/ ٤٦.
(٤) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٤/ ٤٧ بدون نسبة.
(٥) انظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٢٩٦، و"تفسير الطبري" ٨/ ١٤٠، و"إعراب النحاس" ١/ ٦٠٤، و"المشكل" ١/ ٢٨٤، وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٧٩، والسمين في "الدر" ٥/ ٢٨٧: (قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَا استثناء مفرغ وهو مفعول من أجله فقدره البصريون: إلا كراهة أن تكونا، وقدره الكوفيون: إلا أن لا تكونا، وإضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف) اهـ. ملخصًا.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي