ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

ثم لما بين أن هذا القرآن العظيم هو الذي أنزله، وهو الذي فصله وبين حلاله وحرامه وعقائده ومواعظه وأمثاله وآدابه ومكارمه، وانه بين هذا بعلمه المحيط بكل شيء، هدد الكفار الذين لم يعملوا به فقال :[ هل ينظرون إلا تأويله ]( الأعراف : آية ٥٣ ) التأويل : يطلق ثلاثة إطلاقات : أما التأويل في لغة القرآن فهو ما يؤول إليه الأمر وتصير إليه الحقيقة في ثاني حال. وعلى هذا تأويل القرآن هو ما يؤول إليه أمره في ثاني حقيقة، وتقع عليه الحقيقة، وهو صدق ما وعد به أن يدخل من آمن به الجنة ويخلد في نعيمها، ويدخل من كفر به النار ويخلد في جحيمها، فهذا تأويله، أي : ما تؤول إليه حقيقة ما كان يعد به وينطق به في دار الدنيا. وهذا هو التأويل في لغة القرآن.
ويطلق التأويل أيضا على التفسير، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس :" اللهم علمه التأويل ". وقولهم : فلان يعلم تأويل القرآن. أي : تفسيره.
والإطلاق الثالث- إطلاق حادث هو اصطلاح الأصوليين لم يكن معروفا في الزمن الأول- وهو أن التأويل : حمل اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل عليه. هذا الاصطلاح حادث، وهو المعروف عند الأصوليين باسم التأويل.
وهو ثلاثة أنواع : تأويل صحيح، وتأويل فاسد، ولعب. فإذا كان التأويل : صرف الكلام عن ظاهره المتبادر منه إلى معنى مرجوح ليس هو الظاهر من الكلام بدليل صحيح يدل عليه حقا في نفس الأمر، فهو التأويل الصحيح المسمى بالتأويل القريب. ومثاله : قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في صحيح البخاري :" الجار أحق بسقبه " فإن ظاهر هذا الحديث الثابت في صحيح البخاري أن الشفعة ثابتة للجار ؛ لأن الصقب والسقب هو ما يلاصق الجار من أرض جاره. إلا أنه حمل على محتمل مرجوح، وهو أن المراد بالجار هنا : خصوص الشريك المقاسم. وهذا احتمال مرجوح، إلا أنه دل عليه نص صحيح، فحمل اللفظ عليه لدلالة ذلك النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر :" فإذا صرفت الطرق، وضربت الحدود فلا شفعة ". فعلم أنه لم تكن هناك شفعة إلا مع الاشتراك في الأرض أو في الطريق كما هو معروف. ومثال التأويل البعيد يمثل له بعض أهل الأصول- بعضهم يجيء بما يخالفه به الآخر- والمعروف عند علماء الأصول : أن الأصولي يكون مالكيا مثلا فيمثل بشيء ضد مذهبه، وقصده فهم القاعدة. ويكون شافعيا مثلا ويمثل بمثال مخالف لمذهبه لتفهم القاعدة. وقصدنا بكلامهم هنا المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. والشافعية والمالكية والحنبلية يمثلون للتأويل البعيد بحمل الإمام أبي حنيفة ( رحمه الله على الجميع ) المرأة في حديث عائشة :" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل " قالوا : حمل أبي حنيفة للمرأة على المكاتبة تأويل بعيد ؛ لأنه بعيد من ظاهر النص، ولم يقم دليل جازم عليه ؛ لأن ( أي ) صيغة عموم، والعموم أكد بلفظة ( ما ) فلا يحسن حمله على صورة نادرة قد لا تخطر في الذهن وهو المكاتبة. قالوا : وكقول الإمام أبي حنيفة ( رحمه الله على الجميع ) :[ فإطعام ستين مسكينا ]( المجادلة : آية ٤ ) حمل ( المسكين ) على ( المد ) من التأويل البعيد. هكذا يمثلون، وقصدنا المثال لا مناقشة أدلة أقوال العلماء هنا. أما إذا كان صرف الكلام عن ظاهره المتبادر منه لا لدليل في نفس الأمر ولا لدليل ( خارجي صحيح فإن ذلك لا يعد من التأويل المقبول ) ( في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل، وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها الكلام ) بل هو تلاعب بنصوص القرآن، وكقولهم :[ مرج البحرين ]( الرحمن : آية ١٩ ) البحرين : علي وفاطمة [ بينهما برزخ ]( الرحمن : آية ٢٠ ) الحسن والحسين. فهذا ليس من التأويل وإنما هذا من اللعب والتلاعب بكتاب الله. ويكثر مثل هذا في تفسير الباطنيين وغلاة الروافض، ولا يسمى تأويلا وإنما هو لعب.
أما التأويل في القرآن فمعناه : ما تؤول إليه حقيقة الأمر. فقوله :[ هل ينظرون إلا تأويله ] أي : ما تؤول إليه حقيقته من دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار.
ثم قال :[ يوم يأتي تأويله ] ( الأعراف : آية ٥٣ ) أي : يوم يأتي الوقت الذي تحقق فيه مواعيد القرآن، وتحقق الوعد للؤمن والوعيد للكافر.
[ يقول الذين نسوه من قبل ]( الأعراف : آية ٥٣ ) أي : تركوه وتناسوا العمل به في دار الدنيا. [ قد جاءت رسل ربنا بالحق ]( الأعراف : آية ٥٣ ) هذا القرآن ونحوه من الكتب كان حقا، والذي أمر بأن يدخل من امتثله الجنة، ونحن- والعياذ بالله- لما لم نمتثل ذلك الأمر فمصيرنا إلى النار. وهذا معنى قولهم :[ قد جاءت رسل ربنا بالحق ]( الأعراف : آية ٥٣ ) وتمنوا الشفاعة حيث لا شفاعة.
ثم قالوا [ فهل لنا من شفعاء ] ( الأعراف : آية ٥٣ ) جمع شفيع و( هل ) هنا للتمني، يتمنون الشفعاء [ فيشفعوا لنا ]( الأعراف : آية ٥٣ ) ويخرجونا مما نحن فيه [ أو نرد ] ( الأعراف : آية ٥٣ ) أو هل لنا أن نرد إلى دار الدنيا لنبدل تكذيب الرسل بالتصديق، ونبدل المعاصي بالطاعات ؟ وهو معنى قولهم :[ فنعمل غير الذي كنا نعمل ]( الأعراف : آية ٥٣ ) بين الله أنهم لا يجدون الشفعاء ولا يردون وقال :[ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ]( الأعراف : آية ٥٣ ) خسروا أنفسهم- والعياذ بالله- لأنهم غبنوا في أنفسهم ورزئوا فيها. والدليل على خسرانهم أنفسهم : أن غاية أمنيتهم أن تعدم أنفسهم ويموتوا ولكن لا يجدون [ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون( ٧٧ ) ] ( الزخرف : آية ٧٧ ) وهذا معنى خسرانهم أنفسهم لأنهم رزئوا في أنفسهم فباعوها- والعياذ بالله- بعرض من الدنيا، وصارت إلى العذاب المخلد إلى يوم القيامة.
وقوله :[ وضل عنهم ]( الأعراف : آية ٥٣ ) غاب واضمحل ما كان يفترونه في دار الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم، كقولهم :[ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ] ( يونس : لآية ١٨ ) [ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ]( الزمر : آية ٣ ) ومعنى :[ يفترون ] يختلقون من الكذب.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير