ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

القول في تأويل قوله: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم، والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: (قد افترينا على الله كذبًا)، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، (١) وتخرّصنا عليه من القول باطلا= إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه= وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها، ونترك الحق الذي نحن عليه= (إلا أن يشاء الله ربنا) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا= (وسع ربنا كل شيء علما)، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن. (٢) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، (٣) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٨٥٣-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،

(١) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: ٤٨١، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير"وسع" فيما سلف ص: ٢٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) في المطبوعة: "فلا يخفى" بالفاء، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة، والصواب بالواو.

صفحة رقم 562

حدثنا أسباط، عن السدي: (قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذن نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا.
* * *
وقوله: (على الله توكلنا)، يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم، أيها القوم، فإنه الكافي من توكَّل عليه. (١)
* * *
ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه= إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة، والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة= (٢) بتعجيل النقمة، فقال: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق= (وأنت خير الفاتحين)، يعني: خير الحاكمين. (٣)
* * *
ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي"الفاتح" و"الفتّاح". (٤)
وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب: أنه من لغة مراد، (٥) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو: (٦)

(١) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف ٧: ٣٤٦/ ٨: ٥٦٦/ ١٠: ١٠٨، ١٨٤.
(٢) السياق: "... بالدعاء على قومه... بتعجيل النقمة".
(٣) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف ٢: ٢٥٤/ ١٠: ٤٠٥.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٥.
(٥) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٢٠، ٢٢١.
(٦) هو الأسعر الجعفي، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.

صفحة رقم 563

أَلا أَبْلِغْ بَني عُصْمٍ رَسُولا بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٨٥٤-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول:"تعالَ أفاتحك"، تعني: أقاضيك.
١٤٨٥٥-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، يقول: اقض بيننا وبين قومنا.
١٤٨٥٦-حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا مسعر قال، سمعت قتادة يقول: قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول:"تعالَ أفاتحك".
١٤٨٥٧-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
١٤٨٥٨-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: (افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
١٤٨٥٩-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: (افتح بيننا)، فيقول: احكم بيننا.
(١) سلف البيت وتخريجه ٢: ٢٥٤، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري، فقيده، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٠، ٢٢١، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"فإني عن فتاحتكم"، والصواب ما سلف، وما في المخطوطة هناك.

صفحة رقم 564

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية