نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٢:وانتقلت الآيات الكريمة إلى وصف ما يكون عليه حال الكافرين ومن لف لفهم من المنحرفين الضالين، من استهتار بالتعاليم السماوية، رغما عن شدة وضوحها، وخروج التوجيهات الإلهية، رغما عن دقة تفصيلها – نظرا لما يداخلهم من تردد في صدق محتوياتها، ومن شك في فعالية توصياتها – حتى إذا ظهرت آثار انحرافهم عنها في الوجود، وأصبحت على مرأى منهم ومسمع، في حيز الواقع وعالم الشهود، فوجئوا مفاجأة كبرى بأن ما كان مجرد " غيب " موعود به في القرآن، قد أصبح حقيقة قائمة ماثلة للعيان، وعندما يأتي ذلك اليوم لا يسعهم إلا أن يعودوا على أنفسهم باللوم، وذلك قوله تعالى في هذا الربع : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله أي يوم يقع عيانا ومشاهدة ما أنذروا به من العقاب والعذاب يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ثم يعلق كتاب الله على موقف أولئك المترددين الشاكين بالأمس، والمبهوتين المبلسين اليوم ؟، قائلا : قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون .
وها هنا آيتان كريمتان لا بد من لفت النظر إليهما لتعلقهما بأدب الدعاء والذكر، وهما قوله تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية، إنه لا يحب المعتدين ، وقوله تعالى وادعوه خوفا وطمعا، إن رحمة الله قريب من المحسنين .
ففي الآية الأولى يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يدعوا ربهم ويذكروا اسمه، وفي الآية الثانية يبين كتاب الله للمؤمنين كيف ينبغي أن يجمعوا في الدعاء بين الخوف والرجاء، قال القاضي أبو بكر " ابن العربي " : " الأصل في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال النفلية السر، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر والتفاخر، وقد جعل الباري سبحانه في العبادات ذكرا جهرا، وذكرا سرا، لحكمة بالغة أنشأها بها، ورتبها عليها، وذلك لما عليه قلوب الخلق من الاختلاف بين الحالين ". ثم زاد قائلا " أما الذكر بالقراءة في الصلاة فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء فلم يشرع منه شيء جهرا، لا في حالة القيام، ولا في حالة الركوع ولا في حالة السجود، لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة آمين هل يسر بها أم يجهر ". وقال ابن كثير في تفسيره " قوله تعالى : تضرعا معناه تذللا واستكانة، وقوله وخفية كقوله : واذكر ربك في نفسك الآية ". وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم :( أيها الناس اربعوا على أنفسكم – أي ارفقوا بها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذين تدعون سميع قريب ) الحديث.
ثم نقل ابن كثير عن عبد الله ابن مبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال : " إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور – أي الزوار وما يشعرون به، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول ادعوا ربكم تضرعا وخفية .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري