نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٨:الربع الأول من الحزب السابع عشر
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، تشير الآية الكريمة إلى الملأ من قوم شعيب وهم كبار قومه وسادتهم، وتلفت النظر إلى أن العامل الأساسي في إصرارهم على الباطل كغيرهم من المبطلين، وفي مقاومة ما جاء به نبيهم شعيب عليه السلام هو ما كانوا عليه من الأنفة والكبر والصلف، وما يتوقعونه من أن يصبحوا مجرد تابعين للنبي شعيب بعدما كانوا سادة متبوعين. والشأن في المتكبرين وذوي الرياسات الزائفة دائما أن يركبوا رؤوسهم، وأن لا يفتحوا آذانهم لسماع كلمة الحق، ولا قلوبهم لتقبلها والرضى بها، ولو كانت لصالحهم ونفعهم عاجلا وآجلا قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ونلاحظ في نفس الآية نوع التهديد الذي هددوا به شعيبا وصحبه، فهو التهديد بالنفي والإبعاد عن الوطن، كما هدد قوم لوط لوطا وأهله من قبل، إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون فها هم قوم شعيب يقلدونهم ويهددونه بنفس الأمر
لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا مما يدل على أن البشر قد عرفوا هذا النوع من العقوبات منذ عهد قديم، وذلك حرصا منهم على أن تبقى دار لقمان على حالها، فتستمر رياستهم الزائفة قائمة، ويبقى استغلالهم الفاحش مستمرا، إذ من أهم ما أخذهم به نبيهم شعيب عليه السلام تطفيفهم في الكيل والميزان، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وإفسادهم في الأرض بعد إصلاحها، ألم يقل لهم، كما سبق في الربع الماضي منذرا ومحذرا فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشيائهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين .
وكتاب الله عندما عرض هذه القصة كشأنه في غيرها من القصص، إنما عرضها للاعتبار وضرب المثل بالنسبة لكافة المؤمنين، فليس الأمر بتوفية الكيل والميزان، وليس النهي عن بخس الناس أشياءهم واستغلالهم استغلالا فاحشا، وليس التحذير من الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، مجرد تعليمات عامة وتوجيهات إلهية، قاصرة على قوم شعيب دون من دونهم، بحيث يعتبر غيرهم في حل منها، بل هي تعليمات عامة وتوجيهات أبدية إلى كافة المؤمنين في جميع العصور والأجيال. ووصف " الإيمان " المشترك بين كافة المؤمنين يقتضيها ويتضمنها، ولا يسمح بما يضادها أو يناقضها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين .
والعقاب الذي عاقب الله به قوم شعيب على هذه المخالفات قائم إلى يوم الدين بالنسبة لغيرهم كما كان بالنسبة إليهم، وإنه لواقع، ما له من دافع. وإذا كان نوع العقاب الإلهي لمن سلك مسلكهم في هذا الجيل من نوع آخر، فأنواع العقاب الإلهي لا تحصى عدا. قال القاضي أبو بكر ابن العربي :" إنما أذن الله سبحانه في الأموال بالأكل بالحق، والتعامل بالصدق، وطلب التجارة بذلك، فمتى خرج عن يد أحد شيء من ماله بعلمه لأخيه فقد أكل كل واحد منهما ما يرضي الله ويرتضيه " والعكس بالعكس.
وبعدما هدد كبار قوم شعيب نبيهم وصحبه بعقوبة النفي والإبعاد من الوطن التي تمس أدق الأحاسيس في قلب المواطن، وتحرمه من أول أرض تنفس فيها ومس جلده ترابها، عادوا إليه وإلى المؤمنين من صحبه، ليساوموهم على التنازل عن عقيدتهم، ويدعوهم إلى مهادنتهم ومداهنتهم في عقائدهم الباطلة، وإلى غض الطرف عن تصرفاتهم الطائشة، وذلك ما يشير إليه قولهم فيما حكاه كتاب الله عنهم : أو لتعودن في ملتنا .
وهذا الخطاب منهم موجه بالأصالة إلى أصحاب شعيب الذين كانوا فارقوا دين قومهم، وخرجوا عن ملتهم، وآمنوا بشعيب. أما شعيب عليه السلام نفسه فلم يكن على ملتهم حتى يعود إليها، إذ عصمه الله منها، وغاية ما يطلبون منه أن يكف عن دعوة الناس إلى الرسالة الجديدة التي جاء بها من عند الله، غير أن شعيبا رد عليهم بأن رجوع الذين آمنوا عن عقيدتهم الصحيحة إلى الملة الضالة التي فارقوها أمر متعذر، مقررا لهم حقيقة ذلك المبدأ الاعتقادي الأصيل الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات، ألا وهو مبدأ لا إكراه في الدين المعبر عنه في لسان هذا العصر بحرية الاعتقاد. وهكذا أجابهم شعيب قائلا : قال أو لو كنا كارهين ، أي أتعيدون المؤمنين برسالتي إلى ملتكم الباطلة بعدما كرهوها ومقتوها وآمنوا بالله ؟ إنه لا حق لأحد في أن يفرض معتقده على الغير بالقهر والإكراه.
أتساومونني على أن أدع رسالة ربي لأقر ملتكم الباطلة، ؟ إنه لا سبيل إلى ذلك، ولا سلطة تستطيع أن تفرض علينا التصديق بما هو كذب وافتراء، واتباع ما هو ضلال وباطل، قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ، وأخيرا قطع شعيب لكبراء قومه الضالين كل أمل في المساومات والتهديدات قائلا : وما يكون لنا أن نعود فيها .
وقوله هنا إلا أن يشاء الله ليس المراد به تجويز عودة أصحاب شعيب إلى الملة الضالة التي فارقوها، ولا احتمال تنازل شعيب عن الرسالة المأمور بتبليغها عن الله، وإنما المراد أحد أمرين، إما استبعاد ذلك بالمرة عن طريق تعليقه بالمشيئة الإلهية، وشعيب يعلم علم اليقين أن الله لا يرضى لعباده الكفر، وأنه يعصم رسله من الناس، وذلك على غرار قوله تعالى فيما سبق : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط إذ ليس معنى هذه الآية أن الجمل سيدخل في عين الإبرة وهي سم الخياط، وأن الذين كذبوا واستكبروا سيدخلون فعلا الجنة عندما يدخل الجمل عين الإبرة، وإنما معناه قطع كل أمل لهم في دخول الجنة، بذلك الأسلوب المدهش، الذي يفتح باب الطمع أولا، ليقفله في وجوه الطامعين أخيرا، فتكون حسرتهم أعظم، وخشيتهم أشد.
وإما أنه من باب الأدب مع الله تعالى في تعليق كل شيء بمشيئة الله، على غرار قوله تعالى في سورة الكهف : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله جريا مع العقيدة الإيمانية العامة والأصيلة في دين الله : ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن .
ومضى شعيب والمؤمنون معه في طريقهم السوي معتمدين على الله، دون أن يعبئوا بما تعرضوا له من المساومة والتهديد والإكراه، متحملين في سبيل نشر الهداية، كل أذى من أهل الغواية، وسع ربنا كل شيء علما، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري