ويأتي الإقرار بالذنب من آدم وحواء : قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٢٣ ) .
وتلك هي الكلمات التي قال الله عنها في سياق آخر : فتلقى آدمُ مِنْ ربِّهِ كلِماتٍ فتاب عليْهِ إِنّهُ هُو التّوّابُ الرّحِيمُ ( ٣٧ ) [ سورة البقرة ] : فكأن الحق سبحانه وتعالى قدّر غفلة خلقه عن المنهج ؛ فشرع لهم وسائل التوبة إليه، ووسائل التوبة ثلاث مراحل : تشريعها رحمة، ثم الإقبال عليها من المذنب اعترافا وإنابة، وقبولها منه سبحانه رحمة، فالتشريع يطلب منك أن تفعل، وحين تتوب يتوب الله عليك. تشريع التوبة إذن رحمة، لا بالمذنب فقط، بل وبغيره أيضا ؛ لأن الله لو لم يشرع التوبة، كان الذي يعمل معصية، ولا يجد مغفرة، يستشري في المعاصي، وإذا استشرى في المعاصي تعب المجتمع كله.
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٢٣ ) ( سورة الأعراف ) : وهذا هو الموقف بعد الذنب من آدم وزوجته، وهو يختلف عن موقف إبليس بعد الذنب ؛ فإبليس أراد أن يبرر المخالفة : قال أأسجد لمن خلقت طينا ( من الآية ٦١ سورة الإسراء )، فماذا قال آدم وحواء ؟ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . ( من الآية ٢٣ سورة الأعراف ).
ولذلك كان جزاء إبليس وهو المتأبي على أوامر الله وحكمه أن يطرد من رحمته. وجزاء المعترف بأنه أذنب، وأنه ظلم نفسه أن تقبل توبته. إذن لا يصح للناس الذين يقيمون على معصية أن يقول الواحد منهم : " هذه هي ظروفي "، ويبرر ويحلل ما يفعله من المعاصي، بل على الواحد منهم ألا يطرد نفسه بنفسه من منطقة الرحمة، وعليه أن يقول : " ما أفعله حرام، لكن لا أقدر على نفسي " وبذلك لا يكون قد ردّ الحكم، بل اتهم نفسه بالتقصير واعترف بالذنب، فصار أهلا للمغفرة وأهلا للتوبة.
وهنا نسأل : ما الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم ؟. ونقول : إبليس عصى وجاء بحيثية رفض الأمر، لكن آدم عصى وأقر بالذنب وطلب المغفرة.
وحين قال آدم وزوجته حواء : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا معا وفي نَفَس واحد، ونغمة حزينة، ألا يدل ذلك على أنهما قد تعلماها ؟. إن كلا منهما لو اعتذر لله بمفرده لاختلفا في أسلوب الاعتذار. وهذا دليل على أنها ملقنة : ولهذا قال ربنا : فتلقّى آدمُ مِنْ ربِّهِ كلِماتٍ فتاب عليْهِ . ( من الآية ٣٧ سورة البقرة )، وهما قد قالا : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ، وأنفسنا جمع نَفْس، ولم يقولا " نفسينا "، بل قالا " أنفسنا " أي أن قلبيهما أيضا قد صفيا وخلصا من أثر تلك المعصية، وأن ذلك مطمور وداخل في نفوس ذريتهما.
تفسير الشعراوي
الشعراوي