قوله : فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هذا وعيد شديد، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ، واللام لام القسم، أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم، والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين أي الأنبياء الذين بعثهم الله، أي نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم، ومن أطاع منهم ومن عصى. وقيل المعنى : فلنسألن الذين أرسل إليهم، يعني الأنبياء، ولنسألن المرسلين، يعني الملائكة، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه : وَلاَ يسأَل عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون لما قدّمنا غير مرة أن الآخرة مواطن، ففي موطن يسألون، وفي موطن لا يسألون، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى، بالنسبة إلى يوم القيامة، فإنه محمول على تعدّد المواقف مع طول ذلك اليوم طولاً عظيماً.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ قال : الشك، وقال الأعرابيّ : ما الحرج فيكم ؟ قال : اللبس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال : ضيق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم، ثم قرأ : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ الآية. وأخرجه ابن جرير عنه مرفوعاً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس فَلَنَسْألَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ المرسلين قال : نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا، فلنقصنّ عليهم بعلم، قال : بوضع الكتاب يوم القيامة فنتكلم بما كانوا يعملون. وأخرج عبد بن حميد، عن فرقد، في الآية قال : أحدهما الأنبياء، وأحدهما الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال : نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله، ونسأل جبريل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني