ويقول الحق بعد ذلك : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ .
والحق يسأل الرسل بعد أن يجمعهم عن مدى تصديق أقوامهم لهم، والسؤال إنما يأتي للإقرار، ومسألة السؤال وردت في القرآن بأساليب ظاهر أمرها أنها متعارضة، والحقيقة أن جهاتها منفكة، وهذا ما جعل خصوم القرآن يدعون أن القرآن فيه تضارب. فالحق سبحانه يقول : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ( ١٠١ ) ( سورة المؤمنون )، ويقول سبحانه أيضا : ولا يسأل حميم حميما ١٠ ( سورة المعارج )، ويقول جل وعلا : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ( من الآية ٧٨ سورة القصص )، ويقول سبحانه وتعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ٣٩ ( سورة الرحمن )، ثم يقول هنا :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ }( سورة الأعراف ).
وهذا ما يجعل بعض المستشرقين يندفعون إلى محاولة إظهار أن بالقرآن والعياذ بالله متناقضات. ونقول لكل منهم : أنت تأخذ القرآن بغير ملكة البيان في اللغة، ولو أنك نظرت إلى أن القرآن قد استقبله قوم لسانهم عربي، وهم باقون على كفرهم فلا يمكن أن يقال إنهم كانوا يجاملون، ولو أنهم وجدوا هذا التناقض، أما كانوا يستطيعون أن يردوا دعوى محمد فيقولوا : أيكون القرآن معجزا وهو متعارض ؟ ! لكن الكفار لم يقولوها، مما يدل على أن ملكاتهم استقبلت القرآن بما يريده قائل القرآن. وفي أعرافنا نورد السؤال مرتين، فمرة يسأل التلميذ أستاذه ليعلم، ومرة يسأل الأستاذ تلميذه ليقرر.
إذن فالسؤال يأتي لشيئين اثنين : إما أن تسأل لتتعلم، وهذا هو الاستفهام، وإما أن تسأل لتقرر حتى تصبح الحجة ألزم للمسؤول، فإذا كان الله سيسأله، أي يسأله سؤال إقرار ليكون أبلغ في الاحتجاج عليه، وبعد ذلك يقولون : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( ١٠ ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ( ١١ ) : وهذا اعتراف وإقرار منهم وهما سيدا الأدلة ؛ لأن كلام المقابل إنما يكون شهادة ولكن كلام المقر هو إقرار واعتراف.
إذن إذا ورد إثبات السؤال فإنه سؤال التقرير من الله لتكون شهادة منهم على أنفسهم، وهذا دليل أبلغ للحجة وقطع للسبل على الإنكار. فإما أن يقر الإنسان، وإن لم يقر فستقول أبعاضه ؛ لأن الإرادة انفكت عنها، ولم يعد للإنسان قهر عليها، مصداقا لقوله الحق : وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ( من الآية ٢١ سورة فصلت )، والحق هنا يقول : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وهو سؤال للإقرار. قال الله عنه : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ( من الآية ١٠٩ سورة المائدة ).
وحين يسأل الحق المرسلين، وهم قد أدوا رسالتهم فيكون ذلكم تقريعا للمرسَل إليهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي