الإيضاح : قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها أي ما أعظم افتراءنا على الله إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم.
وإذا كان اتباع ملتكم يعد افتراء على الله، لأنه قول عليه لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل، فكيف بمن يفتري عليه ويضل عن صراطه على علم ؟، فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر، والافتراء على الله فيه أفظع ضروب الافتراء التي لا تقبل فيها الأعذار بحال.
وفي قوله : إذ نجانا أي نجا أصحابي منها فهو تغليب بإدخاله في زمرتهم، أو نجاني من الانتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أومن بعقيدتها ولا أعمل بعمل أهلها، ولم أهتد بعقلي ورأيي إلى ملة خير منها فوقفت موقف الحيرة في شأنها، كما جاء في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم : ووجدك ضالا فهدى [ الضحى : ٧ ] وقوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلته نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [ الشورى : ٥٢ ].
وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا يقولون ما يكون لي أن أفعل كذا على معنى أنه غير مستطاع لي ولا جار على السنن المعقولة.
أي ليس من شأننا أن نعود فيها في حال من الأحوال إلا حال مشيئة ربنا المتصرف في جميع شؤوننا، فهو وحده القادر على ذلك، لا أنتم ولا نحن، لأنا موقنون بأن ملتكم باطلة، وملتنا هي الحق التي بها صلاح حال البشر وعمران الأرض.
وهذه الجملة رفض آخر للعود إلى ملتهم مؤكد أبلغ التأكيد، مؤيس لهم من عودته ومن آمن معه إلى ملتهم، فبعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم، نفاه نفيا مؤكدا بأنه ليس من شأنهم ولا يجيء من قبلهم بحال من الأحوال ؛ كالترغيب والترهيب بالرجاء في المنافع والخوف من المضار كالإخراج من الديار، إلا حالا واحدة وهي مشيئة الله، ومشيئته تجري بحسب علمه وحكمته في خلقه، وسنته في خلقه : أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل ما داموا ناصرين له وقائمين بما هداهم إليه منه.
وخلاصة ذلك : لا تطمعوا أن يشاء ربنا الحفي بنا عودتنا في ملتكم بعد إذ نجانا منها بفضله. فما كان الله ليدحض حجته ويغير سنته.
وسع ربنا كل شيء علما فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة، ومشيئته تجري على موجب الحكمة، فكل ما يقع فهو مشتمل عليها، وفي هذا إيماء إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [ الأعراف : ٩٩ ].
على الله توكلنا أي إلى الله وحده وكلنا أمورنا مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا من الحفاظ على شرعه ودينه، فهو الذي يكفينا تهديدكم وما ليس في استطاعتنا من جهادكم : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : ٣ ] إذ من شروط التوكل الصحيح القيام بالأحكام الشرعية ومراعاة السنن الكونية والاجتماعية، فمن يترك العمل بالأسباب فهو الجاهل المغرور لا المتوكل المأجور، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله أيترك ناقته سائبة ويتوكل على الله ؟ " اعقلها وتوكل " رواه الترمذي، وقال تعالى مخاطبا رسوله بعد أن أمره بمشورة أصحابه في غزوة أحد : فإذا عزمت فتوكل على الله [ آل عمران : ١٥٩ ] وإنما يكون العزم بعد الأخذ بالأسباب فقد لبس من يومئذ درعين وأعد العدة لقتال أعدائه، ورتب الجيوش بحسب القوانين المعروفة في ذلك العصر.
وخلاصة رد شعيب على الملأ من قومه : إنه عجب من تهديدهم وإنذارهم، وأقام الأدلة على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختياركم، وعدم استطاعة أحد إجبارهم عليه غير الله الفعال لما يريد. ثم ثنى بذكر توكله على الله الذي يكفي من توكل عليه ما أهمه مما هو فوق كسبه واختياره، ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون مرجو الإجابة إلا بعد القيام بعمل ما في الطاقة من الأعمال الكسبية مع التوكل على الله فقال :
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين الفتح : إزالة الأغلاق والأشكال، وهو قسمان : حسي يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي، ومعنوي : يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم والنصر في وقائع الحرب والمبهم من قضايا الحكم، ويقال فتح الله عليه إذا جد وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه : نصره، وفتح الحاكم بينهم وما أحسن فتاحته : أي حكمه كما قال شاعرهم :
| ألا أبلغ بني وهب رسولا | بأني عن فتاحتهم غني |
والمعنى : ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك في التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين المحقين والمبطلين، وأنت خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم، وتنزهك عن اتباع الظلم، واتباع الهوى في الحكم.
تفسير المراغي
المراغي