تفسير سورة سورة الضحى
دروزة
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
مقدمة التفسير
سورة الضحى
في هذه السورة تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بعدم ترك الله إياه. وتذكير له لما كان من أفضاله عليه، وحثه على البر باليتيم والسائل والتحدث بنعمة الله. وأسلوبها ومضمونها يلهمان أنها نزلت في ظروف أزمنة نفسية ألمّت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن نزولها كان في عهد مبكر من الدعوة. وفيها إشارة إلى نشأة النبي صلى الله عليه وسلم في طفولته وحاله الاقتصادية والروحية في شبابه.
في هذه السورة تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بعدم ترك الله إياه. وتذكير له لما كان من أفضاله عليه، وحثه على البر باليتيم والسائل والتحدث بنعمة الله. وأسلوبها ومضمونها يلهمان أنها نزلت في ظروف أزمنة نفسية ألمّت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن نزولها كان في عهد مبكر من الدعوة. وفيها إشارة إلى نشأة النبي صلى الله عليه وسلم في طفولته وحاله الاقتصادية والروحية في شبابه.
ﰡ
آية رقم ١
ﮉ
ﮊ
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ٢
ﮋﮌﮍ
ﮎ
- سجى : هدأ وسكن أو أطبق بالظلام.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ٣
ﮏﮐﮑﮒﮓ
ﮔ
- ودعك : بمعنى تركك.
- قلى : ترك وهجر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
- قلى : ترك وهجر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ٧
ﮥﮦﮧ
ﮨ
- ضالاً : هنا بمعنى حائراً.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ٨
ﮩﮪﮫ
ﮬ
- عائلاً : فقيراً.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ٩
ﮭﮮﮯﮰ
ﮱ
- فلا تقهر : فلا تظلمه ولا تغلبه على حقه ولا تذله.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ١٠
ﯓﯔﯕﯖ
ﯗ
- فلا تنهر : فلا تصرخ فيه ولا تؤذه بالقول.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
آية رقم ١١
ﯘﯙﯚﯛ
ﯜ
- التحدث بنعمة الله كناية عن ذكر نعمة الله وشكر الله عليها وأداء الواجب على صاحبها نحو الله والناس.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:
بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى ( ١ ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ١ ( ٢ ) مَا وَدَّعَكَ ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى٣ ( ٣ ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى( ٤ ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى( ٥ ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى( ٦ ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا ٤ فَهَدَى ( ٧ ) وَوَجَدَكَ عَائِلًا ٥ فَأَغْنَى( ٨ ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٦ ( ٩ ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ٧ ( ١٠ ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ٨ ( ١١ ) [ ١- ١١ ].جميع آيات السور موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.
ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية، فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيراً من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه ؛ حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى، هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.
ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولاً وفعلاً. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.
نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته
وفي الآيات [ ٦و ٧و ٨ ] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضاً للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أميناً، ويسر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته.
والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين١بأنه كان له من جده عبد المطلب أولاً ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه، ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة.
كذلك، فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين٢ بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيئ له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى.
ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف، وهتفت بذلك الكلمات المأثورة الخالدة :( كلا إن الله لن يخزيك، فإنك تفعل المعروف، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر ) على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم.
وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات٣ كما أن في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولاسيما حينما كان يسمع اليهود يقولون : ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١١٣ ) وآية البقرة هذه أيضا : وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٤ [ ٢٥٣ ]. فكانت تعتلج في نفسه الأفكار، وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشع في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.
ولقد روت الروايات٥ أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة.
فمن الممكن أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة، وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعميق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا( ٤٦ ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا( ٤٧ ) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا( ٤٨ ) .
ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في سورة القصص هذه : وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [ ٨٦ ]وفي آية سورة الشورى هذه : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم( ٥٢ ) وفي آية سورة يونس هذه : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون( ١٦ ) . وهذا يجعلنا نقول : إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة : ووجدك ضالا فهدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالاً لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدَى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه.
وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٦١ ) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ١٦٢ )لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ( ١٦٣ ) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة.
هذا ولقد روى بعض المفسرين٦في سياق آية ووجدك ضالا فهدى( ٧ ) أنها إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تاه في طفولته في جبال مكة، فقلق عليه جده وبحث عنه طويلاً حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك ؛ لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلاً عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.
١ - انظر طبقات ابن سعد ج١ ص١٩٩ وما بعدها مثلا.
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
.
٢ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٣ وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لهيكل طبعة ثانية ص ١٠٥- ١٣٢.
.
٣ - انظر طبقات ابن سعد ج ١ ص ١١٢و ١٢٦- ١٢٧ و١٣٦و ١٤٠..
٤ - الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويعرفه..
٥ - انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص ٣٩٦- ٤٣٤ وانظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٥- ٣٢٣ وج ٢ ص ١٠٣ وص ١٧٧- ١٧٨ وطبقات ابن سعد ص ٢٠٢ وتفسير الرازي ج ١ ص ٣٦٩- ٣٧٠ وأسد الغابة ج ٣٢٧ -٣٢٩..
٦ - انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنوح ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي الخ..
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
8 مقطع من التفسير