تفسير سورة سورة الرعد
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي (ت 741 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة
الأولى
سورة الرعد
قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما أنها مكية، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين إحداهما قوله وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ والأخرى قوله وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا. والقول الثاني أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، وهما قوله وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ إلى آخر الآيتين وقال بعضهم: المدني منها قوله هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ إلى قوله دَعْوَةُ الْحَقِّ وهي ثلاث وقيل خمس وأربعون آية وثمانمائة وخمس وخمسون كلمة وثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)قوله عز وجل المر قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه أنا الله أعلم وأرى. وروى عطاء عنه أنه قال:
إن معناه أنا الله الملك الرحمن تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الإشارة بتلك إلى آيات السورة المسماة بالمر، والمراد بالكتاب السورة أي آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها ثم قال تعالى: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني من القرآن كله هو الحق الذي لا مزيد عليه، وقيل المراد بالإشارة في قوله: تلك الأخبار والقصص أي الأخبار والقصص التي قصصتها عليك يا محمد هي آيات التوراة والإنجيل والكتب الإلهية القديمة المنزلة، والذي أنزل إليك يعني وهذا القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربك الحق أي هو الحق فاعتصم به وقال ابن عباس وقتادة: أراد بآيات الكتاب القرآن، والمعنى: هذه آيات الكتاب الذي هو القرآن ثم قال: والذي أنزل إليك من ربك الحق، يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق لا شك فيه ولا تناقض وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ يعني مشركي مكة نزلت هذه الآية في الرد عليهم حين قالوا إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه، ثم ذكر من دلائل ربوبيته وعجائب قدرته ما يدل على وحدانيته فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ جمع عمود وهي الأساطين والدعائم التي تكون تحت السقف وفي قوله: تَرَوْنَها قولان أحدهما أن الرؤية ترجع إلى السماء يعني: وأنتم ترون السموات مرفوعة بغير عمد من تحتها يعني ليس من دونهما دعامة تدعمها ولا من فوقها علاقة تمسكها، والمراد نفي العمد بالكلية. قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. والقول الثاني: إن الرؤية ترجع
﴿يدبر الأمر﴾ يعني أنه تعالى يدبر أمر العالم العلوي والسفلي، ويصرفه ويقضيه بمشيئته، وحكمته، على أكمل الأحوال لا يشغله شأن عن شأن، وقيل : يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة، لأن جميع العالم محتاجون إلى تدبيره ورحمته، داخلون تحت قهره وقضائه وقدرته ﴿يفصل الآيات﴾ يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، وقيل : إن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان : الأول : الموجودات المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض وما فيهما من العجائب وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم وهذا قد تقدم ذكره.
والقسم الثاني : الموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت بعد الحياة والفقر بعد الغنى والضعف بعد القوة إلى غير ذلك من أحوال هذا العالم، وكل ذلك مما يدل على وجود الصانع و كمال قدرته ﴿لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾ يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته لكي توقنوا، وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت لأن من قدر على إيجاد الإنسان بعد عدمه قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات العلم، وهو فوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك، يقال منه استيقن وأيقن بمعنى علم.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ الى ٧]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ لما ذكر الدلالة على وحدانيته وكمال قدرته وهي رفع السموات بغير عمد، وذكر أحوال الشمس والقمر أردفها بذكر الدلائل الأرضية، فقال: وهو الذي مد الأرض أي بسطها على وجه الماء، وقيل: كانت الأرض مجتمعة فمدها من تحت البيت الحرام، وهذا القول إنما يصح إذا قيل إن الأرض منسطحة كالأكف، وعند أصحاب الهيئة: الأرض كرة، ويمكن أن يقال: إن الكرة إذا كانت كبيرة عظيمة فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح الكبير العظيم، فحصل الجمع ومع ذلك فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلا وأبين دليلا من أصحاب الهيئة وَجَعَلَ فِيها.
يعني في الأرض رَواسِيَ يعني جبالا ثابتة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غير أثبته قال ابن عباس:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «في قوله تعالى: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قال: الدقل والنرسيان والحلو والحامض» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال مجاهد: هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعا متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء قليلا. قيل: إنما هذا من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا تسمع. وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً وقوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ يعني الذي ذكر لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يعني فيتدبرون ويتفكرون في الآيات الدالة على وحدانيته. قوله تعالى وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ العجب تبعيد النفس رؤية المستبعد في العادة، وقيل: العجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل: العجب في حق الله محال لأنه تعالى علّام الغيوب لا تخفى عليه خافية، والخطاب في الآية للنبي صلّى الله عليه وسلّم ومعناه وإنك يا محمد إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد أن كنت عندهم تعرف بالصادق الأمين فعجب أمرهم، وقيل: معناه وإن تعجب من اتخاذ المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن الله تعالى خالق السموات والأرض، وهو يضر وينفع وقد رأوا من قدرة الله وما ضرب لهم به الأمثال ما رأوا فعجب قولهم. وقيل وإنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة والبعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله فعجب قولهم، وذلك أن المشركين كانوا ينكرون البعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله، وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الابتداء فهذا موضع التعجب وهو قولهم أَإِذا كُنَّا تُراباً يعني بعد الموت أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني نعاد خلقا جديدا بعد الموت كما كنا قبله ثم إن الله تعالى قال في حقهم أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وفيه دليل على
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ « في قوله تعالى :﴿ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾ قال : الدقل والنرسيان والحلو والحامض » أخرجه الترمذي، وقال : حديث حسن غريب. قال مجاهد : هذا كمثل بني آدم صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن : هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعاً متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء قليلاً. قيل : إنما هذا من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا تسمع. وقال الحسن : والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً﴾ وقوله تعالى ﴿إن في ذلك﴾ يعني الذي ذكر ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾ يعني فيتدبرون ويتفكرون في الآيات الدالة على وحدانيته.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ الاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والمراد بالسيئة هنا هي العقوبة وبالحسنة العافية، وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم، وهو قولهم «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ يعني وقد مضت في الأمم المكذبة العقوبات بسبب تكذيبهم رسلهم، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء المثلثة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثلا ليرتدع غيره به، وذلك كالنكال وجمعه مثلات بفتح الميم وضمها مع ضم الثاء فيهما لغتان وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ قال ابن عباس: معناه إنه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ يعني للمصرين على الشرك الذي ماتوا عليه. وقال مجاهد: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وإنه لشديد العقاب إذا عاقب. قوله تعالى وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني من أهل مكة لَوْلا أي هلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ يعني على محمد صلّى الله عليه وسلّم آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني مثل عصى موسى وناقة صالح ذلك لأنهم لم يقنعوا بما رأوا من الآيات التي جاء بها النبي صلّى الله عليه وسلّم إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي ليس عليك يا محمد غير الإنذار والتخويف، وليس لك من الآيات شيء وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال ابن عباس: الهادي هو الله، وهذا قول سعيد ابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والنخعي، والمعنى إنما عليك الإنذار يا محمد والهادي هو الله يهدي من يشاء. وقال عكرمة في رواية أخرى عنه وأبو الضحى: الهادي هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المعنى: إنما أنت منذر وأنت هاد، وقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني ولكل قوم نبي يهديهم وقال أبو العالية: الهادي هو العمل الصالح. وقال أبو صالح: الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر. قوله عز وجل:
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ الى ١١]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى لما سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الآيات أخبرهم الله عز وجل عن عظيم قدرته، وكمال علمه وأنه عالم بما تحمل كل أنثى يعني من ذكر أو أنثى سويّ الخلق أو ناقص الخلق واحدا أو اثنين أو أكثر وَما تَغِيضُ يعني وما تنقص الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ قال أهل التفسير: غيض الأرحام الحيض على الحمل فإذا حاضت الحامل كان ذلك نقصانا في الولد لأن دم الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء فينقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم، وقيل: إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرة فإن رأت خمسة أيام دما، وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام فالنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل. وقيل: النقصان السقط والزيادة تمام الخلق. وقال الحسن: غيضها نقصانها من تسعة أشهر والزيادة زيادتها على تسعة أشهر فأقل مدة الحمل ستة أشهر وقد يولد لهذه المدة ويعيش. واختلفوا في أكثره فقال قوم:
أكثر مدة الحمل سنتان، وهو قول عائشة، وبه قال أبو حنيفة وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين. وقال جماعة:
معناه إنهم يحفظونه، بما أمر الله به من الحفظ له. قال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء يأتيه يؤذيه إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه.
وقال كعب الأحبار: لولا أن الله تعالى وكلّ بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن. وقال ابن جريج: معنى يحفظونه أي يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على قول من يقول: إن الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم، ومن خلفهم والضمير في قوله له راجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس في
وقال كعب الأحبار : لولا أن الله تعالى وكلَّ بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن.
وقال ابن جريج : معنى يحفظونه أي يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على قول من يقول : إن الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، وقال عكرمة : الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم، ومن خلفهم والضمير في قوله له راجع إلى النبي ﷺ قال ابن عباس في معنى هذه الآية : لمحمد ﷺ حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من شر الجن وطوارق الليل والنهار.
وقال عبد الرحمن بن زيد : نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما من بني عامر بن زيد وكانت قصتهما على ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قال :«أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وهما من بني عامر بن زيد على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه فدخل المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان من أجمل الناس وكان أعور فقال : يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال : دعه فان يرد الله به خيراً يهده فأقبل حتى قام على رسول الله ﷺ وقال : يا محمد ما لي إن أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين. قال : تجعل الأمر لي بعدك ؟ قال ليس ذلك لي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء. قال : فتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟ قال : لا قال : فما تجعل لي ؟ قال : أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال : أوليس ذلك لي اليوم قم معي أكلمك فقال معه رسول الله ﷺ، وكان عامر قد أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل عامر يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه ودار أربد بن ربيعة من خلف رسول الله ﷺ ليضربه، فاخترط شبراً من سيفه ثم حبسه الله تعالى عليه فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال : اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته فولى عامر هارباً وقال : يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وشباباً مرداً. فقال النبي ﷺ : يمنعني الله من ذلك « وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم إليه سلاحه، فخرج له خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم ركب فرسه وجعل يركض في الصحراء، ويقول : ادن يا ملك الموت وجعل يقول الشعر، ويقول لئن أبصرت محمداً وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه، فأرداه في التراب ثم عاد فركب جواده حتى مات على ظهره، وأجاب الله عز وجل دعاء رسول الله ﷺ في عامر بن الطفيل فمات بالطعن، وأربد بن ربيعة مات بالصاعقة وأنزل الله عز وجل في شأن هذه القصة سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به إلى قوله له معقبات من بين يديه، ومن خلفه يعني لرسول الله ﷺ معقبات يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه من أمر الله أي بأمر الله وقيل : إن تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم وتأخير تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بيه يديه ومن خلفه، وقوله ﴿إن الله لا يغير ما بقوم﴾ خطاب لهذين عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، يعني لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة التي أنعم بها عليهم ﴿حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ يعني : من الحالة الجميلة فيعصون ربهم، ويجحدون نعمه عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو قوله تعالى ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءاً﴾ يعني هلاكاً وعذاباً ﴿فلا مرد له﴾ يعني لا يقدر أحد أن يرد ما أنزل الله بهم من قضائه وقدره ﴿وما لهم من دونه من وال﴾ يعني وليس لهم من دون الله من وال يلي أمرهم ونصرهم ويمنع العذاب عنهم.
