٦٠٩- استثناء مفرغ لتوسطه بين الفعل والمفعول. وفيه أسئلة : كيف صح النظر إلى التأويل وهو ليس من قبيل ما يرى ؟ ثم التأويل واقع في الدنيا فكيف أخبر عن تأخيره إلى الآخرة بقوله تعالى : يوم يأتي تأويله مشيرا إلى يوم القيامة ؟ وما المستثنى منه ؟
والجواب : أن المراد بالنظر في هذه الآية الانتظار، وتقدير الكلام : " ما ينتظرون إلا تأويله. "
فإن قلت : إنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، فكيف ينتظرون ما فيه ؟
قلت : لما كانوا موصوفين بحال من ينتظر لأنهم مستقبلون ذلك، وهو واقع بهم جزما سماهم منتظرين لشبههم بالمنتظرين.
والتأويل هاهنا المراد به المؤول، لأن التفسير والتعبير عن المفسَّر به بلفظ التفسير من باب التعبير بالمصدر عن المفعول، فهو من باب قول العرب : " ضرب الأمير ونسج اليمن "، أي : " مضروب الأمير ومنسوج اليمن "، وهو من مجاز الملازمة لأن المفعول يلزم المصدر في الوجود لا في النطق. ومن هذا الباب قوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة (١)، أي : " موعودها "، وهو كثير.
والمستثنى منه : المفاعيل، وهل : نافية، بمعنى : " ما ينتظرون شيئا من الأشياء إلا تأويله ".
وقال قتادة(٢) : التأويل في هذا الموضع : المآل والعاقبة، لأنه مشتق من المآل.
وقال ابن عباس : تأويله : مآله يوم القيامة. وقال السدي : بل في الدنيا، وهي وقعة بدر وغيرها، ويوم القيامة أيضا.
وقال الخطابي(٣) : أولت الشيء : رددته إلى أوله. فهذا اشتقاق آخر. وقيل : أولت : طلبت أولى الوجوه والمعنى. فهو على هذا من أولوية. ( الاستغناء : ١٩٢ إلى ١٩٤ )
٢ - هو قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي البصري، مفسر حافظ، (ت: ١١٨ هج). ن: تذكرة الحفاظ: ١/١١٥. الأعلام: ٥/١٨٩..
٣ - هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان. فقيه محدث. (ت: ٣٨٨ هج). من مصنفاته: "معالم السنن" و"بيان إعجاز القرآن" و"غريب الحديث" وغيرها. ن: إنباه الرواة: ١/٢٢٥. الأعلام: ٢/٢٧٣..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي