تفسير سورة سورة البقرة

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
التقييد الكبير للبسيلي
البسيلي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
في ظلال القرآن
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)

الناشر

دار المنارة

الطبعة

1

المحقق

أحمد حسن فرحات

الآيات من ١ إلى ٦١
ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ ﯿ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ ﯿ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ ﭿ ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ ﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

قولُه تعالى: ﴿إنَّ الذِينَ آمَنُوا والَّذِين هَادُوا﴾ إلى قوله ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
أكثرُ العلماء على أنها محكمةٌ، ونزلَت في مَن كان قبلَ بَعْد النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم.
وروَى (عليُّ بنُ أبي طلحة) عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ ديناً فلَن يُقْبَلَ مِنه﴾ [آل عمران: ٨٥] - الآية -.
والصَّوابُ أن تكونَ مُحْكَمةً؛ لأنها خبرٌ مِن الله بما يفعلُ (بعبادِه)الّذينَ (كانوا) على أديانِهم قبلَ مَبْعَثِ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا لا يُنْسَخُ. لأَِنَّ الله لا يضيعُ أجرَ مَن أحسن عملاً من الأولين والآخرين.

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً﴾:
من قال: إن معنى الآية: سالموا الناسَ وقابلوهم بالقول الحَسَنِ جعلَها منسوخةً بآيةِ السَّيفِ - وهو قولُ قتادة -.
ومن قال معناها: مُروهم بالمعروف وانهوهُم عن المنكر (قال: هي محكمة، إِذْ لا يَصْلُح نسخُ الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر، - وهو قول عطاء -).

الآيات من ٨٤ إلى ١٠٣
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕ ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾:
هذه الآية - عندَ عطاء - ناسخةٌ لما كانَ عليه الأنصارُ في الجاهلية وبرهة من الإِسلام، كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعِنا سمعَك، أي، فرغ لنا سمعَك لما نقولُ لك. وكانت هذه الكلمةُ عندَ اليهود سبا فنسخها الله من كلامِ المسلمين، ونهى أن تقالَ لئَلاّ يجدَ اليهود سبباً إلى سبِّ النبي - عليه السلام -.
وقد كان حقُّ هذا ألاّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنهُ لم يَنْسَخ قرآناً؛ إنما نسخ ما كانوا (عليه). وأكثرُ القرآن على ذلك. وقد بيَّنا هذا.

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا واصْفَحُوا حتَّى يأتِىَ اللهُ بأَمْرِه﴾.
هذه الآيةُ - عند السُّدِّي - منسوخَةٌ بالأمرِ بالقتالِ في (سورة) براءة وغيرها، وقد أعلمَنا اللهُ في نَصِّها أنه سيأتي بأمره وينسخُها.
وقد قال جماعةٌ: إنها ليست مِن هذا البابِ، (ولا) نسخَ فيها، لأن الله عزَّ وجلَّ قد جعلَ (للعفو والصَّفح) أَجلاً بقولِه: ﴿حتّى يأتىَ الله بأمره﴾. فهو فرضٌ أَعلَمَنا (الله) أنه سينقُلُنا عنه في وقتٍ آخر. والمنسوخُ لا يكونُ محدوداً بوقتٍ، إنما يكون مُطلقاً.
(قال أبو محمد): والقولُ بأنها منسوخةٌ أَبْيَن لأنَّ الوقتَ الّذي تعلق به الأمرُ بالعفوِ والصَّفْح غيرُ معلوم حَدُّه وأَمَدُه.
ولو حَدَّ الوقتَ وبيَّنه فقال: إلى وقتِ كذا لكان كونُ الآيةِ غيرَ (منسوخة) أبين.
وكِلا القولين حسنٌ - إن شاء الله -.

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾
ظاهرُ هذا يَدُلُّ على جوازِ الصَّلاةِ إلى كُلِّ جهةٍ من شرقٍ وغربٍ وغيرِه.
وهو منسوخٌ - عند مالك وأصحابه - بقوله: ﴿فولِّ وجهَكَ شطر المسجد الحَرام﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠] فيكونُ هذا مما نُسِخَ قبل العمل به؛ لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابُه صلَّوا في سفرٍ ولا حضرٍ فريضةً إلى حيثما توجَّهوا. ونَسْخُها بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام﴾ وهو أيضا قولُ قتادة، وابنُ زيد، وهو مرويٌّ عن ابن عباس والحسن.
وللعلماء في هذه الآية خمسة أقوال غيرَ القول الذي ذكرنا:
الأول: قولُ مجاهد والضحاك: قالا: هي ناسخةٌ للصَّلاة إلى بيت المقدس لأن اليهودَ أنكروا رجُوعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبةِ وتركَ بيت المقدس، وقالوا: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ [البقرة: ١٤٢] فأنزل الله:﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمغْرِبُ﴾ وأنزل تعالى: ﴿فأَيْنَما تُوَلُّوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] أي: فثمّ جِهةُ الله التي أمر بها.
وقيل: الذين أنكروا ذلك همُ العربُ الكفارُ، وهم السّفهاء.
الثاني: قول النخعي: قال: هي مخصوصةٌ محكمةٌ نزلت فيمن جَهِل القبلةَ له أن يُصَلِّي أينما تَوَجَّه ولا إعادةَ عليه. وعليه الإِعادةُ عند مالك وأصحابه في الوقت. وهو خارجٌ عن الأصول.
الثالث: قاله بعضُ أهل المعاني: قالوا هي محكمةٌ مخصوصةٌ في صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي حينَ صلَّى عليه، واستقبل جِهَتَهُ إلى غير قبلة، فهي خصوصٌ للنبي - عليه السلام -.
الرابع: قاله بعضُ أهل المعاني، قالوا: الآيةُ مخصوصةٌ في الدعاء، ومعناها: ادعوا كيف شِئْتُم مستقبلين القبلةَ وغيرَ مستقبلين، الله يسمع ذلك كُلَّه.
الخامس: قيل إنها مخصوصةٌ في صلاةِ المسافر للنوافل على راحِلَته، يُصَلِّي أينما توجَّهت به راحِلَتُه، وهو جارٍ على مذهب مالك وأصحابه.

الآيات من ١١٦ إلى ١٤٣
ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿فولِّ وَجْهَكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحَيْثُما كُنتم فولُّوا وجوهَكُم شطرَه﴾:
هذه الآيةُ عند أكثرِ (المفسرين) وأهلِ المعاني ناسخةٌ (لِلصّلاة إلى بيتِ) المقدسِ، وهي عندَهم أَوَّلُ ما نُسِخ.
وإذا (كان) هذا أَوَّلَ ناسخٍ ومنسوخٍ - على قول جميعِهم - والناسخ والمنسوخ مدنيُّ - فواجبٌ أن لا يكونَ ناسخٌ ومنسوخٌ مكيّاً؛ إِذ أَوَّلُ النسخ عندهم إنّما حدَث بالمدينة، وكان نسخُ القبلةِ بعدَ الهجرة بستَّةَ عشرَ شهراً، وقيل سبعةَ عشَرَ شهراً، إلا أن يكونوا أرادوا بقولِهم (هذا): أَوَّلَناسخٍ ومنسوخٍ، يعنون: بالمدينة، فيجوز أن يكون ثَمَّ مكيٌّ نَسَخَ مكِّياً. ولم أَجدْه مجمعاً عليه، وسترى ما وجَدْتُ منه.
واختُلِفَ في صَلاةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتِ المقدس، هل كان بأمر من الله - عزَّ وجلَّ - أو باختيارِه؟
فقال جماعةٌ: كانَ بأمرٍ مِن الله، بدليل قوله: ﴿وما جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ - يعني بيتَ المقدس -
وقد قيل: القِبلَةُ في هذه الآية: الكعبة، و"كُنْتَ": بمعنى: أنت. فلا حجة فيه لمن استدلَّ به على أَن النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس بأمر (مِن) الله - على هذا القول -؛ لأَِنَّ القبلةَ في قوله: ﴿الَّتى كنت عليها﴾ مرادٌ بها الكعبة.
(وعلى) القول الأول، يراد بها بيتُ المقدس.
و"كنتَ" بمعنى: أنت، جائزٌ على أن (تكون "كان" زائدةً). وقد قيل في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ﴾ معناه: أنتُم خيرُ أُمَّة.
قال ابنُ زيد: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه بِمكَّةَ يُصَلُّونَ نحو الكعبة ثماني سنين. قال وكانوا يُصَلُّونَ ركعتيْنِ بالغداةِ وركعَتيْنِ بالعشيّ، فلما فرض الله "خمسَ صلواتٍ"؛ إِذْ عَرَجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صارت الركعتان لِلمسافر. قال: فلما هاجَرَ النبيُّ - عليه السلام - إلى المدينة أَمرَه (الله - عزَّ وجيل -)بالصَّلاة نحو بيتِ المقدس.
وعنه أيضاً أنه قال: لما قَدِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، قال: ما ندري أين نتوجه؟ فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ المشرقُ والمغربُ فأينما تُولُّوا فَثَمَّ وجهُ الله﴾ [البقرة: ١١٥]فصلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوَ بيتِ المقدس ستَّةَ عشَرَ شهراً، فتكلَّمَت اليهود فقالوا: ما درى محمدٌ وأصحابُه. ولا اهتدوا لِقِبْلَتِهم إلا بنا، فشقَّ ذلك على النبيِّ - عليه السلام فَنَسَخَ اللهُ القبلةَ، (وأَمرَه) بالصَّلاة نحو الكعبة.
وقال ابنُ حبيب: كان الله - جلّ وعزَّ - قد أَمرَ نبيَّه أن يقتدِيَ بمن كان قبله من الأنبياء، يريدُ بقوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]. قال: فلمَّا قَدِمَ النبي- صلى الله عليه وسلم - المدينةَ صلّى نحو البيت المقدس؛ لأنها كانت قبلةَ جماعةٍ من الأنبياء قبلَه. ثم شقَّ على النبي قولُ اليهود في القبلةِ. فنسخَ اللهُ ذلك بالكعبة.
وقد قيل: إن الله - جلَّ ذكرُه - كان قد فرضَ على إبراهيم [- خليله -الصَّلاَةَ نحو الكعبة، ودلَّ (على) ذلك قولُه ﴿واتَّخذُوا مِن مَقام إبراهِيم]مُصَلَّى﴾ - على قراءة من قرأ بفتح الخاء - على الخبر -.
ثم أمر الله نبيّه - بغير قرآن - بالصَّلاة نحو بيت المقدس، فصلى نحوها (بضعةَ عشرَ) شهراً، وكان يُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكعبةِ.
فَنَسَخَ (الله) الصَّلاة نحو بيتِ المقدس بالصَّلاة إلى الكعبةِ، فصار المنسوخ ناسخاً لِما نسخَه اللهُ قبلُ. وهذا قليلُ النَّظير في الناسخ والمنسوخ.
فهذا كُلُّه يدُلُّ على أن الصلاةَ نحو بيتِ المقدس [كان بأمرِ الله له، فهو نَسْخُ قرآن بقرآن.
وقد رُوِيَ أن الأنصارَ (صلَّت نحو بيت المقدس] قبلَ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - حَوْلين).
فلما قَدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى نحو (بيتِ المقدس) بضعةَ عشر شهرا، وكانت نفسُه تائقةً إلى قِبلة أبيه إبراهيم. فأمره اللهُ باستقبالها.
وقيل: بل صلَّى نحو بيتِ المقدِس لِيَتأَلَّفَ بذلك اليهود؛ وذلك أنه هاجرَ إلى المدينة، وكان أكثرُ أهلِها ومَنْ حواليها اليهودَ، فصلَّى نحو بيت المقدس، ليتألَّفَ بذلك اليهودَ، فطعنوا في ذلك وتكلَّموا فيه بما شقَّ على النبيِّ وأصحابِه. فأمر اللهُ بالصلاةِ نحو الكعبةِ.
فيكون - على هذا القولِ - مِن نَسْخِ السُّنة بالقرآن -.
والشَّطْر: النحو - في الآية -.

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يكتمونَ ما أنزلنا من الْبَيِّنَات والهُدَى مِن بعدِما بيَّناه للنَّاس في الكتاب أُولئِك يلعنُهم الله ويلعنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾
ذكر ابنُ حبيبٍ أنه منسوخٌ بقوله: ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠].
وهذا غلطٌ ظاهرٌ، ليس هو من الناسخ والمنسوخ؛ إنما هو استثناءٌ- استثنى الله جلّ ذِكرُه - في التائبين من الموصوفين قبلَه.
ولا يحسنُ أن يقالَ في الاستثناء إنه نسخٌ؛ لأَِنَّ الاستثناءَ لا يكون إلا بحرف [يدُلُّ على معنى استثناءِ] كذا ولا يكونُ الاستثناءُ إلا لبيانِ الأعيان.
والنَّسخُ إنّما هو لبيانِ الأزمان التي انتهى إليها الفرضُ الأَوَّل، وابتدأ منها الفرض الثاني. وقد بيَّنا هذا فيما تقدَّم.
وكذلك ذكر ابنُ حبيب آياتٍ كثيرةً من الاستثناء أدخلَها في الناسخ والمنسوخ. وهو وَهْمٌ ظاهر.

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُمُ القِصاصُ في القتلى﴾ الآية.
يجبُ مِن ظاهِر لفظِ الآية أن لا يُقْتَلَ الرَّجُلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرَّجُل، ولا العبدُ بالحُرِّ (ولا الحُرُّ بالعبد).
وقال ابن عباس: هذا منسوخٌ بقوله في المائدة: ﴿النَّفْس بالنَّفْس﴾ [المائدة: ٤٥].
فهذه (الآيةُ) أَوْجَبَت قَتْلَ الرَّجُلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرَّجُل، والعبد بالحر، وهذا لا يجوزُ عند جماعةٍ مِن العلماء؛ لأَنَّ ما فرضَه الله علينا لاينسخُه ما حكى اللهُ لنا من شريعةِ غيرِنا؛ إنّما أخبرنا الله - في المائدة - بما شَرَع لِغيرنا، لم يفرضْه علينا، فيكونَ ناسخاً لما تقدَّم من سنة الفرض علينا.
وَلكِنْ: الآيتانِ مُحْكمتان لا نسخَ في واحدةٍ منهما، على ما نبيِّنُه بعد- إن شاءَ الله تعالى -.
وفي هذه الآية أَربعةُ أقوالٍ غير (القول الأول) الذي ذكرناه:
الأول: قاله الشعبي وغيرُه، قالوا: آيةُ البقرةِ مخصوصةٌ نزلت في قوم تقاتلوا، فقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ وكانت إحدى الطَّائفتين أعزَّ من الأخرى، فقالت العزيزةُ: لا يُقتلُ العبدُ منّا إلا بالحرِّ مِنكُم، ولا بالأنثى منا إلا بالرَّجلُ منكُم، فنزلت الآيةُ في ذلك، ثم هي في كُلِّ مَن أراد أن يفعل كفِعْلِهِم، فهي محكمة.
الثاني: قاله السُّدِّي، قال: هي مخصوصةٌ في فريقين تقاتلا على عهدِ النبي - عليه السلام - ووقع بينَهما قتلى، فأمر النبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - أن يفادَى بينهم، ديّاتُ النّساء بديّات النّساء، وديّات الرّجال بديات الرجال، فهي في شيءٍ بعينِه، (وهي تعَبُّدٌ) لمن يأتي بعدَهم، فهي محكمة.
الثالث: قاله الحسنُ البصريُّ، قال: نزلت آيةُ البقرةِ في نسخِ التراجع الذي كانوا يفعلونَه، وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون فيما بينَهم أَنَّ الرّجُلَ (إذَا قتل امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخيار، إن شاؤوا قتلوا الرَّجُلَ)، وأدوا نصف دِيَتِه، وإن شاؤا أخذوا نصفَ دِيَة رجل. وإذا قتلت المرأة رجلاً، كان أولياء الرجل مخيّرين إن شاءوا قتلوا المرأة وأخذوا نصف دية الرجل وإن شاءوا أخذوا الدِّيَة كاملةً، ولم يقتلوا المرأةَ، فنسخَ اللهُ ذلك مِن فِعْلِهم. وقد روي هذا القولُ عن عليٍّ - رضي الله عنه - فتكونُ هذه الآيةُ - على هذا القول - محكمةً ناسخةً لما كانوا يفعلونه.
الرابع: قاله أبو عبيد، قال: (آيةُ المائدة مفسِّرةٌ لآية البقرة؛ لأن أنفس) الأحرارِ متساويةٌ فيما بينَهم.
وعلى هذا أكثرُ الفقهاء.
يُقْتَلُ الحرُّ بالحرِّ والأنثى بالأنثى بآية البقرة وآية المائدة.
ويقتلُ الرَّجلُ بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجُلِ بآية المائدة.
والآيةُ - عند مالك - محكمةٌ، ورُوِي عنه أنه قال: أَحسنُ ما سمعنا في هذه الآية، أنها يُراد بها الجِنسُ، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. وأشار أَبو عبيدٍ إلى أَن قولَه هو مذهبُ ابن عباس.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨] - الآية -:
قال مؤلفو النّاسخ والمنسوخ: هذا ناسخٌ لما كان عليه بنو إسرائيل من امتناع أخذِ الدِّيَةِ، فخفَّف الله عن هذه الأُمَّة، وأباحَ لهم العفوَ عن القاتل عَمْداً وأَخْد الدِّيَة.
(قال أبو محمد): وقد كان يجبُ أَلاَّ (يَذكروا) هذه الآيةَ وشبهها في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها كآي القرآن كُلِّها التي نَسَخَت شرائعَ الكفار وأهل الكتاب، ولو نسخَت آيةً أخرى (لوجبَ) ذكرُها. وقد بيّنا هذا.
وفي هذه الآية إشكالٌ - على مذهب مالك - نُبَيِّنهُ إن شاء الله تعالى: المعروفُ مِن مذهبِ مالكٍ وأَصحابِه: أن المعفوَّ له بالديّة وليُّ الدَّم، عُفِيَ له بدية أُعْطِيَها عِوَضاً من قتل القاتل (فَقبِلَها) والعافي: القاتل عفا عن نفسه بأن بذل الديّة.
والتقدير: فمن أُعْطيَ ديّة فقبِلَها فعليه أن يتبعَ المعطي بالمعروف، وعلى المعطي أن يُؤدِّيَ ما بذل بإحسانٍ.
فـ "مَنْ". في قوله: ﴿فَمنْ عُفِيَ له﴾: اسم وليّ الدم.
فاتِّباعٌ بالمعروف: أَمرٌ للوليّ أن يَتْبَعَ القاتلَ فيما بذلَ له من الدية بمعروف.
(وقولُه): وأداءٌ إليه بإحسان: أَمْرٌ للقاتِل أُمِرَ أَن يُؤدِّيَ إلى الوَليِّ ما بذل له من الدِّية بإحسان.
وفي رجوع الهاءات بيانُ هذا المعنى: فالهاء في "له" وفي "أخيه"، وفي "إليه" يعُدْنَ على الوليّ.
والأخُ: هو القاتل.
وعفي له - على هذا القول - معناه: يُسِّرَ.
(فهذا مذهب مالكٍ وأصحابه).
وقال عبدُ العزيز بنُ أَبي سلمَة: معناها:
من أُعطِيَ لَه (من أخيه شيءٌ مِن) العَقْلِ فرضيَ به فليتبعه بالمعروف، وليؤدِّهِ إليه القاتلُ بإِحسان.
ومذهبُ غيرِ مالكٍ:
أن المعفوَّ له: هو القاتِل.
والعافي: وليُّ الدم.
وعفي: بمعنى: ترك - على هذا القول -.
فاتباع بالمعروف: أمر للوليِّ - مثلُ القول الأول -.
وأَداء إليه بإحسان: أمرٌ للقاتل - كالقول الأول -.
والأخ - في هذا القول -: وليُّ الدم.
و "مَنْ" - في هذا القول -: اسم (القاتل)..
والهاء في "له" وفي "أخيه" - على هذا القول -: تعودان على القاتل.
والهاء في "إليه" (تعود) على الوليِّ - كالقول الأول -.
فأما الترجيح بين المذهبين فليس هذا موضِع ذِكْرِه.
وقد قال مالك في قوله تعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَا الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكَاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]:
إن العافي: الوليّ بِتَرْكِ ما وجب لابنتِه البكر أو لأَِمَتِه سُمِّيَ عافياً، لأنه ترك ما وجبَ له، وهو ضدُّ قوله في هذه الآية.
وقال غيرُه: العافي: هو الزوج.
(قال أبو محمد): ولا عفوَ (له) إذا أَدَّى ما عليه.
وهو ضدُّ قوله (في) آية القتل.
فَكُلُّ واحدٍ على ضِدِّ قولِه في الآية الأخرى.
وإنما شرحْتُ معناها على المذهبين؛ لأني ما رأيتُ أحداً بيَّن ذَلِك ولا كَشفه.

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ للوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِين﴾:
الأشهرُ في هذه الآية أنها منسوخةٌ. واختُلِفَ في الناسخ لها ما هو؟فَمَن أجاز أن تنسخ السُّنةُ المتواترةُ القرآنَ قال: نسخ فرضَ الوصية للوالدين ما تواتر نقلُه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيَّةَ لوارث". - وقد حكاه أبو الفرج عن مالك كذلك -. ونسخت آية المواريث فرضَ الوصية للأقربين.
ومن منع نسخ القرآن بالسُّنة قال:
نُسِختْ الوصِيَّةُ للوالِدَيْن بقوله: ﴿ولأَبويْهِ لِكُلِّ واحد منهما السدس﴾ [النساء: ١١] - وكذلك قال مالك في الموطأ - ونُسخت الوصيَّةُ للأقربين بالمواريث.
ولا حُجَّةَ لمن قال هذا على من قال له: ولمَ (لا) تثبت الوصية والفرض لهما؟ - لأنَّه مُطْلَقٌ في الموضعين (لم يقل: لا شيء) لوالديه إلا السُّدسان فيكون ناسخاً للوصية. إنما قال: لهما السدسان فرضاً، وقال: لهما الوصية -.
(فلا) بُدَّ من استعمال قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصيَّة لوارث".
وقد يحتجُّ مَن قال: نَسختْ آيةُ المواريث الوصيَّةَ بأن المواريث قد حد فيها قدراً معروفاً، والوصيَّةُ لم يحُد فيها قدراً معروفاً، فكان المحدود أولى من غير المحدود، وله من الحجَّةِ غيرُ ذلك.
وقد روى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسم عن مالك أنه قال: نزلَت هذه الآيةُ قبل الفرائض، ثم أنزل اللهُ فرائضَ المواريث، فنسخَت المواريث الوصية للوالدين ولكل وارث، إلا أن يأذنَ الورثةُ - وكذلك قال ابنُ شهاب والحسن وعطاء وزيد بن أسلم -.
وقيل: الأحسنُ: أن يكونَ نسخَ الوصيةَ للوالدين قولُهُ: "لا وصيةَ لوارث". لأن الله لما ذكر فرض الوالديْن، قال بعدَه: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقد كان يجوز أن يُثْبِتَ لهما الفرضَ المذكورَ مِن بعد ما يوصي لهما به بنصِّ القرآن، فَنَسْخُ الوصية للوالدين بآية المواريث فيه إشكال لاتِّصال قوله:﴿مِن بعدِ وصيَّةٍ يوصي بها أو ديْن﴾ بفرضِ الوالديْن. فالنَّسخُ بالسنّة أولى به إِذْ لا إشكالَ في ذلك.
- على أنه قد أجمعَ (المفسرون) أنّ قولَه: ﴿الوصيّةُ للوَالِدَيْن﴾نزل قبل نزولِ آيةِ المواريثِ، ففي هذا قُوَّةٌ لِنسخِ الوصيَّة للوالديْن بآية المواريث -.
وكذلك الكلام في نسخ الوصيَّة للزّوجات، في قوله: ﴿وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]؛ لأن بعدَ فرضِهِنّ: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فنسخ ذلك بالسُّنة(أولى) وأحسنُ عند قوم لما ذكرنا أولاً فافهمه.
وقد قيل: بل نَسخَ الوصيَّة للأقربين التخصيصُ في قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى﴾ [النساء: ٨] - الآية -.
فحضّ الله على أن يعطوا إذا حضروا، ولو لم يُفْرَض لهم ذلك، بدَلالة الإِجماع على أن اليتامى والمساكين المذكورين مع أُولي القربى إذا حضروا القسمةَ (لا فرضَ) لهم يُعطَوْنَه، وقد عُطفوا على الأقربين، فالحكم فيهم واحد لا فرض لجميعِهم. ولكنَّه نَدْبٌ نَسخَ ما كان فرضاً من الوصية لِلأَقربين. وبيَّنَت السُّنَّة أَنَّا غير مُخيَّرين في الوصيَّةِ للوالدين المنسوخة وتركِها؛ إذ قال - صلى الله عليه وسلم - "لا وصيَّة لوارثٍ".
وبقي التَّخييرُ لنا في الوصيَّةِ للأقربين غير الوارثين المنسوخة، إن شئنا فَعَلْنا ذلك، وإن شئنا لم نفعلْه، وفعلُه أفضلُ كصوم عاشوراء - وهذا قول مالك وأصحابه وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وابن زيد، وهو قول ابن عمر والسُّدِّي -.
وقال قتادةُ والحسن (في هذه) الآية: نُسِخَ منها الوصية للوالدين بآية المواريث، وبقي فرض الوصية للأقربين ممّن لا يرث، وهو اختيار الطبري.
وقد قال الضحاك: من مات ولم يوصِ لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية.
وقال الحسن: إذا أوصى الرَّجلُ لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث، والباقي من الثلث لقرابتهِ - وقاله طاووس -.
وقال الشعبي والنخعي: (الوصيَّةُ للوالدين والأقربين في الآية على الندب) لا على الفرض. فمنعت السنةُ (من جواز الوصية للوالدين وبقيت الوصية للأقربين على الندب).

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكُم لعلّكُم تتقون﴾ الآية.
قال ابنُ حبيب: هذا من قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] وكان المسلمون يقتدون بصيام أهل الكتاب وفِعْلِهم، فكانوا إذا صلُّوا العشاء حرم عليهم الطعامُ والشَّرابُ والوطءُ إلى مثلِها من اللَّيْلَةِ القابِلَة.
وقيل: كان يلزمُهم ذلك إذا ناموا.
فخفَّفَ اللهُ ذلك عنهُم، ونسخَه بقوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يتبين لكم الخَيْطُ الأَبيضُ من الخيطِ الأسودِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. وبقوله: ﴿أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرَّفَثُ إلى نسائِكم﴾ [البقرة ١٨٧] - الآية -.
ونُسِخَ فرضُ صيام من كان قبلَنا بفرض رمضان.
قلتُ: فالآية على قوله منسوخةٌ، أعلَمنا الله فيها أنه فرَضَ علينا مثلَ ما فرض على من كانَ قبلَنا. ثم نسخَ ذلك. وهو قول السُّدِّي وأبي العالية.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ وليست بمنسوخةٍ واختُلِفَ في ذلك:
فقيل: هو ناسخٌ لما فرَضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أُمتِه من صوم يوم عاشوراء. قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "كان يومُ عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، فلمَّا قدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، صامه وأَمَر بصيامه. فلما فُرض رمضانُ كان هو الفريضة. وتُرِكَ صيامُ يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تَرَكَه" - وقاله جابر بن سمرة وغيره -.
وقد قال قومٌ: إن فرضَ صومِ يومِ عاشوراء باقٍ إلى الآن، وهو قول شاذٌّ، غيرُ معمولٍ به.
والنَّسخُ (لِصومِ) يومِ عاشوراء كان بالمدينةِ لحديث عائشة- رضيَ الله عنها - وقولها: فلما قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ صامه، وأمر الناس بصيامه؛ لأَن صومَ رمضان بالمدينة فُرِض.
وقال ابنُ عباس: هذا ناسخ لما كان (أَمرَ به) النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمَرَ بصيام ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر في أوَّل قدومِه المدينة، وقاله معاذٌ وغيره وقال عطاء: هو ناسخٌ لما فُرِض على من كان قبلنا، كان فُرِض عليهم صوم ثلاثة أيام من كُلِّ شهر، وهو قولُ قتادة.
قال أبو محمد: وقولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانونَ أنفسكم فتاب عَلَيْكُم وَعَفَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، يدُلُّ (على) أن الله فرضَ علينا ما كان فرَضه على من كان قبلَنا من الصيام وتركِ الطَّعام والشرابِ والوطءِ بعدَ النوم. فهو منسوخ (بما) بعدَه، دليلُ ذلك أن الخيانةَ لا تلْحَقُ إِلاَّ مَن تَرَكَ ما أُمِر به وفعل ما نُهِيَ عنه.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، يدلُّ على ذنبٍ اكتسبوه وهو الوَطءُ والأكل والشرب بعدَ النوم في ليالي الصيام.
وكذلك قولُه: ﴿وعَفَا عَنكُمْ﴾ يدلُّ على أنهم أَذنبوا ذنباً عفا لهم عنه، وهو ما ذكرنا. ولا يكونُ الذَّنْبُ إلاَّ عن ركوبِ نهيٍ أو تركِ أمر، فدلَّ على أنه كان مفروضاً عليهم، ثم نُسخ بإباحة الأكل والشرب والوطءِ بعدَ النوم.
وقد قال الشعبيُ والحسنُ ومجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخة ولا منسوخة. وذلك أن الله - جلّ ذكره - كان قد افترضَ على من كان قبلَنا من النصارى صومَ رمضان، فحولُّوه عن وقته، ثم زاد كل قَرْنٍ يوماً في أوله للاستبراء والاحتياط ويوماً في آخره حتّى صارَ إلى خمسينَ يوماً، ففرض الله علينا صومَه خاصَّة كما كان فرضاً عليهم بقوله: ﴿كُتِبَ عليكُمُ الصيام كما كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ١٨٣].
والكلامُ في إعراب الكاف من قوله: ﴿كما كُتِبَ﴾، (يصرح بالمعنى) وبُبَيِّنه، وقد ذكرناه في غيرِ هذا الكتاب.

﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين﴾ الآية:
الأشهرُ المعوَّلُ عليه في هذه الآية أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْه﴾ [البقرة: ١٨٥].
وذلك أن الله - جلَّ ذكْرُه - فرضَ صوم (شهر) رمضان، (وكان قد)أباحَ بهذه الآيةِ للمقيم القادرِ على الصَّوم أن يُفطِرَ ويطعِمَ عن كل يوم مسكينا، بقوله: ﴿وعلى الذينَ يُطيقونَه فديةٌ طعامُ مساكين﴾ أي: على الذين يطيقون الصَّومَ ويفطرون فديةٌ، ثم بيَّن الفديةَ، فقال: طعام مسكين يعني: عن كل يوم.
ثم نسخَ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ منكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْه﴾، [أي: فمن شهده في المصر صحيحاً فليصُمْه] فأوجبَ عليه الصَّومَ.
قال معاذُ بنُ جبل: لما قال الله - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿وعلى الذينَ يطيقونَه فديةٌ طعامُ مساكين﴾، كان مَن شاءَ صام ومن شاء أَفطر وأَطعَم مسكيناً عن كُلِّ يوم. قال: ثُمَّ أَوجَبَ اللهُ الصِّيامَ على الصحيح المقيم بقوله: ﴿فمن شهد منكُمُ الشَّهْرَ فليَصُمْه﴾، وثبتَ الإِطعامُ على مَن لا يُطيقُ الصَّومَ إذا أفطر مِن كِبَرٍ - وهو قولُ ابن عمر وعِكرمة والحسن وعطاء، وعليه جماعة من العلماء -.
وقال مالك: الآيةُ منسوخةٌ والإِطعامُ عَلى الكبير إذا أفطر ولم يُطِق الصَّومَ، وروي عنه أنه استحبَّ الإِطعامَ للكبيرين إذا (أفطرا) ولم يطيقا الصومَ من غير إيجاب.
وأما الحاملُ تخافُ على نَفْسِها فتفطر فعلَيْها القضاءُ إذا وضَعَت. ولا إِطعامَ عليها لأَِنها مريضةٌ.
والمرْضِعُ إذا خَشِيَت على ولدِها فأفطرت فالإِطعامُ عليها مع القضاء إيجاب، بخلافِ الحامل والكبيرين؛ (ولأنها) صحيحةٌ، وإنما أَفطرت من أجل ولَدها.
فأما المريضُ فلا إطعامَ عليه إذا أفطر ولم يقدِر على الصَّوم، وعليه القضاء إذا صحَّ. وكذلك المسافرُ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أوعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فعليه صومُ عِدَّةِ ما أفطر من أيام أخر، لا غير.
وقد روى ابنُ وهب، قال، قال لي مالكٌ في الآية:
إنما ذلك في الرَّجُل يمرضُ فيفطرُ ثُمَّ يبرأُ فلا يقضي ما أفطرَ حتى يدركه رمضانٌ آخر من قابل، فعليه أن يبدأَ برمضان الذي أدركَه، ثم يقضي الذي فاته بعد ذلك، ويُطعِمُ عن كلِّ يوم مُدّاً من حنطة.
قال مالك: وأما رجل اتَّصَل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان المقبل، فليس عليه إطعام وعليه القضاءُ على كُلِّ حال.
(قال أبو محمد): وهذا التأويلُ يدلُّ على أن الآيةَ: محكمة عنده (في هذه) الرِّواية -، ومعنى ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ - على هذا التأويل -: أي: يطيقون قضاءَ ما عليهم فلا يقضون حتى يأتيَ رمضانٌ آخر فعليهم صومُ الداخل وقضاءُ الفائت بعدَ ذلك وإطعام مُدٍّ عن كل يوم فهي محكمة - على هذا التأويل - وهو قول زيدِ بن اسلم. وقاله ابن شهاب أيضا. وعنه أنها منسوخةٌ.
وقال قتادةُ: إنما كانَت الرُّخصةُ في الإِفطار والإِطعام للكبيرين يطيقان الصَّومُ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾، قال: والرُّخصَةُ باقية للكبيرين اللَّذيْن لا يطيقان الصومَ، يُفْطران ويُطعِمان. وقد روي [مثلُ ذلك] عن ابن عباس. روي (عنه) أنه قال: نزلَت في الكبيرين اللَّذَيْن لا يطيقان الصَّومَ والمريضِ فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ- على هذا القول -.
قال أبو محمد: وهذا التأويلُ إنما يَصِحُّ على قراءَة مَن قرأ: "وعلى الذين يُطَوَّقونه - بالتشديد وفتح الطاء - على معنى: يكلفون الصَّومَ ولا يقدرون عليه فيفطرون، وهي قراءة مرويةٌ عن عائشة - رضي الله عنها -وبذلك قرأ ابن جُبَيْر وعطاء وعكرمة.
وقرأ مجاهد: وعلى الذين يَطّوَّقونه - بفتح الياء وتشديد الطَّاء والواو -على معنى: يتكلفونه. أي: يتكلفونَ الصوم ولا يقدرون عليه.
فهي محكمةٌ غيرُ منسوخة - هاتين القراءتين -. وقد رُوِي عن ابن عباس أنه قرأ: يَطيَّقونه - بفتح الياء الأولى وبياء مشددة مفتوحة بعد الطاء -.
وقد طُعِنَ في هذه القراءة - بالياء -؛ لأن الفعل عينه "واو" ومعناها كمعنى القراءتين اللَّتَيْنِ قبلها في أن الآية محكمةٌ في الكبيرين والمريض.
يُفطِرون إذا لم يقدروا على الصَّوم ويُطعِمون، إلا أنَّ المريضَ يقضي إذا صح، ولا يقضي الكبيران؛ لأنهما لا ينتقلان إلى غير الكِبَر إلاّ أن يكونا مريضين، (أو كانا) صحيحين يقدران على الصوم فيُفْطِرن للمرَض، فلا بدَّ من القضاء - عليهما -.
وأكثرُ النَاس على أنه لا إطعام على المريض.
وقد ذكر الأشعريُّ عن الحسن في هذه الآية قولاً غريباً قال: إن المعنى: وعلى الذين يُطيقون الإِطعامَ ويعجزون عن الصِّيام طعامُ مساكين وقال: هذا قولٌ مروي عن السَّلَف - وهو قولُ الحسن -.
وذكرَ ذلك ابن الأنباري ولم يذكر الحسَن.
قال: وذهبَ ذاهبونَ إلى أن الهاء راجعةٌ على الفداء، وقدَّروه: وعلى الذين يطيقونَ الفداء إذا كرهوا الصَّومَ فديةٌ طعام مساكين فَنُسِخَ ذلك بما بعدَه.
قال: وبنى آخرونَ على أن الهاءَ تعودُ على الفداء أيضاً. والآيةُ غير منسوخة. وقالوا: نزلت الرُّخْصَةُ في الشيخ الفاني والعجوز الهرمة فالمعنى - على هذا القول -: وعلى الذين يُطيقونَ الفداءَ، ولا يطيقون الصومَ فدية طعام مساكين. وهذا هو قول الأشعري الذي (حكينا) عنه. قال ابن الأنباري: وإنما رجعَت الهاءُ على الفداء، وإن لم يتقدّم ذكرُه، كما رجعت الهاء في قوله: ﴿فَأَصْلَح بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢] على غير مذكورين، يريد (أن)الخطابَ يدُلُّ على صاحب الإِضمار، وقد ذكرنا حُكْمَ الشيخ والعجوز وشبههما (في الإِفطار) إذا لم يُطيقوا الصوم.

﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ الآية:
أباح الله تعالى المباشرةَ لِلنّساء ليالي الصِّيام كُلّه إباحةً عامةً، والمباشرةُ: الجماعُ لا اختلافَ في هذا، لقوله تعالى: ﴿وابْتَغُوا مَا كتب الله لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يعني: الولد.
وقد توهَّم قومٌ أنَّ هذا الحُكْمَ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء فِي المَحِيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وليس الأمرُ كذلك. وإنما هو على أحد وجهين:
- إما أن يكون تحريمُ وطء الحائض نزلَ قبلَ إباحةِ الوطء ليلةَ الصيام، فنزل ذلك وقد استقرَّ في أنفُسِهم تحريمُ وطء الحائض، فصارت المباشرةُ المباحةُ مخصوصةً (ليلَ الصَّوم) في غيرِ الحائض مِن زوجةٍ أَمَة.
- وإمّا أن يكون تحريمُ وطءِ الحائضِ نزلَ بعدَ هذه الآية، فتكون مبينة لها ومخصِّصةً أنها في غير ذوات الحيض.
فلا يجب أن يدخل هذا في الناسخ والمنسوخ.
ولو نسخَ إباحةَ المباشرة لم ينسخ (إِلاّ) بمنع ذلك كُلِّه، (فيعودُ)الأمرُ إلى منع الوطءِ في ليلِ الصَّوم. وهذا لا يجوزُ لِلنَّصِّ والإِجماعِ على إباحتِه.

﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ الآية:
قال ابنُ زيد: نسخَها الأمرُ بالقتال وبالقتل للمشركين.
وقيل: إنَّها أَوَّلُ ما نزل في إباحة القتال. أُبيحَ لهم أن يقاتلوا من قاتَلهم، (ولا يعتدوا فيقاتلوا من لم يقاتلهم) ثم نُسِخَ النهيُ عن قتال مَنلم يقاتِلُهم بالأمر بالقتال والقتل.
وقيل: أَوَّلُ ما نزل في إباحة القِتال، قولُه تعالى: ﴿أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا﴾ [الحج: ٣٩]، فهي مكيَّة وقيل: مدنية.
وعن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، لكنَّها مخصوصةٌ في النّهي عن قتل الصِّبيان والنّساء والشيخ الفاني ومن ألقى السَّلَم وكفَّ يدَه. وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن قتلِ هؤلاء، وعن قتل الرُّهبان. فيكونُ معنى الآية: وقاتلوا في سبيل الله الذين فيهم مقدرةٌ على قتالكم، ولا تعتدوا فتقتلوا مَن لَيس له مقدِرةٌ على القتال، ولا مَن (لَيس)من عادته القتالُ، (كالنِّساء والصِّبيان)، والكبير، والرهبان.
فهذا كُلُّه محكَمٌ وحكمهُ باق معمولٌ به.

﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ولا تُقاتِلوهم عندَ المسجدِ الحرامِ حتَّى يقاتلوكم فيه﴾:
قال قتادة: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣، الأنفال: ٣٩]، أي: شرك وبقوله: ﴿وقَاتِلُوا المُشْرِكينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقد قال إسماعيلُ بنُ أُويس: إن قوله: ﴿وَلاَ تُقَاتِلوهُم عِندَ المسجد الحرام﴾ - الآية - ناسخٌ لِقوله: ﴿واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] - في النساء -، قال: ثم نسخَها (الله) بقوله في براءة: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، فصارت الآية ناسخةً ومنسوخةً، وهو قليل النظير.
وقال مجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخةٍ ولا منسوخةٍ، لكنَّها مخصوصةٌ(في) النهي عن القتال في الحرم، ولا يحلُّ القتالُ في الحرم إلاّ أن يقاتلوك، وهو قول طاووس.
والبيِّن الظاهرُ في الآية أنها منسوخةٌ. وهو قولُ أكثر العلماء؛ لأن قتال المشركين فرضٌ لازمٌ في كل موضعٍ كانوا فيه، بقوله (في) براءة: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وجدتموهم﴾ - وبراءة نزلت بعد البقرة بمدة طويلة -.

﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بالشَّهْرِ الحَرَامِ، والحُرُماتُ قِصَاصٌ، فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾.
قال ابنُ عبّاس: إباحةُ الاعتداء منسوخٌ، لأَنَّ الله جلَّ ذكره ردَّه إلى السلطان، ولا يجوز لأحدٍ أن يقتصَّ ممّن اعتدَى عليه إلاَّ بالسلطان، ولا يقطعُ يدَ سارقٍ إلاَّ بالسلطان.
(قال أبو محمد): وهذا القولُ إنما يجوزُ على مذهب من أجاز نسخ القرآن بالسُّنَّة المتواترة.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قولُه تعالى: ﴿ومَن قتل مظلومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطاناً﴾ [الإسراء: ٣٣] قال: يأتي السلطانَ حتى ينتصفَ منه له.
قال أبو محمد: وهذا (لا) يصِحُّ عن ابن عباس، لأَنَّ السلطان هاهنا: الحجَّة؛ ولأنَّ سورة "سبحان" مكيةٌ، والبقرة: مدنيةٌ. ولا ينسخ المكي المدنيَّ؛ لأنه نزل قبلَ المدني، والناسخ لا يصِحُّ أن يكونَ نزولُه إلا بعد المنسوخ. وأيضاً فإنَّ الرُّجوعَ إلى السُّلطان في القصاص، إنما أخذ بالإجماع، والإِجماع لا ينسخُ القرآنَ لكنه يبيِّنهُ كما تبيِّنُه الأخبارُ من السُنن.
فهذا مثل قوله ﴿وجزاءُ سيِّئةٍ سيّئةٌ مثلُها﴾ [الشورى: ٤٠].
وقيل: الآيةُ نزلَت في إباحة قتال مَن قاتلهم إلى الآن في الشهر الحرام، وفُهِمَ منها منعُ قتال من لم يقاتِلْهُمْ في الشَّهرِ الحرام، وإباحةُ ذلك في غير الشهر الحرام، ثم نُسِخَ ذلك بالأمر بالقتال في الشّهر الحرام، وإن لم يقاتلوهم، بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركينَ حيثُ وَجَدتموهم﴾ [التوبة: ٥] في براءة.
(قال أبو محمد): وهذا القولُ أَبينُ الأقوال فيها، لكنَّه نسخَ مفهوم التلاوة. وله نظائرُ ستراها.
وقال مجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، والمعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه بمثلِ ما اعتدى عليكُم، أي: من قاتلكم (في الحرم) فقاتلوه فيه، ولا يحلّ أن تبدؤا بالقتال في الحرَم - عندَه - (إلى الآن).
وأكثرُ الناس على خلافه.

﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾

قوله تعالى:﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾:
ثم أباحَ ذلك لمن كان مريضاً، أو به أذىً من رأسِه، وأوجَبَ عليه الفدية.
فقال قوم: هذا ناسخٌ للنَّهْيِ عن حَلْقِ الرّأس حتى يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه.
(والظَّاهِرُ في هذا البيِّنُ) أنه ليس فيه نَسخٌ، لأَنّه متَّصِلٌ بالأَوّل غيرُ منفصل منه. وإنما يكونُ الناسخُ منفصلاً من المنسوخ. (فهي) أحكامٌ مختلفةٌ في شروطها متَّصِلٌ بعضُها ببعض لا ينسخُ بعضُها بعضاً.
قوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجَّ والعمرةَ لِلَّه﴾:
أمرَ اللهُ المسلمين بإتمام ما دخلوا فيه وعقدوه على أَنفُسِهِم من حَجٍ أو عمرةٍ.
ولا دليلَ في هذا على فرضِ العُمْرَة إنّما هو أمرٌ بإتمام ما دخلوا فيه من ذلك.
ويبيِّنُ أن العمرة ليست بفرض قراءةُ الشعبي: "والعمرةُ للهِ" - بالرفع -فهذه القراءةُ لا تأويل فيها لفرضِ العمرة. وقوله: ﴿وأتموا الحجَّ﴾ ولم يقل: حجّوا واعتمروا (يدلُّ على أن) ذلك مرادٌ به غيرُ الفرض.
وإنما هو مثلُ قوله: ﴿أوفُوا بِالعُقُود﴾ [المائدة: ١] فمن عقَدَ بِرّاً على نفسه وجب عليه إتمامُه.
وقراءة ابن مسعود: "والعمرة للبيت لله" وعنه: "والعمرة إلى البيت لله". يدل على أن العمرةَ ليست بفرضِ - قرىء بنصب العمرة أو برفعها -.
وكما أن ذِكرَ الحجّ في هذه الآية ليس يوجبُ فرضَ الحج، إنما وجب فرض الحجِّ بقوله تعالى: ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. كذلك ذكر العمرة فيها لا يوجب فرضَها. ولا آية أُخرى توجِبُ فرضَ العمرة في القرآن (فبانَ أنّ) العُمْرَةَ ليست بِفَرض. وقد ذكرَ أهلُ المعاني والتفسير أن هذه الآيةَ ناسخةٌ لما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أصحابَه بعد أن أَحرموا(بالحجِّ) أن يفسخوه في عمرة.
(والآيةُ) محكمةٌ، (تدُلُّ) على أنَّ مَن دخَلَ في طاعة وعقدها على نفسه أن عليه إتمامَها.
وقد أبى مِن فَسْخِ الحجّ في عُمرة (أبو بكر وعثمان وعلي)- رضي الله عنهم - بحكم ظاهر الآية.
وأجازه ابن عباس لإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
وذهب أبو عبيد: إلى أنَّ فسخَ الحجِّ في عمرة منسوخٌ بفعل الخلفاء الراشدين، يعني الذين ذكرنا. وعلى منعِه أكثرُ العلماء مالكٌ وغيرُه.
وقد قيل: إنه إنما أباح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك لِعِلَّةٍ، وذلك أنهم كانوا لا يرونَ العُمرةَ في أشهرِ الحج جائزةً، ويرونَه ذنباً، فأَمرَهُم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج وتحويلِه إلى عُمرة في أشهر الحجّ، ليعلموا أن العمرةَ جائزةٌ في أشهر الحجّ. فَفِعْلُه ذلك كان لِعِلَّةٍ، فبزوال تلك العلة يزولُ الحكمُ. وله نظائرُ في القرآن.
وقيل: إن ذلكَ مخصوصٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ورُويَ عنه أنه سئل عن ذلك فقال: (إنه) لنا خاصَّة.
(قال أبو محمد): ومعنى فسخ الحجِّ في عُمرة: هو أن يُهِلَّ الرجل بالحج ولا هَدْيَ معه، فعليه أن يدخلَ مكةَ فيطوفَ ويبقى على إحرامه حتى يحج ويقضيَ مناسكَه من الوقوفِ بعرفاتٍ والمزدلفة و (من) رمي الجمار وغير ذلك، وهو على إحرامِهِ، ويحلق ويطوفَ طوافَ الإِفاضة، وعليه السعي بين الصّفا والمروةِ بعدَ الطَّواف، ويُحِلُّ مِن حجّته بعد ذلك كُلِّه، فهذا لازم له، وبه يُتِمَّ ما عقدَه من الحجّ.
(فإن فسخَ حجَّه في عمرة) - على قول ابن عباس - فإنما عليه أن يدخل مكة ويطوفَ ويسعى ويَحْلِقَ وَيُحِلّ.
فذلك الأولُ عملُ الحج.
وهذا عملُ العمرة.
فإذا (حَلَّ) مِن عمرته التي فسخَ الحجَّ (فيها) ابتدأَ الإِهلالَ بالحجِّ مِن مكة أو من الحِلِّ إن شاء، وبه يتمُّ حَجُّه على ما ذكرنا.
وإن تمادى (في) حَجِّه ولم يفسخْه في عُمرةٍ، وأرادَ العمرةَ، فإنه إذا حَلَّ من حجِّه خرجَ إلى التنعيم (إلى الحِلِّ)، أو إلى الحِلِّ مِن أي ناحيةٍ شاء، فأَحرَم ولبَّى ودخلَ مكةَ فطاف وسعى وحلَق، وحلَّ من عُمرته.

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية:
أكثرُ العلماءِ على أنّ هذه الآية ناسخةٌ لِكُلِّ رخصةٍ في القرآن في تركِ القتال. إلاّ أنه فرضٌ يحملُه بعضُ الناس عن بعض. وإن احتيج إلى الجماعة كان فرضاً عليهم الخروجُ. ومثلُه الصَّلاةُ على الجنائز. وردُّ السلام.
وقد قيل: هي منسوخةٌ بقوله - عزّ وجلّ -: ﴿وما كان المؤمنونَ لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقيل: هي على الندب.
قال أبو محمد: والأمرُ لا يحملُ على النّدب إلا بقرينةٍ ودليل.

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فيه كبير﴾
أكثرُ العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنَّ اللهَ عظَّمَ القتالَ في الشهر الحرام. ثم نسخَ ذلك في براءة بقوله: ﴿فَاقْتُلوا المُشْرِكينَ حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وبقوله: ﴿قَاتِلوا الذِينَ لاَ يؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩]. فأباح قتلَهم وقتالهم في كُلِّ موضِعٍ، وفي كُلِّ وقتٍ من شهر حرام وغيره، وهو (قولُ) ابنِ عبَّاس، وقتادة، والضَّحَّاك، والأوزاعي، وابنِ المسَيِّب. وقال عطاءٌ ومجاهدٌ: الآيةُ محكمةٌ، ولا يجوزُ القتالُ في الأشهرِ الحُرمِ. والجماعةُ على خلاف ذلك.
والأَشهُرُ الحرُمُ التي كان الله قد حرَّم فيها القتالَ ثُمَّ نسخَه لم يختلف فيه أعيانها، وهي: المحرَّمُ، ورجبٌ، وذو القعدة وذو الحجّة. واختُلِفَ في ترتيبها:
فقال (قوم مِن) أهلِ المدينة: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. يجعلونها من سنتين.
وقال بعض المدنيين: أوّلُها رجب، وهي من سنتين؛ لأن النبيَّ - عليه السلام - قدم المدينة (في ربيع الآخر وقد قيل) في ربيع الأول (وأول شهر كان بعد قدومه من الحُرُم) رجب.
وقال الكوفيون: هي من سنة واحدة، وأولها المحرّم، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾. [التوبة: ٣٦].
وأمّا الأشهرُ الحرُمُ المذكورة في أول سورة براءة في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُر الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] (فليست الحُرُمَ) التي كان قد حُرِّمَ فيها القتال المذكور في (سورة) البقرة، ولا هي المذكورةُ في قوله تعالى:﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾ [التوبة: ٣٦].
إنما هي أربعةُ أشهرٍ بعد يوم النَّحْرِ من ذلك العام، وهو عهدٌ كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، ويقال لها: أَشهرُ السِّياحة، أمرَ الله المؤمنين أن يَقتلوا المشركين حيثُ وجدوهم بعد انقضاءِ أربعةِ أشهرٍ من يوم النّحر من ذلك العام، وهي آخرُ العهدِ الذي انعقَد بين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش.
وأشهرُ الحجِّ: شوّال وذو القعدة وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّة، (هذا قولُ أبي حنيفة) - رضي الله عنه -.
وقال الشافعي: تسعٌ من ذي الحجة.
وعن مالك: وذو الحجّة كُلُّه.

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَن الخَمْرِ والمَيْسِر﴾ الآية:
أكثرُ العلماءِ على أنها ناسخةٌ لما كان مباحاً من شُربِ الخمر؛ لأنه تعالى أخبرنا أن في الخمر إثماً، وأخبرنا أن الإِثم محرمٌ بقوله تعالى:﴿قُلْ إنّما حَرّم رَبّي الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإِثمَ والبَغيَ بغير الحق﴾ [الأعراف: ٣٣] فنصَّ على أن الإِثم محرمٌ، وأخبر أن في شربِ الخمر إثماً، فهي محرّمةٌ بالنصّ الظّاهر الذي لا إشكالَ فيه. وما حَرُمْ: كثيرُه وقليلُه حرام، كلحم الخنزير والميتة والدّم.
وسورة البقرة مدنيةٌ، فلا يعترضُ على ما فيها (بما) نزل في الأنعام المكية (في قوله): ﴿قُلْ لاَ أجدُ فِيمَا أُوحِيَ إليَّ محرماً عَلَى طَاعِمٍ يطعمه إلا أن يَكُونَ﴾ [الآنعام: ١٤٥] الآية -؛ لأن هذا تحريمٌ نزل بمكّة (والخمر نزل تحريمها بالمدينة).
وزادنا (الله تأكيداً في تحريم الخمرِ بقوله: ﴿فهل أنتُم منتهون!!!﴾فهذا تهديدٌ ووعيدٌ يَدلاَّن على تأكيد التحريم للخمر. وزاد ذلك بياناً قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حُرِّمَت الخمرُ بعينها والسَّكر من غيرها".
وأكَّد اللهُ ذلك وحقَّقَه بقوله تعالى: ﴿فاجْتَنِبُوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. و "لعلّ" من الله واجبةٌ، فضمانُ الفلاح في اجتنابها، فنظيرُه الخسرانُ مع مواقعتِها.
وكما أنه تعالى حرَّمَ أكلَ لحم الخنزير، وقليلُه ككثيرهِ حرام بإجماع - كذلك يجبُ أن يكونَ الخمرُ والمسكرُ من (غيرها في التحريم قليلُها ككثيرِها في التحريم)، وزادَ ذلك بياناً قولُه - عليه السلام -:"ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرام".
قال ابنُ جُبَيْر: لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كَبِيرٌ ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] كَرِهَ الخمرَ قومٌ للإِثم، وشربَها قومٌ للمنافع، حتى نزل: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فتركوها عندَ الصَّلاة حتى نزلَت:﴿فَاجْتَنِبُوه لعلّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: ٩٠] فحرِّمَت.
فهذا يدلّ على أن آيةَ البقرةِ منسوخةٌ بآيةِ المائدة، والمائدةُ نزلت بعد البقرة بلا شك.
وقوله تعالى: ﴿ومنافعُ للناس﴾: منسوخٌ إباحةُ منافعِها بِنَسْخِ الخمر. والمنافعُ: هي ما كانوا ينحرون على الميسر من الجزور للضعفاء ولأنفسهم، وذلك قِمار، حرَّمه الله لأنه من أكل المال بالباطل المحرم بنص القرآن.
وقال ابنُ حبيب: المنافعُ التي في الخمر: هي أنّ الرّجلَ كان إذا أصابتْهُ مصيبةٌ تُكْرِبُه وتُغِمُّه، سُقِيَ الخمرَ فذهب عنه ذلك الغمّ.
وقيل: المنافعُ في الخمر: ما يصيبون من لذّتها وسرورها عندَ شُربها.
قوله تعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنفِقُون، قل العَفوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال ابنُ عباس: [هي منسوخةٌ بفرض الزكاة].
وقيل: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ والمراد بالعفو: الزّكاةُ بعينِها.
وقيل: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في التطوّع. والعفو - عند ابن عباس -: القليلُ الذي لا يتبينُ خروجُه من المال.
وقال طاووس: العفو: اليسيرُ من كُلّ شيء.
وقال الحسنُ وعطاء: العفو: ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً.
وقال مجاهد: العفو: الصدقةُ عن ظهرِ غنى.
وقال الربيعُ: العفو: ما طاب من المال.
وقال قتادةُ: العفو أفضلُ المال وأطيبُه.

﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ولاَ تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حتّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية:
الظاهرُ في هذه الآيةِ أنها محكمةٌ مخصَّصةٌ مبيَّنةٌ بآيةِ المائدةِ في جواز نكاح الكتابيّات. وقد تقدَّم ذكرُ هذا - وقاله قتادةُ وابنُ جبير -.
وعن ابن عباس: أنَّها في المشركاتِ مِن الكتابيّات وغيرهنّ اللواتي في دار الحرب، لا يَحِلُ نِكاح كتابيةٍ مُقيمةٍ في دارِ الحرب لأَنّها ليست من أهل ذمّة المسلمين، وهو قولُ أكثرِ العلماء. فالآيةُ محكمةٌ - على هذا القول -غيرُ عامّة وغيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصةٍ.
وآيةُ المائدةِ في الكتابيّات من أهل الذمَّة ذوات العهد المقيماتِ مع المسلمين.
(فالآيةُ) مخصوصةٌ في غيرِ الكتابيّات اللواتي بدار الإِسلام، فهي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ وغيرُ مخصَّصَةٍ].
وقد رُوِيَ عَن مالك أَنه قال: (هي) في غيرِ أَهلِ الكتاب، قال مالك: قال اللهُ - جلَّ ذكرُه -: ﴿ولاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]، فهي عنده محكمةٌ لم يُنْسَخ منها شيءٌ، إلا أنَّها غيرُ عامة، أُريدَ بها الخصوصُ في كل مشركةٍ من غيرِ أهلِ الكتاب، وبيَّن تخصيصَها آيةُ المائدة في تحليل نكاح الكتابيّات.
وروُيَ عن ابن عمر أنه قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، لا يجوزُ نكاحُ مشركة كتابية ولا غيرِها. وقيل عنه: إنه إنّما كَرِه ذلك ولم يُحَرِّمْه. ولا يصح عنه تحريمُ (نكاح) الكتابياتِ ذواتِ الذِّمَّة؛ لأنَّ نصَّ القرآنِ يدُلُّ على تحليل الكتابية ذميَّةً كانت أو غيرَ ذِمِّيَّةٍ.
وعن مالك: أَنه كَرِهَ نكاحَ الكتابيّةِ التي في دار الحرب، ولم يُحرِّمه.
وعلى تحريمه جماعةٌ من العلماء، جعلوا آيةَ المائدة في الكتابيّات ذواتِ الذمّة خاصةً.
وهي عامّة في كُلِّ كتابيةٍ - عندَ مالكٍ وغيرِه، وعليه أكثرُ الصحابة والعلماء؛ لقوله: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذا آتيتموهن أُجورَهُنّ﴾ [المائدة: ٥] فعمَّ.
فآيةُ المائدة مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخَةٍ، لكنّها مخصِّصةٌ ومبيِّنةٌ لآيةِ البقرة.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: آيةُ البقرة منسوخةٌ بآية المائدة. وهو أيضاً مرويٌ عن مالك، وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي).
قال أبو محمد: وهذا إنما يجوزُ على أن تكونَ آيةُ البقرة في الكتابيات خاصة ثم نسخَتْها آيةُ المائدة، ويكونَ تحريمُ نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بالسنّة.
وحَمْلُ آية البقرة على العموم في كل المشركات ثم خصصتها وبينتها آيةُ المائدة أولى وأحسن؛ ليكونَ تحريمُ نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بِنَصِّ القرآن.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: استثنى اللهُ منها نساءَ أهل الكتاب فأحلهن بآية المائدة، وهذا معنى مفهومٌ مِن قوله، وإن كان بغير لفظ الاستثناء، فهو تخصيصٌ وبيان، كما أن الاستثناءَ بيانٌ أيضاً.
وقد قال الحسنُ وعِكرِمَةُ في آية البقرة: نسَخَ اللهُ منها نساءَ أهل الكتاب فأَحلَّ نكاحَهُنَّ. وقد ذكرنا هذه الآية فيما تقدّم.

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عَن المَحِيضِ﴾.
أكثرُ العلماء على أنها ناسخةٌ لشريعة بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائضِ في بيتٍ، ولا يأكلونَ ولا يشربون معَها، فَنَسخَ الله ذلك من شريعتهم، و أمرنا باعتزال الحائض مِن الوطءِ لا غير.
قال أبو محمد؛ وإنما أُدْخِلَ هذا وأشباهُه في الناسخ والمنسوخ، وهو لم ينسخ قرآناً، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] - على قول مَن قال -: تلزمُنا شريعتُهم حتى نؤمَر بتركها.
فأمّا من قال: لا يلزمُنا من شريعتِهم إلاّ ما أَمَرَنا به منها، فلا يجب أن يُدْخِل هذا (ونحوه) في الناسخ والمنسوخ؛ إذ لم يَنْسخ قرآناً، وهو الصّواب - إن شاء الله تعالى - لأن معنى: ﴿فَبهُداهم اقتَدِه﴾ يعني: في التوحيد خاصة، لا في الشّرائع. ويدلُّ على أنه ليس يُرادُ به الشرائعُ التي كانوا عليها، قولُه: ﴿لِكُلٍّ جعلنا مِنكُم شِرْعَةً ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨].
ويدلُّ على ذلك أيضاً أنَّ شرائعَ مَن كان قبلَنا مختلفةٌ في الأحكام، ولا سبيل لنا إلى الجمع بين (التّحريم والتّحليل) في شيء واحد، ولا إلى فعل شيءٍ وتركِه في عبادةٍ واحدةٍ. فقد كانت لحومُ الإِبل وألبانُها وشحوم البقر والغنم حلالاً لمن كان قبلَ يعقوب من الأنبياء، ثم حُرِّمَت على يعقوب وعلى بني إسرائيل، فلا سبيلَ إلى الجمعِ بين الشَّريعتين البتَّة. والله - جلَّ ذكره - لم يخصَّ الأمرَ بالاقتداء بشريعةِ واحدٍ من الأنبياء، (وإنما جَمَعَهُم) فقال: ﴿فَبهُداهُمُ اقْتَدِه﴾. وهم لم يجتمعوا إلاَّ على التوحيد والتصديق بالله ورسلِه وكُتُبِه. واختلفوا في الشرائع التي شرعَ (الله لهم)على (ما شرع) لكُلِّ نبي.
فليس علينا أن نقتديَ من فعلِهم إلا بما اجتمعوا عليه. وما اختلفوا فيه لا سبيلَ إلى فعلِه لاختلاف أحكامه في شرائِعهم. وإنما نفعلُ من شرائعهم ما أُمِرْنا به. فعلى هذا القول: كان يجب ألاّ تُدْخَل هذه الآية ونحوها في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً.
ومذهب مالك في هذا الباب: أنّ ما أنزلَ الله علينا في كتابة وأعلَمنا أنهكان فرضاً عليهم ولم يأمرنا بخلافه، ولا بِتَرْك العمل به فواجبٌ علينا العمل به، نحو قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا علَيْهِمْ فِيهَا أنّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وقد اعترض على هذا المذهب بقصَّة أَيوب في يمينه، وبتزوُّجِ موسى (إحدى المرأتين)، ولا يقول مالك بشيءٍ مِن ذلك. و(عن هذا) أجوبةٌ يطولُ ذكرُها، ليست مِن هذا العلم، سنذكرُها في غير هذا الكتاب إن شاء الله.
وهذه المعاني من الأصول لها مواضعُ يُتَقَصَّى الكلامُ فيها ويبين في غير هذا الكتاب - إن شاء الله - (فهيَ) أصلُ الفقه والدِّين، وعليها بنى الفقهاءُ مسائلَهم وفُتْياهم، وإنما اختلفوا في الفت يا على نحو اختلافهم في معاني الأُصول. فمعرفةُ الأُصول عليها العُمْدَةُ عندَ أهل الفهم والنظر. ومعرفةُ المسائلِ (بغير معرفة) الأُصولِ إنما هو للمقلدين الضعفاء في الأفهام.

﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلونَ مِن نسائِهم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
قال بعضُ العلماء: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه، كان الرَّجُلُ يُؤْلي(مِن) امرأتِه السَّنةَ والسنتيْن وأكثر، ولا تطلق عليه، فنسخَ اللهُ ذلك بأربعة أشهر، فإذا رافَعَته (إلى السلطان) استوفى له أربعة أشهر. فإن رجَع إلى الوطء، وإِلاّ طَلُقَت عليه واحدة.
ولا إيلاء على من حلف أَلاّ يطأ أقلَّ مِن أَربعةِ أشهر.
ولا تعدُّ الأبعةُ الأشهرُ إلاّ من (وقتِ تَرفَعُه إلى السلطان) إذا كانت يمينُه على غير الوطء (مما يمنع معه) الوطء.
(فإن كان) يمينه على الوطء بعينه فأجَلُهُ أربعةُ أشهر من يوم يمينه إذا رفعته إلى السلطان.
هذا كُلُّه مذهبُ مالك، وفيه اختلافٌ ليس هذا موضعَ ذكره.
وإيجابُ النّسخ بهذه الآية لما كانوا عليه مروي عن ابن عباس- رضي الله عنه -.

﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿والمطلَّقَاتُ يتربَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثَةَ قروء﴾.
قال قتادة: نُسِخَ منها التي لم يُدخل بها، لا عدَّة عليها، بقوله - جل وعز -: ﴿فَمَا لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩].
ونُسِخَ منها أيضاً التي يَئِست من المحيض، والتي لم تحض، والحامل، بقوله تعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِن المَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] إلى قوله: ﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
والأَحْسَنُ الأَوْلى: أن تكون آيةُ الأحزاب والطّلاق مُخَصِّصَتَيْنِ لآية البقرة مُبَيِّنَتَيْنِ لها، فلا يكونُ في الآية نسخٌ.
وتكون آيةُ البقرة مخصوصةً في المدخول بهنَّ من المطلَّقات ذوات الحيض - في وقت الطَّلاق - بيَّنَ (ذلك) آيةُ الأحزاب وآية الطلاق.
وقوله: ثَلاثةَ قُروء، يَدُلُّ على أن المراد ذواتُ الحيض- في وقت الطلاق - وقد تقدّم ذكْر هذا وبيانُه].

﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿الطَّلاَق مَرَّتان﴾ الآية:
هذا ناسخ لقوله: ﴿وَبُعولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني: في العدة، أو هي حامل.
قال ابن أَبي أُويس: كان الرَّجُلُ في أوّل الإِسلام يطلِّق زوجتَه ثلاثاً، وهي حُبلى، وهو أحقُّ برَجْعَتِها ما دامت في العدّة، فنسخ الله ذلك بقوله:﴿الطَّلاقُ مرَّتَان فإمساكٌ بِمَعروفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَان﴾.
وقال جماعةٌ من أهل المعاني: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه في الجاهلية (وفي) أَوَّل الإِسلام، كان (الرَّجُلُ يُطَلِّقُ) امرأته ما شاء مِن الطلاق، واحدةً بعد واحدة، فإذا كادت تحلّ مِن العدّة راجعها ما شاء، فنسخذلك من فعلهم بهذه الآية. والمعنى: آخرُ عدد الطلاق الذي يملك معه الرَّجعة تطليقتان.
وقد كان يجب ألاّ تذكرَ هذه الآيةُ في الناسخ والمنسوخ - على هذا القول -؛ لأنها لم تنسخ قرآناً. ويلزم ذكرُها - على القول الأول -.
وقد قيل: إنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَطلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: ١].
قال أبو محمد: وهذا قول بعيدٌ، بل الآيتان محكمتان في معنيين مختلفين، لا ينسخ أَحدُهما الآخرَ آيةُ البقرة ذكر الله فيها (بيانَ) عدد الطلاق، وآيةُ الطَّلاقِ ذكرَ الله فيها بيانَ وقتِ بالطَّلاق. فهما حُكْمان مختلفان معمولٌ بهما، لا ينسخ أَحدُهما الآخر لتبايُنِ معنييهما.
قوله تعالى: ﴿ولاَ يَحِلُّ لكُمْ أن تأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً إلاَّ أن يخافا ألا يُقِيما حُدودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية:
أدخل أبو عبيد هذه الآية في الناسخ والمنسوخ. وليست منه إنما هو استثناءٌ بحرفِ الاستثناء.
وقد قيل: إنه منسوخٌ بقوله: ﴿فإن طِبْنَ لَكُم عن شيءٍ منهُ نفسا فكلوه﴾ [النساء: ٤].
والأوْلى والأَحْسن: أن تكونَ الآيتان محكمتيْنِ في حكمين مختلفين، لا ينسخُ أَحدُهما الآخرَ:
آية البقرة في (منع) ما يأخذ الزَّوج من زوجتِه - على الإكراه والمضارة بها -.
وآية النساء في جواز ما يأخذ منها - على التطوُّع وطيب النفس من غير مضارَّة منه لها -.
فهما حكمان مختلفان.

﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿والوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَينِ كامِلَيْن﴾:
فأمر الله - جلّ ذكرُه - بالحولين.
ثم قال: ﴿فَإِنْ أرَادا فِصالاً عَن تَراضٍ منهُمَا وتَشَاوُرٍ، فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
فأباح (مع التَّشاور والرضا أن يفطما المولودَ قبل الحولين.
فنسخ (الله) الأول.
فذهب قوم إلى هذا.
(قال أبو محمد): ولا يجوز أن يكون فيه نسخٌ؛ لأنه تعالى قال أولا: ﴿لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعة﴾، فهو تخيير وليس بإلزام فلا نسخ فيه.
قوله تعالى: ﴿وعَلَى الوَارثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ [البقرة: ٢٣٣]:
روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: هذا منسوخٌ ولم يذكر ما نسخَه، ولا كيف كان الحكمُ المنسوخُ.
وتأويل ذلك فيما نرى - والله أَعلم -: أنه كان الحكم في الآية: أن على وارث المولود نفقَته إذا لم يكن له مال، ولا أب. وهو مذهب جماعة من العلماء، مِمَّن لم يرَ في الآية نسخاً، فنُسِخَ ذلك بالإِجماع على أن من مات وترك حَمْلاً، ولا مال للميت، أنه لا نفقة للحامل على وارث الحمل، وقد كانت النفقة تلزم الزوج لو كان حيّاً.
فكأنه كانت الإِشارةُ بذلك إلى النَّفقة، فصارت إلى ترك المضارَّة، وهو مذهب مالك المشهور عنه، أن الإِشارة في قوله: ["وعلى الوارثِ مثلُ ذلك" إلى ترك المضارَّة، وقد رواه عن مالك ابن وهب وأشهبُ. والنسخ بالإجماع لا يقول به مالك.
وقد قال جماعة من العلماء: الإِشارةُ] بذلك إلى النفقة، ولا نسخ في الآية.
واخْتُلِفَ في الوارث مَن هو؟
فقيل: هو وارث المولود لو مات.
وقيل: هو وارث الولاية على المولود. وهو الصواب - إن شاء الله -: يكون عليه من نفقة أُم المولود من مال المولود مثل (ما) كان على الأب، إن حَمَلْتَ الإِشارةَ على النفقة.
فإن حملْتَها على ترك المضارَّة كان معناه: وعلى وارث ولاية المولود أن لا يضارَّ بالأُم.
وكِلا القولين على هذا المعنى حَسَنٌ صواب.
ويجوز أن تَحْمِلَ الإِشارةَ بذلك على النَّفقة وعلى ترك المضارة جميعًا، أي على مَن يرثُ الولايةَ على المولود ترك مضارَّة الأم، وعليه النفقة عليها من مال المولود.
وقال السُّدِّي وقتادة: على وارث الطِّفل مثلُ الذي على الأب لو كان حيا (من النفقة) - وقاله الحسن -.
وفي "الوارث" ومعناه أقوال غيرُ هذا تركتُ ذِكرَها لضعفها.
والاختيار: أن يكون "الوارثُ" معناه: وارثُ الولاية على المولود - على ما قدَّمنا -.
ولا ينكر أن يسمى انتقال الوِلاية وراثةً، فقد قال زكريَّا - صلى الله عليه وسلم -:﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى ويَرِثُ مِن آلِ يعقُوب﴾ [مريم: ٦]، قيل معناه: يَرِثُ النبوَّة لا المال.
وقد قيل: معنى الآية: وعلى الصبيِّ المولود - وهو وارث الأب -نفقة أُمِّه من ماله إن كان له مال، ولم يكن له أب - وهو اختيار الطبري، وهو قول الضّحاك -.
فالوارثُ - على هذا القول -: اسم المولود. لأنه وارثُ الزَّوج - وهو الأب الميِّتُ، والدُه - وهو قولٌ حسن.
وعن ابن عباس في معنى ذلك: وعلى وارث الصَّبيِّ من أجر الرضاع مثلُ ما كان على أبيه إن لم يكن للصَّبىِّ مال.
وقال قتادةُ: على ورثة الصَّبِيِّ أن ينفقوا عليه على قدر ميراثِ كُلِّ واحدٍمنهم. وبه قال أَهلُ العراق.
فالآية محكمةٌ عندهم.

﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿والذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُم ويَذَرُونَ أَزوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن أربعة أَشْهُرٍ وعَشْراً﴾.
أكثرُ العلماء على أن الآيةَ ناسخةٌ للآية التي بعدها، وهي قوله:﴿والذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزواجاً وصيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠].
فَأَوجَبَت هذه الآيةُ للمتوفى عنها زوجُها أن يُنْفِقَ عليها سنةً من مال المتوفى، وتسكنَ سنةً ما لم تخرج وتتزوج.
ثم نُسِخَت النفقة بآيةِ المواريث في النساء، وبقوله - عليه السلام -:"لاَ وَصِيَّةَ لِوارث" ونُسِخَ الحولُ بأربعةِ أشهرٍ وعشراً.
وذكر ابنُ حبيب أن الحرَّةَ (كانت) إذا توفِّيَ عنها زوجُها خُيِّرت إن شاءت أن تقيمَ في بيتِ زوجها وينفق عليها من ماله سنة فإن أَبَت إلا الخروج لم يكن لها شيءٌ (من) ماله فَنُسِخَ ذلك بالمواريث في النساء.
وهذا مما تَقَدَّم الناسخُ فيه على المنسوخ في رُتبةِ التَّأليف للقرآن، وحق الناسخ في النّظر أن يأتيَ بعد المنسوخ: لأَن الناسخَ ثانٍ أبداً، والمنسوخ متقدم أبداً.
وإنما استُغْرِبَ هذا؛ (لأنه) في سورةٍ واحدةٍ، ولو كان في سورتين لم يُنْكَر أن يكونَ الناسخُ في الترتيبِ قبلَ المنسوخ، فهو كثيرٌ من سورتين، لأن السورةَ لم تُؤَلَّف في التَّقديم والتأخير على النزول، أَلا ترى أنّ كثيرا من المكِّيِّ بعد المدني، والمكيُّ نزل أولاً.
وإنّما (حُكِمَ في) هذا بأن الأَوَّلَ نسخ الثاني دونَ أن ينسخَ الثاني الأول على رتبة الناسخ والمنسوخ بالإِجماع (على أَنَّ) المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتدَّ سنةً، وأَنَّ عِدَّتَها أربعةُ أَشهرٍ وعشراً، ولحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: "إنَّما هيَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَعَرَة عند رأس الحول". فبيَّن أن الحولَ أمرٌ كانفي الجاهليَّة وأن العِدَّةَ في الإِسلام أربعةُ أشهرٍ وعشر، والنبي - عليه السلام -. يبيّن القرآن فقد بيَّنه، فَعُلِمَ أن الأولَ ناسخٌ للثاني وعُلِمَ أن الأُولى في التلاوة نزلت بعد الثانية ناسخةً لها.
وقد قيل: إنَّ هذا ليس بنسخ؛ وإنما هو نقصانٌ من الحول لم ينسخ الحولُ كُلُّه إنما نقص منه.
ويلزم قائلَ هذا أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿وإن يكُن مِنكُم مائةٌ صابرة يغلبوا مائتين﴾ ليس بناسخٍ لما قبلَه إنما هو نقصانٌ مما قبلَه.
وكونُه منسوخاً أَبينُ في المعنى وعليه أَكثرُ العلماء؛ لأنه إزالةُ حكم ووضع حُكْمٍ آخرَ مَوْضِعَه مُنْفَصلٍ منه. وقد قال ابنُ مسعود: إنَّ قولَه:﴿يَتَرَبَّصْنَ بأَنفُسِهِنَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشراً﴾ نُسِخَ منها الحواملُ بقولِه:﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والذي عليه أهلُ النَّظر أنه تخصيص وبيانٌ بأَنَّ آيةَ البقرةِ في غيرِ الحواملِ والمعنى: ويذرون أزواجا غير حوامل يتربصْنَ بعدهم أربعة أشهرٍ وعشراً.

﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿إلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾:
أكثرُ النَّاس على أنه محكَمٌ أباح به التعريضَ بالنكاح للمعتدَّة.
وقال ابنُ زيد: هو منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتّى يبلغ الكتاب أَجَلَه﴾ [البقرة: ٢٣٥]. فمنع من التعريض وغيره في العِدَّة.

﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾:
أمر الله في هذه الآية بالمتعة على مَن طلَّق قبلَ الدخول ولم يَفْرِض. قال ابنُ المسَيِّب: كانت المتعةُ واجبةً لمن لم يُدخَل بها من النساء، بقوله في الأحزاب: ﴿فَمَتِّعوهُنَّ وسَرِّحوهنَّ سراحاً جَميلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وبقوله في هذه السُّورة: ﴿ومَتِّعوهُنَّ على المُوسِعِ قَدَرُهُ، وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. فنسخذلك بقوله: ﴿وإن طَلَّقْتُموهُنَّ مِن قَبْلِ أن تمسُّوهُنَّ وقَد فَرَضْتُم لَهُنَّ فريضة فنصف ما فَرَضتُم﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وعنه أيضاً أنه قال: كانت المتعَةُ واجبةً بالآية التي في الأحزاب قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سراحاً جَمِيلاً﴾، قال: ثُمَّ نَسَخَها بالآية التي في البقرة، قولُه: ﴿حقَّاً على المُحْسِنين﴾، ولم يقل عليكُم ولا واجبٌ عليكم.
قال أبو محمد: ويلزَمُ من قالَ بهذا القولِ أن يكونَ المنسوخُ منها التي قد فُرض لها خاصة، وتكون التي لم يُفرَض لها باقيةً على حكم إيجاب المتعة؛ لأنه قال في الآية النَّاسِخة: ﴿وقد فَرَضْتُم لَهنَّ فريضةً﴾، فإذا كانت المطلقة قبلَ الدَّخولِ بها لم يُفْرَض لها شيءٌ، فهي باقيةٌ على حكم الآية الأُولى في إيجابِ المتعة - وهو قولُ ابنِ عباس وجماعةٍ من الفقهاء -.
لكن إيجابَ ذلك على المتقين وعلى المحسنين دونَ غيرِهم يدلُّ على أنه ندبٌ غيرُ فرض؛ إذ لم يقُل حقاً عليكم (وإذ لم يأت بتحديد ما يمتّع)به في كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ. فالنَّدبُ أولى به؛ (إذ) لا يعلم قدره.
وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: المتعةُ واجبةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقةٍ - وبه قال الحسنُ وابنُ جبيرٍ والضَّحاك -.
وقال شُريح: المتعةُ: نَدَبَ الله إلى فعلِها عبادَه: قال: ولو كانت واجبة لم تجب على المحسنين وعلى المتقين دونَ غيرِهم، ولكان يقول: حقاً عليكُم. وكان شُرَيح يقول: مَتِّعْ إن كنتَ من المحسنين. ألا تحبُّ أنتكون من المتقين.
وهذا القول هو الاختيارُ وهو مذهب مالك.
وأكثرُ الفقهاء يأمر مَن عقَدَ النِّكاحَ على التعريض ولم يفرض وطلق قبل الدخول بالمتعة، ولا يحكُم عليه بها.
ويكونُ قولُه تعالى في الأحزاب: ﴿فَمَتِّعوهُنَّ﴾، على الندب بدلالة آية البقرة في قوله: ["على المحسنين"، "وعلى المتقين"]؛ وبدَلالة (أنها غيرُ محدودةٍ) "ولا مُقَدَّرةٍ"، من كتاب الله ولا من سُنَّةِ رسول الله ولا مِن إجماع.
فَمَن مَتَّعَ بدرهمٍ فأقل وَجَبَ له اسمُ (الإِمتاع)، وكذلك مَنْ متعب ألف مثقال.
وليس لهذا في الفروض نظيرٌ يُحْمَل عليه. فهو بالنَّدْبِ أولى مِنه بالفرض. وهو قولُ عامَّة الفقهاء والصَّحابة والتابعين إلا اليسير (منهم).
وقد أجمعوا على أن المطلَّقَةَ قبلَ الدخول لا تَضْرِبُ مع الغرماء بالمتعة كان قد فرض لها أو لم يفرض، وتضربُ معَهُم بنصفِ ما فُرِض لها. فدل ذلك على أن المتعةَ غيرُ واجبةٍ.
وليس قول من احتجَّ بأن سورةَ الأحزاب نزلَت بعد البقرة فلا ينسخ ما في البقرة ما (في) الأحزاب بشيءٍ، لأنه لا يَدّعي أَحدٌ أن البقرةَ كلها نزلت بعد الأحزاب. بل نزلَ منها (شيءٌ) قبل الأحزاب وبعدَها.
فقد قال ابنُ عباسٍ وعمرُ بن عبدِ العزيز: آخرُ (آيةٍ) نزلت:﴿واتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١].
(وقال) عمرٌ - رضي الله عنه -: آخر (ما نزل) آية الرِّبا.
ورُوِيَ أن قولَه: ﴿واتَّقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى الله﴾ نزل قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث ساعات، فقال: اجعلوها بعد ثمانين ومائتين من البقرة. فهذا يَدُلُّ على أنَّ أشياءَ من البقرة نزلت بعد الأحزاب. ولستا نعيّن شيئاً من ذلك إلا برواية صحيحة.
فلا حُجَّةَ في أن الأحزابَ نزلت بعد البقرة.
وعن ابن عباس: أَنَّ المتعةَ واجبةٌ للتي طُلِّقَت قبل الدخول ولم يُفْرَضلها. وبه قال العراقيون غيرَ أَنَّهم حدّوا (ما تُمَتَّع به)، فقالوا: إذا طلَّق قبل الدخول ولم يفرض لها، مَتَّعَها بمثل نصف صَداق مثلها.

آية رقم ٢٣٨
﴿ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانتين﴾.
[تواترت الأخبارُ عن عائشةُ - رضي الله عنها - أنها قرأت: والصلاة الوسطى] وصلاة العصر.
فقال بعضُ العلماء: إن هذا مما نُسِخَ من التِّلاوة وبقي حفظُه في القلوب.
وقيل: هي قراءةٌ على التفسير، وهذا إنما يَصِحُّ بحذف الواو من"وصلاة العصر".
وهذا كُلُّه صحَّ فإنما نَسَخَهُ الإِجماعُ على ما في المصحف، لأنَّه لا يزاد فيه شيءٌ يخالف خَطَّه.
وقد رُوِيَ عن البراء بن عازب أن قال: كُنَّا نقرأُ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قال): ثم إنَّ الله نسخَها بقوله: ﴿حَافِظُوا على الصلوات والصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾.
فمَن قال: الوسطى: صلاةُ العصر، قال: كان لها إسمان نُسِخَ أحدهما بالآخر.
ومن قال: الوسطى غيرُ صلاة العصر، لم يجعل لِلعصر إلا اسماً واحد انسخ بصلاةٍ أخرى.
والوسطى - عند مالك - صَلاة الصُّبْح لأنها بين صلاتين من الليل وصلاتين من النهار، ولأنها أَفضَلُ الصلوات الخمس (بدلائل) قد ذكرناها في غير هذا. وفيها اختلافٌ كثيرٌ قد ذكرناه في غير هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]:
قال بعضُ العلماء: هذا ناسخٌ لما كانوا عليه من الكلام في الصلاة للنوائب، وردِّ السلام، وتشميتِ العاطس في الخُطبة، والأمرِ بقضاء الحوائج، ونُسِخَ النَّفْخُ في الصلاة بما نُسِخَ به الكلامُ أيضاً، وكذلك، التَّنَحْنُحُ.
وقد رُوِيَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهُما في الصَّلاةِ قبلَ نسخ الكلام في الصلاة، ثم نُسِخا بما نُسِخَ به الكلامُ.
قال أبو محمد: وقد كان يجبُ ألا يُذْكَر هذا؛ (لأنه) لم ينسخ قرآنا، إنما نسخ أمراً كانوا عليه بغيرِ إباحةٍ من الله (ورسولِه) (لَهم)، ولا نهى عنه. والقرآنُ كُلُّه على هذا المعنى (نزل).
وأصلُ القنوت: الطاعة، فالواجبُ حملُه على أصله، ويكون معناه: الأمر باطاعة لله على كل حال لا يخص صلاة دون غيرها.
ويكونُ تركُ الكلام في الصَّلاة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاتهِ بهم أكثر ما أقام بينَهُم، فهو من التَّواتر المقطوع على تغييبه.
فَمَن قال (نُسِخَ الكلامُ في الصلاة بقوله: ﴿وقُومُوا لله قَانِتِين﴾قال): نُسِخَ ذلك في المدينة.
ومَن قال: نُسِخَ (ذلك) بالسُّنَّة، قال: نُسِخَ الكلامُ في الصَّلاة بمكة - وهو مذهبُ الشافعي -.

﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ من معروف﴾:
ذكر ابنُ حبيبٍ أن قولَه تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أنفسهن مِن مَعْرُوف﴾: منسوخٌ بقولِه: ﴿والذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُم ويَذَرُونَ أزواجًا يتربصن بِأَنفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] فصار التربُّصُ عزيمةً لا خيار لهن في ذلك، وكُنَّ في السُّنَّةِ مُخَيَّرات.

الآيات من ٢٤١ إلى ٢٥٥
ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ الآية:
هذه الآيةُ عند جماعةٍ منسوخةٌ بقوله: ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِد الكفار والمنافقين واغلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، جعلوها عامَّة، فلم يرضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -بعدَ نزولها من العربِ إِلاَّ بالإِسلام وإكراهِهِمْ عليه.
وقد رُوِيَ عن عمرَ أَنه عَرَض على مملوك له الإِسلامَ فأَبى فتركه ولم يكْرِهْهُ، فهي - على هذا القول - محكمة.
وقد قيلَ: إن الآيةَ مخصوصةٌ نزلت في أهل الكتابِ ألاَّ يُكْرَهوا إذا أدوا الجزية، ودلَّ على أنها في أَهلِ الكتاب قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِد الكفار والمنافقين﴾ [التوبة: ٧٣] ولم يذكُرْ (أهلاً لِكتاب).
ودلَّ على ذلك أيضاً قولُه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَلاَ باليوم الآخر ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّم اللهُ ورسولُه ولاَ يَدِينونَ دينَ الحقِّ مِن الذِينَ أوتوا الكتاب حتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرون﴾ [التوبة: ٢٩]. فقد مَنع من قتالهم وإكراهِهم إذا أَعطَوا الجزيةَ.
وقال ابنُ عباس: الآيةُ محكمةٌ مخضوضةٌ نزلت في أبناء الأنصار، وذلك أن الأنصارَ كان تتزوجُ في اليهودِ بني النضير، وكانت المرأةُ منهم تجعل على نفسِها إن عاشَ لها ولد أَن يُهَوِّدوه، فلما أجْلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني النضير، وأَخرجَهم من جزيرة العرب، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءَنا، فأَنزَل الله: لا إكراه في الدين، فكان مَن (شاء لحق) بأبيه، ومَن شاء لَم يلْحَق.
وقال الشعبي: نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصار كانوا يهودون أبناءهم قبل الإِسلام، إذ لا يعلَمون ديناً أفضلَ من اليهوديَّةِ، فلمَّا أتى الله بالإِسلام وأسلَم الآباءُ أرادوا أن يُكْرِهوا أبناءَهم على الإِسلام، فأنزل اللهُ:﴿لاَ إكراهَ فِي الدِّين﴾.
وقال أبو عبيد: وَجْهُها عندي أن تكون لأَهل الذِّمَّة، يعني لا يكرهون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجزية.
فالآية محكمة على هذه الأقوال. وهو الأظهر فيها والأولى.

الآيات من ٢٥٧ إلى ٢٧٩
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.

﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال جماعة: هذه الآيةُ ناسخةٌ لما كانوا عليه من بيع المعسِر فيما عليه من الدَّيْن، وروي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر أعرابياً ببيعِ رجلٍ معسرٍ (كان له عنده دين) فأقبل الناس يَسومونَه فيه، وقالوا: نريد أن نفديَهُ منك، فقال: والله ما مِنكُم من أحدٍ أحوجَ إلى الله (مني) اذهبْ فقد أَعْتَقْتُك.
ورويَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حدّث أن الخضر سأله مكاتَبٌ في صدقة، وحلَّفه بوجه الله، فأعطاه نفسه إعظاماً لوجه الله فباعه المكاتَب بأربع مائة درهم، (ثم أقام) مدَّةً مملوكاً حتى أعتقه مشتريه في قصّة طويلة ذكرنا بعضها على المعنى - والله أعلم بصحة ذلك -.
قال أبو محمد: وقد كان يَجبُ ألاَّ تذكرَ هذه الآيةُ في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها لم تنسخ قرآناً، ولا سُنَّةً ثَبَتت. إنما نَسَخَت فِعلاً كانوا عليه بغير أمرٍ مِن الله. والقرآنُ كُلُّه (أو أكثرُه) على هذا، نَقَلهُمْ حكمه عما كانوا عليه. وقد قال شريح: الآيةُ في الربا خاصة.
والذي عليه جماعةُ العلماء أنها عامةٌ محكمةٌ فِي كُلِّ مُعْسِرٍ عليه دين من ربا (وغيره)، يُنْظَرُ بالدَّيْنِ إلى يُسْره.

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مسمى فاكتبوه﴾.
أَمر اللهُ - جلَّ ذِكْرُه - في هذه الآية بكتابِ الدَّيْنِ للتَّوَثُّق من الذي عليه الدَّيْن لئلا يجحدَ أو يموت.
وقال بعد ذلك: ﴿وأَشْهِدوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، فأَمرَ بالإِشهادِ أَمراً عاماً.
وقال: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِه﴾، فأَكَّدَ إيجابَ ذلكَ عَلَيهم.
ثم نَسَخَ ذلك وخَفَّفَه بقولِه: ﴿فإِنْ أَمِنَ بَعضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَه﴾ [البقرة: ٢٨٣] - وهذا قولُ أبي سعيد الخدري والحسن وابن زيد والحكم والشعبي ومالك وجماعةٍ من العلماء -.
فيكونُ هذا - على هذا القول - مِمَّا نُسِخَ فرضُه بغيرِ فرض. بل نحن مخيرون في فعل الأوّلِ وتركِه، مَن شاءَ كَتَب (ومَن شاءَ لم يَكتُب) ومن شاء أشْهَد، ومن شاء لم يُشْهد.
وقال مالكٌ وغيرُه: هو نَدْبٌ وإرشَادٌ لا فرضٌ. فلا نسخَ فيه - على هذا القول -.
لكن يحتاجُ هذا القولُ إلى دليلٍ يُخْرِجُ لفظَ الأمرِ إلى معنى الإرشاد والندب، وإلاَّ فالكلام على (ظاهره أمر) حتم. والذي يدل على أنه ندب غير حتم، قولُه: ﴿فإن أَمِنَ بَعْضُكُم بعضاً فَلْيؤدِّ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية، وقولُه: ﴿وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] - ولم يقل أَحلَّه ببيِّنة -. وحملُه على الإِرشاد والند بقول أكثر العلماء وهو الصواب - إن شاء الله -.
قال ابن شعبان. الأمر بالإِشهاد منسوخ بقوله: ﴿وأَحَلَّ الله البيعَ﴾، ولم يذكر معَه إشهاداً.
ويدلُّ على أن الإِشهادَ ليس بفرضٍ إِجماعُ العلماء أنَّ مَن ادّعى على رجل دَيْناً وقال لم أُشْهِد عليه، أنه يُحكَمُ له عليه باليمين إذا أنكر. فلو كان الإشهاد فرضاً لم يُحْكَم له عليه باليمين؛ لأنه ترك الفرضَ الذي لزمَه وأتى بدعوى فدلَّ ذلك على إجازةِ البيع بغيرِ إشهاد.
ولو كان البيعُ لا يجوز إلاَّ بإشهاد لانفسخت كُلُّ صفقةٍ تُعْقَد بلا إشهاد، لأنهما عقدا على ما لا يَحِلّ إن كانَ الإِشهادُ فرضاً.
فدلَّ ذلكَ على أَنَّه ندبٌ غيرُ حَتْم.
وقالت طائفةٌ مِن العلماء: الآيةُ مُحْكَمةٌ. والإِشهادُ والكتابُ فرض وعلى مَنْ له دَيْنٌ أن يَكْتُبَه إذا وجد كاتباً، قالوا: وَقَولُه: ﴿فَإِن أمن بعضكم بَعضاً﴾ - الآية - إنما ذلك عِندَ عَدَمِ الكاتب والشُّهودِ في السَّفر- وهو قولٌ رُوِيَ عن ابن عمر وابن عبّاس وأبي موسى الأشعري وابن سيرين وأبي قلابة والضَّحاك وجابر بن زيد ومجاهد -.
وقد قال عطاء: أَشْهِدْ إذا بِعْت (أو اشتريت) بدرهم أو بنصف درهم، أو بثُلُثِ درهم - ومثلُه عن الشعبي، وإلى هذا القول ذهب داود، وبه قال الطَّبري - يريدون إذا كانَ التَّبايُع بدَيْنٍ في الثمن أو في المثمن -واستدلّوا على ذلك بأَنَّ الله تعالى قد جعل عِوَض الشُّهود أخذَ الرهن إذا عدم الكاتب والشهودُ، (أو الكتابُ) والشاهدُ.
ثم ذكرَ الأمانةَ (بعد عدم) الشاهد والكاتب، فيتركُ أخذَ الرهن ويأتمنه على مَالَهُ عليه. وإِنَّما الأمانة عندَ عدَم (الكاتِب والشَّاهد).
والعفوُ عن أخذ الرَّهن (إذ لا يجد معه رهناً).
والإِشهادُ واجبٌ إذا وجدَ الكاتب والشهودَ أو الشهودَ فقط.
وقال بعضُهم: الآيةُ على الأمر حتى يأتيَ ما يَدُلُّ على أنها ندب وإرشاد. وقد ذكرنا ما يدلُّ على ذلك.
قال أبو محمد: وهذا المذهبُ فيه حَرَجٌ عظيم وضيقٌ يحتاج الشيخ الكبيرُ والعجوزُ الضعيفةُ القليلةُ الحيلةِ وغيرُهم إذا اشتروا أو باعوا في النهار عشرَ مرات فأكثر بثُلث درهم (وبنصف) درهم أن يُشْهِدوا في كل مرَّة إذا لم يقبضوا ما اشتروا في الوقت أو باعوا، وقد قال الله - جل ذكره -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَج﴾ [الحج: ٧٨] فنفى فرضَ ما فيه الحرج، وهذا مِن أَعظَمِ الحَرَج.
وقد قال قومٌ: إنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على جوازِ التَّبايُعِ إلى أجل عامة فتدل على جواز السَّلَم في كل شيءٍ فهي ناسخة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عندَك، إذ السَّلَمُ: هو بيعُ ما ليسَ عِندَك.
وقال آخرون: الحديثُ مخصوصٌ في غيرِ السَّلَم بإجازةِ النبي - صلى الله عليه وسلم -(السَّلَمَ) في الشيء المعلومِ إلى أجلٍ معلوم. [فالمعنى: أنه نهى عن بيع ما ليس عندَك مما ليس بسَلَم في شيءٍ معلومٍ إلى أجل معلوم]. فالحديث مخصوصٌ محكم والآية محكمةٌ على النَّدب.

﴿ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿وإِن تُبدوا ما فِي أَنفُسِكُم أو تُخْفُوهُ يحاسبكم به الله﴾:
قال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ (بقوله): ﴿لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال ابن مسعود: وعن أَحدِهما أيضاً أنه قال: هي محكمةٌ لا منسوخةٌ، وأن الله يحاسبُ كُلَّ نفسٍ بما أخفت فيغفرُ للمؤمن ويعاقب الكافرَ، وهو قوله: ﴿فيغفرُ لِمن يَشَاء﴾ (وهو المؤمن)﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاء﴾. - وهو الكافر - وهذا قولٌ حسن.
وعن ابن عباسٍ أيضاً أنه قال: الآيةُ مخصوصةٌ محكمةٌ نَزَلَت فيكِتمان الشَّهادةِ خاصةً. ودلَّ على ذلك تَقَدُّمُ ذكر الشهادة والأَمرُ بترك كتمانها وأدائها - وهو قولُ عكرمة - فهذا أيضاً قولٌ صالح.

تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

61 مقطع من التفسير