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أو ليس ذلك لي اليوم قم معي أكلمك فقام معه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان عامر قد أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل عامر يخاصم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويراجعه ودار أربد من خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليضربه، فاخترط شبرا من سيفه ثم حبسه الله تعالى عليه فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه فالتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته فولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردا وشبابا مردا. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: يمنعني الله من ذلك وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم إليه سلاحه، فخرج له خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم ركب فرسه وجعل يركض في الصحراء، ويقول: ادن يا ملك الموت وجعل يقول الشعر، ويقول لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله إليه ملكا فلطمه، فأرداه في التراب ثم عاد فركب جواده حتى مات على ظهره، وأجاب الله عز وجل دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عامر بن الطفيل فمات بالطعن، وأربد بن ربيعة مات بالصاعقة وأنزل الله عز وجل في شأن هذه القصة سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به إلى قوله له معقبات من بين يديه، ومن خلفه يعني لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم معقبات يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه من أمر الله أي بأمر الله وقيل: إن تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم وتأخير تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، وقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ خطاب لهذين عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، يعني لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة التي أنعم بها عليهم حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ يعني: من الحالة الجميلة فيعصون ربهم، ويجحدون نعمه عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو قوله تعالى وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً يعني هلاكا وعذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ يعني لا يقدر أحد أن يرد ما أنزل الله بهم من قضائه وقدره وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يعني وليس لهم من دون الله من وال يلي أمرهم ونصرهم ويمنع العذاب عنهم قوله عز وجل:
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ الى ١٣]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً لما خوف الله عز وجل عباده بقوله: وإذا أراد الله بقوم سوءا ذكر في هذه الآية من عظيم قدرته ما يشبه النعم من وجه يشبه العذاب من وجه، فقال تعالى: هو الذي يعني هو الذي يريكم البرق والبرق معروف، وهو لمعان يظهر من خلال السحاب وفي كونه خوفا وطمعا وجوه: الأول إن عند
أخرجه الترمذي مع زيادة فيه. المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، وأراد به هنا آلة تزجر بها الملائكة السحاب. وقد جاء تفسيره في حديث آخر وهو صوت «١» من نور تزجر الملائكة به السحاب، قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير. فإن أصابه صاعقة فعلي ديته، وكان عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وكان يقول إن الوعيد لأهل الأرض شديد. وفي بعض الأخبار أن الله تعالى يقول: «لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد» وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وإن بحور الماء في نقرة إبهامه، وإنه يسبح الله فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر، وقيل: إن الرعد اسم لصوت الملك الموكل بالسحاب، ومع ذلك فإن صوت الرعد يسبح الله عز وجل لأن التسبيح والتقديس عبارة عن تنزيه لله عز وجل عن جميع النقائص، ووجود هذا الصوت المسموع من الرعد وحدوثه دليل على وجود موجود خالق قادر متعال عن جميع النقائص، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة تسبيحا ومنه قوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقيل المراد من تسبيح الرعد أن من سمعه سبح الله فلهذا المعنى أضيف التسبيح إليه، وقوله والملائكة من خيفته يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وهيبته وخشيته، وقيل: المراد بهذه الملائكة أعوان السحاب جعل الله عز وجل مع الملك الموكل بالسحاب أعوانا من الملائكة، وهم خائفون خاضعون طائعون. وقيل: المراد بهم جميع الملائكة وحمله على العموم أولى وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق فيحترق من تصيبه وقيل: هي الصوت الشديد النازل من الجو ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء الثلاثة تنشأ منها فَيُصِيبُ بِها يعني بالصواعق مَنْ يَشاءُ يعني فيهلك بها كما أصاب أربد بن ربيعة. قال محمد الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني يخاصمون في الله. وقيل: المجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله
وقال ابن عباس: شديد الحول. وقيل شديد العقوبة وقيل معناه شديد الجدال. وذلك أنه لما أخبر عنهم أنهم يجادلون في الله أخبر أنه أشد جدالا منهم. قوله تعالى:
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٤ الى ١٧]
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ يعني لله دعوة الصدق، قال على دعوة الحق التوحيد، وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. قال صاحب الكشاف دعوة الحق فيها وجهان أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إليه في قولك كلمة الحق. للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله تعالى يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله إن كان مصلحة له فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقا بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا نفع فيه ولا جدوى فيرد دعاءه. الثاني أن تضاف إلى الحق الذي هو الله على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، وعن
أما على قصة أربد فظاهر لأن إصابته بالصاعقة كانت بدعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنه دعا عليه وعلى صاحبه عامر بن الطفيل فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق، وأما على قوله وهم يجادلون في الله فوعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإجابة دعائه إن دعا عليهم. وقيل في معنى الآية: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله تعالى وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني والذين يدعونهم آلهة من دون الله، وهي الأصنام التي يعبدونها لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ
يعني لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ يعني إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه، يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب دعاءه أو يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبههم في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته من شربه وقيل إن القابض على الماء ناشرا أصابعه لا يكون في يده منه شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء كذلك الذي يدعو الأصنام لأنها لا تضر ولا تنفع ولا يفيده منها شيء. وقيل شبه: بالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد بعينيه، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعوه بلسانه فلا يأتيه أبدا هذا معنى قول مجاهد، وعن عطاء كالعطشان الجالس على شفير البئر وهو يمد يديه إلى البئر فلا هو يبلغ إلى قعر البئر ليخرج الماء، ولا الماء يرتفع إليه فلا ينفعه بسطه الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذي يدعون الأصنام لا ينفعهم ذلك. وقال ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما من الماء ولا يبلغ الماء فاه مادام باسط كفيه، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ودعائهم الأصنام حين لا ينفعهم البتة ثم ختم هذا بقوله وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ يعني أصنامهم إِلَّا فِي ضَلالٍ يعني يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، قال ابن عباس في هذه الآية أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. قوله عز وجل وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد منه السجود على الحقيقة وهو وضع الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي معنى الآية وجهان أحدهما أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله: ولله يسجد من في السموات يعني الملائكة ومن في الأرض من الإنس يعني المؤمنين طوعا وكرها، يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعا وهم المؤمنون المخلصون لله العبادة، وكرها يعني المنافقين الداخلين في المؤمنين وليسوا منهم فان سجودهم لله على كره منهم، لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا ولا يخافون على تركه عقابا بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين. الوجه الثاني: هو حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال، وهو أن جميع الملائكة والمؤمنين من الجن والإنس يسجدون لله طوعا، ومنهم من يسجد كرها كما تقدم وأما الكفار من الجن والإنس، فلا يسجدون لله البتة فهذا وجه الإشكال. والجواب عنه أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في الأرض أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول. وجواب آخر وهو أن يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في السموات من ملك ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية والتعظيم ويدل عليه قوله تعالى «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله». والقول الثاني: في معنى هذا السجود هو الانقياد والخضوع وترك الامتناع فكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا الاعتبار لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل فهم خاضعون مناقدون له. وقوله تعالى وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ الغدوة والغداة أول النهار، وقيل: إلى نصف النهار والغدو بالضم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس والآصال جمع أصل، وهو العشية والآصال العشايا
جمع عشية وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. قال المفسرون:
إن ظل كل شخص يسجد لله ظل المؤمن والكافر. وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع وظل
لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما.
(فصل)
وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة والله أعلم. قوله تعالى قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله من رب السموات والأرض، يعني من مالك السموات والأرض، ومن مدبرهما وخالقهما فسيقولون: الله لأنهم مقرون بأن الله خالق السموات وما فيها، والأرض، وما فيها فإن أجابوك بذلك فقل: أنت يا محمد الله رب السموات والأرض. وقيل: لما قال هذه المقالة للمشركين عطفوا عليه وقالوا أجب أنت فأمره الله أن يجيبهم بقوله قُلِ اللَّهُ أي قل يا محمد اللَّهُ وقيل: إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله الله فكأنهم قالوا ذلك أيضا ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله قُلْ أي قل يا محمد للمشركين أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ يعني من دون الله أَوْلِياءَ يعني الأصنام والولي الناصر، والمعنى توليتم غير رب السموات والأرض واتخذتموهم أنصارا يعني الأصنام لا يَمْلِكُونَ يعني وهم لا يملكون لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا فكيف لغيرهم. ثم ضرب الله مثلا للمشركين الذين يعبدون الأصنام وللمؤمنين الذين يعبدون الله. فقال تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ يعني الشرك والإيمان والمعنى كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن وكما لا تستوي الظلمات والنور كذلك لا يستوي الكفر والإيمان، وإنما شبه الكافر بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي سبيلا، كذلك الكافر لا يهتدي سبيلا أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ هذا استفهام إنكار يعني جعلوا لله شركاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ يعني خلقوا سموات وأرضين وشمسا وقمرا وجبالا وبحارا وجنا وإنسا فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ من هذا الوجه، والمعنى هل رأوا غير الله خلق شيئا فاشتبه عليهم خلق الله بخلق غيره، وقيل: إنه تعالى وبخهم بقوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا خلقا مثل خلقه فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، وهذا استفهام إنكاري أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه عليهم الأمر، بل إذا تفكروا بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء والشركاء مخلوقون له أيضا لا يخلقون شيئا حتى يشتبه خلق الله بخلق الشركاء، وإذا كان الأمر كذلك فقد لزمتهم الحجة، وهو قوله تعالى قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الله خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقا، وقوله الله خالق كل شيء من العموم الذي يراد به الخصوص لأن الله تعالى خلق كل شيء وهو غير مخلوق وَهُوَ الْواحِدُ يعني والله تعالى هو الواحد المنفرد بخلق الأشياء كلها الْقَهَّارُ لعباده حتى يدخلهم تحت قضائه وقدره وإرادته. وقوله عز وجل:
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لما شبه الله عز وجل الكافر بالأعمى والمؤمن بالبصير وشبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور ضرب لذلك مثلا فقال تعالى: أنزل من السماء ماء يعني المطر فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أودية جمع واد وهو المفرج بين الجبلين يسيل فيها الماء وقوله: فسالت أودية فيه اتساع، وحذف تقديره فسال في الوادي فهو كما يقال جري النهر والمراد جرى الماء في النهر فحذف في لدلالة الكلام عليه بقدرها. قال مجاهد بمثلها وقال ابن جريج: الصغير بقدره والكبير بقدره، وقيل: بمقدار مائها وإنما نكر أودية لأن المطر إذا نزل لا يعم جميع
من ذلك الماء زبدا رابِياً يعني عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه، وها هنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال تعالى وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الإيقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء ليذوب ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني لطلب زينة، والضمير في قوله عليه يعود على الذهب والفضة، وإن لم يكونا مذكورين لأن الحلية لا تطلب إلا منهما أَوْ مَتاعٍ يعني أو لطلب متاع آخر مما ينتفع به كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب وتتخذ منه الأواني وغيرها مما ينتفع له، والمتاع كل ما ويتمتع به. ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع زَبَدٌ مِثْلُهُ يعني أن ذلك الذي يوقد عليه في النار إذا أذيب، فله أيضا زبد مثل زبد الماء فالصافي من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي ينتفع به وهو مثل الحق. والزبد من الماء ومن هذه الجواهر هو
وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباري : ولا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها وتخشع كما جعل للجبال أفهاماً حتى سبحت لله مع داود، وقيل : المراد بسجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب آخر، وطولها وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر لأن الظلال تعظم، وتكثر في هذين الوقتين، وقيل : لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما بينهما.
( فصل ) :
وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة والله أعلم.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٨ الى ٢١]
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى قيل: اللام في للذين متعلقة بيضرب والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذي استجابوا لربهم يعني أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده والإيمان به وبرسوله وللكافرين الذين لم يستجيبوا، فعلى هذا يكون قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم للفريقين من المؤمنين والكافرين وقيل تم الكلام عند قوله كذلك يضرب الله الأمثال ثم استأنف بقوله للذين استجابوا لربهم الحسنى. قال ابن عباس وجمهور المفسرين: يعني الجنة. وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن وهي المنفعة الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يعني الكبار الذين استمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ يعني لبذلوا ذلك كله فداء لأنفسهم من عذاب النار يوم القيامة أُولئِكَ يعني الذين لم يستجيبوا لربهم لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ قال إبراهيم النخعي: سوء الحساب أن يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء وَمَأْواهُمْ يعني في الآخرة جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني وبئس ما مهد لهم في الآخرة، وقيل: المهاد الفراش يعني وبئس الفراش يفرش لهم في جهنم. قوله تعالى أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني فيؤمن به ويعمل بما فيه كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني أعمى البصيرة، لا أعمى البصر وهو الكافر فلا يؤمن بالقرآن ولا يعمل بما فيه قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي جهل بن هشام. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل فالأول هو حمزة أو عمار والثاني هو أبو جهل وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصا، والمعنى: لا يستوي من
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول «ليس الواصل بالمكافئ الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فان صلة الرحم محبة في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأثر» أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني أنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ تقدم معناه.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٢ الى ٢٨]
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦)وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)
وَالَّذِينَ صَبَرُوا يعني على طاعة الله وقال ابن عباس: على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل: حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من سائر العبادات والطاعات، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ترك جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة، وغير ذلك من المنهيات، ويدخل فيه الصبر عن المباحات مثل
المراد بالسر صدقة التطوع والمراد بالعلانية الزكاة الواجبة وحمله على العموم أولى وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، وهو معنى قوله: «إن الحسنات يذهبن السيئات» ويدل على صحة هذا التأويل ما جاء في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى خرج إلى الأرض» وقال ابن كيسان: يدفعون الذنب بالتوبة وقيل: لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير وقال القتيبي معناه إذا سفه عليهم حلموا والسفه السيئة والحلم الحسنة، وقال قتادة:
ردوا عليهم ردا معروفا. وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية قلت إنما هي تسع خلال فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة ولما ذكر الله عز وجل هذه الخلال من أعمال البر، ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب فقال تعالى أُولئِكَ يعني من أتى بهذه الأعمال لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ يعني الجنة والمعنى إن عاقبتهم دار الثواب جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عقبى الدار يعني بساتين إقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به يَدْخُلُونَها يعني الدار التي تقدم وصفها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ يعني ومن صدق من آبائهم بما صدقوا به، وإن لم يعمل بأعمالهم قاله ابن عباس. وقال الزجاج: إن الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة فعلى قول ابن عباس: معنى صلح صدق وآمن ووحد، وعلى قول الزجاج معناه أصلح في عمله قال الواحدي والصحيح: ما قاله ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله حيث بشره بدخوله الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان صالحا في عمله، فهو يدخل الجنة. قال الإمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى وأزواجهم ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه وروي أنه لما كبرت سودة أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم طلاقها فسألته أن لا يفعل، ووهبت يومها لعائشة فأمسكها رجاء أن تحشر في جملة أزواجه فهو كالدليل على ما ذكرناه. وقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ يعني من أبواب الجنة. وقيل من أبواب القصور، قال ابن عباس: يريد به التحية من الله والتحف والهدايا سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني يقولون: سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لدلالة الكلام عليه بِما صَبَرْتُمْ يعني يقولون لهم: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونها في الدنيا وأدخلكم بما صبرتم في دار الدنيا على الطاعات، وترك
وقال ابن عباس : هذا في الحلف وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال ﴿إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت : إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه.
الله عليهم الرزق أشروا وبطروا، والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المشتهى. وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ يعني بالنسبة إلى الآخرة إِلَّا مَتاعٌ أي قليل ذاهب. قال الكلبي: المتاع مثل السكرجة والقصعة والقدر ينتفع بها في الدنيا ثم تذهب كذلك الحياة لأنها ذاهبة لا بقاء لها وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني من أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني هلا أنزل على محمد آية ومعجزة مثل معجزة موسى وعيسى قُلْ أي قل لهم يا محمد: إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ فلا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده الله عز وجل وهو قوله وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ يعني ويرشد إلى دينه والإيمان به من أناب بقلبه ورجع إليه بكليته الَّذِينَ آمَنُوا بدل من قوله من أناب وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ يعني وتسكن قلوبهم بِذِكْرِ اللَّهِ قال مقاتل: بالقرآن لأنه طمأنينة لقلوب المؤمنين والطمأنينة والسكون إنما تكون بقوة اليقين، والاضطراب إنما يكون بالشك أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ يعني بذكره تسكن قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها. وقال ابن عباس: هذا في الحلف وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٩ الى ٣١]
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى اسم شجرة في الجنة تظلل الجنان كلها. وقال عبيد ابن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي كل دار وغرفة في الجنة منها غصن لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح وروي عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن طوبى فقال: «هي شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه. قال: «طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» هكذا ذكر البغوي هذين الحديثين بغير سند، وروي بسنده موقوفا عن أبي هريرة قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرءوا إن شئتم وظل ممدود» فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والقرآن على محمد لو أن رجلا ركب فرسا أو حقة أو جذعة، ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. فقال البغوي وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: «إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله لها تفتقي لعبدي عما يشاء فتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء وعن الثياب» (ق) عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (ق) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها» (ق) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة» زاد البخاري في روايته «واقرءوا إن شئتم وظل ممدود».
وقوله تعالى وَحُسْنُ مَآبٍ يعني ولهم حسن منقلب ومرجع ينقلبون ويرجعون إليه في الآخرة وهي الجنة. قوله عز وجل: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ يعني كما أرسلناك يا محمد إلى هذه الأمة كذلك أرسلنا أنبياء قبلك إلى أمم قد خلت ومضت لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني لتقرأ على أمتك الذي أوحينا إليك من القرآن وشرائع الدين وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قال قتادة ومقاتل وابن جريج: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقالوا: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب اكتب كما نكتب باسمك اللهم فهذا معنى قوله وهم يكفرون بالرحمن يعني أنهم ينكرونه ويجحدونه والمعروف أن الآية مكية. وسبب نزولها أن أبا جهل سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في الحجر يدعو ويقول في دعائه: «يا
| فأقسم لو شيء أتانا رسوله | سواك ولكن لم نجد لك مدفعا |
«ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا» ثم قال تعالى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً يعني في هذه الأشياء، وفي غيرها إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم؟ قال الكلبي: هذه لغة النخع وقيل هي لغة هوازن واختلف أهل اللغة في هذه اللفظة فقال الليث وأبو عبيد ألم ييأس ألم يعلم واستدلوا لهذه اللغة بقول الشاعر:
| أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني | ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم |
| ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه | وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا |
فأقسم لو شيء أتانا رسوله. . . سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أراد : لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وهذا معنى قول قتادة فإنه قال معناه لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم وقال آخرون : جواب لو تقدم تقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به لما سبق في علمنا فيهم كما قال :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا﴾ ثم قال تعالى ﴿بل لله الأمر جميعاً﴾ يعني في هذه الأشياء، وفي غيرها إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ قال أكثر المفسرين : معناه أفلم يعلم ؟ قال الكلبي : هذه لغة النخع وقيل هي لغة هوازن واختلف أهل اللغة في هذه اللفظة فقال الليث وأبو عبيد ألم ييأس ألم يعلم واستدلوا لهذه اللغة بقول الشاعر :
| أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني | ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم |
| ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه | وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا |
أحدهما أن يئس بمعنى علم. والقول الثاني: أنه من اليأس المعروف وتقدير القولين ما تقدم وتمسك أهل السنة بقوله أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا على أن الله لم يشأ هداية جميع الخلائق وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا يعني من الكفر والأعمال الخبيثة قارِعَةٌ أي نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا أحيانا مرة بالجدب، ومرة بالسلب ومرة بالقتل والأسر. وقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعثها إليهم أَوْ تَحُلُّ يعني السرايا أو البلية قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ وقيل معناه أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ يعني النصر والفتح وظهور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودينه وقيل أراد بوعد الله يوم القيامة لأن الله يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ والغرض منه تشجيع قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم وإزالة الحزن عنه لعلمه بأن الله لا يخلف الميعاد. قوله عز وجل:
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٢ الى ٣٦]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ وذلك أن كفار مكة إنما سألوا هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء، فأنزل الله هذه الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمعنى أنهم إنما طلبوا منك هذه الآيات على سبيل الاستهزاء، وكذلك قد استهزئ برسل من قبلك فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني فأمهلتهم وأطلت لهم المدة ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ يعني بالعذاب بعد الإمهال فعذبتهم في الدنيا بالقحط والقتل والأسر وفي الآخرة بالنار فَكَيْفَ كانَ عِقابِ يعني فكيف كان عقابي لهم أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت وجوابه محذوف، وتقديره كمن ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه ومن كان عاجزا عن نفسه فهو عن غيره أعجز وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني وهو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي جعلوها لله شركاء قُلْ سَمُّوهُمْ يعني له. وقيل:
صفوهم بما يستحقون ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد أَمْ تُنَبِّئُونَهُ يعني أم تخبرون الله بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ يعني أنه لا يعلم أن لنفسه شريكا من خلقه وكيف يكون المخلوق شريكا للخالق وهو العالم بما في السموات والأرض ولو كان لعلمه والمراد من ذلك نفي العلم بأن يكون له شريك أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ يعني أنهم يتعلقون بظاهر من القول مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له وقيل: معناه بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الكفر وإنما فسر المكر بالكفر لأن مكرهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفر منهم والمزين في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق
يعني بالقتل والأسر ونحو ذلك مما فيه غيظهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ
يعني أشد وأغلظ لأن المشقة غلظ الأمر على النفس وشدته مما يكاد يصدع القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
يعني من عذاب الله مِنْ واقٍ
يعني من مانع يمنعهم من عذابه قوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي صفة الجنة التي وعد المتقون تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ لا ينقطع أبدا وَظِلُّها يعني أنه دائم لا ينقطع أبدا وليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ظلمة بل ظل ممدود لا ينقطع، ولا يزول وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم يقولون: إن نعيم الجنة يفنى وينقطع وفي الآية دليل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم. كما يقول أبو الهذيل واستدل القاضي عبد الجبار المعتزلي بهذه الآية على أن الجنة لم تخلق بعد. قال: ووجه الدليل أنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة لقوله: أكلها دائم يعني لا ينقطع قال ولا ينكر أن تكون في السموات جنات كثيرة تتمتع بها الملائكة، ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي إلا أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد لم تخلق بعد. والجواب عن هذا أن حاصل دليلهم مركب من آيتين: إحداهما: قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه، والأخرى قوله: أكلها دائم وظلها، فإذا أدخلنا التخصيص على هذين العمومين سقط دليلهم فنخص هذين الدليلين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة. منها قوله تعالى: وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. وقوله تعالى تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني أن عاقبة أهل التقوى هي الجنة وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ يعني في الآخرة. قوله عز وجل وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في المراد بالكتاب هنا قولان:
أحدهما أنه القرآن والذين أتوه المسلمون وهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمراد أنهم يفرحون بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة والحشر بعد الموت بتجدد نزول القرآن وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني الجماعات الذين تحزبوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكفار واليهود والنصارى مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قلت: إن الأحزاب من المشركين وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله فكيف قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه.
قلت: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته لأنه قد ورد فيه آيات دالّات على توحيد الله وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم لا ينكرون ذلك أبدا والقول الثاني أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلا أربعون من نجران وثلاثون من الحبشة وعشرة ممن سواهم فرحوا بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، ومن الأحزاب يعني بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وسائر المشركين من ينكر بعضه. وقيل: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن في القرآن فرحوا بذلك فأنزل الله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب يعني مشركي مكة من ينكر بعضه وذلك لمّا كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي وإنما قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون الله وينكرون الرحمن قُلْ أي قل يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ يعني وحده
وقيل : كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظه الرحمن في القرآن فرحوا بذلك فأنزل الله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب يعني مشركي مكة من ينكر بعضه وذلك لمَّا كتب رسول الله ﷺ كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله ﴿وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي﴾ وإنما قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون الله وينكرون الرحمن ﴿قل﴾ أي قل يا محمد ﴿إنما أمرت أن أعبد الله﴾ يعني وحده ﴿ولا أشرك به﴾ شيئاً ﴿إليه أدعو﴾ أي إلى الله وإلى الإيمان به أدعوا الناس ﴿وإليه مآب﴾ يعني مرجعي يوم القيامة.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم، أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب وهو القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك. وإنما سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام والحلال والحرام والنقض والإبرام، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، وقيل إن الله لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن والعمل بمقتضاه سماه حكما لذلك المعنى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قال جمهور المفسرين: إن المشركين دعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ملة آبائهم فتوعده الله على اتباع أهوائهم في ذلك. وقال ابن السائب: المراد به متابعة آبائهم في الصلاة لبيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني بأنك على الحق، وأن قبلتك الكعبة هي الحق. وقيل: ظاهر الخطاب فيه للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمراد به غيره وقيل: هو حث للنبي صلّى الله عليه وسلّم على تبليغ الرسالة والقيام بما أمر به ويتضمن ذلك تحذير غيره من المكلفين لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا وأعلى مرتبة إذا حذر كان غيره ممن هو دونه بطريق الأولى ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ يعني من ناصر ولا حافظ قوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ روي أن اليهود، وقيل المشركين، قالوا: إن هذا الرجل يعنون النبي صلّى الله عليه وسلّم، ليس له همة إلا في النساء فعابوا عليه ذلك وقالوا لو كان كما يزعم أنه رسول الله لكان مشتغلا بالزهد وترك الدنيا فأجاب الله عز وجل عن هذه الشبهة، وعما عابوه به بقوله عز وجل ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يا محمد وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً فإنه قد كان لسليمان عليه الصلاة والسلام ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة امرأة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود عليه الصلاة والسلام مائة امرأة فلم يقدح ذلك أيضا في نبوته فكيف يعيبون عليك ذلك، ويجعلونه قادحا في نبوتك والمعنى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يأكلون ويشربون وينكحون، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ هذا جواب لعبد الله بن أبي أمية، وغيره من المشركين الذين سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الآيات واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، وتقدير هذا الجواب أن المعجزة الواحدة كافية في إثبات النبوة وقد أتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمعجزات كثيرة يعجز عن مثلها البشر، فما لهم أن يقترحوا عليه شيئا، وإتيان الرسول بمعجزات ليس إليه بل هو مفوض إلى مشيئة الله عز وجل فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم فلما استبطئوا ذلك، وقد كانوا يستعجلون نزوله أخبر الله عز وجل أن لكل قضاء قضاه كتابا قد كتبه فيه ووقتا يقع فيه لا يتقدم ولا يتأخر. والمعنى: أن لكل أجل أجله الله كتابا قد أثبته فيه، وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أجل ومدة والمعنى أن الكتب المنزلة لكل كتاب منها وقت ينزل فيه يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وذلك أنهم لما اعترضوا على رسول الله فقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غدا، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، أجاب الله عن هذا الاعتراض بقوله يمحو الله ما يشاء ويثبت. قال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما شاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول
ويكتب الملك ثم يخرج الملك الصحيفة، فلا يزيد على أمر ولا ينقص» أخرجه مسلم (ق) عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهو الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». فإن قلت: هذا الحديث والذي قبله صريح بأن الآجال والأرزاق مقدرة، وكذا السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره الله وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصانها، وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي سعيدا، وقد صح في فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف الجمع بين هذه الأحاديث، وبين قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت؟. قلت: قد تكرر بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها. وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيدا يموت في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص. وأجاب العلماء عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها: أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. والجواب الثاني: منها أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلا ستون سنة، إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد علم الله في الأزل ما سيقع من ذلك، وهو معنى قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة. وأما انقلاب الشقي سعيدا أو السعيد شقيا فيتصور في الظاهر أيضا لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة، وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم، والعياذ بالله تعالى، فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة عند الموت وما يختم الله به له وهو المراد من علم الله الأزلي الذي لا يتغير ولا يتبدل. والله أعلم. وأصل المحو: إذهاب أثر الكتابة وضده الإثبات فمن العلماء من حمل الآية على ظاهرها فجعلها عامة في كل شيء يقتضيه ظاهر اللفظ، فيزيد الله ما يشاء في الرزق والأجل. وكذا القول في السعادة والشقاوة والإيمان بالله والكفر. ونقل نحو هذا عن عمر وابن مسعود فإنهما قالا: يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. وروي عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة والمغفرة فأثبتني فيها وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني منها وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب وروي مثله عن ابن مسعود وقد ورد في بعض الآثار «أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة» هكذا ذكر البغوي بغير سند. وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «ينزل الله تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء دون بعض فقال: المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر عوضا عن الحكم المتقدم، وقيل:
إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب، ولا عقاب مثل قول القائل أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق فيه ويثبت ما فيه
﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ وذلك أنهم لما اعترضوا على رسول الله فقالوا : إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم يأمرهم بخلافه غداً، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، أجاب الله عن هذا الاعتراض بقوله :﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾.
قلت : قد تكرر بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها. وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيداً يموت في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص. وأجاب العلماء عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح منها : أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. والجواب الثاني : منه أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر زيد مثلاً ستون سنة، إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد علم الله في الأزل ما سيقع من ذلك، وهو معنى قوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة. وأما انقلاب الشقي سعيداً أو السعيد شقياً فيتصور في الظاهر أيضاً لأن الكافر قد يسلم فينقلب من الشقاوة إلى السعادة، وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم، والعياذ بالله تعالى، فيموت على ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة عند الموت وما يختم الله به له وهو المراد من علم الله الأزلي الذي لا يتغير ولا يتبدل. والله أعلم.
وأصل المحو : إذهاب أثر الكتابة وضده الإثبات فمن العلماء من حمل الآية على ظاهرها فجعلها عامة في كل شيء يقتضيه ظاهر اللفظ، فيزيد الله ما يشاء في الرزق والأجل. وكذا القول في السعادة والشقاوة والإيمان بالله والكفر. ونقل نحو هذا عن عمر وابن مسعود فإنهما قالا : يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. وروي عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة والمغفرة فأثبني فيها وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني منها وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب وروي مثله عن ابن مسعود وقد ورد في بعض الآثار « أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة » هكذا ذكر البغوي بغير سند. وروي بسنده عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم « ينزل الله تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت » ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء دون بعض فقال : المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر عوضاً عن الحكم المتقدم، وقيل : إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب، ولا عقاب مثل قول القائل أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب وعقاب. وهذا قول الضحاك. وقال الكلبي : يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقال ابن عباس : هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو والذي يثبت هو الرجل يعمل بطاعة الله ثم يموت، وهو في طاعته فهو الذي يثبت، وقال الحسن : يمحو الله ما يشاء يعني من جاء أجله فيذهبه ويثبت من لم يجئ أجله وقال سعيد بن جبير يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء منها فلا يغفرها. وقال عكرمة : يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت بدل الذنوب حسنات. وقال السدي : يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت الشمس. وقال الربيع : هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد موته محاه وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، وقيل : إن الله يثبت في أول كل سنة حكمها فإذا مضت السنة محاه وأثبت حكماً آخر للسنة المستقبلة وقيل : يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل : هو في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة. وقيل : إن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فإن قلت مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات. قلت : المحو والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئاً ولا يثبت شيئاً إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر.
مسألة : استدلت الرافضة على مذهبهم في البداء بهذه الآية : قالوا : إن البداء جائز على الله وهو أن يعتقد شيئاً ثم يظهر له خلاف ما اعتقده وتمسكوا بقوله ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ والجواب عن هذه المسألة أن هذا مذهب باطل ظاهر الفساد لأن علم الله قديم أزلي، وهو من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالاً كذا ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى
﴿وعنده أم الكتاب﴾ يعني أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وسمي اللوح المحفوظ أم الكتاب لأن جميع الأشياء مثبتة فيه ومنه تنسخ الكتب المنزلة، وقيل : إن العلوم كلها تنسب إليه وتتولد منه، قال ابن عباس : هما كتابان كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء وأم الكتاب الذي لا يغير شيء منها وروى عطية عن ابن عباس قال : إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوتة، لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وسأل ابن عباس كعباً عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون.
المحو والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئا ولا يثبت شيئا إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر.
مسألة: استدلت الرافضة على مذهبهم في البداء بهذه الآية: قالوا: إن البداء جائز على الله وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له خلاف ما اعتقده وتمسكوا بقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ والجواب عن هذه المسألة أن هذا مذهب باطل ظاهر الفساد لأن علم الله قديم أزلي، وهو من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالا كذا ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يعني أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وسمي اللوح المحفوظ أم الكتاب لأن جميع الأشياء مثبتة فيه ومنه تنسخ الكتب المنزلة، وقيل: إن العلوم كلها تنسب إليه وتتولد منه، قال ابن عباس: هما كتابان كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء وأم الكتاب الذي لا يغير شيء منها وروى عطية عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوتة، لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤٠ الى ٤٣]
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ يعني يا محمد بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ يعني من العذاب أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ يعني قبل أن نريك ذلك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ يعني وعلينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني أو لم ير كفار مكة الذين سألوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم الآيات أنا نأتي الأرض يعني أرض الشرك ننقصها من أطرافها. قال أكثر المفسرين: المراد منه فتح دار الشرك فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في دار الشرك والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض فنفتحها لمحمد صلّى الله عليه وسلّم أرضا بعد أرض حوالى أراضيهم أفلا يعتبرون،
| واسأل بنا وبكم إذا وردت مني | أطراف كل قبيلة من يتبع |
قال ابن عباس: يعني أبا جهل. وقيل: أراد المستهزئين وهم خمسة نفر من كفار مكة لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
وقال الحسن ومجاهد ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى. وعلى هذا القول يكون المعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيدا بيني وبينكم. قال الزجاج: الأشبه أن الله لا يشهد على صحة حكمه لغيره. وهذا قول مشكل لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزا إلا أنه خلاف الأصل. فلا يقال شهد بهذا زيد والفقيه. بل يقال: شهد بهذا زيد الفقيه لكن يشهد لصحة هذا القول قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب بكسر الميم والدال، وهي قراءة ابن عباس وغيره على البناء للمفعول والمعنى ومن عند الله علم الكتاب ودليل هذه القراءة قوله وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً وقيل: معناه إن من علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب، وعن الأمم الماضية فمن علم بهذه الصفة كان شهيدا بيني وبينكم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
| واسأل بنا وبكم إذا وردت مني | أطراف كل قبيلة من يتبع |
وقوله تعالى ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾ يعني لا رادّ لحكمه ولا ناقض لقضائه، والمعقب هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق : معقب، لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب. والمعنى : والله يحكم نافذاً حكمه خالياً من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد غيره بتغيير، ولا نقض ﴿وهو سريع الحساب﴾ قال ابن عباس : يريد سريع الانتقام ممن حاسبه للمجازاة بالخير والشر فمجازاة الكفار بالانتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدم بسط الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا.
واختلفوا في الذي عنده علم الكتاب من هو فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى، والمعنى أن كل من كان عالماً من اليهود بالتوراة ومن النصارى بالإنجيل علم أن محمداً ﷺ مرسل من الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوته فيهما شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم، وقيل : إنهم مؤمنو أهل الكتاب يشهدون أيضاً على نبوته. قال قتادة : هو عبد الله بن سلام، وأنكر الشعبي هذا وقال : هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام بالمدينة المنورة وقال يونس لسعيد بن جبير ومن عنده علم الكتاب أهو عبد الله بن سلام ؟ فقال : كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية ؟ وقال الحسن ومجاهد ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى. وعلى هذا القول يكون المعنى : كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيداً بيني وبينكم. قال الزجاج : الأشبه أن الله لا يشهد على صحة حكمه لغيره. وهذا قول مشكل لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزاً إلا أنه خلاف الأصل، فلا يقال شهد بهذا زيد والفقيه، بل يقال : شهد بهذا زيد الفقيه لكن يشهد لصحة هذا القول قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب بكسر الميم والدال، وهي قراءة ابن عباس وغيره على البناء للمفعول والمعنى ومن عند الله علم الكتاب ودليل هذه القراءة قوله ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ وقيل : معناه إن من علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب، وعن الأمم الماضية فمن علم بهذه الصفة كان شهيداً بيني وبينكم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
تم عرض جميع الآيات
43 مقطع من التفسير