ثم قال شعيب عليه السلام : قد افترينا على الله كذبًا إن عُدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها أي : إن رجعنا إلى مثلكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإدارة المغيبة، والعلم المحيط، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت : هو معصوم فلا يصح فيه العود ؟ قاله أدبًا مع الربوبية، واستسلامًا لقهر الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلَى دِينِكَ " ١ وَسِع ربُّنا كلَّ شيءٍ علمًا أي : أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، على الله توكلنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. ربنا افتح بيننا أي : احكم بيننا وبين قومنا بالحق بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، وأنت خير الفاتحين أي الفاصلين.
ويؤخذ من قوله : وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علَّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية :" يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمَّنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي