اى يخزيهما بانكشاف عورتهما عند الملائكة وكان قد علم ان لهما سوءة بقراءته كتب الملائكة ولم يكن آدم يعلم ذلك وفى كون الانكشاف غرضا لابليس دليل على ان كشف العورة فى الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن فى الطباع ولم يقع نظر على رضى الله عنه الى عورته حذرا من ان يراها بالعين التي يرى بها جمال رسول الله ﷺ فاذا كان النظر الى سوءته بهذه المرتبة فما ظنك بالنظر الى سوءة الغير وما أشد قبح كشف العورة قالت عائشة رضى الله عنها ما رأى منى ولا رأيت منه الى العورة ما وُورِيَ عَنْهُما اى الذي سترعنهما وهو مجهول وارى مِنْ سَوْآتِهِما اى عورتها وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر لانهما قد البسا ثوبا يستر عورتهما. والسوآت جمع السوءة والتعبير بلفظ الجمع عن اثنين لكراهة اجتماع لفظى التثنية ويحتمل ان يكون الجمع على اصل وضعه باعتبار ان كل عورة هى الدبر والفرج وذلك اربعة فهى جمع وسميت العورة سوءة لانه يسوء الإنسان انكشافها وَقالَ عطف على وسوس بيانا وتفصيلا لكيفية وسوسته ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ اى عن أكلها لامر ما إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اى كالملائكة فى لطافة البنية والاستغناء عن التغذي بالاطعمة والاشربة ونحوهما وفضل الملائكة من بعض الوجوه لا يدل على فضلهم على الأنبياء مطلقا لجواز ان يكون لنوع البشر فضائل اخر راجحة على ما للملك فليس المراد انقلاب حقيقتهما البشرية الى الحقيقة الملكية فانه محال قال سعدى المفتى فيه بحث إذ لا مانع منه عند الاشاعرة لتجانس الأجسام انتهى واعلم ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس فى الصورة والاشكال فمن حصل على بنية الإنسان ظاهرا وباطنا فهو انسان فلو قلب الإنسان الى بنية الملك لخرج بذلك عن كونه إنسانا لكن الملك والشيطان لا يخرجان بالتشكلات الظاهرية المختلفة عن حقيقتهما أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الذين لا يموتون ويخلدون فى الجنة وَقاسَمَهُما اى اقسم لهما. فالقسم انما وقع من إبليس فقط الا انه عبر عن اقسامه بزنة المفاعلة للدلالة على انه اجتهد فى القسم اجتهاد المقاسم وهو الذي حلف فى مقابله حلف شخص آخر إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فيما أقول والنصح بذل المجهود فى طلب الخير فى حق غيره فَدَلَّاهُما فنزلهما الى الاكل من الشجرة وحطهما من المرتبة العالية وهى مرتبة الطاعة الى المنزلة السافلة وهى الحالة المغضبة والتدلية إرسال الشيء من الأعلى الى الأسفل كارسال الدلو فى البئر بِغُرُورٍ اى بسبب تغريره إياهما باليمين بالله كاذبا وكان اللعين أول من حلف بالله كاذبا وظن آدم ان أحدا لا يحلف بالله كاذبا فاغتربه فان شأن المؤمن ان يعتقد بصدق من حلف بالله لتمكن عظمة اسم الله تعالى فى قلبه وكان بعض العلماء يقول من خادعنا بالله خدعنا وفى الحديث (المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم) فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما اى فلما وجدا طعمها آخذين فى الاكل منها أخذهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما فاستحييا وفى الاخبار ان غيرهما لم ير عورتهما قيل كان لباسهما فى الجنة ظفرا فى أشد اللطافة واللين والبياض يكون حاجبا من النظر الى اصل البدن
صفحة رقم 145
فلما أصابا الخطيئة نزع ذلك عن بدنهما وبقي عند رؤس الأصابع تذكيرا لما فات من النعم وتجديدا للندم. وقيل كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر الى حد البدن. وقيل كان حلة من حلل الجنة وَطَفِقا يَخْصِفانِ اى أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة عَلَيْهِما اى على بدنهما او على سوءاتهما من قبيل صغت قلوبكما فى التعبير عن المثنى بالجمع لعدم الناس المراد فجاز ان يرجع اليه ضمير التثنية مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قيل كان ذلك ورق التين ولم يستره من الشجر إلا شجر التين فقال الله تعالى كما سترت آدم اخرج منك المعنى قبل الدعوى وسائر الأشجار يخرج منها الدعوى قبل المعنى فلهذه الحكمة يخرج ثمر سائر الأشجار فى كمامها اولا ثم تظهر الثمرة من الكمام ثانيا وشجرة التين أول ما يبدو ثمره يبدو بارزا من غير كمام وفى الآية دليل على ان كشف العورة قبيح من لدن آدم عليه السلام ألا ترى انهما كيف بادرا الى الستر لما تقرر فى عقلهما من قبح كشف العورة وَناداهُما رَبُّهُما مالك أمرهما بطريق العتاب والتوبيخ يحتمل ان يكون ذلك بان اوحى إليهما بواسطة الملك ذلك الكلام او بان الهمهما ذلك فى قلبهما. قيل كانت حجلتهما بهذا العتاب أشد عليهما من كل محنة أصابتهما أَلَمْ أَنْهَكُما وهو تفسير للنداء فلا محل له من الاعراب عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما
عطف على أنهكما اى الم اقل لكما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ اشارة الى قوله تعالى إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ولكما متعلق بعدو لما فيه من معنى الفعل- روى- ان الله تعالى قال لآدم الم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال بلى وعزتك ولكن ما ظننت ان أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال فبعزتى لاهبطنك الى الأرض ثم لا تنال العيش الا كدا فاهبط وعلم صنعة الحديد وامر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز قالا اعترافا بالخطيئة وتسارعا الى التوبة رَبَّنا اى يا ربنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا اى ضررناها بالمعصية وعرضناها للاخراج من الجنة وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا تستر علينا ذنبنا وَتَرْحَمْنا بقبول توبتنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ اى الهالكين الذين باعوا حظهم فى الآخرة بشهوة ساعة وهو دليل على ان الصغائر معاقب عليها ان لم تغفر والمغفرة مشكوك فيها فكان ذنب آدم صغيرة لانه لم يأكل من الشجرة قصدا لمخالفة حكم الله تعالى بل انما أكل بناء على مقالة اللعين حيث أورثت فيه ميلا طبيعيا ثم انه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله الى ان نسى ذلك وزال المانع عن أكله فحمله طبعه عليه ولانه انما اقدم عليه بسبب اجتهاد اخطأ فيه فانه ظن ان النهى للتنزيه او ان الاشارة فى قوله وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ الى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها وقد كان المراد بها الاشارة الى النوع كما روى انه عليه السلام أخذ حريرا وذهبا بيده وقال (هذان حرامان على ذكور أمتي حل لاناثها) قالَ الله تعالى اهْبِطُوا خطاب لآدم وحواء وذريتهما او لهما ولابليس بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ جملة حالية من فاعل اهبطوا اى متعادين فطبع إبليس على العداوة كطبع العقرب على اللدغ والذئب على السلب فعادى آدم لذهاب رياسته بين الملائكة بسبب خلافة آدم وأمرنا بمعاداة إبليس لان الابن يعادى عدو أبيه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [قراركاهى وآرام جايى] وَمَتاعٌ
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء