ﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

ثم إن الله ( جل وعلا ) علم بأنه أنزل هذا الكتاب الأعظم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار به، ثم أمر بإتباعه، ونهى عن اتباع غيره، ثم بين أن من لم يتبع ما أنزل الله يهلكه الله ويدمره، وأنه إذا جاءه الإهلاك والتدمير ليس عنده إلا الإقرار، بين أنه يوم القيامة سيسأل جميع الخلائق من مرسلين ومرسل إليهم ماذا كان موقفهم من هذا القرآن العظيم الذي أمرهم بإتباعه في دار الدنيا، فيسأل المرسلين : هل بلغتم كتابي ؟ وماذا أجابوكم ؟ ويسأل المرسل إليهم : هل بلغكم رسالاتي ؟ وماذا أجبتم به المرسلين ؟ ومما يفسر الآية : قوله جل وعلا :[ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ]( المائدة : آية ١٠٩ ) يعني : ماذا أجابتكم به الأمم لما أمرتهم بإتباع ما أنزلت، ونهيتموهم عن اتباع غيره ؟ ثم قال في الأمم :[ ويوم يناديهم فيقول لهم أجبتم المرسلين( ٦٥ ) فعميت عليهم الأنباء ] وفي قراءة :[ فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون ]( القصص : الآيتان ٦٦، ٦٥ ) فالله( جل وعلا ) في ذلك الوقت يسأل جميع الخلائق ويقول للمرسلين : هل بلغتم به أو ردته عليكم ؟ ويقول للذين أرسل إليهم : هل بلغتكم الرسل رسالاتي، وماذا أجبتم رسلي ؟ فالذي عرف أن الله أقسم في هذه الآية أنه يسأل الرسل ؟، ويسأل المرسل إليهم، يلزم عليه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة أن يكون من المصدقين للرسل، المتبعين ما أنزل الله لئلا يقع في الويلة العظمى والهلاك الأكبر عند هذا السؤال الهائل المخيف. وهذا معنى قوله :[ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ] يعني : بماذا أجابوا الرسل، وهل بلغتهم الرسل ؟ [ ولنسئلن المرسلين ] ( الأعراف : آية ٦ ) هل بلغوا الأمم ؟ وماذا أجابتهم الأمم ؟ كقوله :[ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين( ٦٥ ) ]( القصص : آية ٦٥ )[ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ] ( المائدة : آية ١٠٩ ) فعلى المؤمن أن يكون متبعا لما أنزل الله ليكون جوابه عند هذا السؤال جوابا سديدا.
وقد قدمنا أن الأمم الكافرة إذا سئل الرسل وقالوا :" قد بلغناهم " ينكر الأمم ويقولون : ما بلغونا ولا شيئا، ولو بلغونا لأطعنا ربنا ! ! فيقول الرسل : والله لقد بلغناهم أكمل تبليغ وأتمه. فيقول الله للرسل- هو يسأل الجميع، وهو أعلم – ليظهر براءة الرسل ونزاهتهم وأمانتهم، ويظهر خيانة الكفرة وعنادهم وكفرهم، فيكون فضلا لهؤلاء ونكالا لهؤلاء، فإذا أنكر الكفار أن الرسل بلغوهم، وقيل للرسل : هل عندكم من شهداء ؟ فيقولون : نعم، أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد لنا. فيدعى بنا معاشر هذه الأمة الكريمة، فنشهد في ذلك الموقف العظيم للرسل الكرام بأنهم بلغوا ونصحوا وتحملوا الأذى، وبلغوا الدعوة على أكمل وجوه التبليغ، مع تحمل الأذى على أكمل الوجوه، وأن الأمم الكافرة هي التي آذتهم وأهانتهم وطغت وتجبرت وتكبرت عن قبول رسالات ربها. فيقول الأمم : يا ربنا كيف تقبل علينا شهادة أمة محمد وهم وقت إرسال الرسل إلينا لم يبرزوا للوجود، فهم في ذلك الوقت معدومون ؛ لأنهم آخر الأمم، وكيف يشهدون على شيء وقع قبل أن يكونوا في الوجود ؟ ! فنسأل عن ذلك فنقول : نعم، نحن في ذلك الوقت كنا معدومين، ولكنا بعد وجودنا حصل لنا اليقين الجازم، ومدار الشهادة على اليقين الجازم، فما شهدنا إلا بيقين جازم لا تختلجه الشكوك ولا الأوهام ؛ لأنك يا ربنا أرسلت إلينا رسولا كريما هو خير الرسل وأصدقهم وأعظمهم أمانة، وأنزلت عليه كتابا محفوظا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فما جاءنا في ذلك الكتاب ؟، وأخبرنا به ذلك النبي الكريم، فنحن نقطع به ونجزم به أشد قطعا وجزما مما عيناه بأعيننا وسمعناه بآذاننا، وهؤلاء قد قصصت علينا أخبارهم في آياتك المحكمات قصصا لا يختلجه شك، فهو قطع مجزوم به، فهؤلاء الكفرة قوم نوح قصصت علينا قضيتهم وأذاهم له، وما تحمل من أذاهم، وما نصح لهم من النصح، وما مكث فيهم من الزمن يبلغهم [ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ]( العنكبوت : آية ١٤ ) وأنه قال :[ إني دعوت قومي ليلا ونهارا( ٥ ) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا( ٦ ) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في أذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا( ٧ ) ]( نوح : الآيات ٥-٧ ) وهؤلاء قوم هود قصصت علينا قصصهم في آيات كثيرة، كقولهم له :[ يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ]( هود : آسية ٥٣ ) وهؤلاء قوم صالح قصصت علينا أخبارهم في آيات كثيرة، كقولهم له :[ يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ] إلى آخر الآيات ( العراف : آية ٧٧ )، وقد قدمنا أن هذا معنى قوله :[ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ]( البقرة : آية ١٤٣ ) ومن هذا(... ) ( في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل وذهب معه بعض الكلام. ويمكن أن يستدرك أول المسألة الآتية من كلام الشيخ رحمه الله في الأضواء حيث قال :" وهنا إشكال معروف : وهو أنه تعالى قال لنا :[ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين( ٦ ) ] وقال :[ فوربك لنسئلنهم أجمعين( ٩٢ ) عما يعملون( ٩٣ ) ] وقال :[ وقفوهم إنهم مسئولون( ٢٤ ) ] وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال :.... " إلخ. الأضواء( ٢/٢٩٠ ) ).
٢/ب /[ ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ]( القصص : آية ٧٨ ) وقال :[ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ]( الرحمان : آية ٣٩ ) فنفى سؤال الناس عن ذنوبهم، وأنه لا يسأل أحد عن ذنبه مع أن قوله :[ فوربك لنسئلنهم أجمعين( ٩٢ ) عما كانوا يعملون( ٩٣ ) ] ( الحجر : الآيتان ٩٣، ٩٢ ) من جملة ما كانوا يعملون : ذنوبهم، فإنهم يسألون عنها.
ووجه الجواب : أشهر أجوبة العلماء عن هذا جوابان :
أحدهما : أن السؤال قسمان : سؤال توبيخ وتقريع، وهو من جنس التعذيب. وسؤال استخبار واستعلام واستكشاف. فالمنفي في الآيات : سؤال الاستخبار والاستعلام والاستكشاف ؛ لأن الله هو العالم المحيط علمه بكل شيء، فليس كقضاة الدنيا الذين يسألون عن الحقيقة ليستفيدوا منها علما، فهو عالم بما صنعوا، مسجل له عليهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا يقال للواحد منهم : هل فعلت الذنب الفلاني ؟ سؤال استعلام واستكشاف، بل هو مسجل عليه ذنبه، محقق عليه، لا يسأل عنه بهذا المعنى أبدا، وإنما يسأل عن ذنبه سؤال توبيخ وتقريع، ويقال له : لم فعلت هذا ؟ ! وإذا وجدت أسئلة الكفار في القرآن وجدتها كلها أسئلة توبيخ وتقريع، كما قال لهم :[ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ]( الزمر : آية ٧١ )[ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون( ١٥ ) ]( الطور : آية ١٥ ) كل الأسئلة أسئلة توبيخ وتقريع، وأما سؤال المرسلين فليس سؤال توبيخ ولا تقريع، والمراد به أن المرسلين إذا سئلوا وقالوا :" بلغنا ونصحنا " رجع اللوم والتقريع على الأمم. ومن ذلك القبيل : سؤال الموءودة، وهي البنت التي كانوا يدفنونها حية، كما في قوله :[ وإذا الموءودة سئلت( ٨ ) بأي ذنب قتلت )٩ ) ]( التكوير : الآيتان٩، ٨ ) لأن سؤال الموءودة ليس توبيخا ولا تقريعا للموءودة ؛ لأنها لا ذنب لها، وإنما تقول : قتلت ودفنت حية في غير ذنب ؛ ليتوجه العتاب الشديد واللوم العظيم على من فعل ذلك بها فسؤال المرسلين، وسؤال الموءودة إنما يراد به : شدة توبيخ الكفار الذين كذبوا المرسلين، ووأدوا الموءودة. هذا معنى الآيات.
وهذا معنى قوله :[ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين( ٦ ) ]( الأعراف : الآية ٦ ) والدليل على أن سؤال الله للكفار سؤال توبيخ وتقريع، وأن سؤاله للمرسلين ليجيبوا بأنهم بلغوا فيتوجه التوبيخ والتقريع على الكفار زيادة على زيادة. الدليل على هذا- أنه لا يسألهم سؤال استعلام واستخبار واستكشاف- أنه أتبعه بقوله :[ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ]( الأعراف : آية ٧ )

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير