تفسير سورة الأنبياء

تفسير السمعاني
تفسير سورة سورة الأنبياء من كتاب تفسير السمعاني المعروف بـتفسير السمعاني .
لمؤلفه أبو المظفر السمعاني . المتوفي سنة 489 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الأنبياء
وهي مكية، قال ابن مسعود : سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾ قَوْله: ﴿اقْترب﴾ : افتعل، من الْقرب. وَقَوله: ﴿للنَّاس حسابهم﴾ أَي: وَقت حسابهم، وَقيل: عَذَابهمْ، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من نُوقِشَ فِي الْحساب عذب. وَالْآيَة فِي الْمُشْركين دون الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا قَوْله بَعضهم، وَإِنَّمَا سمى السَّاعَة قريبَة؛ لِأَنَّهَا كَانَت لَا محَالة، وكل مَا هُوَ كَائِن لَا محَالة فَهُوَ قريب، وَأَيْضًا فَإِن مَا بَقِي من الدُّنْيَا فِي جنب مَا مضى (قَلِيل)، فَسمى السَّاعَة قريبَة؛ على هَذَا الْمَعْنى، وَقد رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة ارتدع الْمُشْركُونَ عَن بعض مَا هم عَلَيْهِ، ثمَّ لما لم يرَوا للقيامة أثرا انهمكوا فِيمَا كَانُوا، وَهَكَذَا رُوِيَ أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمر الله﴾، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وهم فِي غَفلَة معرضون﴾ أَي: هم غافلون معرضون، وَقيل: فِي اشْتِغَال بِالْبَاطِلِ عَن الْحق، وَيُقَال: وهم فِي غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم وأريدوا بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ اسْتدلَّ الْمُعْتَزلَة بِهَذَا على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَقَالُوا: كل مُحدث مَخْلُوق، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿مُحدث﴾ أَي: مُحدث تَنْزِيله، ذكره الْأَزْهَرِي وَغَيره، وَيُقَال: أنزل فِي زمَان بعد زمَان، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كلما جدد لَهُم ذكرا استمروا على جهلهم، وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن الذّكر الْمُحدث هَاهُنَا مَا ذكره النَّبِي، وَبَينه من السّنَن والمواعظ
367
﴿مُحدث إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ (٢) لاهية قُلُوبهم وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون (٣) قَالَ رَبِّي يعلم القَوْل فِي السَّمَاء﴾ والدلائل سوى مَا فِي الْقُرْآن، وأضافه إِلَى الرب؛ لِأَنَّهُ قَالَه بِأَمْر الرب تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾ أَي: استمعوه لاعبين.
368
وَله تَعَالَى: ﴿لاهية قُلُوبهم﴾ أَي: غافلة، وَقيل: مشتغلة بِالْبَاطِلِ عَن الْحق. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع فألهيتها عَن ذِي تمائم محول)
أَي شغلتها.
وَقَوله: ﴿وأسروا النَّجْوَى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: وأخفوا النَّجْوَى، وَالْآخر: وأظهروا النَّجْوَى، وَالْعرب تَقول: أسر إِذا أخْفى، وَأسر إِذا أظهر، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: أسر إِذا أخْفى بِالسِّين غير الْمُعْجَمَة، وأشر إِذا أظهر بالشين الْمُعْجَمَة. قَالَ الشَّاعِر:
(وَلما رأى الْحجَّاج جرد سَيْفه
(أسر) الحروري الَّذِي كَانَ أضمرا)
وَقَوله: ﴿الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: أشركوا.
وَقَوله: ﴿هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ﴾ أَنْكَرُوا إرْسَال الْبشر، وطلبوا إرْسَال الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿أفتأتون السحر﴾ أَي: تحضرون السحر وتقبلونه.
وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم تبصرون﴾ أَي: تعلمُونَ أَنه سحر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يعلم القَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي: القَوْل يسر بِهِ، ويجهر بِهِ فِي السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
368
﴿وَالْأَرْض وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (٤) بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام بل افتراه بل هُوَ شَاعِر فليأتنا بِآيَة كَمَا أرسل الْأَولونَ (٥) مَا آمَنت قبلهم من قَرْيَة أهلكناهم أفهم يُؤمنُونَ (٦) وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ (٧) وَمَا﴾
369
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ أَي: تهاويل أَحْلَام، وَيُقَال: أخلاط أَحْلَام، وَيُقَال: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ وَلَا تَفْسِير.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَحَادِيث [طسم] أَو سراب بقيعة ترقرق للساري وأضغاث حالم)
وَقَوله: ﴿بل افتراه﴾ أَي: اختلقه.
وَقَوله: ﴿بل هُوَ شَاعِر﴾ أَي: مثل أُميَّة بن الصَّلْت وَمن أشبه، وَالْمرَاد من الْآيَة: بَيَان تناقضهم فِي قَوْلهم، وَأَنَّهُمْ غير مستقرين على شَيْء وَاحِد.
وَقَوله: ﴿فليأتنا بِآيَة كَمَا أرسل الْأَولونَ﴾ بِالْآيَاتِ، وطلبوا آيَة مثل النَّاقة أَو عَصا مُوسَى، وَيَد مُوسَى، وَمَا أشبه ذَلِك، وَقد كَانَ الله تَعَالَى بَين الْآيَات سوى مَا طلبُوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا آمَنت قبلهم من قَرْيَة أهلكناها﴾ مَعْنَاهُ: مَا آمَنت قبلهم من أهل قَرْيَة طلبُوا آيَة فأعطوا، أَي: أعطيناهم الْآيَة، وَلم يُؤمنُوا. وَقَوله: ﴿أهلكناها﴾ أَي: حكمنَا بهلاكها.
وَقَوله: ﴿أفهم يُؤمنُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كَمَا لم يُؤمن أُولَئِكَ، فَلَا يُؤمن هَؤُلَاءِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم﴾ يَعْنِي: أَنا لم نرسل الْمَلَائِكَة قبلك إِلَى الْأَوَّلين، فنرسل ملكا إِلَى قَوْمك.
وَقَوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد بِأَهْل الذّكر مؤمنو أهل
369
﴿جعلناهم جسدا لَا يَأْكُلُون الطَّعَام وَمَا كَانُوا خَالِدين (٨) ثمَّ صدقناهم الْوَعْد فأنجيناهم وَمن نشَاء وأهلكنا المسرفين (٩) لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ أَفلا تعقلون (١٠) وَكم قصمنا من قَرْيَة كَانَت ظالمة وأنشأنا بعْدهَا قوما آخَرين (١١) فَلَمَّا أحسوا﴾ الْكتاب، وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنهم عُلَمَاء هَذِه الْأمة.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
370
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلناهم جسدا﴾ أَي: ذَوي أجساد.
وَقَوله: ﴿لَا يَأْكُلُون الطَّعَام﴾ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدين﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا رد لقَولهم: ﴿وَقَالُوا مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام﴾ الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ صدقناهم الْوَعْد﴾ مَعْنَاهُ: صدقناهم الْوَعْد فِي الْعقَاب وَالثَّوَاب.
وَقَوله: ﴿فأنجيناهم وَمن نشَاء وأهلكنا المسرفين﴾ أَي: أنجينا الْمُؤمنِينَ، وأهلكنا المكذبين، وكل مكذب مُشْرك مُسْرِف على نَفسه، والسرف: مُجَاوزَة الْحَد.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ذكركُمْ أَي: حديثكم، وَقيل ذكركُمْ أَي: ذكركُمْ مَا تحتاجون إِلَيْهِ من دينكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِد: ذكركُمْ أَي: شرفكم، وَهُوَ شرف لمن يُؤمن بِهِ، لَا لمن يكفر بِهِ.
وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَي: أَفلا تعتبرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم قصمنا﴾ القصم: الْكسر، والفصم - بِالْفَاءِ - الصدع، وَفِي الْخَبَر: " يرفع أهل الدَّرَجَات الْعلَا إِلَى غرفَة من در لَيْسَ فِيهَا قَصم وَلَا فَصم ".
وَقَوله: ﴿من قَرْيَة كَانَت ظالمة﴾ أَي: ظلم أَهلهَا.
وَقَوله: ﴿وأنشئنا بعْدهَا قوما آخَرين﴾ أَي: فريقا آخَرين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحسوا بأسنا﴾ أَي: (وجدوا عذابنا)، وَقيل: وصل إِلَيْهِم
370
﴿بأسنا إِذا هم مِنْهَا يركضون (١٢) لَا تركضوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون (١٣) قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين (١٤) فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم حَتَّى﴾ عذابنا.
وَقَوله: ﴿إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ أَي: يهربون ركضا، يُقَال: ركض الدَّابَّة إِذا أسْرع فِي سَيرهَا.
371
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تركضوا﴾ أَي: لَا تهربوا.
وَقَوله: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ﴾ أَي: نعمتم فِيهِ، والمترف: الْمُنعم، وَقيل: إِلَى دنياكم ﴿ومساكنكم﴾ الَّتِي نعمتم فِيهَا. قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: هَذِه الْآيَات نزلت فِي أهل مَدِينَة كفرُوا، فَسلط الله عَلَيْهِم بعض الْجَبَابِرَة - وَقيل: كَانَ بخْتنصر - فَلَمَّا أَصَابَهُم عَذَاب السَّيْف هربوا، فَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة، وَالسُّيُوف قد أخذتهم: لَا تهربوا، وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ من دنياكم، فتعطون من شِئْتُم، وتمنعون من شِئْتُم، قَالُوا هَذَا لَهُم استهزاء، وَقد قيل: هَذَا فِي أهل مَدِينَة أَصَابَهُم عَذَاب من السَّمَاء، فَخَرجُوا هاربين، وَقَالَ لَهُم الْمَلَائِكَة هَذَا القَوْل، وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ أَي: تسْأَلُون لم تركْتُم مَا يصلح دينكُمْ وَأمر آخرتكم، واشتغلتم بِمَا يُوجب الْعَذَاب عَلَيْكُم؟ وَيُقَال: لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون عَمَّا عاينتم من الْعَذَاب، قَالَت الْمَلَائِكَة هَذَا توبيخا لَهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ الويل: دُعَاء الْهَلَاك.
وَقَوله: ﴿ظالمين﴾ أَي: ظالمين لأنفسنا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم﴾ أَي: دعاؤهم وَقَوْلهمْ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ الحصيد: هُوَ المستأصل.
وَقَوله: ﴿خامدين﴾ أَي: ميتين، وَمعنى الْآيَة: جعلناهم كَأَن لم يَكُونُوا.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ أَي:
371
﴿جعلناهم حصيدا خامدين (١٥) وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين (١٦) لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين (١٧) بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون (١٨) وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ للعب.
372
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا﴾ اخْتلفُوا فِي اللَّهْو هَاهُنَا على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن اللَّهْو هُوَ الْمَرْأَة، وَالْآخر: أَن اللَّهْو هُوَ الْوَلَد، وَهُوَ فِي الْمَرْأَة أظهر؛ فَإِن الْوَطْء يُسمى لهوا فِي اللُّغَة، وَالْمَرْأَة مَحل الْوَطْء، قَالَ الشَّاعِر:
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني كَبرت وَألا يحسن اللَّهْو أمثالي)
وَعَن بَعضهم: أَن اللَّهْو هُوَ الْغناء، وَهُوَ ضَعِيف فِي هَذَا الْموضع.
وَقَوله: ﴿لاتخذناه من لدنا﴾ أَي: لاتخذناه من عندنَا لَا من عنْدكُمْ، وَيُقَال: اتخذناه بِحَيْثُ لَا ترَوْنَ).
وَقَوله: ﴿إِن كُنَّا فاعلين﴾ أَي: مَا كُنَّا فاعلين، وَيُقَال: إِن كُنَّا فاعلين، وَلم نفعله؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بِنَا.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل﴾ الْحق هَاهُنَا: قَول الله تَعَالَى: " إِنَّه لَا ولد لَهُ " وَالْبَاطِل قَوْلهم: إِن الله اتخذ ولدا، وَيُقَال: إِن الْحق هُوَ الْقُرْآن، وَالْبَاطِل هُوَ الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿نقذف﴾ أَي: نلقي.
وَقَوله: ﴿فيدمغه﴾ أَي: يُزِيلهُ، يُقَال: دمغت فلَانا إِذا كسرت دماغه وقتلته.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هُوَ زاهق﴾ أَي: ذَاهِب، وَهَذَا من حَيْثُ بَيَان الدَّلِيل وَالْحجّة، لَا من حَيْثُ إِزَالَة الْكفْر أصلا، فَإِن الْكفْر وَالْبَاطِل فِي الْعَالم كثير.
وَقَوله: ﴿وَلكم الويل مِمَّا تصفون﴾ قَالَ قَتَادَة: مِمَّا تكذبون، وَقَالَ الْحسن: هُوَ لكل واصف كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
372
﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون (١٩) يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون (٢٠) أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون (٢١) لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله﴾
373
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض عبيدا وملكا.
وَقَوله: ﴿وَمن عِنْده﴾ أَي: الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾. أَي: لَا يتعظمون عَن عِبَادَته، وَذكر ابْن فَارس فِي تَفْسِيره فِي خبر: أَن الله تَعَالَى لما اسْتَوَى على عَرْشه، سجد ملك فَلَا يرفع رَأسه من السُّجُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا رفع رَأسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: سُبْحَانَكَ، مَا عبدتك حق عبادتك غير أَنِّي لم أشرك بك، وَلم أَتَّخِذ لَك ندا.
وَقَوله: ﴿وَلَا يستحسرون﴾ أَي: لَا يعيون، يُقَال: دَابَّة حسيرة إِذا كَانَت عيية، قَالَ كَعْب الْأَحْبَار: التَّسْبِيح لَهُم كالتنفس لبني آدم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون﴾ يَعْنِي: يسبحون دَائِما، لَا يضعفون وَلَا يفنون، وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عِنْد الْمَلَائِكَة ليل وَلَا نَهَار؛ وَإِنَّمَا المُرَاد بِذكر اللَّيْل وَالنَّهَار هَاهُنَا: هُوَ الدَّوَام على التَّسْبِيح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون﴾ معنى قَوْله: ﴿من الأَرْض﴾ أَي: من الْخشب وَالْحِجَارَة، (وَقد كَانَت عَامَّة أصنام الْمُشْركين من الْخشب وَالْحِجَارَة)، وهما من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿هم ينشرون﴾ أَي: يحيون، وَلَا يسْتَحق الإلهية إِلَّا من يقدر على الْإِحْيَاء والإيجاد من الْعَدَم؛ لِأَنَّهُ الإنعام بأبلغ وُجُوه النعم، وَهَذَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْبشر وكل مُحدث. وأنشدوا للأعشى فِي الانتشار:
373
﴿لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ (٢٢) لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
وقرىء: " ينشرون " بِفَتْح الْيَاء أَي: يحيون أبدا، وَمعنى الْآيَة هُوَ الْإِنْكَار على متخذ الْأَصْنَام آلِهَة، وَبَيَان أَنه لَا يَلِيق بهَا الإلهية.
374
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير: " إِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنى " غير "، قَالَ الشَّاعِر:
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا أيا عجبا للْمَيت الناشر)
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ لعَمْرو أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
يَعْنِي: غير الفرقدين، وَهَذَا على مَا اعتقدوا من دوَام السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِلَّا الله﴾ " إِلَّا " بِمَعْنى " الْوَاو " هَاهُنَا، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة وَالله (أَيْضا) لفسدتا، وَمعنى الْفساد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِذا كَانَ الْإِلَه اثْنَيْنِ، هُوَ فَسَاد التَّدْبِير وَعدم انتظام الْأُمُور بِوُقُوع الْمُنَازعَة والمضادة، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعلا بَعضهم على بعض﴾.
وَقَوله: ﴿فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الْمُشْركُونَ من الشَّرِيك وَالْولد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم (يسْأَلُون﴾ ) يَعْنِي: لَا يسْأَل عَمَّا يحكم على خلقه، والخلق يسْأَلُون عَن (أفعالهم وأعمالهم)، وَقيل: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل؛ لِأَنَّهُ كُله حِكْمَة وصواب، وهم يسْأَلُون عَمَّا يَفْعَلُونَ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِم، وَقيل: معنى لَا يسْأَل عَمَّا يفعل: لَا يُقَال لَهُ: لم؟، ولماذا؟ بِخِلَاف الْخلق، وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَقطع شبهتهم بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقد روى أَبُو الْأسود الدؤَلِي أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت مَا يسْعَى فِيهِ النَّاس ويكدحون، أهوَ أَمر قضي عَلَيْهِم أَو شَيْء يستأنفونه؟ فَقلت: لَا، بل أَمر قضي عَلَيْهِم، قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ قلت: سُبْحَانَ الله {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم
374
( ﴿٢٣) أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون (٢٤) وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي﴾ يسْأَلُون) فَقَالَ لي: أصبت يَا أَبَا الْأسود، وَقد أجزت عقلك، ثمَّ روى عمرَان أَن رجلا من جُهَيْنَة - أَو مزينة - أَتَى النَّبِي قَالَ لَهُ: عَمَّا يفعل النَّاس أَو يكدحون فِيهِ، أهوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم؟ أم شَيْء يستأنفونه؟ فَقَالَ النَّبِي: " هُوَ شَيْء قضي عَلَيْهِم، فَقَالَ ذَلِك الرجل: يَا رَسُول الله، أَفلا يكون ظلما؟ قَالَ: لَا، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ " قَالَ الشَّيْخ: وَقد ذكرنَا هَذَا الْخَبَر فِي كتاب " مُسْند الْقدر ".
375
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم اتَّخذُوا من دونه آلِهَة قل هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم.
وَقَوله: ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ أَي: ذكر من معي (بِمَا) أمروا من الْحَلَال وَالْحرَام.
وَقَوله: ﴿وَذكر من قبلي﴾ أَي: من يحيى مِنْهُم بِالطَّاعَةِ وَهلك بالمعصية، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ذكر من معي فَهُوَ الْقُرْآن، وَذكر من قبلي هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَعْنَاهُ: راجعوا الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَسَائِر الْكتب، هَل تَجِدُونَ فِيهَا أَن الله اتخذ ولدا؟
وَقَوله: ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ الْحق فهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ أَي: وحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا﴾ قَالَ قَتَادَة: قَالَ طَائِفَة من الْمُشْركين: إِن الله تَعَالَى صاهر الْجِنّ، فالملائكة بَنَاته.
375
﴿إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون (٢٥) وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون (٢٦) لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ (٢٧) يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون (٢٨) وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي﴾
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نَفسه عَمَّا قَالُوا.
وَقَوله: ﴿بل عباد مكرمون﴾ أَي: عبيد مكرمون.
376
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ هَذَا ثَنَاء من الله على الْمَلَائِكَة، وَمعنى قَوْله: ﴿لَا يسبقونه بالْقَوْل﴾ أَنهم لَا يَقُولُونَ قولا بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ أَي: لَا تَقولُوا قولا بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة، وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أحدث فِي ديننَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد ". والإحداث فِي الدّين أَن يَقُول بِخِلَاف الْكتاب وَالسّنة.
وَقَوله: ﴿وهم بأَمْره يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يخالفونه، لَا قولا، وَلَا عملا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: إِذْ أَمر بِأَمْر أطاعوا، فَإِذا قَالَ لَهُم: افعلوا قَالُوا: طَاعَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم﴾ أَي: مَا قدمُوا وأخروا، وَقيل: مَا بَين أَيْديهم هُوَ الْآخِرَة، وَمَا خَلفهم أَعْمَالهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا لمن قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَيُقَال: إِلَّا لمن رَضِي الله عَنهُ عمله.
وَقَوله: ﴿وهم من خَشيته مشفقون﴾ أَي: من عَذَابه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾. فَإِن قيل: هَل قَالَ أحد من الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه من دونه؟ (قُلْنَا) مَعْنَاهُ: لَو
376
﴿إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين (٢٩) أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ أَفلا يُؤمنُونَ﴾ قَالُوا، وَلم يَقُولُوا، وَالْجَوَاب الْمَعْرُوف: أَن المُرَاد مِنْهُ إِبْلِيس لَعنه الله؛ فَإِنَّهُ دَعَا النَّاس إِلَى طَاعَته، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن من دَعَا إنْسَانا إِلَى طَاعَته فِي مَعْصِيّة الْخَالِق فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعبدني أَو اتَّخَذَنِي إِلَهًا.
377
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ: أَو لم ير الْكفَّار، [و] لم يرَوا شَيْئا من هَذَا وَلَا الْمُسلمُونَ! وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ أَو لم يعلمُوا بإخبارك إيَّاهُم، وَقيل: أَو لم يخبروا. وَأما الرتق فِي اللُّغَة هُوَ السد، والفتق هُوَ الشق، قَالَ الشَّاعِر:
(يهون عَلَيْهِم إِذا يغضبون سخط العداة وإرغامها)
(ورتق الفتوق وفتق الرتوق وَنقض الْأُمُور وإبرامها)
وَأما معنى الْآيَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: قَوْله: ﴿كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَ السَّمَاء وَالْأَرْض ملتصقين، ففتقناهما بالهواء، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: كَانَ السَّمَاء شَيْئا وَاحِدًا، ففتقناها، وجعلناها سبع سموات، وَكَانَت الأَرْض شَيْئا وَاحِدًا ففتقناها، وجعلناها سبع أَرضين، وَالْقَوْل الثَّالِث قَالَه مُجَاهِد: فتقنا السَّمَاء بالمطر، وَالْأَرْض بالنبات.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد خلق بعض مَا هُوَ حَيّ من غير المَاء، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ ؟ وَأَيْضًا فَإِن الْإِنْسَان قد يَمُوت بِالْمَاءِ، وَالشَّجر والنبات قد يهْلك بِالْمَاءِ؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المَاء هَاهُنَا هُوَ النُّطْفَة، والحي هُوَ الْآدَمِيّ، وَمَعْنَاهُ: كل شَيْء حَيّ من الْآدَمِيّ. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن هَذَا على وَجه التكثير، وَأكْثر الْأَحْيَاء فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مَخْلُوق من المَاء أَو بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، فاستقام معنى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه.
377
( ﴿٣٠) وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بهم وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجا سبلا لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا وهم عَن آياتها معرضون (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون (٣٣) ﴾
وَقَوله: ﴿أَفلا يُؤمنُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
378
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت، وَقيل: ثقالا، قَالَ الشَّاعِر:
(رسا أَصله تَحت الثرى وسمائه إِلَى النَّجْم فرع لَا ينَال طَوِيل)
وَقَوله: ﴿أَن تميد بهم﴾. أَي: كَرَاهَة أَن تميد بهم، والميد: الْحَرَكَة.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجا سبلا﴾ الْفَج هُوَ الْوَاسِع بَين الجبلين.
وَقَوله: ﴿سبلا﴾ أَي: طرقا مسلوكة.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا﴾ أَي: مَحْفُوظًا من وُقُوعه على الأَرْض، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا﴾ وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَحْفُوظًا عَن الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ.
وَقَوله: ﴿وهم عَن آياتها معرضون﴾ آياتها: شمسها وقمرها ونجومها وارتفاعها واستمساكها بِغَيْر عمد، وَغير ذَلِك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر﴾ الْمَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عِكْرِمَة أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق اللَّيْل قبل النَّهَار، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا﴾ أَي: كَانَتَا مظْلمَة بالرتق ففتقتا بالضياء.
وَقَوله: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ أَي: يجرونَ، وَيُقَال يَدُور
378
﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون (٣٤) كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ بهم فلك دون السَّمَاء، وَيُقَال: يَدُور بهم السَّمَاء، وَالله أعلم؛ وَإِنَّمَا ذكر ﴿يسبحون﴾ وَلم يقل: يسبح على مَا يُقَال لما لَا يعقل؛ لِأَنَّهُ ذكر عَنْهُم مَا يذكر من الْعُقَلَاء، وَهُوَ الجري والسبح، فَذكر على مَا يعقل.
379
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ كَانُوا يَقُولُونَ: نتربص بِمُحَمد ريب الْمنون، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ يَعْنِي: أَن الْمَوْت طَرِيق مَعْهُود مسلوك لَا بُد مِنْهُ لكل حَيّ.
وَقَوله: ﴿أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ مَعْنَاهُ: أفهم الخالدون إِن مت؟ وَقد رُوِيَ " أَن النَّبِي لما توفّي دخل أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - وَوضع فَمه بَين عَيْنَيْهِ وَيَده على جَانب رَأسه، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، طبت حَيا وَمَيتًا، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَقد كَانَ عمر يَقُول: إِنَّه لم يمت، فَلَمَّا تَلا أَبُو بكر هَذِه الْآيَة، فَكَأَن النَّاس لم يسمعوا هَذِه الْآيَة إللا ذَلِك الْوَقْت، وأعرضوا عَن عمر (وَقَوله)، وَعَلمُوا أَنه قد مَاتَ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر﴾ أَي: بالرخاء والشدة، وَالصِّحَّة والسقم، وبالإشقاء والإسعاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَلف على الْإِنْسَان، وَقيل: بِالشَّرِّ وَالْخَيْر أَي: بِمَا يحبونَ ويكرهون، وَيُقَال: الشَّرّ غَلَبَة الْهوى على الْإِنْسَان، وَالْخَيْر الْعِصْمَة من الْمعاصِي، قَالَه سهل بن عبد الله.
379
﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون (٣٥) وَإِذا رآك الَّذين كفرُوا إِن يتخذونك إِلَّا هزوا أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون (٣٦) خلق الْإِنْسَان﴾
وَقَوله: ﴿فتْنَة﴾ أَي: محنة وخبرة.
وَقَوله: ﴿وإلينا ترجعون﴾ أَي: تردون.
380
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رآك الَّذين كفرُوا إِن يتخذونك إِلَّا هزوا﴾ أَي: مَا يتخذونك إِلَّا هزوا.
وَقَوله: ﴿أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم﴾ أَي: يعيب آلِهَتكُم، يُقَال: فلَان يذكر فلَانا أَي: يعِيبهُ، وَفُلَان يذكر الله أَي: يعظمه ويجله.
وَقَوله: ﴿وهم بِذكر الرَّحْمَن هم كافرون﴾ قَالَ هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا مُسَيْلمَة، وهم " الثَّانِيَة صلَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: سرعَة وتعجيل، وَالْإِنْسَان هُوَ آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَقد خلقه الله تَعَالَى من غير تَرْتِيب خلق سَائِر الْآدَمِيّين من النُّطْفَة، والعلقة، والمضغة، وَغَيره، وَهَذَا قَول حسن. وَالْقَوْل الثَّانِي: من عجل أَي: عجولا، وَيجوز أَن يكون المُرَاد من الْإِنْسَان جَمِيع بني آدم، وَأما ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ آدم لما نفخ الله فِيهِ الرّوح وَبلغ صَدره، أَرَادَ أَن يقوم، فَهُوَ عجلته. وَذكر الْكَلْبِيّ: أَنه لما نفخ فِيهِ الرّوح نظر إِلَى الشَّمْس فَإِذا هِيَ تغرب، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أتم خلقي قبل أَن تغرب الشَّمْس، فَهُوَ عجلته. وَالْقَوْل الثَّالِث: خلق الْإِنْسَان والعجلة مِنْهُ، وَقيل: والعجلة فِيهِ، وَهَذَا على طَرِيق الْمُبَالغَة، وَالْعرب تَقول للشرير: خلقت من الشَّرّ، وَكَذَلِكَ تَقول: خلق فلَان من الْخَيْر إِذا ذكر على طَرِيق الْمُبَالغَة.
وَالْقَوْل الرَّابِع: قَوْله: ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ أَي: من طين. قَالَ الشَّاعِر:
(والنبع فِي الصَّخْرَة الصماء منبته وَالنَّخْل ينْبت بَين المَاء والعجل)
أَي: الطين.
380
﴿من عجل سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (٣٨) لَو يعلم الَّذين كفرُوا حِين لَا يكفون عَن وُجُوههم النَّار وَلَا عَن ظُهُورهمْ وَلَا هم ينْصرُونَ (٣٩) بل تأتيهم بَغْتَة فتبهتهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ردهَا وَلَا هم ينظرُونَ (٤٠) ﴾
وَقَوله: ﴿سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ هَذَا فِي الْمُشْركين، فَإِنَّهُم كَانُوا يستعجلون الْقِيَامَة على مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿يستعجل بهَا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بهَا﴾ وَقَالَ بَعضهم: ﴿سأريكم آياتي﴾ أَي: مواعدي. وَقَوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ أَي: لَا تَطْلُبُوا الْعَذَاب مني قبل وقته، وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة؛ لِأَن النَّضر بن الْحَارِث كَانَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم.
381
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو يعلم الَّذين كفرُوا حِين لَا يكفون﴾ أَي: لَا يدْفَعُونَ.
وَقَوله: ﴿عَن وُجُوههم النَّار وَلَا عَن ظُهُورهمْ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: (وَلَا هم ينْصرُونَ). أَي: لَا يمْنَعُونَ من الْعَذَاب، وَفِي الْآيَة جَوَاب مَحْذُوف وَمَعْنَاهُ: لعلموا صدق وعدنا.
وَقَوله: ﴿لَو يعلم﴾ فِي ابْتِدَاء الْآيَة مَعْنَاهُ: لَو يرى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل تأتيهم بَغْتَة﴾ أَي: الْقِيَامَة فَجْأَة.
وَقَوله: ﴿فتبهتهم﴾. أَي: تحيرهم، يُقَال: فلَان مبهوت أَي: متحير، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾.
وَقَوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ردهَا وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: يمهلون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد استهزىء برسل من قبلك﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
381
﴿وَلَقَد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون (٤١) قل من يكلؤكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن بل هم عَن ذكر رَبهم معرضون (٤٢) أم لَهُم آلِهَة تمنعهم من دُوننَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نصر أنفسهم وَلَا هم منا يصحبون (٤٣) بل متعنَا هَؤُلَاءِ وآباءهم حَتَّى طَال عَلَيْهِم الْعُمر أَفلا يرَوْنَ أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾
وَقَوله: ﴿فحاق بالذين سخروا مِنْهُم﴾ أَي: نزل بالذين سخروا مِنْهُم. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ أَي: جَزَاء استهزائهم.
382
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل من يكلؤكم﴾ أَي: يحفظكم. قَالَ الشَّاعِر:
(إِن سليمى فَالله يكلؤها ضنت بِشَيْء مَا كَانَ يرزؤها)
وَقَوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن﴾ أَي: من عَذَاب الرَّحْمَن، وَالله تَعَالَى يحفظ الْعباد من عَذَاب نَفسه.
وَقَوله: ﴿بل هم عَن ذكر رَبهم معرضون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم آلِهَة تمنعهم من دُوننَا﴾ أَي: تمنع الْعَذَاب عَنْهُم من دُوننَا.
وَقَوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ نصر أنفسهم﴾ أَي: منع أنفسهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا هم منا يصحبون﴾ أَي: يجارون، يُقَال: أجارك الله أَي: حفظك، وَتقول الْعَرَب: صحبك الله أَي: حفظك ونصرك، وَقد قيل: يصحبون أَي: ينْصرُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل متعنَا هَؤُلَاءِ وآباءهم﴾ أَي: أملينا وأمهلنا، وَيُقَال: متعنَا أَي: أعطيناهم النِّعْمَة.
وَقَوله: ﴿حَتَّى طَال عَلَيْهِم الْعُمر﴾ أَي: امْتَدَّ بهم الزَّمَان.
وَقَوله: ﴿أَفلا يرَوْنَ أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾ الْأَكْثَرُونَ: أَن هَذَا هُوَ ظُهُور النَّبِي، وفتحه ديار الشّرك أَرضًا أَرضًا وبلدة بَلْدَة، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا
382
﴿أفهم الغالبون (٤٤) قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي وَلَا يسمع الصم الدُّعَاء إِذا مَا ينذرون (٤٥) وَلَئِن مستهم نفحة من عَذَاب رَبك ليَقُولن يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين (٤٦) وَنَضَع﴾ التَّأْوِيل أَنه قَالَ: ﴿أفهم الغالبون﴾ أَي: لَيست الْغَلَبَة لَهُم؛ إِنَّمَا الْغَلَبَة لي ولرسولي، وَعَن ابْن جريج قَالَ: مَا ينقص من سَائِر الْأَرْضين يُزَاد فِي الشَّام، وَمَا ينقص من الشَّام يُزَاد فِي أَرض فلسطين، وَبهَا الْمَحْشَر. وَقَالَ عِكْرِمَة: لَو نقص من الأَرْض مَا وجد أحد مَكَانا يقْعد فِيهِ، وَلَكِن المُرَاد من الْآيَة ذهَاب خِيَارهَا وعلماؤها، وَيُقَال: هُوَ موت أَهلهَا، وَقيل: خرابها.
383
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا يسمع الصم الدُّعَاء﴾ وقرىء: " لَا يسمع الصم الدُّعَاء "، وَقَرَأَ عبد الرَّحْمَن المقرىء: " لَا تسمع الصم الدُّعَاء "، وَأما الْمَعْرُوف هُوَ ظَاهر الْمَعْنى، والصم هم الْكفَّار، وَسَمَّاهُمْ صمًّا، لأَنهم لم يسمعوا مَا يَنْفَعهُمْ.
وَقَوله: ﴿إِذا مَا ينذرون﴾ أَي: يخوفون بِالْوَحْي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن مستهم نفحة﴾ النفحة هِيَ: الدفعة الْيَسِيرَة، تَقول الْعَرَب: نفح فلَان بِالسَّيْفِ على هَذَا الْمَعْنى، وَهِي بِخِلَاف... والنفخة لَا بُد فِيهَا من خُرُوج الرّيح من الْخَوْف، وَمعنى ﴿وَلَئِن مستهم نفحة﴾ أَي: طرف من عَذَاب رَبك، وَقيل: أدنى شَيْء من عَذَاب رَبك.
وَقَوله: ﴿ليَقُولن يَا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾ مَعْنَاهُ: يَا هلاكنا، إِنَّا كُنَّا مُشْرِكين، كَأَنَّهُمْ أقرُّوا على أنفسهم بِاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط﴾ مَعْنَاهُ: ذَوَات الْقسْط، والقسط، الْعدْل، وَفِي الْمَشْهُور فِي الْأَخْبَار: أَن الْمِيزَان لَهُ لِسَان وكفتان، وَفِي بعض الْمَأْثُور: أَن دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب: أَرِنِي الْمِيزَان الَّذِي يُوزن بِهِ أَعمال الْعباد، فَأرَاهُ إِيَّاه،
383
﴿الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا﴾ وكل كفة مِنْهُ مثل مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فَقَالَ: يَا رب: وَمن يمْلَأ هَذَا من الْحَسَنَات؟ فَقَالَ: باداود، إِذا رضيت عَن عَبدِي ملأته بكسرة أَو تَمْرَة وَالله أعلم.
وَأما كَيْفيَّة الْوَزْن فقد قَالَ بَعضهم إِنَّه يُوزن الْحَسَنَات والسيئات، وَقيل: يُوزن خَوَاتِيم الْأَعْمَال، وَقَالَ بَعضهم: الْمِيزَان عَلامَة يعرف بهَا مقادير اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَالصَّحِيح هُوَ الْمِيزَان حَقِيقَة، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ فَكيف التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ أَي: لَا يَسْتَقِيم وزنهم على الْحق، فَإِن ميزانهم شائل نَاقص خَفِيف، وَيُقَال: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ أَي: ثَوابًا، قَالَ بعض الْخَوَارِج فِي ضَرْبَة ابْن ملجم لعَلي رَضِي الله عَنهُ: -
(يَا ضَرْبَة من تقى مَا أَرَادَ بهَا إِلَّا ليدرك من ذِي الْعَرْش رضوانا)
(إِنِّي لأذكر يَوْمًا فأحسبه أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا)
أَي ثَوابًا، وَنحن نبرأ من معنى هَذَا الشّعْر وَمن قَائِله.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تظلم نفس شَيْئا﴾ أَي: [لَا] يُزَاد فِي سيئاته، وَلَا ينقص من حَسَنَاته.
وَقَوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل﴾ أَي: زنة حَبَّة خَرْدَل.
وَقَول: ﴿أَتَيْنَا بهَا﴾ أَي: أحضرناها؛ لنجازى عَلَيْهَا.
وقرىء فِي الشاذ: " آتَيْنَا بهَا " بِمد الْألف، من الإيتاء أَي: جازينا بهَا أَو أعطينا بهَا.
وَقَوله: ﴿وَكفى بِنَا حاسبين﴾ أَي: محاسبين، وَقيل: حافظين عَالمين، وَقيل: محصين.
384
﴿وَكفى بِنَا حاسبين (٤٧) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفرْقَان وضياء وذكرا لِلْمُتقين (٤٨) الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون (٤٩) وَهَذَا ذكر مبارك أَنزَلْنَاهُ أفأنتم لَهُ منكرون (٥٠) وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين (٥١) إِذْ قَالَ﴾
385
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفرْقَان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه التَّوْرَاة، وَالْآخر: أَنه الْبُرْهَان الَّذِي فرق بِهِ بَين حق مُوسَى وباطل فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿وضياء﴾ وقرىء بِغَيْر الْوَاو، فَأَما بِالْوَاو فَهُوَ صفة أُخْرَى للتوراة، إِذا حملنَا الْفرْقَان على التَّوْرَاة، وَإِن حملناه على الْبُرْهَان، فَمَعْنَاه: أعطيناه الْبُرْهَان، وأعطيناه التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ ضِيَاء، فَأَما بِغَيْر الْوَاو فَمَعْنَى الْفرْقَان على هَذَا لَيْسَ إِلَّا التَّوْرَاة، وَقَوله: ﴿وضياء﴾ صفة لَهَا.
وَقَوله: ﴿وذكرا لِلْمُتقين﴾ أَي: تذكيرا لِلْمُتقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ؛ لِأَن الْمُؤمنِينَ يخشونه وَلَا يرونه، فَأَما هُوَ يراهم وَلَيْسوا بِغَيْب عَنهُ. وَقَوله: ﴿وهم من السَّاعَة مشفقون﴾ أَي: خائفون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذكر مبارك أَنزَلْنَاهُ﴾ قد بَينا معنى الْمُبَارك، وَقيل: يتبرك بِهِ أَي: يطْلب مِنْهُ الْخَيْر.
وَقَوله: ﴿أفأنتم لَهُ منكرون﴾ مَذْكُور على وَجه التوبيخ والذم لإنكارهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل﴾ فِي الرشد قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْهِدَايَة، وَالْآخر: أَنه النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿من قبل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: من قبل الْبلُوغ، وَهُوَ حِين خرج من السرب، وَهُوَ صَغِير، وَنظر إِلَى النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر فاستدل، كَمَا ذكرنَا فِي سُورَة الْأَنْعَام، وَالْقَوْل الثَّانِي: من قبل أَي: من قبل مُوسَى وَهَارُون.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالمين﴾ أَي: عارفين.
385
﴿لِأَبِيهِ وَقَومه مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون (٥٢) قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين (٥٣) قَالَ لقد كُنْتُم أَنْتُم وآباؤكم فِي ضلال مُبين (٥٤) قَالُوا أجئتنا بِالْحَقِّ أم أَنْت من اللاعبين (٥٥) قَالَ بل ربكُم رب السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي فطرهن وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين (٥٦) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أَن توَلّوا مُدبرين (٥٧) فجعلهم جذاذا﴾
386
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَومه مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ أَي: الْأَصْنَام الَّتِي أَنْتُم عَلَيْهَا مقيمون لِلْعِبَادَةِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين﴾ مَعْنَاهُ: وجدناهم كَذَلِك فاتبعناهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لقد كُنْتُم أَنْتُم وآباؤكم فِي ضلال مُبين﴾ أَي: فِي خطأ بَين، والبين الْوَاضِح، والمبين الموضح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أجئتنا بِالْحَقِّ أم أَنْت من اللاعبين﴾ أَي: بِالصّدقِ وَالْجد، أم أَنْت من الهازئين؟
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل ربكُم رب السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي فطرهن﴾ أَي: خَلقهنَّ.
وَقَوله: ﴿وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين﴾ أَي: على أَنه الْإِلَه الَّذِي لَا يسْتَحق الْعِبَادَة غَيره، وَأَن الْأَصْنَام لَيست بآلهة، وَقيل: وَأَنا من الشَّاهِدين على أَنه خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ الكيد: إِيصَال ضرّ بِالْغَيْر بِضَرْب من التَّدْبِير، وَقيل: الكيد شبه الْمُحَاربَة.
وَفِي مغازي الرَّسُول غزا مَوضِع كَذَا، فَلم يلق كيدا، أَي: حَربًا.
وَقَوله: ﴿بعد أَن توَلّوا مُدبرين﴾ أَي: بعد أَن تدبروا منطلقين إِلَى عيدكم، فَإِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر كيد الْأَصْنَام، وَهِي لَا تعقل؟ قُلْنَا: سنبين وَجه كَيده لَهَا.
قَوْله: ﴿فجعلهم جذاذا﴾ قرىء: " جذاذا " و " جذاذا " وَفِي الشاذ " جذاذا "، فَقَوله: " جذاذا " بِالرَّفْع هُوَ مثل الحطام والرفات، وَقَوله: " جذاذا " بِالْكَسْرِ فَهُوَ جمع
386
﴿إِلَّا كَبِيرا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ (٥٨) قَالُوا من فعل هَذَا بآلهتنا إِنَّه لمن الظَّالِمين﴾ الجذيذ، مثل الْخَفِيف والخفاف، وَمَعْنَاهُ: أَنه قطعهَا وَكسرهَا، أَي: جعلهَا قِطْعَة قِطْعَة، وكسرة كسرة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما مروا إِلَى عيدهم قَالُوا لَهُ: أَلا تخرج مَعنا؟ فَقَالَ: لَا، إِنِّي سقيم، وَمَعْنَاهُ: مَا برد بعد، ثمَّ قَالَ فِي نَفسه: تالله لأكيدن أصنامكم، فَسَمعهُ رجل مِنْهُم، ومروا وَلم يبْق فِي الْبَلَد أحد، فجَاء إِلَى بَيت أصنامهم، وَمَعَهُ فأس، وَكَانَ فِي الْبَيْت اثْنَان وَسَبْعُونَ صنما، بَعْضهَا من حجر، وَبَعضهَا من فضَّة، وَبَعضهَا من ذهب، وَغير ذَلِك، والصنم الْكَبِير من الذَّهَب، وَهُوَ مكلل بالجوهر، وَعَيناهُ ياقوتتان تتقدان، وَهُوَ على هَيْئَة عَظِيمَة، فَأخذ الفأس، وَكسر الْكل إِلَّا الْكَبِير، فَإِنَّهُ تَركه وعلق الفأس فِي عُنُقه، وَقيل: ربطه بِيَدِهِ، فَهَذَا هُوَ كيد الْأَصْنَام، وَمَعْنَاهُ: [أَنه] كادهم على مَا يَعْتَقِدُونَ فيهم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فجعلهم جذاذا إِلَّا كَبِيرا لَهُم﴾، وأنشدوا فِي الْجذاذ شعرًا:
(جذذ الْأَصْنَام فِي مِحْرَابهَا ذَاك فِي الله الْعلي المقتدر)
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لَعَلَّهُم عِنْده يرجعُونَ من الشّرك أَي: عِنْد هَذَا الْفِعْل، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَعَلَّهُم إِلَى الْكَبِير يرجعُونَ، وَمَعْنَاهُ: أَنهم إِذا رَأَوْا أَمْثَال الصَّنَم الْكَبِير مقطعَة مكسرة، وَعرفُوا أَنه مثلهم، وَلم يكن عِنْدهم دفع، عرفُوا أَنه لَا دفع عِنْده أَيْضا، وَأما قَول من قَالَ: إِن معنى الْآيَة: ﴿لَعَلَّهُم إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ : أَن الْكَبِير هُوَ الَّذِي فعل بهم ذَلِك حمية وأنفة، فَهُوَ قَول بَاطِل؛ لِأَنَّهُ لَا يدْخل فِي عقل أحد أَن الصَّنَم الْكَبِير يكسر الْأَصْنَام الصَّغِيرَة، وَإِنَّمَا علق الفأس فِي عنق الْكَبِير تعييرا لَهُم وتبكيتا، وَقيل: على طَرِيق إِلْزَام الْحجَّة، فَإِن اعْتِقَادهم يُوجب هَذَا، وَهُوَ أَن الْكَبِير لَا يرضى بالأصنام الصغار مَعَ هُوَ لَو كَانُوا يعْقلُونَ.
387
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا من فعل هَذَا بآلهتنا﴾ فِيهِ تَقْدِير، وَهُوَ أَنهم رجعُوا ودخلوا على الْأَصْنَام، فَلَمَّا رأوها قَالُوا كَذَلِك.
387
( ﴿٥٩) قَالُوا سمعنَا فَتى يذكرهم يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم (٦٠) قَالُوا فَأتوا بِهِ على أعين النَّاس لَعَلَّهُم يشْهدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْت فعلت هَذَا بآلهتنا يَا إِبْرَاهِيم (٦٢) قَالَ بل فعله﴾
وَقَوله: ﴿إِنَّه لمن الظَّالِمين﴾ أَي: من الْمُجْرمين.
388
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سمعنَا فَتى﴾ أَي: شَابًّا ﴿يذكرهم﴾ أَي: يعيبهم، وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل الَّذِي سمع مِنْهُ ذكر كيد الْأَصْنَام قَالَ هَذَا.
وَقَوله: ﴿يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم﴾ مَعْلُوم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا فَأتوا بِهِ على أعين النَّاس﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْملك - وَهُوَ نمروذ - قَالَ هَذَا القَوْل، وَمَعْنَاهُ: جيئوا بِهِ على مشْهد النَّاس.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يشْهدُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم يشْهدُونَ عَذَابه إِذا عذبناه، وَالْقَوْل الآخر: لَعَلَّهُم يشْهدُونَ أَي: يسمعُونَ قَول الرجل أَنه قَالَ كَذَا فِي الْأَصْنَام، قَالَ السّديّ: كره الْملك أَن يُعَاقِبهُ بِغَيْر بَيِّنَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَأَنْت فعلت هَذَا بآلهتنا يَا إِبْرَاهِيم﴾ طلبُوا مِنْهُ الْإِقْرَار وَالِاعْتِرَاف بِمَا فعل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا﴾ اعْلَم أَنه قد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِبْرَاهِيم كذب ثَلَاث كذبات " - وَفِي رِوَايَة: " فِي الله " - قَوْله: ﴿بل فعله كَبِيرهمْ﴾، وَقَوله: ﴿إِنِّي سقيم﴾، وَقَوله لسارة: هَذِه أُخْتِي ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ أَبُو الْحسن بن [فراس]، قَالَ: نَا أَبُو جَعْفَر الديبلي، قَالَ: نَا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، قَالَ: نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن أبي الزِّنَاد.. الحَدِيث.
388
﴿كَبِيرهمْ هَذَا فاسألوهم إِن كَانُوا ينطقون (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أنفسهم فَقَالُوا إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ (٦٤) ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم لقد علمت مَا هَؤُلَاءِ ينطقون (٦٥) قَالَ أفتعبدون من دون الله مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم (٦٦) أُفٍّ لكم وَلما تَعْبدُونَ من﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: قَالَ إِبْرَاهِيم مَا قَالَ بِإِذن الله تَعَالَى لقصد الصّلاح، وَهُوَ مثل مَا أذن ليوسف أَن يَقُول للإخوة: " أيتها العير إِنَّكُم لسارقون، وَقَالَ بَعضهم، هُوَ قَول يُخَالف لَفظه مَعْنَاهُ، وَلكُل تَأْوِيل، أما قَوْله: ﴿بل فعله كَبِيرهمْ﴾ أَي: على زعمكم واعتقادكم، وَهُوَ على وَجه إِلْزَام الْحجَّة، كَمَا بَينا على تَحْقِيق الْخَبَر، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا ﴿فَسَأَلُوهُمْ إِن كَانُوا ينطقون﴾، قَالَه على سَبِيل الشَّرْط، قَالَ النّحاس: وَفِي هَذَا التَّأْوِيل بعد، وَهُوَ مُخَالف للْأَخْبَار الثَّابِتَة، وَأما قَوْله: ﴿إِنِّي سقيم﴾ أَي: سأسقم وَقيل مَعْنَاهُ: سقيم أَي: مُغْتَم بضلالتكم، فَكَأَنَّهُ سقيم الْقلب بذلك، وَأما قَوْله لسارة: هَذِه أُخْتِي أَي: أُخْتِي فِي الدّين، وَالْأولَى مَا ذَكرْنَاهُ من الْمَعْنى الأول، وَهُوَ قَول أهل السّنة، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أذن لَهُ فِيهِ.
389
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أنفسهم فَقَالُوا إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: رجعُوا إِلَى فكرهم وعقولهم فَقَالُوا: إِنَّكُم أَنْتُم الظَّالِمُونَ يَعْنِي: بعبادتكم مَا لَا يدْفع عَن نَفسه شَيْئا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: أجْرى الله تَعَالَى حَقًا على لسانهم فِي القَوْل الأول، ثمَّ أدركتهم الشقاوة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ثمَّ نكسوا على رُءُوسهم﴾ وَمَعْنَاهُ: رجعُوا إِلَى شركهم، وَيُقَال: نكس الْمَرِيض إِذا رَجَعَ إِلَى حَاله الأول، وَقيل: نكسوا على رُءُوسهم أَي: رجعُوا، وَمَعْنَاهُ: إِلَى الِاحْتِجَاج عَن الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿لقد علمت مَا هَؤُلَاءِ ينطقون﴾ وَمَعْنَاهُ: فَكيف نسألهم؟.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أفتعبدون من دون الله مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم﴾ مَعْنَاهُ: لَا ينفعكم إِن عبدتموه، وَلَا يضركم إِن تركْتُم عِبَادَته.
وَقَوله: ﴿أُفٍّ لكم﴾ أَي: نَتنًا وقذرا لكم. وَقَوله: ﴿وَلما تعبدو من دون الله﴾
389
﴿دون الله أَفلا تعقلون (٦٧) قَالُوا حرقوه وانصروا آلِهَتكُم إِن كُنْتُم فاعلين (٦٨) قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم (٦٩) ﴾ أَي: الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَي: أَلَيْسَ لكم عقل تعرفُون هَذَا؟.
390
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا حرقوه وانصروا آلِهَتكُم﴾ التحريق هُوَ التقطيع بالنَّار، وَاخْتلفُوا أَن الْقَائِل لقَوْله: ﴿حرقوه﴾ من كَانَ؟ فَعَن ابْن عمر - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: هُوَ رجل من أكراد فَارس، وَقَالَ غَيره: هُوَ نمروذ الْجَبَّار، وَعَن بَعضهم: أَنه رجل يُقَال لَهُ: (هيرون) خسف الله بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وانصروا آلِهَتكُم﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي مَعْنَاهُ: عظموا آلِهَتكُم بإحراقه، وَقيل: وادفعوا عَن آلِهَتكُم.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم فاعلين﴾ يَعْنِي: إِن كُنْتُم ناصرين لَهَا أَي: للآلهة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم بنوا أتونا بقرية من قرى كوثى، وجمعوا الأحطاب مُدَّة. وَعَن السّديّ قَالَ: كَانَ الرجل مِنْهُم يمرض فيوصي بشرَاء الْحَطب وإلقائه فِيهِ، وَالْمَرْأَة تغزل فتشتري الْحَطب بغزلها فتلقيه فِيهِ، ثمَّ أوقدوا عَلَيْهَا سَبْعَة أَيَّام، ثمَّ ألقوا فِيهَا إِبْرَاهِيم. وَرُوِيَ أَنهم لم يعلمُوا كَيفَ يلقونه فِيهَا؟ فجَاء إِبْلِيس - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق - وعلمهم عمل المنجنيق، فوضعوه فِيهِ، وطرحوه فِي النَّار.
وَعَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: لما طرح إِبْرَاهِيم فِي النَّار ضجت الخليقة، وَقَالَت: يَا رب، إِن خَلِيلك يلقى فِي النَّار، فَقَالَ الله تَعَالَى: إِنَّه خليلي، لَيْسَ لي خَلِيل غَيره، وَأَنا إلهه، لَيْسَ لَهُ إِلَه غَيْرِي، فَإِن اسْتَغَاثَ بكم فأغيثوه، فَلم يستغث بِأحد. وَمن الْمَعْرُوف أَنه قَالَ حِين ألقِي فِي النَّار: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل. وَرُوِيَ أَنه قَالَ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت رب الْعَالمين، وَلَك الْحَمد لَا شريك لَك. وَعَن كَعْب الْأَحْبَار
390
وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: جعل كل شَيْء يطفيء عَنهُ النَّار إِلَّا الوزغة، فَإِنَّهُ جعل ينْفخ فِي النَّار، فَأمر الرَّسُول بقتْله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " من قتل وزغا فَكَأَنَّمَا قتل كَافِرًا ".
391
وَقَوله: ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا﴾ أَي: ذَات برد، قَالَ أهل الْمعَانِي: يحْتَمل أَنه خلق بردا فِي النَّار بدل الْحر، وَيحْتَمل أَنه أحَال بَين النَّار وَبَين إِبْرَاهِيم.
وَقَوله ﴿وَسلَامًا﴾ (رُوِيَ) عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: لَو لم يقل: ﴿وَسلَامًا﴾ لقتلته الْبرد وَمثله عَن كَعْب.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: لم تحرق مِنْهُ إِلَّا وثَاقه.
وَمن الْمَعْرُوف فِي الْآثَار: أَنه لم ينْتَفع فِي ذَلِك الْيَوْم بِنَار فِي الْعَالم.
وَقَوله: ﴿على إِبْرَاهِيم﴾ لَو لم يقل: ﴿على إِبْرَاهِيم﴾ بقيت ذَات برد أبدا، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما طرحوه فِي النَّار، وَجعلهَا الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، قَالَ نمروذ وَأَصْحَابه: إِنَّه قد سحر النَّار، فَقَالَ أَبُو لوط - وَكَانَ كَافِرًا - اطرحوا فِيهِ رجلا آخر وجربوه، فطرحوا فِيهَا رجلا آخر فأكلته النَّار فِي الْحَال.
وَفِي بعض الغرائب من المسانيد عَن النَّبِي: " أَنه لما طرح إِبْرَاهِيم فِي النَّار بعث الله جِبْرِيل إِلَيْهِ، وَبعث مَعَه بطنفسة من طنافس الْجنَّة، وقميص من قمص الْجنَّة، فأقعده على الطفنسة، وَألبسهُ الْقَمِيص وَقعد مَعَه يحدثه ". وَرُوِيَ: " أَنهم نظرُوا فَإِذا هُوَ فِي رَوْضَة تهتز ".
391
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠) ونجيناه ولوطا إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة وكلا جعلنَا صالحين (٧٢) وجعلناها أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَانُوا لنا﴾
392
وَقَوله ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ فَمَعْنَى الأخسرين هَا هُنَا: أَنهم خسروا السَّعْي وَالنَّفقَة، وَلم يحصل لَهُم مُرَادهم، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى أرسل على نمروذ وَقَومه البعوض، فَأكلت لحومهم، وشربت دِمَاءَهُمْ، وَدخلت بعوضة فِي رَأس نمروذ حَتَّى أهلكته، ذكره مقَاتل وَغَيره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونجيناه ولوطا إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين﴾ يَعْنِي: الشَّام، وبركتها كَثْرَة مياهها وأشجارها، وَعُمُوم الخصب بهَا، حَتَّى يعِيش فِيهَا الْفَقِير والغني بعيش طيب، وَيُقَال: بركتها كَثْرَة الْأَنْبِيَاء بهَا، وَفِي الْآيَة قَول آخر: هُوَ أَن المُرَاد من الأَرْض الَّتِي بَارك فِيهَا هِيَ مَكَّة، وَقيل: مصر، وَالأَصَح هُوَ الأول؛ لِأَنَّهُ مَشْهُور أَنه خرج وَامْرَأَته - يَعْنِي: إِبْرَاهِيم - إِلَى حران، ثمَّ من حران إِلَى الشَّام، وَأما لوط فَإِنَّهُ ابْن أخي إِبْرَاهِيم، وَكَانَ خرج مَعَه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: النَّافِلَة هُوَ يَعْقُوب، وَأما إِسْحَاق فَلَيْسَ بنافلة؛ لِأَن الله تَعَالَى أعطَاهُ إِسْحَاق بدعائه، وَإِنَّمَا زَاد يَعْقُوب على مَا دَعَا، والنافلة هِيَ الزِّيَادَة، وَقَالَ مُجَاهِد: كِلَاهُمَا نَافِلَة، وَالأَصَح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿وكلا جعلنَا صالحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ يَعْنِي: يرشدون بأمرنا.
وَقَوله: ﴿وأوحينا إِلَيْهِم فعل الْخيرَات﴾ مَعْنَاهُ: الْعَمَل بالشرائع.
وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ أَي: الْمُحَافظَة عَلَيْهَا.
﴿وإيتاء الزَّكَاة﴾ مَعْنَاهُ: وَإِعْطَاء الزَّكَاة.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا لنا عابدين﴾ أَي: مُوَحِّدين.
392
﴿عابدين (٧٣) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين (٧٥) ونوحا إِذْ نَادَى من قبل فاستجبنا لَهُ فنجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم (٧٦) ونصرناه من الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ﴾
393
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما﴾
وَقَوله: ﴿ونجيناه من الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث﴾ الْقرْيَة: هِيَ سدوم، وَأما الْخَبَائِث قيل: إتيانهم الذُّكُور، وَيُقَال هُوَ: [التضارط] فِي الأندية.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فاسقين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا إِنَّه من الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونوحا إِذْ نَادَى من قبل﴾ نداؤه هُوَ قَوْله: ﴿أَنِّي مغلوب فانتصر﴾، (وَقيل هُوَ قَوْله:) ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾.
وَقَوله: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أَي: أجبناه.
وَقَوله: ﴿فنجيناه وَقَومه من الكرب الْعَظِيم﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ أطول الْأَنْبِيَاء عمرا، وَأَشد الْأَنْبِيَاء بلَاء، وَرُوِيَ أَنه كَانَ يضْرب فِي الْيَوْم سبعين مرّة.
وَقَوله: ﴿من الكرب الْعَظِيم﴾ أَي: من الْغَرق، وَقيل: من الْغم والضيق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونصرناه من الْقَوْم الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: منعناه وحفظناه.
﴿إِنَّهُم كَانُوا قوم سوء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ اخْتلف القَوْل فِي الْحَرْث:
393
﴿يحكمان فِي الْحَرْث إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين (٧٨) ففهمناها﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ كرما قد بَدَت عناقيده، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ زرعا، وَأما الْقِصَّة فِيهِ: فَروِيَ أَنه كَانَ رجلَانِ لأَحَدهمَا حرث وَللْآخر غنم، فَدخل الْغنم فِي حرث صَاحبه لَيْلًا، فَأكلت وأفسدت، حَتَّى لم يبْق شَيْء - وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم﴾ والنفش هُوَ الرَّعْي لَيْلًا، والهمل هُوَ الرَّعْي نَهَارا - فَلَمَّا أصبحا جَاءَ صَاحب الْحَرْث يُخَاصم صَاحب الْغنم عِنْد دَاوُد، فَقَالَ دَاوُد: خُذ بِرَقَبَة الأغنام فَهِيَ لَك بدل حرثك، وَكَانَ سُلَيْمَان ثمَّ فَقَالَ: يَا نَبِي الله، أَو غير ذَلِك؟ هَذَا قَول ابْن مَسْعُود، أَن سُلَيْمَان ثمه.
وَقَالَ غَيره: أَنَّهُمَا خرجا فمرا على سُلَيْمَان، وذكرا لَهُ حكم دَاوُد، فَقَالَ: قد كَانَ هَا هُنَا حكم هُوَ أرْفق بِالرجلَيْنِ، فَذكر ذَلِك لِأَبِيهِ دَاوُد، فَدَعَاهُ وَسَأَلَهُ بِحَق الْأُبُوَّة، فَقَالَ: تسلم الْغنم إِلَى صَاحب الْحَرْث، ينْتَفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتسلم الْحَرْث إِلَى صَاحب الْغنم يقوم عَلَيْهِ، حَتَّى إِذا عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَة نفشت فِيهِ الْغنم سلمت الْحَرْث إِلَى صَاحبه؛ فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ وَأخذ دَاوُد بذلك.
وَأما قَوْله: ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ أَي: لم يغب عَنَّا حكمهمَا جَمِيعًا، وَكَانَ بعلمنا ومرامنا.
394
قَوْله تَعَالَى: ﴿ففهمناها سُلَيْمَان﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَاخْتلف الْعلمَاء أَن دَاوُد حكم مَا حكم بِالِاجْتِهَادِ أَو بِالْوَحْي؟ وَكَذَلِكَ سُلَيْمَان، فَقَالَ بَعضهم: إنَّهُمَا فعلا بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالُوا: يجوز الِاجْتِهَاد للأنبياء؛ ليدركوا ثَوَاب الْمُجْتَهدين، إِلَّا أَن دَاوُد أَخطَأ، وَسليمَان أصَاب، وَالْخَطَأ يجوز على الْأَنْبِيَاء إِلَّا أَنهم لَا يقرونَ عَلَيْهِ، وَاخْتلفُوا [فِي] أَنه هَل يجوز على نَبينَا الْخَطَأ فِي الحكم كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء؟ قَالَ أَبُو عَليّ بن أبي هُرَيْرَة: لَا يجوز؛ لِأَن شَرِيعَته ناسخة، وَلَيْسَ
394
بعده نَبِي، وَقَالَ غَيره: يجوز كَمَا يجوز على سَائِر الْأَنْبِيَاء. وَقد رُوِيَ " أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي وَقَالَت: إِن زَوجي توفّي فَأَيْنَ أَعْتَد؟ فَقَالَ لَهَا: اعْتدي أَيْن شِئْت، فَلَمَّا ولت دَعَاهَا وَقَالَ: سُبْحَانَ الله امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَى النَّبِي وَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت إِن قتلت صَابِرًا محتسبا، هَل يحجزني من الْجنَّة شَيْء؟ قَالَ: لَا، ثمَّ دَعَاهُ وَقَالَ: " إِلَّا الدّين، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيل " وَهُوَ خبر مَعْرُوف، والخبران يدلان على أَنه يجوز أَنه يُخطئ، إِلَّا أَنه لَا يُقرر عَلَيْهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أصل الْحُكُومَة: هُوَ أَن دَاوُد وَسليمَان - عَلَيْهِمَا السَّلَام - حكما بِالْوَحْي، إِلَّا أَن مَا حكم بِهِ دَاوُد كَانَ مَنْسُوخا، وَالَّذِي حكم بِهِ سُلَيْمَان كَانَ نَاسِخا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم: لَا يجوز للنَّبِي أَن يجْتَهد فِي الْحَوَادِث؛ لِأَنَّهُ مستغن بِالْوَحْي عَن الِاجْتِهَاد، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾، وَالْأول هُوَ الْأَصَح.
وَأما حكم هَذِه الْمَسْأَلَة فِي شريعتنا: فَاعْلَم أَن مَا أفسدت الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ عندنَا مَضْمُون على صَاحبهَا، وَمَا أفسدت بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَان، وَالْحجّة فِيهِ مَا روى الزُّهْرِيّ، عَن حرَام بن محيصة عَن أَبِيه: " أَن نَاقَة الْبَراء بن عَازِب دخلت حرث قوم فأفسدته، فَارْتَفعُوا إِلَى النَّبِي فَقضى بِأَن حفظ الْمَاشِيَة على أَرْبَابهَا لَيْلًا، وَأَن حفظ الْحَرْث على أَرْبَابهَا نَهَارا " وَهَذَا أحسن حكم يكون؛ لِأَن الْعَادة جرت أَن الْمَوَاشِي تحفظ
395
﴿سُلَيْمَان وكلا آتَيْنَا حكما وعلما وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير وَكُنَّا فاعلين﴾ بِاللَّيْلِ، وتسيب بِالنَّهَارِ، وَأما الحروث والزروع تحفظ بِالنَّهَارِ، ويتعذر حفظهَا بِاللَّيْلِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث القَاضِي الإِمَام الْوَالِد، قَالَ: نَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن الْبَزَّار، قَالَ: أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا العذافري، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي قَالَ: [حَدثنَا] عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ.... الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَقد بَينا.
فَإِن قيل: قد كَانَ دَاوُد حكم بِمَا حكم بِهِ، والحادثة إِذا جرى فِيهَا حكم الْحَاكِم لَا يجوز أَن تنقض بِغَيْرِهِ، فَكيف وَجه هَذَا؟ وَالْجَوَاب: يحْتَمل أَنه كَانَ طُولِبَ بالحكم، وَلم يحكم بعد، إِلَّا أَنه ذكر وَجه الحكم، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كَانَ حكم بِالِاجْتِهَادِ، فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَان مَا قَالَ، نزل الْوَحْي أَن الحكم مَا قَالَ.
وَقَوله: ﴿وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ وَالطير﴾ قيل: تسبيحها صلَاتهَا، وَقيل: تسبيحها هُوَ الثَّنَاء على الله بِالطَّهَارَةِ وَالتَّقْدِيس، وَقد رُوِيَ أَن الْجبَال كَانَت تجاوب دَاوُد بالتسبيح، وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ سَمعه الله تَسْبِيح الْجبَال وَالطير؛ لينشط فِي التَّسْبِيح، ويشتاق إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾. أَي: قَادِرين على مَا نُرِيد، وَقيل مَعْنَاهُ: فعلنَا مَا فعلنَا بِالتَّدْبِيرِ الصَّحِيح.
396
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾ اللبوس هَا هُنَا هُوَ الدرْع، وَفِي اللُّغَة: اللبوس مَا يلبس، قَالَ قَتَادَة: لم يسْرد الدرْع، وَلم يحلقه أحد قبل دَاوُد، وَكَانَ قبله
396
( ﴿٧٩) وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فَهَل أَنْتُم شاكرون (٨٠) ولسليمان الرّيح عَاصِفَة تجْرِي بأَمْره إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا وَكُنَّا بِكُل شَيْء عَالمين (٨١) وَمن الشَّيَاطِين من يغوصون لَهُ ويعملون عملا دون ذَلِك وَكُنَّا لَهُم حافظين (٨٢) ﴾ يتَّخذ الدرْع من صَفَائِح، فَلَمَّا عمل هُوَ الدرْع جمع الخفة والحصانة.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ أَي: من بَأْس عَدوكُمْ.
وَقَوله: ﴿لتحصنكم﴾ قرئَ بقراءات: بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَالنُّون، أما الْيَاء فَمَعْنَاه: ليحصنكم اللبوس، وَقيل: ليحصنكم الله، وَأما التَّاء فَمَعْنَاه: لتحصنكم الصَّنْعَة، وَأما بالنُّون ينْصَرف إِلَى الله.
وَقَوله: ﴿فَهَل أَنْتُم شاكرون﴾ يَعْنِي: يَا دود وَأهل بَيته، هَل أَنْتُم شاكرون؟.
397
قَوْله تَعَالَى: ﴿ولسليمان الرّيح عَاصِفَة﴾ الرّيح الْعَاصِفَة هِيَ الَّتِي يشْتَد هبوبها، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رخاء حَيْثُ أصَاب﴾ والرخاء: اللين؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن تشتد اشتدت، وَإِذا أَرَادَ أَن تلين لانت.
وَقَوله: ﴿تجْرِي بأَمْره إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يسير من الشَّام إِلَى اصطخر تحمله الرّيح غدْوَة، ويسير من اصطخر إِلَى الشَّام تحمله الرّيح عَشِيَّة.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا بِكُل شَيْء عَالمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا غَابَ عَنَّا شَيْء من الْأَشْيَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الشَّيَاطِين من يغوصون لَهُ﴾ الغوص هُوَ النُّزُول فِي قَعْر الْبَحْر، فَكَانَ الشَّيَاطِين يَفْعَلُونَ ذَلِك لِسُلَيْمَان؛ لاستخراج الدّرّ والجواهر.
وَقَوله: ﴿ويعملون عملا دون ذَلِك﴾ أَي: سوى الغوص، وَهُوَ معنى: ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل﴾ الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وَكُنَّا لَهُم حافظين﴾.
397
﴿وَأَيوب إِذْ نَادَى ربه أَنِّي مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ (٨٣) ﴾
قَالَ الْفراء والزجاج معنى ذَلِك: أَنا حفظنا الشَّيَاطِين من أَن يفسدوا مَا عمِلُوا. وَفِي الْقِصَّة: أَن سُلَيْمَان كَانَ إِذا بعث شَيْطَانا مَعَ إِنْسَان ليعْمَل لَهُ عملا قَالَ لَهُ: إِذْ فرغ من عمله قبل اللَّيْل، أشغله بِعَمَل آخر؛ لِئَلَّا يفْسد مَا عمل، وَكَانَ من عَادَة الشَّيْطَان أَنه إِذا فرغ من الْعَمَل، وَلم يشغل بِعَمَل آخر يخرب مَا عمل، ويفسده، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لَهُم حافظين﴾ على مَا ذكرنَا من الْفراء والزجاج، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا.
398
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَيوب إِذْ نَادَى ربه﴾ أَي: دَعَا ربه.
وَقَوله: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾ أَي: الْبلَاء والشدة، وَقيل: الْجهد.
وَقَوله: ﴿وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ أَي: أرْحم من يرحم.
وَاعْلَم أَن قصَّة أَيُّوب طَوِيلَة، وَذكر فِي التَّفْسِير مِنْهَا، وَكَذَا نذْكر بَعْضهَا، فَروِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَن الله تَعَالَى أعْطى أَيُّوب مَالا وَولدا، ثمَّ أهلك مَاله وَولده. وَذكر وهب بن مُنَبّه وَغَيره: أَنه كَانَ ذَلِك لتسليط إِبْلِيس على مَاله وَولده، قَالَ الْحسن: فَلَمَّا بلغه هَلَاك مَاله وَولده، حمد الله حمدا كثيرا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ يشغلني مَالِي وَوَلَدي عَن عبادتك، والآن قد فرغ لَك سَمْعِي وبصري وقلبي وليلي ونهاري. قَالَ وهب: ثمَّ ابتلاه الله تَعَالَى فِي جِسْمه، وَكَانَ إِبْلِيس يحسده فِي كَثْرَة عِبَادَته وَكَثْرَة ثَنَاء أهل السَّمَاء عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رب، لَو ابتليته لقصر فِي عبادتك، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ: سلطتك على جِسْمه سوى قلبه وَلسَانه وعقله - هَذَا قَول وهب وَغَيره، وَالله أعلم - ثمَّ ظهر الْبلَاء فِي جسم أَيُّوب، وَاشْتَدَّ بِهِ الْبلَاء غَايَة الشدَّة حَتَّى قرح جَمِيع جسده وتدود، واجتنبه جَمِيع قومه، وَأُلْقِي على مزبلة من مزابل بني إِسْرَائِيل، وَلم يقربهُ أحد غير امْرَأَته كَانَت تَتَصَدَّق النَّاس وتطعمه، وَاخْتلفُوا فِي مُدَّة بلائه: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: سبع حجج، وَقَالَ وهب: ثَلَاث أَحْوَال.
398
وَأما قَوْله: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾ فَفِي الْقِصَّة: أَنه لم يدع الله تَعَالَى بكشف الضّر فِي تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة إِلَى أَن بلغ وَقت الْكَشْف ثمَّ دَعَا، وَاخْتلفُوا فِي سَبَب دُعَائِهِ: قَالَ الْحسن: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن جمَاعَة من أصدقائه رَأَوْا بِهِ ذَلِك الْبلَاء الشَّديد فَقَالُوا: لَو كَانَت عبادتك الَّتِي كنت تفعل لله تَعَالَى خَالِصا مَا أَصَابَك هَذَا الْبلَاء. قَالَ حبيب بن أبي ثَابت: لم يدع الله تَعَالَى بالكشف حَتَّى ظَهرت ثَلَاثَة أَشْيَاء أكره مَا يكون: أما الأول: فَقدم عَلَيْهِ صديقان لَهُ من الشَّام حِين بلغهما خَبره، فجاءا إِلَيْهِ، وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا عَيناهُ، ورأيا أمرا عَظِيما، فَقَالَا لَهُ: لَو كَانَ لَك عِنْد الله منزلَة مَا أَصَابَك هَذَا، وَالثَّانِي: أَن الْمَرْأَة طلبت طَعَاما فَلم تَجِد شَيْئا تطعمه، فباعت ذؤابتها، وحملت إِلَيْهِ طَعَاما، وَذكرت لَهُ ذَلِك، وَالثَّالِث: أَن إِبْلِيس اللعين لما رأى صبره جزع جزعا شَدِيدا، فَاتخذ تابوتا وجع فِيهِ أدوية، وَقعد على طَرِيق امْرَأَته يداوي النَّاس، فمرت عَلَيْهِ امْرَأَته، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِك قَالَت: أَيهَا الرجل، إِن عِنْدِي مَرِيضا أفتداويه؟ قَالَ: نعم، وأشفيه، قَالَت: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: لَا أُرِيد شَيْئا إِلَّا أَن يَقُول حِين أشفيه: أَنْت شفيتني، فَذَهَبت وَذكرت ذَلِك لأيوب - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ: هُوَ إِبْلِيس قد خدعك، وَالله لَئِن شفاني الله لأضربنك مائَة جلدَة.
وَرُوِيَ أَن إِبْلِيس جَاءَ إِلَى أَيُّوب ووسوس إِلَيْهِ، أَن امْرَأَته زنت، وَأَنه قطعت ذؤابتها لذَلِك، فَحِينَئِذٍ عيل صبره لهَذِهِ الْأَشْيَاء فَدَعَا وَقَالَ: ﴿أَنِّي مسني الضّر﴾.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن الله تَعَالَى سَمَّاهُ صَابِرًا، وَقد ترك الصَّبْر حِين دَعَا؟ قُلْنَا: لَا، لم يتْرك الصَّبْر، فَإِن ترك الصَّبْر بِإِظْهَار الشكوى إِلَى الْخلق، فَأَما بإظهارها إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يكون تركا للصبر.
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: إِذا أظهر الشكوى إِلَى الْخلق، وَهُوَ رَاض بِقَضَاء الله، فَإِنَّهُ لَا يكون تَارِكًا للصبر أَيْضا.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي " أَن جِبْرِيل دخل عَلَيْهِ فِي مرض الْمَوْت فَقَالَ: كَيفَ تَجِد نَفسك؟ فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، أجدني مغموما، أجدني مكروبا ".
399
﴿فاستجبنا لَهُ فكشفنا مَا بِهِ من ضرّ وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لعَائِشَة - صلوَات الله (عَلَيْهِ) -: " بل أَنا وارأساه " الْخَبَر بِطُولِهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الدودتين كَانَتَا [تقتتلان] على جسده، فَكَانَ يفرق بَينهمَا، وَيَقُول لَهما: كلا من رزق الله.
400
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ فكشفنا مَا بِهِ من ضرّ﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أنبع لَهُ عينا، وَأمره أَن يغْتَسل فِيهَا فاغتسل فِيهَا، وَخرج كأصح مَا يكون.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَالْحسن: رد إِلَيْهِ أَهله وَأَوْلَاده بأعيانهم، وَهَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف، وَظَاهر الْقُرْآن يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضا مَرْوِيّ بِرِوَايَة جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي، وَذكر فِي هَذَا الْخَبَر: أَن الله تَعَالَى رد الْمَرْأَة شبابها، فَولدت لَهُ سِتَّة وَعشْرين ولدا بعد ذَلِك، وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا: أَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِ ملكا وَقَالَ: إِن رَبك يُقْرِئك السَّلَام بصبرك، فَاخْرُج إِلَى ضيَاع أندرك، فَخرج إِلَيْهِ، فَأرْسل الله عَلَيْهِ جَرَادًا من ذهب، قَالَ: فطارت وَاحِدَة فاتبعها وردهَا إِلَى أندره، فَقَالَ لَهُ الْملك: أما يَكْفِيك مَا فِي أندرك حَتَّى تتبع الْخَارِج؟ فَقَالَ: هَذِه بركَة من بَرَكَات رَبِّي، لَا أشْبع من بركته.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَخْبرنِي بِهَذَا أَبُو عَليّ بن بنْدَار بِإِسْنَادِهِ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد، عَن جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس.
وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو، عَن طَاوس: أَن الله تَعَالَى أمطر على أَيُّوب
400
﴿رَحْمَة من عندنَا وذكرى للعابدين (٨٤) وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل كل من﴾ جَرَادًا من ذهب، فَجعل يقبضهُ فِي ثَوْبه وَيجمع ذَلِك، فَقيل لَهُ: أَلا تشبع؟ فَقَالَ: إِنَّه من فضل رَبِّي، وَلَا أشْبع من فَضله. قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَنا بِهَذَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ: أَنا ابْن فراس قَالَ: أَنا الديبلي قَالَ: أَنا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي قَالَ: أَنا سُفْيَان، عَن عَمْرو... الْأَثر.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله﴾ أَي: ثَوَاب أَهله ﴿وَمثلهمْ مَعَهم﴾ أَي: مثل ذَلِك كَأَنَّهُ ضوعف لَهُ الثَّوَاب، وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: " خير أَيُّوب بَين أَن يرد عَلَيْهِ أَهله بأعيانهم، وَبَين أَن يعْطى مثل أَهله وَأَوْلَاده، فَاخْتَارَ أَن يردوا بأعيانهم وَمثلهمْ مَعَهم فَأعْطِي ذَلِك.
وَقَوله: ﴿رَحْمَة من عندنَا﴾ أَي: نعْمَة من عندنَا.
وَقَوله: ﴿وذكرى للعابدين﴾ أَي: وعظا واعتبارا للعابدين.
401
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل﴾ أما إِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس فقد ذَكرْنَاهُ، وَأما ذُو الكفل قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل نَبِي، وَكَانَ مَعَ ذَلِك ملكا، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة جمع بني إِسْرَائِيل فَقَالَ: من يكفل لي أَن يقوم اللَّيْل لَا يفتر، وَأَن يَصُوم النَّهَار وَلَا يفْطر، وَأَن يقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يغْضب؟ فَقَامَ شَاب وَقَالَ: أَنا أكفل ذَلِك، فَجعله خَلِيفَته، وَقبض ذَلِك النَّبِي، وَقَامَ بِمَا كفل بِهِ فَسُمي ذَا الكفل. قَالَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رُوِيَ عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة: إِن إِبْلِيس اللعين لما رأى ذَلِك حسده، فجَاء فِي هَيْئَة شيخ ضَعِيف نصف النَّهَار، وَكَانَ ذُو الكفل يقيل سَاعَة فِي نَهَاره، فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ: إِن لي غريما، وَهُوَ يمطلني فَأحب أَن تقوم معي، وتستوفي حَقي مِنْهُ، وَذكر كلَاما كثيرا، فَقَامَ وَخرج مَعَه، فَلَمَّا خرج مَعَه سَاعَة اعتذر إِلَيْهِ وَقَالَ: إِن صَاحِبي قد هرب، فَرجع ذُو الكفل، وَقد ذهب وَقت القائلة، فَفعل هَكَذَا ثَلَاثَة أَيَّام، وَلم يره يغْضب فِي شَيْء من ذَلِك، وَقد ذهب نَومه فِي الْأَيَّام الثَّلَاث، فَقَالَ إِبْلِيس لَهُ عِنْد ذَلِك: أَنا إِبْلِيس، وَقد حسدتك وَلم أقدر عَلَيْك، وَقد وفيت بِمَا قلت. هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف.
401
﴿الصابرين (٨٥) وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا إِنَّهُم من الصَّالِحين (٨٦) وَذَا النُّون إِذْ ذهب﴾
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن ذَا الكفل رجل كفل أَن يُصَلِّي كل لَيْلَة مائَة رَكْعَة إِلَى أَن يقبضهُ الله، فوفي بذلك فَسُمي ذَا الكفل، وَاخْتلف القَوْل أَنه كَانَ نَبيا أَو لم يكن نَبيا، قَالَ بَعضهم: كَانَ نَبيا، وَقَالَ بَعضهم: كَانَ عبدا صَالحا، وَلم يكن نَبيا.
وَقَوله: ﴿كل من الصابرين﴾ أَي: على طاعتنا.
402
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾. قَالَ بعض أهل الْمعَانِي: إِن قَوْله: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾ أبلغ من قَوْله: ورحمناهم؛ لِأَن قَوْله: ﴿وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا﴾ يَقْتَضِي أَنهم غمروا بِالرَّحْمَةِ، وَقَوله: ورحمناهم يَقْتَضِي أَنه أَصَابَهُم رَحمته.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم من الصَّالِحين﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَالصَّلَاح اسْم يجمع جَمِيع خِصَال الْخَيْر.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضبا﴾ النُّون: السَّمَكَة. قَالَ الشَّاعِر:
(يَا حبذا الْقصر نعم الْقصر والوادي وحبذا أَهله من حَاضر بَادِي)
(ترقى قراقيره والوحش راتعة والضب وَالنُّون والملاح وَالْحَادِي)
وَقَوله: ﴿إِذْ ذهب مغاضبا﴾. قَالَ الشّعبِيّ، وَعُرْوَة بن الزبير، وَسَعِيد بن جُبَير: أَي: مغاضبا لرَبه، وَأما ابْن عَبَّاس قَالَ: أَرَادَ بِهِ مغاضبا لِقَوْمِهِ، وَالْقَوْل الثَّالِث: مغاضبا للْملك الَّذِي كَانَ فِي زَمَانه.
وَأما القَوْل الأول فقد كرهه كثير من الْعلمَاء؛ لِأَن من غضب ربه فقد ارْتكب كَبِيرَة عَظِيمَة، وَذكر بَعضهم: أَن معنى غاضب ربه أَي: أَمر ربه، وَسبب ذَلِك أَنه وعد قومه أَن الْعَذَاب يأتيكم يَوْم كَذَا، وَخرج من بَينهم، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم، وَرَأى قوم يُونُس الْعَذَاب، خَرجُوا وضجوا إِلَى الله تَعَالَى على مَا ذكرنَا فِي سُورَة يُونُس، فَرد الله عَنْهُم الْعَذَاب، فَلَمَّا بلغ يُونُس أَن الْعَذَاب لم ينزل على قومه غضب، فَمَا كَانَ غَضَبه، لَا كَرَاهَة بِحكم الله، وَلَكِن كَرَاهَة أَن يُسمى كذابا، فَهَذَا معنى هَذَا القَوْل.
402
﴿مغاضبا فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾
وَأما قَول ابْن عَبَّاس وَهُوَ الْمُخْتَار فَإِنَّهُ خرج مغاضبا لِقَوْمِهِ حِين لم يُؤمنُوا، وَهُوَ حسن صَحِيح لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ.
وَأما قَول من قَالَ: إِنَّه غاضب الْملك، فروى عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل ملك، وَكَانَ مَعَ ذَلِك نَبيا يُوحى إِلَيْهِ، وَكَانَ قد غزا بني إِسْرَائِيل قوم، فَدَعَا الْملك يُونُس، وأرسله إِلَى أُولَئِكَ الْقَوْم، فَقَالَ يُونُس: أَمرك الله بِهَذَا أَو سماني لَك؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن أرسلك، فَغَضب وَخرج من بَينهم مُتَوَجها إِلَى الْبَحْر.
وَقَوله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ "، وَهُوَ شَاذ، وَقَرَأَ ابْن عَامر: " فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ ". وَاعْلَم أَن فِي الْآيَة سؤالا مَعْرُوفا يعد من مشكلات الْقُرْآن، وَهُوَ أَنه قَالَ: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ فَكيف يظنّ هَذَا بِاللَّه، وَمن ظن هَذَا بِاللَّه فقد كفر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن لِلْآيَةِ وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي: لن نقدر عَلَيْهِ بِمَعْنى الحكم وَالْقَضَاء، يُقَال: قدر وَقدر بِمَعْنى وَاحِد، إِلَّا أَنه يُقَال: قدَر يقدِر، وقدَّر يقدِّر، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَيْسَ عشيات اللوى برواجع لنا أبدا مَا أبرم السّلم النَّضر)
(وَلَا عَائِدًا ذَاك الزَّمَان الَّذِي مضى تَبَارَكت مَا تقدر يَقع وَلَك الشُّكْر)
يَعْنِي: يقدره.
وَمن هَذَا قَوْله: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ " أَي: قدرُوا لَهُ، وَهُوَ خبر صَحِيح.
وَالْوَجْه الثَّانِي من الْجَواب: وَهُوَ [أَن] معنى قَوْله: ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي: لن نضيق عَلَيْهِ، وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما إِذا مَا ابتلاه فَقدر عَلَيْهِ رزقه﴾
403
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين (٨٧) فاستجبنا لَهُ ونجيناه من الْغم وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ (٨٨) ﴾ أَي: ضيق، وَاعْلَم أَن معنى التَّضْيِيق وَالتَّقْدِير عَلَيْهِ هُوَ الْحَبْس فِي بطن الْحُوت.
قَالَ أهل الْعلم: وَلم يكن يُونُس من أولي الْعَزْم من الرُّسُل، وَكَانَ ضيق الصَّدْر، فَلَمَّا وضع عَلَيْهِ أعباء النُّبُوَّة تفسخ تحتهَا كَمَا يتفسخ الرّبع، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن السّلف.
وَقَوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه لما ذهب ركب السَّفِينَة، وَفِي السَّفِينَة قوم كثير، فجَاء حوت وَحبس السَّفِينَة، وخشي الْقَوْم على أنفسهم الْهَلَاك، وتنبه يُونُس أَنه هُوَ المُرَاد فَقَالَ: ألقوني تنجوا، فامتنعوا عَن ذَلِك، ثمَّ إِنَّهُم استهموا فَخرج السهْم عَلَيْهِ مَرَّات، فألقوه فالتقمه الْحُوت، وَمَرَّتْ السَّفِينَة، قَالَ سَالم بن أبي الْجَعْد: والتقم الْحُوت حوت آخر.
وَأما قَوْله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَات﴾ أَي: ظلمَة اللَّيْل، وظلمة الْبَحْر، وظلمة بطن الْحُوت، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحُوت مر بِهِ إِلَى الأَرْض السَّابِعَة، وَسمع من تَسْبِيح الْأَرْضين والأحجار ودواب الْبحار أمرا عَظِيما، فَنَادَى فِي الظُّلُمَات: ﴿أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مكث فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَن غَيره: ثَلَاثَة أَيَّام، وَرُوِيَ أَنه لما دَعَا بِهَذِهِ الدعْوَة سَمِعت الْمَلَائِكَة صَوته، فَقَالُوا: يَا رب صَوت مَعْرُوف من مَكَان مَجْهُول، فَقَالَ الله تَعَالَى: هُوَ عَبدِي يُونُس جعلت بطن الْحُوت سجنا لَهُ فدعوا.
404
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ يَعْنِي: أجبناه.
وَقَوله: ﴿ونجيناه من الْغم﴾ أَي: من غم الْبَحْر وضيق الْمَكَان.
وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ وقرىء: نجى الْمُؤمنِينَ "، وَالْأولَى أَن يقْرَأ بنونين، قَالَ الزّجاج: بنُون وَاحِد لحن، وَهُوَ من [الْخَطَأ] روى عَاصِم عَنهُ.
404
﴿وزَكَرِيا إِذْ نَادَى ربه رب لَا تذرني فَردا وَأَنت خير الْوَارِثين (٨٩) فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وأصلحنا لَهُ زوجه إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا وَكَانُوا﴾
وَرُوِيَ عَن [سعد بن أبي] وَقاص - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: سَمِعت النَّبِي يَقُول: " كلمة أعرفهَا لَا يَقُولهَا أحد فِي كرب إِلَّا فرج عَنهُ، وَهِي كلمة أخي يُونُس: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين ". وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحُوت أَلْقَاهُ فِي سَاحل الْبَحْر: وَأنْبت الله لَهُ شَجَرَة من يَقْطِين، وقصة ذَلِك تَأتي من بعد فِي سُورَة: " وَالصَّافَّات "، فَإِن قيل: قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ هُوَ مَكْتُوب فِي الْمُصحف بنُون وَاحِدَة فَكيف جعلتم أصح الْقِرَاءَتَيْن بنونين؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه إِنَّمَا كتب بنُون وَاحِد؛ لِأَن النُّون الأولى متحركة، وَالنُّون الثَّانِيَة سَاكِنة، فخفيت الساكنة فِي جنب المتحركة، فحذفت، وَقد ذكر الْفراء وَجها لقِرَاءَة عَاصِم، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: نجى النَّجَاء الْمُؤمنِينَ فخفض الْمُؤمنِينَ على إِضْمَار الْمصدر.
405
قَوْله تَعَالَى: ﴿وزَكَرِيا إِذْ نَادَى ربه﴾ أَي: دَعَا ربه.
وَقَوله: ﴿رب لَا تذرني فَردا﴾ أَي: وحيدا، وَمَعْنَاهُ: هُوَ مَا ذكرنَا من دُعَاء الْوَلَد.
وَقَوله: ﴿وَأَنت خير الْوَارِثين﴾.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أَي: فأجبناه.
وَأما قَوْله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ سمي يحيى، لِأَن رَحمهَا حَيّ بِالْوَلَدِ.
وَقَوله: ﴿وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا - وَهُوَ الْمَعْرُوف - أَنه كَانَ عقيما فَجعله ولودا، وَالْآخر: مَا رُوِيَ عَن عَطاء أَنه قَالَ: معنى الْإِصْلَاح أَنه كَانَ فِي لِسَان امْرَأَته طول، وَفِي خلقهَا سوء فأصلحها.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات﴾ ينْصَرف إِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء الَّذين ذكرهم.
405
﴿لنا خاشعين (٩٠) وَالَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين (٩١) إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون (٩٢) وتقطعوا أَمرهم﴾ وَقَوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾ أَي: يبادرون.
وَقَوله: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ أَي: رغبا فِي الطَّاعَات، ورهبا من الْمعاصِي، (وَقيل: رغبا فِي الْجنَّة، ورهبا من النَّار). وَقَالَ خصيف: رغبا ببطون الأكف، ورهبا بظهورها.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا لنا خاشعين﴾ أَي: متواضعين، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: هُوَ أَن يضع يَمِينه على شِمَاله فِي الصَّلَاة، يومىء ببصره إِلَى مَوضِع السُّجُود، وَقَالَ مُجَاهِد: الْخُشُوع هُوَ الْخَوْف اللَّازِم فِي الْقلب، وَعَن الْحسن قَالَ: ذللا لأمر الله تَعَالَى.
406
﴿وَالَّتِي أحصنت﴾ أَي: عفت ﴿فرجهَا﴾، وَقيل: منعت من الْحَرَام.
وَقَوله: ﴿فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا جيب الدرْع على مَا بَينا، وَفِيه قَول آخر: أَنه نفخ رَحمهَا، وَخلق الله الْمَسِيح فِي بَطنهَا، وَذكر رُوحنَا تَخْصِيصًا وكرامة للمسيح عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾.
أَي: دلَالَة للْعَالمين، فَإِن قيل: هما كَانَا آيَتَيْنِ، فَهَلا قَالَ آيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: إِنَّمَا قَالَ: آيَة؛ لِأَن الْآيَة فيهمَا كَانَت وَاحِدَة، وَهِي أَنَّهَا أَتَت بِهِ من غير فَحل، قَالَ أهل الْعلم: وفيهَا آيَات: أَحدهَا: (أَنه لم (تعتن) قبلهَا أُنْثَى للتحرز)، وَالْآخر: إتيانها بِعِيسَى من غير أَب، وَالثَّالِث: مجيىء رزقها من عِنْد الله من غير سَبَب من مَخْلُوق، وَيُقَال: إِنَّهَا لم تقبل ثدي أحد سوى أمهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ أَي: ملتكم ودينكم مِلَّة وَاحِدَة،
406
﴿بَينهم كل إِلَيْنَا رَاجِعُون (٩٣) فَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه وَإِنَّا لَهُ كاتبون (٩٤) وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فتحت﴾ وَالْأمة فِي أصل اللُّغَة: اسْم للْجَمَاعَة، وسمى الدّين أمة؛ لِأَنَّهُ يبْعَث على الِاجْتِمَاع.
وَقَوله: ﴿وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ أَي: وحدوني، وَحَقِيقَة معنى الْآيَة: أَن الْملَّة الَّتِي دعوتكم إِلَيْهَا هِيَ مِلَّة الْأَنْبِيَاء قبلكُمْ، إِذْ دين الْكل وَاحِد، وَهَذَا فِي التَّوْحِيد، فَأَما الشَّرَائِع يجوز اختلافها، وَيُقَال: معنى الْآيَة: أَنكُمْ خلق وَاحِد وَكُونُوا على دين وَاحِد.
407
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي: دَعَوْت الْخلق إِلَى دين وَاحِد فَتَفَرَّقُوا، وَيُقَال: صَارُوا قطعا مُتَفَرّقين.
وَقَوله: ﴿كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ أَي: من تفرق، وَمن لم يتفرق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: لَا جحود لسعيه، وَقيل: لَا يخيب سَعْيه بل يجازى عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ أَي: حافظون، وَيُقَال: إِن معنى الشُّكْر من الله هُوَ المجازاة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ وقرىء: " وَحرم " قَالَ ابْن عَبَّاس معنى قَوْله ﴿حرَام﴾ أَي: وَاجِب، قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن حَرَامًا لَا أرى الدَّهْر باكيا على (شجوة) إِلَّا بَكَيْت على (عَمْرو))
أَي: وَاجِبا، فَمَعْنَى الْآيَة على هَذَا: أَنه وَاجِب على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا، فَإِن قيل: كَيفَ يُوجب عَلَيْهِم أَن لَا يرجِعوا وَلَيْسوا بِمحل الْإِيجَاب وَلَا الْإِبَاحَة [وَلَا] غَيره؟.
407
﴿يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ (٩٦) واقترب الْوَعْد الْحق فَإِذا هِيَ﴾ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا على توسع الْكَلَام، وَمَعْنَاهُ: أَنا نمنعهم من الرُّجُوع، وَالتَّحْرِيم فِي اللُّغَة هُوَ الْمَنْع.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن " لَا " صلَة، قَالَه أَبُو عبيد، فَمَعْنَاه: حرَام على قَرْيَة أهلكناها أَي: يرجعُونَ، وَقَالَ الزّجاج: قَوْله: ﴿وَحرَام على قَرْيَة﴾ مَعْنَاهُ: وَحرَام على أهل قَرْيَة ﴿أهلكناها﴾، أَي: حكمنَا بهلاكها أَن يتَقَبَّل أَعْمَالهم؛ ل ﴿أَنهم لَا يرجعُونَ﴾ أَي: لَا يتولون، قَالَ وَالدَّلِيل على هَذَا الْمَعْنى أَنه قد قَالَ فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا: ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا كفران لسعيه﴾ أَي: يتَقَبَّل عمله، ثمَّ ذكر عقبه هَذِه الْآيَة، وَبَين أَن الْكَافِر لَا يتَقَبَّل عمله.
408
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا فتحت﴾ قرىء بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وَمعنى التَّشْدِيد على الْجمع، وَمعنى التَّخْفِيف على الوحدان.
وَقَوله: ﴿يَأْجُوج وَمَأْجُوج﴾ قد بَينا، وَالْفَتْح للسد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ، وَيُقَال: إِن الْخلق عشرَة أَجزَاء، تِسْعَة أَجزَاء كلهم يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وجزء وَاحِد هم سَائِر الْخلق، وَيُقَال: إِن جُزْءا من ألف جُزْء سَائِر الْخلق، وَالْبَاقِي هم يَأْجُوج وَمَأْجُوج.
قَوْله: ﴿وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ الحدب: الْمَكَان الْمُرْتَفع، فَمَعْنَاه: يسرعون النُّزُول من الآكام، وَهُوَ مَكَان مُرْتَفع من القلاع، ونسلان الذِّئْب: سرعَة مَشْيه، قَالَ الشَّاعِر:
(نسلان الذَّنب أَمْسَى باديا برد اللَّيْل عَلَيْهِ فينسل)
وَقيل: من كل حدب أَي: من كل جَانب، فَإِن قيل: مَا معنى ﴿حَتَّى﴾ فِي أول الْآيَة؟ وَأَيْنَ جَوَابه: ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ اقْترب الْوَعْد الْحق، وَالْوَاو مقحمة، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
408
﴿شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا يَا ويلنا قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا بل كُنَّا ظالمين (٩٧) إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا﴾
(فَلَمَّا أجزنا ساحة الْحَيّ وانتحى بِنَا بطن خبت ذِي حقاف عقنقل)
وَالْوَاو فِي قَوْله: وانتحى مقحمة.
وَالثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ﴾ قَالُوا ﴿يَا ويلنا﴾ وَيُقَال: ظهر لَهُم صدق مَا قُلْنَاهُ، وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود: " أَن النَّبِي لَيْلَة أسرِي بِهِ اجْتمع مَعَ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى - صلوَات الله عَلَيْهِم - فَذكرُوا أَمر السَّاعَة، فبدءوا بإبراهيم وسألوه عَنْهَا، فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لمُوسَى فَقَالَ: لَا علم لي بهَا، ثمَّ ذكرُوا لعيسى فَقَالَ عِيسَى: إِن الله تَعَالَى عهد إِلَيّ أَنَّهَا دون وحيها وَلَا يعلم وحيها، إِلَّا الله، ثمَّ قَالَ عِيسَى: إِن الله يهبطني إِلَى الأَرْض فأقتل الدَّجَّال ".
ورد الْخَبَر " أَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج قد خَرجُوا فيغلبون على الأَرْض، ثمَّ إِن الْمُسلمين يجأرون إِلَى الله، فَيُرْسل الله النغف فِي رقابهم فيهلكون، وَقد تنتن الأَرْض؛ فَيُرْسل الله طيرا كأعناق البخت، فتأخذهم وتلقيهم فِي الْبَحْر ".
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: إِن النَّاس يحجون ويعتمرون بعد خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهلاكهم.
409
قَوْله تَعَالَى: ﴿واقترب الْوَعْد الْحق﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾ أَي: منزعجة.
409
﴿وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ (٩٩) لَهُم فِيهَا زفير وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ (١٠٠) ﴾
وَقَوله: ﴿يَا ويلنا قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا بل كُنَّا ظالمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
410
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ قَرَأَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - " حطب جَهَنَّم "، وَقَرَأَ الجحدري: " حصب جَهَنَّم "، وَفِي الشاذ أَيْضا: " حضب جَهَنَّم " بالضاد الْمُعْجَمَة متحركة، وَأما الْمَعْرُوفَة ﴿حصب جَهَنَّم﴾ وَهُوَ مَا يرْمى بِهِ فِي النَّار، وَأما قَوْله: ﴿وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله﴾، " رُوِيَ أَن النَّبِي لما قَرَأَ هَذِه الْآيَة على الْكفَّار، قَالَ عبد الله بن الزبعري: خصمت مُحَمَّدًا وَرب الْكَعْبَة، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، أتزعم أَن مَا يعبد من دون الله يدْخلُونَ النَّار؟ قَالَ: نعم - والورود هَاهُنَا: الدُّخُول - قَالَ عبد الله بن الزبعري: فعيسى وعزير وَالْمَلَائِكَة يعْبدُونَ من دون الله، أفهم مَعنا فِي النَّار؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾، وَأنزل الله أَيْضا فِي عبد الله بن الزبعري: ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ " يَعْنِي: أَنهم قَالُوا مَا قَالُوا خُصُومَة ومجادلة بِالْبَاطِلِ، وَإِلَّا قد عرفُوا أَن المُرَاد هم الْأَصْنَام.
وَزعم قطرب وَجَمَاعَة من النَّحْوِيين أَن الْآيَة مَا تناولت إِلَّا الْأَصْنَام من حَيْثُ الْعَرَبيَّة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله﴾ وَهَذَا يُقَال فِيمَا لَا يعقل، فَأَما فِيمَن يعقل فَيُقَال: وَمن تبعدون من دون الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾ أَي: مَا دخلوها.
وَقَوله: ﴿وكل فِيهَا خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون.
410
﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون (١٠١) لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِي مَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ (١٠٢) لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر وتتلقاهم الْمَلَائِكَة هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون (١٠٣) يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا﴾
411
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم فِيهَا زفير﴾ قد بَينا معنى الزَّفِير.
وَقَوله: ﴿وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ﴾.
قَالَ ابْن مَسْعُود: يجْعَلُونَ فِي توابيت من نَار، وَقَالَ بَعضهم: والتوابيت فِي توابيت، فَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون شَيْئا، ويظن كل وَاحِد أَنه لَا يعذب غَيره؛ لِئَلَّا يكون لَهُ تسلى الأسوة، وَهَذَا الْخَبَر لَيْسَ من قَول ابْن مَسْعُود.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ قد بَينا.
وَيُقَال: سبقت لَهُم منا السَّعَادَة، وَيُقَال: وَجَبت لَهُم الْجنَّة.
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ أَي: حسها.
وَقَوله: ﴿وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: الْفَزع الْأَكْبَر هُوَ أَن تطبق جَهَنَّم، وَذَلِكَ بعد أَن يخرج الله مِنْهَا من يُرِيد أَن يُخرجهُ، وَيُقَال: الْفَزع الْأَكْبَر هُوَ ذبح الْمَوْت، فَيُقَال لهَؤُلَاء: خُلُود وَلَا موت، ولهؤلاء: خُلُود وَلَا موت، وَقيل الْفَزع الْأَكْبَر: الْأَمر بِالْجَرِّ إِلَى النَّار.
وَقَوله: ﴿وتتلقاهم الْمَلَائِكَة﴾ أَي: تستقبلهم الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿هَذَا يومكم الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يطوي الله السَّمَاء، وَيَأْخُذ الأَرْض بِيَمِينِهِ فَيَقُول: أَنا الْملك، أَيْن مُلُوك الأَرْض؟ ".
411
﴿أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين (١٠٤) وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن﴾
وَقَوله: ﴿كطي السّجل للكتب﴾ رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق أَن السّجل كَاتب للنَّبِي، وَهُوَ قَول غَرِيب. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السّجل ملك، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ أصح الْأَقْوَال - أَن السّجل هُوَ الصَّحِيفَة.
وَقَوله: ﴿للكتب﴾ أَي: لأجل مَا كتب، فَمَعْنَاه: كطي الصَّحِيفَة لأجل الْمَكْتُوب.
وَقَوله: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ أَي: قدرتنا على إِعَادَة الْخلق كقدرتنا على إنشائه.
وَقَوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ أَي: قَادِرين عَلَيْهِ، وَقد ورد فِي هَذِه الْآيَة خبر صَحِيح وَهُوَ مَا روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي قَالَ: " يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا "، وَفِي رِوَايَة: " إِنَّكُم تحشرون يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا " ثمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾، وَأول من يكسى إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ السَّلَام - ويجاء بِقوم من أمتِي فَيُؤْمَر بهم إِلَى النَّار، فَأَقُول: يَا رب، أَصْحَابِي، فَيَقُول: إِنَّهُم لم يزَالُوا مرتدين على أَعْقَابهم مُنْذُ فَارَقْتهمْ، فَأَقُول كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح: ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ وَفِي رِوَايَة " أَقُول: سحقا لأهل النَّار ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أَنا بِهَذَا الحَدِيث الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أَنا جدي أَبُو الْهَيْثَم، قَالَ الْفربرِي قَالَ البُخَارِيّ، قَالَ مُحَمَّد بن كثير، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن الْمُغيرَة بن النُّعْمَان، عَن سعيد بن جُبَير... الْخَبَر.
412
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر﴾ قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ أَبُو عَمْرو: الزبُور زبور دَاوُد، وَالذكر هُوَ التَّوْرَاة، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الزبُور
412
﴿الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون (١٠٥) إِن فِي هَذَا لبلاغا لقوم عابدين (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين (١٠٧) ﴾ هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالذكر هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَمَعْنَاهُ: من بعد مَا كتب ذكره فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَقَوله: ﴿أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَالْأَرْض أَرض الْجنَّة. وَعنهُ أَيْضا: أَن الأَرْض هِيَ أَرَاضِي الْكفَّار، يفتحها الله للْمُسلمين، ويجعلها لَهُم، وَقيل إِن الأَرْض هِيَ الأَرْض المقدسة.
413
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي هَذَا لبلاغا﴾ يجوز أَن يكون قَوْله: ﴿فِي هَذَا﴾ أَي: فِي الْقُرْآن، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: فِي هَذِه السُّورَة، وَقَوله: ﴿لبلاغا﴾ أَي: سَببا يبلغهم إِلَى رضَا الله، وَقيل: بلاغا أَي: كِفَايَة.
وَقَوله: ﴿لقوم عابدين﴾ قيل: عَالمين، وَقيل: مُطِيعِينَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ من الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِنَّمَا أَنا رَحْمَة مهداة " أَي: هَدِيَّة من الله، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْعَالمين على قَوْلَيْنِ: فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنهم الْمُسلمُونَ، فَهُوَ رَحْمَة للْمُسلمين، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم جَمِيع الْخلق، وَهَذَا القَوْل أشهر، وَأما معنى رَحمته للْكَافِرِينَ فَهُوَ تَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، وَقيل: هُوَ رفع عَذَاب الاستئصال عَنْهُم، وَأما رَحمته للْمُؤْمِنين فمعلومة.
413
﴿قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ (١٠٨) فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد مَا توعدون (١٠٩) إِنَّه يعلم الْجَهْر من القَوْل وَيعلم مَا تكتمون (١١٠) وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم ومتاع إِلَى حِين (١١١) قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾
414
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ أَي: أَسْلمُوا.
قَوْله: ﴿فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ أَي: لتستووا فِي الْإِيمَان بِهِ، وأوضح الْأَقْوَال مَا ذكره ابْن قُتَيْبَة، وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ: آذنتكم على وَجه، نستوي نَحن وَأَنْتُم فِي الْعلم بِهِ.
وَقَوله: ﴿وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد﴾ يَعْنِي: مَا أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد ﴿مَا توعدون﴾ ؟.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه يعلم الْجَهْر من القَوْل﴾ الْآيَة؟. ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أَدْرِي لَعَلَّه فتْنَة لكم﴾ اخْتلفُوا فِي أَن الْهَاء إِلَى مَاذَا ترجع فِي ﴿لَعَلَّه﴾ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يرجع إِلَى قَوْله: ﴿وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب أم بعيد مَا توعدون﴾ يَعْنِي: إِن هَذَا الَّذِي أَقُول لَعَلَّه فتْنَة لكم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يرجع إِلَى مَا ذكرنَا من تَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، وَقَوله: ﴿فتْنَة﴾ أَي: محنة واختبار.
وَقَوله: ﴿ومتاع إِلَى حِين﴾ أَي: إِلَى الْقِيَامَة، وَقيل: إِلَى الْمَوْت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل رب احكم بِالْحَقِّ﴾ وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم: " قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ " على الْخَبَر، وَالْأول هُوَ الْمُخْتَار؛ وَلِأَن سَواد الْمُصحف مُتبع لَا يجوز خِلَافه، فَإِن قيل: قَوْله: ﴿قل رب احكم بِالْحَقِّ﴾ كَيفَ يجوز هَذَا الدُّعَاء، وَالله لَا يحكم إِلَّا بِالْحَقِّ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قُلْنَا رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: كَانَ الْأَنْبِيَاء قبل مُحَمَّد يَقُولُونَ: رَبنَا افصل بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ، فَأمر الله رَسُوله أَن يَقُول: رب احكم بِالْحَقِّ، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، قَالَ بَعضهم: رب احكم بِالْحَقِّ أَي: عجل الحكم بِالْحَقِّ،
414
﴿وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون (١١٢) ﴾ وَقَالَ أَبُو عبيد: رب احكم بحكمك الْحق، وَالله يحكم بِالْحَقِّ طلب أَو لم يطْلب، وَمعنى الطّلب هُوَ ظُهُور الرَّغْبَة من الطَّالِب فِي حكمه بِالْحَقِّ، وَهَذَا الْأَخير لَيْسَ من قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: ﴿رب احكم بِالْحَقِّ﴾ تعبد من الله، وَالله يحكم بِالْحَقِّ سُئِلَ أَو لم يسْأَل، أوردهُ النّحاس.
وَقَوله: ﴿وربنا الرَّحْمَن الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ أَي: تكذبون. وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ أَي: سيجزيهم جَزَاء كذبهمْ، وَيُقَال: على مَا تصفون أَي: تكذبون.
415

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم (١) يَوْم ترونها تذهل كل﴾
تَفْسِير سُورَة الْحَج
قَالَ ابْن عَبَّاس فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم﴾ وآيتين بعد هَذِه الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا..﴾ الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن هَذِه السُّورَة مَدَنِيَّة إِلَّا آيَات فِيهَا نزلت بِمَكَّة.
416
Icon