تفسير سورة سورة الرعد

أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري

مجاز القرآن

أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (ت 209 هـ)

الناشر

مكتبة الخانجى - القاهرة

الطبعة

1381

المحقق

محمد فواد سزگين

نبذة عن الكتاب





أشهر آثار أبي عبيدة (ت 208هـ) وأجلها، وللمشايخ في التنفير عنه وإخمال ذكره مذاهب وأقوال، لما اشتهر به من الاعتداد بمقالات الصفرية ومدحه وتعظيمه للنظام (رأس المعتزلة) ومن هنا قال الجاحظ: (لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة) ولكن كان من حسن طالع هذا الكتاب أن تصدى لتحقيقه د فؤاد سزكين، وبه نال شهادة الدكتوراه عام 1950م، وكان في السادسة والعشرين من العمر، وقام بنشر الكتاب عام 1954م، وقال في مقدمته لنشرته ما ملخصه: (حين عزمت على تحقيق كتاب مجاز القرآن كموضوع للحصول على درجة الدكتوراه لم يكن بين يدي من أصوله إلا نسخة إسماعيل صائب (من مخطوطات القرن الرابع، بلا تاريخ، رواها ثابت بن أبي ثابت عن الأثرم عن أبي عبيدة، وعليها تملك يدل أنها كانت في القسطنطينية سنة 980هـ وعلى الجزء الثاني منها تصحيحات من رواية أبي حاتم السجستاني لكتاب المجاز، على حين أن الجزء الأول يخلو من هذه التعليقات تماما) وهي على قيمتها وقدمها لا تكفي لإقامة نص الكتاب، لما بها من نقص وانطماس ومحو في كلماتها، ولذلك لزمني البحث عن غيرها من الأصول، فاستحضرت الجزء المحفوظ بدار الكتب المصرية منها (وهي نسخة حديثة جدا، نسخت عن نسخة تونس عام 1319هـ) ، ونسخة من جامعة القاهرة بمصر، المصورة عن المخطوطة المحفوظة بمكة المكرمة (ولعلها من مخطوطات القرن السادس، ناقصة 20 ورقة من أولها) ثم حصلت على صورة من نسخة تونس (المكتوبة عام 1029هـ وهي فرع مباشر أو غير مباشر من نسخة مراد منلا) وأخيرا على نسخة مراد منلا وهي قيمة وقديمة (يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الرابع، وناسخها عمر بن يوسف بن محمد) وبذلك أصبح لدي من أصول كتاب المجاز ما استطعت معه أن أجرؤ على إخراجه. ولم يكن الحصول على أصول متعددة كافيا لإخراج الكتاب كما كنت أتوقع ... فكل نسخة لها مشاكلها الخاصة) واتخذ سزكين نسخة مراد منلا اصلا لنشرته، قال: (وارتكبنا نوعا من التلفيق واختيار الأصل حيث وجدنا نصه أكمل وأوضح، وقد وردت في بعض الأصول أسماء لبعض معاصري أبي عبيدة مثل الفراء والأصمعي، فرجحنا دائما الرواية التي لا تحوي هذه الأسماء) . ونبه إلى الفروقات الشاسعة بين متن المخطوطات، قال: ويكاد يتعذر الجمع بين روايتي النسختين في تفسير سورة النساء.. (إلى أن قال) : فهذه نسخ المجاز التي بين أيدينا الآن، وليس الخلاف بينها بالأمر الجديد، فقد كانت منذ القديم مختلفة، وتدلنا النصوص المنقولة عنها أن الرواية التي كان يعتمد عليها القاسم بن سلام والطبري والجوهري كانت تشبه نسخة مراد منلا، وأن أبا علي الفارسي وابن دريد وابن بري والقرطبي والسجاوندي كانوا يعتمدون على نسخة شبيهة بنسخة إسماعيل صائب، كما تدل أيضا أن نسخة البخاري وابن قتيبة والمبرد والزجاج والنحاس كانت رواية أخرى غير الروايتين اللتين عندنا معا. قال: (وعليّ أن أعترف بالجميل لأستاذي العلامة هلموت ريتر الذي حبب إلي هذا الموضوع وأشرف على سيري فيه، وللعلامة محمد بن تاويت الطنجي الذي أدين له بشيء كثير في إخراج هذا الكتاب، فقد قرأ مسودته وصحح أخطاء كانت بها، ثم أشرف على طبعه، فالله يجزيه عن العلم خير الجزاء، كما أتوجه بالشكر الجزيل للعلامة أمين الخولي أستاذ التفسير بجامعة القاهرة حيث تفضل بقراءة هذا الجزء ولاحظ عليه ملاحظات قيمة، كما تفضل بكتابة التصدير الذي نثبته في أول الكتاب. قال: (وكان أبو عبيدة يرى أن القرآن نص عربي، وأن الذين سمعوه من الرسول ومن الصحابة لم يحتاجوا في فهمه إلى السؤال عن معانيه ... وقد تعرض مسلك أبي عبيدة هذا لكثير من النقد، فأثار الفراء (ت 211هـ) الذي تمنى أن يضرب أبا عبيدة لمسلكه في تفسير القرآن (تاريخ بغداد 13/ 255) وأغضب الأصمعي (أخبار النحويين ص61) وراى أبو حاتم أنه لا تحل كتابة المجاز ولا قراءته إلا لمن يصحح خطأه ويبينه ويغيره (الزبيدي ص 125) وكذلك كان موقف الزجاج والنحاس والأزهري منه، وقد عني بنقد أبي عبيدة علي بن حمزة البصري (ت 375هـ) في كتابه (التنبيهات على أغاليط الرواة) ولكن القسم الخاص بنقد أبي عبيدة غير موجود في نسخة القاهرة، ولهذا لا نستطيع أن نقول شيئا عن قيمة هذا النقد) ا. هـ قلت أنا زهير: وإنما ذكرت كلام سزكين هذا على طوله ليعلم الناس ما لحق الكتاب من الخمول، فهذا المرحوم إبراهيم مصطفى، قد جاهد وأكثر البحث عن مخطوطة للكتاب، وانتهى به جهاده أن قال: (وقد بقي لنا من هذا الكتاب جزء يسير..... وبالمكتبة الملكية بمصر قطعة من أوله تحت رقم (586) سجلت بعنوان (تفسير غريب القرآن) وخطها مغربي حديث، ولم أجد منه غير هذه القطعة، وأسأل من عرف منه نسخة أخرى أن يهديني إليها مشكورا) (إحياء النحو: ص 16) وهو من جيل طه حسين، وكتابه (إحياء النحو) من أشهر الكتب التي صدرت في الثلاثينيات من القرن العشرين (لجنة التأليف والترجمة: 1937م) . وقد قدم له طه حسين بمقدمة طويلة جاءت في (14) صفحة، وهو الذي اقترح على المؤلف تسمية الكتاب (إحياء النحو) وتطرق (ص11) إلى تعريف كتاب المجاز فذكر أن أبا عبيدة قدم فيه مسلكا آخر في درس اللغة العربية يتجاوز الإعراب إلى غيره من قواعد العربية، وحاول أن يبين ما في الجملة من تقديم وتأخير أو حذف أو غيرها، وكان بابا من النحو جديرا أن يفتح، وخطوة في درس العربية حرية أن تتبع الخطة الأولى في الكشف عن علل الإعراب، ولكن النحاة =والناس من ورائهم= كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه وفتنوا به كل الفتنة، حتى كان أبو عثمان المازني (ت 247) يقول: (من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي) فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) وأهمل الكتاب ونسي، ووقع بعض الباحثين في أيامنا على اسمه فظنوه كتابا في البلاغة، وما كانت كلمة المجاز إلى ذلك العهد قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة النحو في عبارة غيره من علماء العربية، فإنهم سموا بحثهم (النحو) أي سبيل العرب في القول، واقتصروا منه على ما يمس آخر الكلمة، وسمى بحثه المجاز، أي طريق التعبير، وتناول غير الإعراب من قوانين العبارة العربية، ولم يكثر ما أكثر سيبويه وجماعته، ولم يتعمق ما تعمقوا، ولا أحاط إحاطتهم، ولكنه دل على تبصرة انصرف الناس عنها غافلين، وقد بدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها كثيرا من أنواع المجاز التي يقصد إلى درسها، ثم أخذ في تفسير القرآن الكريم كله، يبين ما في آياته من مجاز على المعنى الذي أراد. ومن أمثلة بحوثه قوله: (ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت إلى مخاطبة الغائب، قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) أي بكم. ومن مجاز ما جاء خبرا عن غائب ثم خوطب الشاهد (ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى) ومن ذلك قوله: و (لا) من حروف الزوائد، ومثل على ذلك بشواهد منها الآية (ما منعك ألا تسجد) قال: مجازه أن تسجد. ويفهم مراد أبي عبيدة بالمجاز من كلامه في توجيه الآية (مالك يوم الدين) قال: (مالكَ) نصب على النداء، وقد تحذف ياء النداء، لأنه يخاطب شاهدا، ألا تراه يقول (إياك نعبد) فهذه حجة لمن نصب، ومن جر قال: هما كلامان مجازه (مالكِ يوم الدين) حدّث عن غائب، ثم رجع فخاطب شاهدا فقال: إياك نعبد


بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة الرّعد (١٣)
«بِغَيْرِ عَمَدٍ» (٢) متحرك الحروف بالفتحة، وبعضهم يحركها بالضمة لأنها جميع عمود وهو القياس لأن كل كلمة هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو فجميعه متحرك مضموم نحو رسول والجميع رسل، وصليب والجميع صلب، وحمار والجميع حمر، غير أنه جاءت أسامى منه استعملوا جميعه بالحركة بالفتحة نحو عمود وأديم وإهاب قالوا: أدم وأهب ومعنى عمد أي سوارى «١» ودعائم وما يعمد البناء، قال النّابغة [الذّبيانىّ] :
وخيّس الجنّ أنّى قد أذنت بهم يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد «٢»
«وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» (٢) أي ذلّلها فانطاعا.
(١) «سوارى» : جمع سارية وهى بمعنى أسطوانة
(٢) : ديوانه من الستة ٧ وشرح العشر ١٥٥ والطبري ١٣/ ٥٤ والقرطبي ٩/ ٢٧٩ ومعجم البلدان ١/ ٨٢٨. وتدمر: بالفتح ثم بالسكون وضم الميم مدينة قديمة مشهورة فى برية الشام (معجم البلدان).
«كُلٌّ يَجْرِي» (٢) مرفوع على الاستئناف وعلى «يجرى» ولم يعمل فيه «وَسَخَّرَ» ولكن انقطع منه. و «كُلٌّ يَجْرِي» فى موضع كلاهما إذا نوّنوا فيه، فلذلك جاءت للشمس وللقمر لأن التنوين بدل من الكناية.
«وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ» (٣) أي بسطها فى الطول والعرض، «وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ» أي جبالا ثابتات يقال: أرسيت الوتد، قال:
به خالدات ما ير من وهامد وأشعث أرسته الوليدة بالفهر «١»
أي أثبتته فى الأرض.
«وَمِنْ كُلِّ [الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها] زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» (٣) مجازه: من كل ذكر وكل أنثى اثنين، فكأنه أربعة منهما: من هذا اثنين ومن هذا اثنين، وللزوج موضعان: أحدهما أن يكون واحدا ذكرا، والثاني أن يكون واحدة أنثى زوج للذكر وبعضهم يقول الأنثى زوجة ويكون الزوج اثنين أيضا.
(١) : للأحوص فى اللسان (رسا) وغير معزو فى الطبري ١٣/ ٥٥.
«يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» (٣) مجازه: يحلّل الليل بالنهار والنهار بالليل.
«وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ» (٤) أي متدانيات متقاربات غير جنات «و» منهن «جَنَّاتٌ» (٤).
«وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ» (٤) أي يكون أصله واحدا وفرعه متفرق، وواحده صنو والاثنان صنوان النون مجرورة فى موضع الرفع والنصب والجر كنون الاثنين، فإذا جمعته قلت: صنوان كثير، والإعراب فى نونه: يدخله النصب والرفع والجرّ ولم نجد جمعا يجرى مجراه غير قنو وقنوان [والجميع قنوان]، «وَغَيْرُ صِنْوانٍ» مجازه: أن يكون الأصل والفرع واحدا، لا يتشعب من أعلاه آخر يحمل:
«يُسْقى «١» بِماءٍ واحِدٍ» (٤) لأنه يشرب من أسفله فيصل الماء إلى فروعه المتشعبة من أعلاه.
«وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» (٤) فى الثمرة والأكل.
«الْأَغْلالُ» (٥) واحدها غلّ لا يكون إلّا فى العنق. «٢»
(١) «يسقى» : قال القرطبي (٩/ ٢٨٣) واختاره (أي التذكير) أبو حاتم وأبو عبيدة قال أبو عمرو والتأنيث أحسن. [.....]
(٢) «الأغلال... العنق» كذا فى البخاري. قال ابن حجر: هو قول أبى عبيدة أيضا (فتح الباري ٨/ ٢٨٢).
«خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ» (٦) واحدتها مثلة ومجازها مجاز الأمثال.
«وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ» «١» (٨) أي ما تخرج من الأولاد ومما كان فيها.
«وَما تَزْدادُ» (٨) أي ما تحدث وتحدث.
«وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (٨) أي مقدر وهو مفعال من القدر. «٢»
«وَسارِبٌ بِالنَّهارِ» (١٠) مجازه: سالك فى سربه، أي مذاهبه «٣» ووجوهه، ومنه قولهم: أصبح فلان آمنا فى سربه، أي فى مذاهبه وأينما توجه، ومنه:
انسرب فلان.
(١) «وما تغيض الأرحام» : فى البخاري: تغيض الأرحام غيض نقص. قال ابن حجر: قال أبو عبيدة فى قوله «وغيض الماء» (١١/ ٤٤) أي ذهب وقل وهذا تفسير سورة هود وإنما ذكر هنا لتفسير قوله «تغيض الأرحام» فانها من هذه المادة (فتح الباري ٨/ ٢٨٤).
(٢) «بمقدار... القدر» كذا رواه ابن حجر فى فتح الباري ٨/ ٢٨١: أثناء شرح قول البخاري «بمقدار بقدر» وقال هو كلام أبى عبيدة.
(٣) «سالك... مذهبه» : أنظر اختلاف أهل العلم بكلام العرب فى «السرب» فى الطبري ١٣/ ٦٧.
«لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» (١١) مجازه: ملائكة تعقّب بعد ملائكة، وحفظة تعقّب بالليل حفظة النهار وحفظة النهار تعقّب حفظة الليل، ومنه قولهم: فلان عقّبنى، وقولهم: عقّبت فى أثره.
«يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» (١١) أي بأمر الله يحفظونه من أمره. «١»
«وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً» (١١) مضموم الأول، ومجازه: هلكة وكل جذام وبرص وعمّى، وكل بلاء عظيم فهو سوء مضموم الأول، وإذا فتحت أوله فهو مصدر سؤت القوم، ومنه قولهم: رجل سوء [قال الزّبرقان بن بدر:
قد علمت قيس وخندق إنّني وقيت إذا ما فارس السّوء أحجما
] «٢»
(١) «له معقبات... أمره» : هذا الكلام بمعناه فى البخاري، وقال ابن حجر فإنه كلام أبى عبيدة أيضا، وروى كلامه بلفظه فى فتح الباري ٨/ ٢٨١.
(٢) : الزبرقان: اسمه حصين بن بدر بن امرئ القيس سيد فى الجاهلية عظيم القدر فى الإسلام، شاعر محسن له ترجمة فى المؤتلف ١٢٨، وأخباره فى الأغانى ٢/ ٤٩. - ولم أجد البيت فيما رجعت إليه.
«يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً» (١٢) أي ترهبونه وتطمعون أن يحييكم وأن يغيثكم.
«وَيُنْشِئُ السَّحابَ» (١٢) أي يبدأ السحاب، ويقال: إذا بدأ «نشأ».
«وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» (١٣) إما أن يكون اسم ملك قد وكلّ بالرّعد وإما أن يكون صوت سحاب واحتجّوا بآخر الكلام: «وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» (١٣) يقال: ألا ترى أن العرب تقول:
جون هزيم رعده أجشّ «١»
ولا يكون هكذا إلّا الصوت.
«شَدِيدُ الْمِحالِ» (١٣) أي العقوبة «٢» والمكر والنكال، قال الأعشى:
فرع تبع يهتزّ فى غصن المجد غزير النّدى شديد المحال «٣» إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا يبالى
(١) : لم أجده فيما رجعت إليه من المظان.
(٢) «المحال العقوبة» : كذا فى البخاري، قال ابن حجر هو قول أبى عبيدة أيضا (فتح الباري ٨/ ٢٨١).
(٣) : البيت الأول هو ٣٨، والثاني هو ٤٦ من القصيدة الأولى فى ديوانه، قال الطبري (١٣/ ٧٥) : هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت عن ابن المغيرة عنه، وأما الرواة بعده فإنهم ينشدونه:
فرع فرع يهتز فى غصن المجد كثير الندى عظيم المحال وفسر ذلك معمر بن المثنى، وزعم أنه عنى به العقوبة والنكال، وهو فى السمط ٩٠٧، والقرطبي ٩/ ٢٩٩، واللسان والتاج (محل).
[أبرّ على الخصوم فليس خصم ولا خصمان يغلبه جدالا
] «١» ولبس بين أقوام فكل أعدّ له الشّغازب والمحالا
[والشّغزبة الالتواء].
«وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ» (١٤) مجازه: والذين يدعون غيره من دونه، أي يقصرون عنه. و «يَدْعُونَ» من الدعاء، ومجاز «دُونِهِ» مجاز «عنه» قال:
أتوعدني وراء بنى رياح كذبت لتقصرنّ يداك دونى
«٢» أي عنّى.
«لا يَسْتَجِيبُونَ» (١٤) مجازه: لا يجيبون، وقال كعب: «٣»
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب (٨٣)
(١) : البيت الأول هو ٧٥، والثاني هو ٧٣ من القصيدة ٥٧ فى ديوانه.
والأول فى الأغانى ١٦/ ٢٥، واللسان والتاج (خصم). والثاني فى الطبري ١٣/ ٧٥، والقرطبي ٩/ ٣٠٠، واللسان والتاج (شغزب) والشغازب: قال الأصمعى:
الشغزبة: ضرب من الصراع، وهو أن يدخل الرجل رجله بين رجلى صاحبه فيصرعه، وقال بعضهم: الشغازب القول الشديد (شرح الديوان).
(٢) : البيت لجرير فى ديوانه (نشر الصاوى) ص ٥٧٧، والطبري ١٣/ ٧٨، ١١٤.
(٣) «كعب» : هو كعب بن سعد الغنوي، وقد مضت ترجمته.
— 326 —
«إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ» (١٥) مجازه: إن الذي يبسط كفّه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم له ذلك ولا تسقه أنامله «١» [أي تجمعه]، قال ضابىّ بن الحارث البرجمىّ:
فإنى وإيّاكم وشوقا إليكم... كقابض ماء لم تسقه أنامله «٢»
يقول: ليس فى يدى من ذلك شىء كما أنه ليس فى يد القابض على الماء شىء. «٣» وقال:
فأصبحت مما كان بينى وبينها... من الودّ مثل القابض الماء باليد «٤»
(١) «إلا كباسط... أنامله» : فى البخاري: كباسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء. وقال ابن حجر: هو كلام أبى عبيدة أيضا، قال فى قوله... إلخ وقال: تسقه بكسر المهملة وسكون القاف أي لم تجمعه (فتح الباري ٨/ ٣٨٢).
(٢) : فى الطبري ١٣/ ٧٦، واللسان (وسق) وفتح الباري، وهو من سبعة أبيات فى الخزانة ٤/ ٨٠. [.....]
(٣) «يقول... الماء شىء» هذا الكلام فى اللسان (وسق).
(٤) : فى الطبري ١٣/ ٧٦، والقرطبي ٩/ ٣٠١.
— 327 —
«بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» (١٥) أي بالعشيّ، واحدها: أصل وواحد الأصل أصيل وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس، «١» وقال أبو ذؤيب:
لعمرى لأنت البيت أكرم أهله وأقعد فى أفيائه بالأصائل (٢٧١)
وقال النّابغة:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد «٢»
أصيلال: تصغير آصال.
«فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً» (١٧) مجازه: فاعل من ربا يربو.
أي ينتفخ.
«أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ» (١٧)، وهو ما تمتعت به، قال [المشعث] :
تمتع يا مشعّث إنّ شيئا سبقت به الممات هو المتاع «٣»
«كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ» (١٧) أي يمثّل الله الحق ويمثل الباطل.
(١) «بالعشي... الشمس» : أخذ الطبري هذا الكلام مع البيت الآتي لأبى ذؤيب (١٣/ ٧٧).
(٢) : ديوانه من الستة. - واللسان (أصل).
(٣) : للمشعث العامري: يخاطب نفسه، والبيت من كلمة فى معجم المرزباني ٤٧٥، واللسان والتاج (متع).
«فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً» (١٧) قال أبو عمرو [بن العلاء] : يقال:
قد أجفأت القدر، وذلك إذا غلت فانصبّ زبدها أو سكنت فلا يبقى منه شىء.»
«لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى» (١٨) استجبت لك واستجبتك سواء وهو أجبت، و «الحسنى» هى كل خير من الجنة فما دونها، أي لهم الحسنى.
«الْمِهادُ» (١٨) الفراش «٢» والبساط.
«أُولُوا الْأَلْبابِ» (١٩) أي ذوو العقول، واحدها لبّ [وأولو: واحدها ذو.]
«وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» (٢٣) أي يدفعون السيئة بالحسنة،
(١) «قال... شىء» : روى الطبري (١٣/ ٨١) هذا الكلام عن أبى عبيدة، وقال:
وأما الجفاء فإنى حدثت عن أبى عبيدة... قال: قال أبو عمرو بن العلاء... إلخ.
وقال القرطبي (٩/ ٣٠٥) : قال أبو عبيدة قال أبو عمرو... إلخ، وقال: وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأها جفالا، قال أبو عبيدة يقال: أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. وتفسير أبى عبيدة هذا فى البخاري بتصرف. وروى ابن حجر كلامه بلفظه، ونبه على أن ما عند البخاري منقول عن أبى عبيدة (فتح الباري ٨/ ٢٨٢).
(٢) «المهاد الفراش» : كذا فى البخاري، قال ابن حجر: هو قول أبى عبيدة أيضا (فتح الباري ٨/ ٢٨٢).
[درأته عنى أي دفعته.] «١»
«عُقْبَى الدَّارِ» (٢٤) عاقبة الدار.
«سَلامٌ عَلَيْكُمْ» (٢٤) مجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير كقولك:
يقولون سلام عليكم.
«وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ» (٢٦) إلّا متعة وشىء طفيف حقير.
«مَنْ أَنابَ» (٢٧) من تاب.
«طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ» (٢٩) أي منقلب.
«خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ» (٣٠) أي مضت قرون من قبلها وملل.
«وَإِلَيْهِ مَتابِ» (٣٠) مصدر تبت إليه، وتوبتى إليه سواء.
(١) «ويدرءون (ص ٣٢٩)... دفعته» : كذا فى البخاري بلفظه. قال ابن حجر:
هو قول أبى عبيدة أيضا (فتح الباري ٨/ ٢٩٢).
«وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (٣١) مجازه مجاز المكفوف عن خبره، ثم استؤنف فقال: «بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً» (٣١) فمجازه: لو سيّرت به الجبال لسارت، أو قطّعت به الأرض لتقطعت، ولو كلّم به الموتى لنشرت، والعرب قد تفعل مثل هذا لعلم المستمع به استغناء عنه واستخفافا فى كلامهم، قال [الأخطل] :
خلا أنّ حيّا من قريش تفضلوا على الناس أو أنّ الأكارم نهشلا «١»
وهو آخر قصيدة، ونصبه وكفّ عن خبره [واختصره] وقال [عبد مناف ابن ربع الهذلىّ:
[الطّعن شغشغة والضّرب هيقعة ضرب المعوّل تحت الأيّمة العضدا
وللقسىّ أزاميل وغمغمة حس الجنوب تسوق الماء والبردا]
حتى إذا اسلكوهم فى قتائدة شلّا كما تطرد الجمّالة الشردا (٤٦)
وهو آخر قصيدة، وكفّ عن خبره. [وقوله شغشغة: أي يدخله ويخرجه والهيقعة أن يضرب بالحدّ من فوق والمعوّل: صاحب العالة وهى ظلّة يتخذها رعاة البهم بالحجاز إذا خافت البرد على بهمها. فيقول: فيعتضد العضد من الشجر
(١) : ديوانه ٣٧٢. - وابن يعيش ١/ ١٢٨، والخزانة ٢/ ٣٨٥.
— 331 —
لبهمه أي يقطعه والدّيمة المطر الضعيف الدائم والأزاميل: الأصوات واحدها أزمل وجمعها أزامل زاد الياء اضطرارا والغماغم: الأصوات التي لم تفهم حسّ الجنوب: صوتها قتائدة طريق. أسلكوهم وسلكوهم واحد].
«أَفَلَمْ يَيْأَسِ «١» الَّذِينَ آمَنُوا» (٣١) مجازه: ألم يعلم ويتبين، قال سحيم بن وئيل اليربوعىّ:
أقول لهم بالشّعب إذ يأسروننى «٢» ألم تيئسوا أنّى ابن فارس زهدم «٣»
«قارِعَةٌ» (٣١) أي داهية مهلكة، ويقال: قرعت عظمه، أي صدعته.
(١) (فى ص ٣٢٣) «أفلم ييأس... رغيب» : روى ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٨٢) كلام أبى عبيدة هذا أثناء شرحه ما عند البخاري، ودل على أنه أخذ عن أبى عبيدة.
(٢) «ألم يعلم... يأسروننى» : قال الطبري (١٣/ ٩٠) : كان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه: ألم يعلم ويتبين، ويستشهد لفيله ذلك ببيت سحيم... ويروى:
ييسروننى، فمن رواه ييسروننى فإنه أراد يقتسموننى.
(٣) : فى الطبري ١٣/ ٩٠، والقرطبي ٩/ ٣٢٠، واللسان والتاج (يئس)، وشواهد الكشاف ٢٦٨. وانظر الاختلاف فى عزو البيت فى اللسان والتاج «يئس» و «زهدم» زهدم: فرس لعوف جد سحيم وانظر تاج العروس «يئس».
— 332 —
«فَأَمْلَيْتُ» (٣٢) أي أطلت لهم، ومنه الملىّ والملاوة من الدهر، ومنه تمليت حينا، ويقال: لليل والنهار الملوان لطولهما، وقال ابن مقبل:
ألا يا ديار الحىّ بالسّبعان ألحّ عليها بالبلى الملوان (١٢٩)
ويقال: للخرق الواسع من الأرض «١» ملا مقصور، «٢» قال:
حلا لا تخطّاه العيون رغيب «٣»
وقال:
أمضى الملا بالشاحب المتبدّل «٤»
«أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ» (٣٣) أي دائم قوام عدل.
«وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ»
(٣٦) أي أشدّ.
«لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى» (١٨)
ثم قال: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ» (٣٥) مجازه مجاز المكفوف عن خبره،
(١) «أطلت... الأرض» : أخذ الطبري (١٣/ ٩٣) هذا الكلام برمته،
(٢) «ملا مقصور» : قال فى التاج: غير مهموز، يكتب بالألف عند البصريين، وغيرهم يكتبه بالياء (ملا). [.....]
(٣) : فى فتح الباري ٨/ ٢٨٢.
(٤) : هذا عجز بيت للشاعر الملقب بتأبط شرا، وهو فى اللسان والتاج (ملا) وصدره:
ولكننى أروى من الخمر هامتى
والعرب تفعل ذلك فى كلامها، وله موضع آخر مجازه: للذين استجابوا لربهم الحسنى مثل الجنة، موصول صفة لها على الكلام الأول.
«حُكْماً عَرَبِيًّا» (٣٧) «١» أي دينا عربياّ أنزل على رجل عربى.
«يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ» (٣٩) محوت تمحو، وتمحى: لغة.
«وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ» (٤٠) ألف «إما» مكسورة لأنه فى موضع أحد الأمرين.
«نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» (٤١) مجازه: ننقص من فى الأرض ومن فى نواحيها من العلماء والعباد، وفى آية أخرى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (١٢/ ٨٢) مجازه:
وسل من فى القرية.
«لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» (٤١) أي لا رادّ له ولا مغيّر له عن الحق.
(١) «حكما عربيا» : قال الطبري (١٣/ ٩٦) : يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا وجعل ذلك عربيا ووصفه به لأنه أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم وهو عربى ينسب الدين إليه إذ كان عليه أنزل.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

13 مقطع من التفسير