ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

ثم قال :[ قد افترينا على الله كذبا ]( الأعراف : آية ٨٩ ) فهذه الجملة معلقة على شرط، والمعلق على الشرط لا يعرف كذبه ولا صدقه إلا بوجود الشرط أو عدمه، وهذا معنى معروف في كلام العرب، تقول : قد وقع كذا إن كان كذا. فإذا كان الشرط منفيا انتفى المشروط، والمعنى : قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم. المعروف عند البصريين أن الشرط إذا تقدمه ما يكون جزاء انه يكون دليلا على الجزاء المقدر، والكوفيون لا يمنعون تقدم الجزاء على الشرط. فعلى قول الكوفيين لا مانع من أن يكون المعنى : إن عدنا في ملتكم فقد افترينا على الله الكذب، وأن قوله :[ قد افترينا ] هو جزاء الشرط قدم عليه في قوله :[ إن عدنا في ملتكم ]. والثاني : على مذهب البصريين من النحاة : أن جزاء الشرط لا يتقدم عليه ولكنه يدل عليه، فقد افترينا على الله كذبا، والمعنى : أن ملة الكفار كلها كذب وزور وبهتان، يدعون لله الأولاد، ويجعلون له الأنداد، ويكذبونه ويكذبون رسله، فكلها كذب وافتراء، والعائد إليها عائد إلى أعظم الكذب والافتراء، وهذا معنى قوله :[ قد افترينا على الله كذبا ].
الصحيح أن الكذب هو : عدم مطابقة الكلام للواقع في نفس الأمر، والأقوال فيه معروفة يذكرها البلاغيون في فن المعاني.
[ إن عدنا في ملتكم ] أي : رجعنا إليها، وهذا بالنسبة إلى غير شعيب ظاهر أي ألجئنا إليها بالنظر إلى شعيب كما ذكرناه.
[ بعد إذ نجانا الله منها ]( الأعراف : آية ٨٩ ) وقوله :[ بعد إذ نجانا الله منها ] قرينة على انه عود بعد ملابسة سابقة لقوله :[ بعد إذ نجانا الله منها ] لأن الجماعة الذين آمنوا لشعيب كانوا كافرين، وهذا معنى قوله :[ بعد إذ نجانا الله منها ] أنقذنا الله من الكفر وعبادة الأوثان وغير ذلك بأن بعث إلينا نبيا كريما معه المعجزات الواضحة تدل على صدقه، كما تقدم في قوله :[ قد جاءتكم بينة من ربكم... ]الآية ( الأعراف : آية ٨٥ ).
ثم قال :[ وما يكون لنا أن نعود فيها ] [ ما يكون لنا ]( الأعراف : آية ٨٩ ) معناه : ما يصح لنا، وما ينبغي منا، ولا يمكن، ولا يمكن لنا [ أن نعود فيها ] أن نرجع إليها، أو نصل إليها كما قيل، فنبي الله شعيب لما تبرأ من الملة الكافرية، وقال إنهم إن عادوا إليها فقد افتروا على الله كذبا، فوض جميع أمره إلى الله، وبين أن الأمور كلها بيد الله، فهو الذي بيده الهداية وإليه الضلال، فإن نبي الله شعيبا وإن كان من خيار المرسلين لا يهديه ويوفقه إلا ربه- جل وعلا- وهذه عادة العارفين بالله يعلمون أنه لا توفيق إلا بتوفيق الله [ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ]( المائدة : آية ٤١ ) [ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ]( النحل : آية ٣٧ ) ونحو ذلك من الآيات.
[ إلا أن يشاء الله ربنا ] يريد ربنا بمشيئته الكونية القدرية شيئا فلا مفر ولا موئل عما شاء وقدر.
[ وسع ربنا كل شيء علما ] ( علما ) هنا : تمييز محول عن الفاعل، أصله فاعل ( وسع ) فأعطي الفعل فاعلا آخر وحول التمييز عن الفاعل. ومعنى [ وسع ربنا ] علما أي : وسع علمه كل شيء، فالله يعلم كل شيء، ويعلم ما هو اعم من الشيء ؛ لأن المعدوم في مذهب أهل السنة والجماعة ليس بشيء ( في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها الكلام )، والله يعلم المعدوم الذي ليس بشيء، فهو ( جل وعلا ) يعلم الموجودات والمعدومات والجائزات والمستحيلات، فإنه بإحاطة علمه ليعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد، وهو يعلم أن ذلك المعدوم الذي لا يوجد أن لو وجد كيف يكون، فهو يعلم مثلا : أن أبا لهب لن يؤمن، ومع ذلك يعلم لو آمن أبو لهب أيكون إيمانه تاما أو ناقصا، كما لا يخفى، وكونه ( جل وعلا ) يعلم المعدوم الذي لا يوجد أن لو وجد كيف يكون، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، من الآيات الدالة على ذلك : أن الكفار يوم القيامة إذا رأوا النار، وعاينوا صدق ما جاءت به الرسل، وندموا وقد فاتت الفرصة، ندموا حيث لا ينفع الندم، وتمنوا أن يردوا إلى الدنيا مرة أخرى ليصدقوا الرسل، والله يعلم أنه لا يردهم إلى الدنيا مرة ثانية، فقد بين في سورة الأنعام أن هذا الرد الذي علم أنه لا يكون، بين انه لو كان لعلم كيف يكون ؛ ولذا قال :[ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ]( النعام : آية ٢٨ ) فهو يعلم أنهم لا يردون ويعلم لو ردوا ماذا يكون، كما صرح بقوله :[ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ]( الأنعام : آية ٢٨ ) والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدا ؛ لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بإرادته لحكمة، كما بينه بقوله :[ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ( ٣٦ ) ]( التوبة : آية ٤٦ ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم ( جل وعلا ) أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله :[ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ] الآية ( التوبة : آية ٤٧ ). وهذا كثير في كتاب الله كقوله جل وعلا :[ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون( ٧٥ ) ]( المؤمنون : آية ٧٥ ) هذا هو العلم المحيط بكل شيء في الجائزات والمعدومات والمستحيلات، والمعدوم الذي لا يوجد أن لو وجد كيف يكون، أما الخلق فإنهم لا يعلمون من العلوم إلا ما علمهم خالق السماوات والأرض ( جل وعلا ). وسنوضح لكم ذلك بأمثلة قرآنية :
فمما لا يخفى عليكم أن اعلم المخلوقات وأفضلهم الملائكة والرسل عليهم جميعا صلاة الله وسلامه، فالملائكة جميعا- مع علمهم –لما قال لهم الله :[ أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ]( البقرة : آية ٣١ ) أطبقوا كلهم على جواب واحد :[ قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم( ٣٢ ) ]( البقرة : آية ٣٢ ) فقولهم :[ لا علم لنا ] بنيت النكرة مع ( لا ) وذلك لا يكون إلا في لا التي لنفي الجنس، فالملائكة نفوا جنس العلم من أصله عنهم، ولم يستثنوا إلا ما علمهم الله إياه.
وكذلك وقائع الرسل القرآنية –صلوات الله وسلامه عليهم- هذا سيد الخلق، وأعلم الناس، وأفضل الرسل، سيدنا محمد ( صلوات الله وسلامه عليه )، رميت أحب أزواجه إليه- أم المؤمنين عائشة- بأعظم فرية وأكبر منكر أنها فعلته مع صفوان بن معطل السلمي، وهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما قالوه عنها أهو حق ؟ ! أم هو كذب ؟ ! ! ولذا كان يقول : كيف تيكم ؟ وقالت ( رضي الله عنها ) إنها في ذلك المرض أيام قول الناس عليها مسألة الإفك قالت : فقدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت اعرفه منه. وهي لا تدري ما قيل عنها. وكان يقول لها :" يا عائشة إن كنت قد فعلت شيئا فتوبي، فإن الله يتوب عليك، وإن كنت بريئة فسيبرؤك الله ". ولم يدر عن الحقيقة، حتى علمه الحكيم الخبير خالق السماوات والأرض الذي لا تخفى عليه خافية وقال له :[ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم... ] الآيات العشر إلى قوله :[ أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ]( النور : آية ٢٦ ) ولذا لما قالت لها أمها أم رومان : قومي إليه فاحمديه. قالت : والله لا أحمده، ولا أحمد اليوم إلا الله ؛ لأنه هو الذي برأني.
وهذا نبي الله إبراهيم- وهو هو- صلوات الله وسلامه عليه جاء بتاريخ القرآن أنه ذبح عجله للملائكة يظن أنهم يأكلون، وتعب في إنضاجه، ولم يدر أن ضيوفه ملائكة ؛ ولذا خاف منهم واخبرهم بأنه خاف منهم في سورة الحجر في قوله تعالى عنه :[ قال إنا منكم وجلون ] ( الحجر : آية ٥٢ ) ولم يدر عنهم شيئا حتى أخبروه. ولما جاؤوا لنبي الله لوط [ سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ]( هود : آية ٧٧ ) فظن أنهم شباب يفعل فيهم قومه فاحشة اللواط، حتى جاؤوه يدافعونه عن الباب ليدخلوا عليهم فيفعلوا بهم فاحشة اللواط، حتى قال ذلك الكلام المؤثر :[ لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد ]( هود : آية ٨٠ ) حتى اعلمه جبريل أنهم ملائكة الله [ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ] ( هود : آية ٨١ ) فعند ذلك علم.
وهذا نبي الله نوح مع جلالته وعظمة رتبته في الأنبياء من أولي العزم، قال :[ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين ]( هود : آية ٤٥ ) كان يظن أن ذلك الابن الكافر من الأهل الموعود بنجاتهم، ولم يعلم الحقيقة حتى قال له الله :[ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ( ٤٦ ) قال رب أني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين( ٤٧ ) ]( هود : الآيات٤٧، ٤٦ ).
وهذا نبي الله يعقوب قال الله فيه :[ وإنه لذو علم لما علمناه ]( يوسف : آية ٦٨ ) [ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ]( يوسف : آية ٨٤ ) ولا يدري عن ولده يوسف شيئا حتى كان يقول :[ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ]( يوسف : آية ٨٧ ).
وهذا سليمان سخر له الله الرياح والجن، الريح غدوها شهر ورواحها شهر، ما كان عنده علم عن مأرب-قريبا من صنعاء باليمن- حتى جاءه الهدهد وتمدح عليه بما علم من علم جغرافية وتأريخ اليمن وسليمان يجهله، وكان سليمان توعد الهدهد في قوله :[ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ( ٢١ ) ]( النمل : آية ٢١ ) فلما جاء الهدهد معه بعض العلم عن تاريخ مأرب- جماعة بلقيس من سبأ-بعض تاريخ وجغرافية عنهم، صمد أمام سليمان ولم يرعه الوعيد الشديد من نبي ملك، فنسب الإحاطة إلى نفسه، ونفاها عن سليمان، وقال له :[ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين ]الآية ( النمل : آية ٢٢ )/ كما هو معروف. وإنما أشرنا إلى هذا لنبين أن العالم الحقيقي هو الله :[ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ]( النمل : آية ٦٥ ) فالملائكة والرسل لا يعلمون إلا ما علمهم الله، والله يعلم رسله وملائكته ما شاء من وحيه، وقد علم نبينا ( صلوات الله وسلامه عليه ) علوما كثيرة ؛ ولو حفظ الناس عنه ما أخبرهم به من الغيوب لما مضى عليهم شيء من البلايا والزعازع إلا وقد كان عندهم خبر منه صلى الله عليه وسلم، فهو أخبر بكثير من الأمور، بعضها حفظ، وأكثرها لم يحفظه الناس، صارت تشاهد منه اليوم غرائب عديدة ؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" والذي نفسي بيده(... ) ( لم يتضح الكلام لضعف التسجيل ولفظ الحديث عند مسلم :" والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " ).
القلاص فلا يسعى عليها هذا الحديث العظيم من غرائب وعجائب الإخبار بالغيب ؛ لأنه ما كان احد في الدنيا يصدق أن الإبل تترك ولا تقطع عليها المسافات، فنحن في هذا الزمان شاهدنا صدق هذا الحديث بأعيننا، نرى ( ونشاهد ) ( في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها الكلام ) الإبل محمولة مع المتاع في السيارات ! ! وهذا من غرائب وعجائب الوحي التي أخبر بها –صلوات الله وسلامه عليه- ومن ذلك قوله :" لتتبعن سنن من قبلكم... " الحديث المشهور ألا ترون كيف اتبع المسلمون النصارى واليهود-عياذا بالله ؟ ! وهذا معنى قوله :[ إلا أن يشاء الله ربنا

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير