تفسير سورة طه

اللباب
تفسير سورة سورة طه من كتاب اللباب في علوم الكتاب المعروف بـاللباب .
لمؤلفه ابن عادل الحنبلي . المتوفي سنة 775 هـ
سورة طه١
( مكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية، وعدد كلماتها ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، وعدد حروفها آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا )٢.
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أعطيت السورة التي ذُكرت فيها البقرة من الذّكر الأول٣، وأُعطيت طه والطواسين ( من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتم السورة التي ذُكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة " ٤ ).
١ في ب: تفسيره سورة طه عليه السلام..
٢ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه : بسم الله الرحمن الرحيم..
٣ الأول: سقط من ب..
٤ انظر البغوي ٥/٤٠٨..

عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين (من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة "). (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَتِ الرَّحِيمِ). قوله تعالى: «طَهَ» قرأ أبو عرمو بفتح الطاء وكسر الهاء، وكسرهما جميعاً حمزة والكسائي وأبو بكر والباقون بفتحهما. قال الزجاج: وتقرأ «طَهْ» بفتح الطاء وسكون الهاء، وكلها لغات. قال الزجاج: من فتح
164
الطاء والهاء، فأن ما قبل الألف مفتوح. ومن كسر الطاء والهاء أمال إلى الكسر، لأن الحرف مقصور، والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسر.

فصل


قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة أول الكتاب، وفي هذه، وفي هنا قولان، الصحيح أنها من ذلك.
وقيل: إنه مفيد. فقال الثعلبي: «طَا» شجرة طوبى «والهاء» الهاوية. فكأنه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. وقيل: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة.
وقيل: (الطاء) تسعة في الحساب، و (الهاء) خمسة يكون أربعة عشر، ومعناه يا أيها البدر، وقيل غير ذلك.

فصل


قيل: كعنى (طَهَ) يا رَجُل، وهو مرويّ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير، وقتادة، وعكرمة، والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير: بالنبطية، وقال قتادة: بالسريانية، (وقال عكرمة) : بالحبشية، وقال الكلبي: بلغة عك، وقيل: عُكْلٌ، وهي لغة يمانية.
وقال الكلبي: إنك لو قلت في عَك، يا رَجُل لم تجب حتى تقول: طَهَ.
وقال الطَّبَري: طَهَ في عك بمعنى يا رجل، وأنشد قولَ شاعرهم:
165
وقول الآخر:
٣٦٣٧ - دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوَائِلاَ
٣٦٣٨ - إنَّ السَّفَاهَةَ طَهَ فِي خَلائِقِكُمْ لاَ قَدَّسَ اللهُ أرْوَاحَ المَلاَعِينِ
قال الزمخشري: وأثر الصنعة ظاهر في البيت المستشهد به.
وقال السُّدِّي: معناه يا فلان. وقال الزمخشري أيضاً: ولعل عكَّا تصرفوا في «يَا هَذَا» كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يَا هَذَا) : طَا هَذَا، واختصروا (هذا) (فاقْتَصَرُوا عَلَى هَا).
فكأنَّه قيل في الآية الكريمة: يَا هَذَا، وفيه بُعْدٌ كبير. واعترض عليه بعضهم فقال: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طَاهَا.
قال أبُو حيَّان: ثم تخرص وحرز على عَكَّ ما لم يقله نحوي، وهو أنهم يقلبون «ياء» التي للنداء (طاء)، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على (ها) التي للتنبيه وقيل: (طَهَ) أصله: طأها بهمزة، (طَأْ) أمر، من وطئ يطأ، و (ها) ضمير مفعول يعوج على الرض، ثم أبدل الهمزة لسكونها ألفاً ولم يحذفها في الأمر نظراً إلى أصلها، أي: طأ الأرض بقدميْكَ، وقد جاء في الحديث: «أنَّهُ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاه» وقرأ الحسن، وعكرمة، وأبو حنيفة، وورش في اختياره «
166
طه» بإسقاط الألف بعد الطاء، و (هاء) ساكنة وفيها وجهان:
أحدهما: أن الأصل (طأ) بالهمزة، أمراً أيضاً من وَطِئ يَطَأ، ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم لها في: هرقت، وهرحت، وهنرت، والأصل: أرقت، وأرحت، وأنرت.
والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفاً، كأنه أخذه من وطئ يطأ بالبدل كقوله:
٣٦٣٩ -....................................... لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ
ثم حذف الألف حملاً للأمر على المجزوم، وتناسباً لأصل الهمز ثم ألحق هاء السكت، وأجرى الوصل مجرى الوقف وقد تقدم في أول يونس الكلام على إمالة «طا» و «ها». قوله: «أنْزَلْنَا» هذه قراءة العامة.
وقرأ طلحة: «مَا نُزِّلَ» مبنياً للمفعول «القُرْآن» رفع لقيامه مقام فاعله.
وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة إن جعلت «طَهَ» تعديداً لأسماء الحروف. ويجوز أن تكون خبراً ل (طَهَ) إن جعلتها اسماً للسورة، ويكون القرآن ظاهراً واقعاً موقع المضمر؛ لأنَّ (طه) قرآن أيضاً، ويجوز أن تكون (جواب قسم) إنْ جعلت (طَهَ) مقسماً به. وقد تقدَّم تفصيل ذلك.
167

فصل


قال الكلبي: لمَّا أنزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ [طه: ٢].
وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا: إنَّك لتشقى حين تركت دين آبائك أي: لتتعنَّى وتَتْعَب وما أنزل عليك القرآن يا محمد لشقائك، فنزلت: «مَا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى». وأصلُ الشقاء في اللغة العناء.
وقيل المعنى: إنَّك لاَ ترم على كفر قومك كقوله: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ» وقوله ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، أي: إنك لا تؤاخذ بذنبهم.
وقيل: إنَّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وكان عليه السلام في ذلك الوقت مقهوراً تحت ذل الأعداء، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنَّك تبقى أبداً على هذه الحالة، بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيًّا فيما بينهم بل لتصير معظماً مكرماً.
قوله: «إِلاَّ تَذْكِرَةً» في نصبه أوجه:
أحدها: أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك «لِتَشْقَى» علة له أيضاً، ووجب مجيئ الأول مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاته شريطة الانتصاب على الفمعولية.
والثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه، لاستجماعه الشرائط هذا كلام
168
الزمخشري، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تقول: «مَا أنْزَلْنَا أنْ تَشْقَى»، كقوله: «أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم» قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في «وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه»، وأما النصبةُ في «تَذْكِرَةً» فهي كالتي في ضربت زيداً، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها.
قال شهاب الدين: قد منع أبو البقاء أن يكون «تَذْكِرَةً»، مفعولاً له ل «أنْزَلْنَا» المذكورة لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو «لِتَشْقَى» فلا تتعدى إلى آخر من جنسه.
وهذا المنع ليس بشيء، لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا بناءً منه على أنه لا يقتضي العامل من هذه الفضلات إلا شيئاً واحداً إلا بالبدلية أو العطف.
الثاني: أن تكون «تَذْكِرَةٌ» بدلاً من محل «لِتَشْقَى» وهو رأي الزجاج، وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر، ورده الفارسي، بأن التذكرة ليست بشقاء وهو
169
رد واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال: فإن قلت هل يجوز أن تكون «تَذْكِرَةً» بدلاً من محل «لِتَشْقَى» ؟ قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلاَّ) إلا بمعنى (لكن).
قال أبو حيان: يعني باختلاف الجنسين أن نصبه «تَذْكِرَةُ» نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي تكون في «لِتَشْقَى» بعد نزع الخافض نصبة عارضة، والذي نقول إنه ليس له محل ألبتة فيتوهم البدل منه.
قال شهاب الدين: ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما نقل عن الفارسي رداً على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبتين في ذلك.
الثالث: أن يكون نصباً على الاستثناء المنقطع أي: لَكِنْ أَنْزَلْنَا تَذْكِرَةً.
الرابع: أنه مصدر مؤكد لفاعل مقدر، أي: لكن ذكرنا، أو تذكرتَه أنت تذكرةً.
وقيل التقدير: مَا أنْزَلْنَا عَلَيكَ القرآن لتحملَ متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة، كما يقال: (مَا شَافَهْنَاكَ بِهَذَا الكلامَ لِتَتَأَذَّى إِلاَّ ليَعْتَبِر بكَ غَيْركَ).
الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي إلا مُذَكِّراً.
السادس: أنه بدل من القرآن، ويكون القرآن هو التذكرة. قاله الحوفي.
السابع: أنه مفعول له أيضاً، ولكن العامل فيه «لِتَشْقَى»، ويكون المعنى كما قال
170
الزمخشري: إنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القرآنَ لِتتحمَّلَ متاعب التبليغ، ومقاومة العتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاق، وتكاليف النبوة وما أنزلنا هذا الْمُتْعِب الشاق إلاَّ ليكون تَذْكِرَةً. وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون تَذْكِرَةً حالاً ومفعولاً له. انتهى.
فإن قيل: من أين أخذت أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أن العامل فيه «لِتَشْقَى»، وما المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال؟
فالجواب: أن هذا الوجه قد تقدَّم له في قوله: وكل واحد من «لِتَشْقَى»، و «تَذْكِرَةً» علة للفعل، وأيضاً فإن تفسيره للمعنى المذكور منصَبٌّ على تسلط «لِتَشْقَى» على «تَذْكِرَةً» إلا أنَّ أبا البقاء لما لم يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل «لِتَشْقَى» في «تَذْكِرَةً»، فقال: ولا يصح أن يعمل فيها «لِتَشْقَى» لفساد المعنى وجوابه: ما تقدَّم.
(ولا غرو في تسمية التعب شقاءً)، قال الزمخشري: والشقاء يجيء في معنى التعب، ومنه المثل: أتْعَبُ مِنْ رَائِضِ مُهْرٍ، وأشْقَى من رائضِ مُهْرٍ.
و «لِمَنْ يَخْشَى» متصل ب «تَذْكِرَةًُ» وزيدت اللام في المفعول، تقوية للعامل لكونه فعلاً. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «تَذْكِرة».
171
وخصَّ مَنْ يَخْشَى بالتذكر، لأنهم المنتفعون بها، كقوله: «هُدًى لِلْمُتَّقين».
قوله: «تَنْزِيلاً» في نصبه أوجه:
أحدها: أن يكون بدلاً من «تَذْكِرَةً» إذا جعل حالاً لا إذا كان مفعولاً، لأن الشيء لا يعلِّلُ بنفسه، لأنه يصير التقدير: مَا أنْزَلْنَا القرآنَ إِلاَّ لِلتَّنْزِيل.
الثاني: أن ينتصب ب «نزل» مضمراً.
الثالث: أن ينتصب ب «أنْزَلْنَا»، لأن معنى ما أنْزَلْنَا إلاَّ تذكرة: أنْزَلْنَاهُ تَذْكِرَةً.
الرابع: أن ينتصب على المدح والاختصاص.
الخامس: أن ينتصب ب «يَخْشَى» مفعولاً به، أي أنزلناه للتذكرة لِمَنْ يَخْشَى تنزيلَ الله، وهو معنى حسن وإعراب بيِّن. قال أبو حيان: والأحسن ما قدَّمناه أولاً من أنَّه منصوب ب «نَزَل» مضمرةً، وما ذكره الزمخشري من نصبه على غيره فمتكلف: أما الأول ففيه جعل «تَذْكِرَةً» و «تَنْزِيلاً» حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس. وأيضاً فمدلول «تَذْكِرَةً» ليس مدلولاً «تَنْزِيلاً»، ولا «تَنْزِيلاً» بعض «تّذْكِرَةً» فإن كان بدلاً فيكون بدلَ
172
اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة، وغيرها. وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنْزَلناهُ تَذْكِرَةً، فليس كذلك، لأن معنى الحصر يفوت في قوله: «أنزلناه تذكرةً. وأما نصبه على المدح فبعيد.
وأمَّا نصبه على»
يَخشَى «ففي غاية البُعد، لأن» يَخْشَى «رأس آية وفاصلة فلا يناسب أن يكون» تَنْزِيلاً «منصوباً ب» يَخْشَى «، وقوله: وهو معنى حسن وإعراب بيِّن عجمة وبُعْدٌ عن إدراك الفصاحة. قال شهاب الدين: ويكفيه رد الشيء الواضح من غير دليل ونسبة هذا الرجل إلى عدم الفصاحة ووجود العجمة.
قوله:»
مِمَّنْ خَلَقَ «. يجوز في (مِنْ) أن يتعلق ب» تَنْزِيلاً «، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل» تَنْزِيلاً «.
وفي»
خَلَقَ « (التفات) من تكلُّم في قوله:» مَا أنْزَلْنَا «إلى الغيبة وجوز الزمخشري أن يكون» مَا أنْزَلْنَا «حكاية لكلام جبريل عليه السلام وبعض الملائكة فلا التفات على هذا.
قوله:»
العُلَى «جمع عُلْيَا، نحو دُنْيَا ودُنًى، ونظيره في الصحيح كُبْرَى وَكُبَر،
173
وفُضْلَى وفُضَل، يقال سماء عُلْيَا وسموات عُلَى.
ومعنى الآية: «تَنْزِيلاً مَمَّنْ خَلَقَ» أي: (مِنَ الله الذي خلق الأرضَ والسَّمَواتِ العُلَى) يعني العالية الرفيعة.
وفائدة وصف السَّوات بالعُلَى: الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها (وبعد مرتقاها).
قوله: «الرَّحْمنُ» العامة على رفعه، وفيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الضمير المستكن في «خَلَقَ» ذكره ابن عطية، ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة الموصولة بها من رابط يربطها.
الثاني: أن يرتفع على الابتداء مشاراً إلى «مَنْ خَلَقَ» والجملة بعده خبر. وقرأ جناح بن حُبَيش: «الرَّحْمنِ» مجروراً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من الموصول. لا يقال: إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل، لأن (الرحمن) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل.
174
والثاني: أن يكون صفة للموصول أيضاً.
قال أبو حيان: ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص ك «مَنْ» و «مَا» لا يوصف منها إلاَّ الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة. قال ذلك كالراد على الزمخشري.
والجملة في قوله: «عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى» خَبَر لقوله «الرَّحْمنُ» على القول: بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل: إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءة مَنْ جرَّه. وفاعل «اسْتَوَى» ضمير يعود على «الرَّحْمنُ».
وقيل: بل فاعله «مَا» الموصولة بعده، أي: استوى الذي له ما في السموات قال أبو البقاء: وقال بعضُ الغلاةِ: «مَا» فاعل «اسْتَوَى»، وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله: «الرَّحْمنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى» كلاماً تامّاً ومنه هرب.
قال شهابُ الدين: هذا يُروى عن ابن عبَّاس، وأنَّه كان يقفُ على لفظ «العَرْشِ» ثم يبتدئ ب «اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ»، وهذا لا يصح عنه.
قوله: الثَّرَى: هو التراب النَّدِي، ولامه ياء بدليل تثنيته على ثَرَيَيْن وقولهم: ثَرِيَتْ الرضُ تَثْرَى ثَرًى. والثَّرَى في انقطاع المودة، قال جرير:
175
والثَّراء بِالمَد: كثرة المال، قال:
٣٦٤٠ - فَلاَ تَنْبِشُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى فَإنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي
٣٦٤١ - أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
وَما أَحسن قولَ ابن دُرَيد في قصيدته التي جمع فيها بن الممدود والمقصور باختلاف معنى.

فصل


قال المفسرون: معنى «لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ» لما شرح ملكه بقوله: «الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى»، والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم.
أما القدرة فهي هذه الآية، والمعنى: أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من مَلَكٍ ونَجْم وغيرهما، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. قال الضحاك:
176
يعني ما روى الثرى من شيء.
وقال ابن عباس: إن الأَرضينَ على ظهر النون، والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات منها. وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان «فَتَطُنْ فِي صَخْرَةٍ»، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، و «مَا تَحْتَ الثَّرَى» لا يعلمه إلا الله تعالى. وذلك الثور فاتح فاه، فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست.
وأما العلم فقوله: «وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ الشِّرَّ وَأَخْفَى» قال الحسن السر: ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسَك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم اليوم ولا تعلم ما تسر إذا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غدا.
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: السِّرُّ ما أٍر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه.
وقل مجاهد: السِّرُّ العمل الذي يُسِرُّ من الناس وأخفى: الوسوسة وقيل: السِّرُّ هو العزيمة (وأخفى: ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد بن أسلم: «يَعْلَمُ السِّرَّ» وأخْفَى «أي: يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده فلا يعلمه أحد.
قوله:»
وَأخْفَى «جوزوا فيه وجهين:
أحدهما: أنه أفعل تفضيل، أي: وأخفى من السر.
177
والثاني: أنه فعل ماض، أي: وأخفى عن عباده غيبه كقوله:» وَلاَ يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً «.
قوله:»
اللهُ لاَ إلهَ إِلاَّ هُوَ «الجلالة إما مبتدأ والجملة المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الله. والحسنى تأنيثُ الحسنِ، وقد تقدم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة.
ولما ذكر صفاته وحَّدَ نَفْسَه فقال:»
اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ هوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى «.

فصل


قالوا: كلمة»
لا «ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية تنتفي كل أفرادها. وإنما» اللهُ «اسم علم للذات المعينة، إذ لو كان كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد.
وقالوا:»
لاَ «استحقت عمل» إِنَّ «لمشابهتها لها من وجهين:
الأول: ملازمة الأسماء.
والآخر: تناقضهما. فإن أحدهما لتأكيد الثبوت، والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، وإذا كان كذلك، فنقول: لمَّا قالوا: إنَّ زيداً ذاهبٌ كان يجب أن يقولوا: (لا رجلاً ذاهب) إلاَّ أنهم بنوا «لا»
مع ما دخل عليه من الاسم مفرداً واحداً فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توقيفاً
178
بين الدليل الموجب للإعراب، والدليل الموجب للبناء. وخبره محذوف تقديره: لاَ إِله في الوجود، ولا حول ولا قوةَ لنا، وهذا يدل على أن الوجود زائدة على الماهية. فإن قيل: تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإنَّ السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره، فكيف قدم هنا السلب على الثبوت؟
فالجواب: لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه.

فصل


ينبغي لأهل لاَ إله إلاَّ الله أنْ يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إلهَ إلا الله: التصديق، والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له التصديق فهو منافق، ومَن
179
ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومَن ليس له الحلاوة فهو من مراء ومَنْ ليس له الحرية فهو فاجر.

فصل


(قال بعضهم) قوله تعالى: «ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ» أنَّه لا إله إلاَّ الله. «إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ» لا إله إلاَّ الله «وَتَواصُّوْا بالحَقِّ» لا إله إلاَّ الله. «قُلْ إنَّمَا أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ» بلا إله إلاَّ الله. «وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئولُون» عن قول لا إله إلاَّ الله. «بَلْ جَاءَ بالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين» هو لا إله إلاَّ الله. «يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ فشي الحَيَاةِ الدُّنْيَا» هو لاَ إله إلاَّ الله. «وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمينَ» عن قول: لا إله إلاَّ الله.

فصل


قال عليه السلام: «أفضل الذكر لاَ إله إلاَّ الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله»، ثمّ تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «فاعْلَم أنَّه لا إلهُ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ» وقال عليه السلام: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ مَلَكاً من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله مادًّا بها صوته لا يقطعها، ولا يتنفس
180
فيها، ولا يتمها، فإذَا أتمَّها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله تعالى».
وعن أنس قال عليه السلام: «ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع إليه ويشفعني، حتى قلت: يا رب فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي، لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله»
وقال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن «حم عسق» فقال: الحاء حُكمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤُه والقاف قدرتُه، يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي ولا قدرتي لا أعذب بالنار من قال: لاَ إله إلاَّ الله محمد رسول الله.
وعن ابن عرم قال عليه السلام: «من قال في الشوق: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيي ويُميتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَمُوتُ بيدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قدِير، كَتَبَ الله لهُ أَلفَ حَسَنةٍ ومَحَا عَنْهُ ألفَ سيئةٍ وبَنَى لَهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ»
وروي عن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به قال: قل: لا إله إلاَّ الله، قال: كل عبادك يقول: لا إله إلاَّ الله. فقال: قل: لا إله إلاَّ الله. قال: إنما أردت شيئاً تخصني به. قال يا موسى: لو أن السموات السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلاَّ الله في كفة لماتْ بهِنَّ لاَ إله إلاَّ الله.

فصل


قيل: إنَّ الله تعالى أربعة آلاف اسم لا يعلمها إلا الله والأنبياء أما الألف الرابعة فإن المؤمنين يعلمونها، فثلثمائة في التوراة، وثلثمائة في الإنجيل، وثلثمائة في الزبور ومائة في القرآنه تسعة وتسعون ظاهرة وواحد مكنون فمن أحصاها دخل الجنة.
181
واعلم أن الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناءً ومدحاً، كقوله: جاعل، وفالق، وصانع. فإذا قيل: «فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً» صار مدحاً وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قُرِنَ بغيره أبلغ نحو قولنا: حيّ، فإذا قيل: الحَيُّ القَيُّومُ، أو الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ. كان أبلغ. وأيضاً بديع. فإذن قلت: بَديعُ السَّمواتِ والأرضِ، ازداد المدح.
ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده، كقولنا: دَلِيلٌ، وكَاشِفٌ، فإذا قيل: يا دليلَ المتحيرين، يا كاشفَ الضُرِّ والبلوى جاز.
ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً ومقروناً كقولنا: الرَّحيم الكريمُ (ومن الأسماء ما يكون تقارنُها أحسنَ كقولك: الأول الآخر، المبدئ المعيد، الظاهر الباطن، العزيز الحكيم).
182

فصل


قال الكلبي١ : لمَّا أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة٢ اجتهد في العبادة حتى كان٣ بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال :﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى ﴾ [ طه : ٢ ].
وقيل : لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا : إنَّك لتشقى حين تركت دين آبائك أي : لتتعنَّى وتَتْعَب وما أنزل عليك القرآن يا محمد لشقائك، فنزلت :" مَا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى ". وأصلُ الشقاء في اللغة العناء٤.
وقيل المعنى٥ : إنَّك لاَ ترم على كفر قومك كقوله :﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾٦ وقوله ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ [ الأنعام : ١٠٦ ]، أي : إنك لا تؤاخذ بذنبهم.
وقيل : إنَّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وكان عليه السلام في ذلك الوقت مقهوراً٧ تحت ذل الأعداء، فكأنه تعالى قال : لا تظن أنَّك تبقى أبداً على هذه الحالة، بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيًّا فيما بينهم بل لتصير معظماً مكرماً٨.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٠٩ – ٤١٠..
٢ بمكة: سقط في الأصل..
٣ كان: سقط من ب..
٤ آخر ما نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٥/٤٠٩ – ٤١٠..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤..
٦ الآية: (٢٢) من سورة الغاشية..
٧ في الأصل: كان مقهورا..
٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤..
قوله :﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً ﴾ في نصبه أوجه :
أحدها : أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك " لِتَشْقَى " علة له أيضاً، ووجب مجيء الأول مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاته شريطة الانتصاب على المفعولية١.
والثاني : جاز قطع اللام عنه ونصبه، لاستجماعه الشرائط٢ هذا كلام الزمخشري٣، ثم قال٤ : فإن قلت٥ : هل يجوز أن تقول :" مَا أنْزَلْنَا أنْ تَشْقَى "، كقوله :﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم ﴾٦ قلت٧ : بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة٨ في " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه " ٩، وأما النصبةُ١٠ في " تَذْكِرَةً " فهي كالتي في ضربت زيداً١١، لأنه١٢ أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها١٣.
قال شهاب الدين : قد منع أبو البقاء أن يكون " تَذْكِرَةً "، مفعولاً له ل " أنْزَلْنَا " المذكورة لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو١٤ " لِتَشْقَى " فلا تتعدى إلى آخر من جنسه١٥.
وهذا المنع ليس بشيء، لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا بناءً منه على أنه لا يقتضي١٦ العامل من هذه الفضلات إلا شيئاً١٧ واحداً إلا بالبدلية أو١٨ العطف١٩.
الثاني : أن تكون " تَذْكِرَةٌ " بدلاً من محل " لِتَشْقَى " وهو رأي الزجاج٢٠، وتبعه ابن عطية٢١، واستبعده أبو جعفر٢٢، ورده الفارسي٢٣، بأن التذكرة ليست بشقاء وهو رد٢٤ واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال : فإن قلت٢٥ هل يجوز أن تكون " تَذْكِرَةً " بدلاً من محل " لِتَشْقَى " ٢٦ ؟ قلت٢٧ : لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب٢٨ على الاستثناء المنقطع الذي ( إلاَّ ) إلا بمعنى ( لكن )٢٩.
قال أبو حيان : يعني باختلاف الجنسين أن نصبه " تَذْكِرَةُ " نصبة صحيحة ليست بعارضة٣٠، والنصبة التي تكون في " لِتَشْقَى " ٣١ بعد نزع الخافض نصبة عارضة، والذي نقول إنه ليس له محل ألبتة فيتوهم البدل منه٣٢.
قال شهاب الدين : ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما نقل عن الفارسي رداً على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبتين في ذلك٣٣.
الثالث : أن يكون نصباً على الاستثناء المنقطع أي : لَكِنْ أَنْزَلْنَا تَذْكِرَةً٣٤.
الرابع : أنه مصدر مؤكد لفاعل مقدر، أي : لكن ذكرنا، أو تذكرتَه أنت تذكرةً٣٥.
وقيل التقدير : مَا أنْزَلْنَا عَلَيكَ القرآن لتحملَ متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة، كما يقال :( مَا شَافَهْنَاكَ بِهَذَا الكلامَ لِتَتَأَذَّى إِلاَّ ليَعْتَبِر بكَ غَيْركَ )٣٦ ٣٧.
الخامس : أنه مصدر في موضع الحال، أي إلا مُذَكِّراً٣٨.
السادس : أنه بدل من القرآن، ويكون القرآن هو التذكرة. قاله الحوفي٣٩.
السابع : أنه مفعول له أيضاً، ولكن العامل فيه " لِتَشْقَى "، ويكون المعنى٤٠ كما قال٤١ الزمخشري : إنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القرآنَ لِتتحمَّلَ متاعب التبليغ، ومقاومة٤٢ العتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاق، وتكاليف النبوة وما أنزلنا هذا الْمُتْعِب٤٣ الشاق إلاَّ ليكون تَذْكِرَةً. وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون تَذْكِرَةً حالاً ومفعولاً له٤٤. انتهى.
فإن قيل : من أين أخذت٤٥ أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أن العامل فيه " لِتَشْقَى "، وما٤٦ المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال ؟
فالجواب٤٧ : أن هذا الوجه قد تقدَّم له٤٨ في قوله : وكل واحد من " لِتَشْقَى "، و " تَذْكِرَةً " علة للفعل، وأيضاً فإن تفسيره للمعنى المذكور منصَبٌّ٤٩ على تسلط " لِتَشْقَى " على " تَذْكِرَةً " إلا أنَّ أبا البقاء لما لم يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل " لِتَشْقَى " في " تَذْكِرَةً "، فقال : ولا يصح أن يعمل فيها " لِتَشْقَى " لفساد المعنى٥٠ وجوابه : ما تقدَّم٥١.
( ولا غرو في تسمية التعب شقاءً )٥٢، قال الزمخشري٥٣ : والشقاء يجيء في معنى التعب، ومنه المثل : أتْعَبُ مِنْ رَائِضِ مُهْرٍ، وأشْقَى من رائضِ مُهْرٍ٥٤.
و " لِمَنْ يَخْشَى " متصل ب " تَذْكِرَةًُ " وزيدت اللام في المفعول، تقوية للعامل لكونه فرعا٥٥. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل " تَذْكِرة ".
وخصَّ مَنْ يَخْشَى بالتذكر، لأنهم المنتفعون بها، كقوله :﴿ هُدًى لِلْمُتَّقين ﴾٥٦.
١ لأن من شروط المفعول من أجله: اتحاده بالمعلل به فاعلا وذلك بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدا. وهنا فاعل "أنزلنا" هو الله تعالى، وفاعل لتشقى هو الرسول، فقد شرك انتصابه على المفعول لأجله وهو اتحاده بالمعلل به فاعلا، فوجب جره باللام. انظر شرح التصريح ١/٣٣٥..
٢ شروط المفعول من أجله خمسة أمور: الأول: كونه مصدرا. الثاني: كونه قلبيا. الثالث: كونه علة. الرابع: اتحاده بالمعلل به وقتا. الخامس: اتحاده بالمعلل به فاعلا. فهذه الشروط متحققة في "تذكرة" فنصب على المفعول من أجله. انظر شرح التصريح ١/٣٣٤ – ٣٣٥..
٣ الكشاف ٢/٤٢٦..
٤ أي الزمخشري..
٥ في ب: فإن قيل..
٦ من قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢]..
٧ في ب: قيل..
٨ في ب: ولكن نصبه طارئ كالنصب..
٩ من قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. والاستشهاد بالآيتين على أن النصب في قوله: ﴿أن تحبط﴾ وقوله: ﴿قومه﴾ نصب طارئ، وذلك لأن قوله: ﴿أن تحبط﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر والتقدير: لأن تحبط. وقوله: اختار يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر وقد حذف ههنا والتقدير: من قومه. انظر البيان ١/٣٧٥- ٣٧٦، ٢/٣٨٢، التبيان ١/٥٩٧، ٢/١١٧٠..
١٠ في ب: النصب..
١١ أي نصب أصلي..
١٢ في ب: لأن..
١٣ الكشاف ٢/٤٢٦. والمفاعيل الخمسة هي: المفعول به، المفعول المطلق، المفعول له، المفعول فيه، المفعول معه.
فالمفعول له أحد هذه المفاعيل فالنصب فيه أصلي..

١٤ وهو: سقط من ب..
١٥ التبيان ٢/٨٨٤..
١٦ في ب: لا يقضى..
١٧ في ب: للأشياء. وهو تحريف..
١٨ في ب: و..
١٩ الدر المصون ٥/١٩..
٢٠ لم أعثر على هذا الوجه في معاني القرآن وإعرابه للزجاج، وفي إعراب القرآن للنحاس (قال أبو إسحاق: هو بدل من "تشقى" أي: ما أنزلناه إلا تذكرة) ٣/٣٢..
٢١ قال ابن عطية : وقوله تعالى: ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ يصح أن ينصب على البدل من موضع "لتشقى" تفسير ابن عطية ١٠/٤..
٢٢ هو النحاس. فإنه قال ردا على ما قال الزجاج (وهذا وجه بعيد، والقريب أنه منصوب على المصدر أو مفعول من أجله) إعراب القرآن: ٣/٣٢..
٢٣ البحر المحيط ٦/٢٢٥..
٢٤ رد: سقط من ب..
٢٥ في ب: فإن قيل..
٢٦ في ب: "تشقى"..
٢٧ في ب: قلنا..
٢٨ في ب: نصبت..
٢٩ الكشاف ٢/٤٢٧. وبهذا رد الزمخشري تخريج الزجاج وابن عطية في أنه يجوز أن تكون "تذكرة" بدلا من محل "لتشقى"، وجعل "تذكرة" منصوبة على الاستثناء المنقطع..
٣٠ في ب: معارضة. وهو تحريف..
٣١ في ب: تشقى..
٣٢ البحر المحيط ٦/٢٢٥. منهم أبو حيان مراد الزمخشري من قوله: لاختلاف الجنسين. أنه اختلاف النصبتين، وقد رد شهاب الدين هذا وقال: مراد الزمخشري باختلاف الجنسين أن التذكرة ليست بشقاء.
كما يتضح من النص الآتي لشهاب الدين. وأرى أن القول ما قال شهاب الدين..

٣٣ الدر المصون ٥/١٩..
٣٤ انظر الكشاف ٢/٤٢٧، البيان ٢/١٣٥، التبيان ٢/٨٨٤..
٣٥ أي أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله. التبيان ٢/٨٨٤..
٣٦ الفخر الرازي ٢٢/٤..
٣٧ ما بين القوسين في ب: ما شاهداك الكلام للتتأذى إلا ليعتبر..
٣٨ انظر التبيان ٢/٨٨٤..
٣٩ انظر البحر المحيط ٦/٢٢٥..
٤٠ في ب: العامل. وهو تحريف..
٤١ في ب: قاله. وهو تحريف..
٤٢ في الأصل: مقاولة..
٤٣ في ب: التعب..
٤٤ الكشاف : ٢/٤٢٧..
٤٥ في ب: يحدث. وهو تحريف..
٤٦ في ب: وأما. وهو تحريف..
٤٧ في ب: الجواب..
٤٨ كرر في ب بعد (قد تقدم له) قوله: إذا جعله حالا ومفعولا له أن العامل فيه لتشقى، وأما المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال..
٤٩ في ب: ومنتصب..
٥٠ التبيان ٢/٨٨٤. وكرر في ب بعد (لفساد المعنى) قوله: الذي ظهر للزمخشري منع من عمل "لتشقى" في "تذكرة"..
٥١ في ب: وجوابه ما تقدم قال الزمخشري : منع من عمل لتشقى في تذكرة وجوابه ما تقدم. وانظر كلام الزمخشري في الوجه الأول، وهذا الوجه أيضا..
٥٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٣ الكشاف ٢/٤٢٦..
٥٤ هذا كقولهم: "لا يعدم شقي مهرا) يعني أن معالجة المهارة شقاوة لما فيها من تعب انظر مجمع الأمثال للميداني ١/٢٦٠..
٥٥ ١ وهذه اللام تسمى لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخير نحو: ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ [الأعراف: ١٥٤] ونحو: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣]، أو بكونه فرعا في العمل، كما في الآية ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ وذلك لأنّ "تذكرة" مصدر والمصدر فرع في العمل. ونحو ﴿مصدقا لما معهم﴾ [البقرة: ٩١] ونحو ﴿فعّال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧] [البروج: ١٦] ونحو: ضربي لزيد حسن. وقد اجتمع التأخير والفرعية في قوله: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]، المغني ١/٢١٧..
٥٦ من قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]..
قوله :﴿ تَنْزِيلاً ﴾ في نصبه أوجه : أحدها : أن يكون بدلاً من " تَذْكِرَةً " إذا جعل حالاً لا إذا١ كان مفعولاً، لأن الشيء لا يعلِّلُ بنفسه، لأنه يصير التقدير : مَا أنْزَلْنَا القرآنَ إِلاَّ لِلتَّنْزِيل.
الثاني : أن ينتصب ب " نزل " مضمراً.
الثالث : أن ينتصب ب " أنْزَلْنَا "، لأن معنى ما أنْزَلْنَا إلاَّ تذكرة : أنْزَلْنَاهُ تَذْكِرَةً.
الرابع : أن ينتصب على المدح والاختصاص.
الخامس : أن ينتصب ب " يَخْشَى " مفعولاً به، أي أنزله للتذكرة لِمَنْ يَخْشَى تنزيلَ الله، وهو معنى حسن وإعراب بيِّن٢. قال أبو حيان : والأحسن ما قدَّمناه أولاً من أنَّه منصوب ب " نَزَل " مضمرةً٣، وما ذكره الزمخشري من نصبه على غيره٤ فمتكلف : أما الأول ففيه جعل " تَذْكِرَةً " و " تَنْزِيلاً " ٥ حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس٦. وأيضاً فمدلول " تَذْكِرَةً " ليس مدلولاً " تَنْزِيلاً "، ولا " تَنْزِيلاً " ٧ بعض " تّذْكِرَةً " فإن كان بدلاً فيكون بدلَ اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول ؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة، وغيرها٨. وأما قوله : لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنْزَلناهُ تَذْكِرَةً، فليس كذلك، لأن معنى الحصر يفوت في قوله :﴿ أنزلناه تذكرةً ﴾. وأما٩ نصبه على المدح فبعيد.
وأمَّا نصبه على " يَخشَى " ففي غاية البُعد، لأن " يَخْشَى " رأس آية وفاصلة فلا يناسب أن يكون " تَنْزِيلاً " منصوباً ب " يَخْشَى "، وقوله : وهو معنى حسن وإعراب بيِّن عجمة وبُعْدٌ عن إدراك الفصاحة١٠. قال شهاب الدين : ويكفيه رد الشيء الواضح من غير دليل ونسبة هذا الرجل إلى عدم الفصاحة ووجود العجمة١١.
قوله :﴿ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾١٢. يجوز في ( مِنْ ) أن يتعلق ب " تَنْزِيلاً " ١٣، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " تَنْزِيلاً " ١٤.
وفي " خَلَقَ " ( التفات )١٥ من تكلُّم في قوله :﴿ مَا أنْزَلْنَا ﴾١٦ إلى الغيبة١٧ وجوز الزمخشري أن يكون " مَا أنْزَلْنَا " حكاية لكلام جبريل عليه السلام١٨ وبعض الملائكة فلا التفات على١٩ هذا٢٠.
قوله٢١ :﴿ العُلَى ﴾ جمع عُلْيَا، نحو دُنْيَا ودُنًى، ونظيره في الصحيح٢٢ كُبْرَى وَكُبَر، وفُضْلَى وفُضَل، يقال سماء عُلْيَا وسموات عُلَى٢٣.
ومعنى الآية :" تَنْزِيلاً مَمَّنْ خَلَقَ " ٢٤ أي :( مِنَ الله الذي خلق الأرضَ والسَّمَواتِ العُلَى )٢٥ يعني العالية٢٦ الرفيعة٢٧.
وفائدة وصف السَّماوات بالعُلَى : الدلالة٢٨ على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها ( وبعد مرتقاها ) ٢٩ ٣٠.
١ في ب: لاذا..
٢ ذكر الزمخشري هذه الأوجه في الكشاف ٢/٤٢٧..
٣ فإنه قال: (وانتصب "تنزيلا" على أنه مصدر لفعل محذوف أي نزل تنزيلا ممن خلق) البحر المحيط ٦/٢٢٥. أي أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله..
٤ في ب: خبره. وهو تحريف..
٥ في ب: تنزيل..
٦ يكثر مجيء المصدر المنكر حالا مثل طلع زيد بغتة، وجاء ركضا، وقتلته صبرا، وذلك على التأويل بالوصف، فيؤول بغتة بوصف أي مباغتا، وركضا أي راكضا، وصبرا أي: مصبورا. قال ابن مالك:
ومــصدر منكر حـــالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع
ومع كثرته فقال سيبويه والجمهور لا ينقاس مطلقا سواء أكان نوعا من العامل أم لا، كما لا ينقاس المصدر الواقع نعتا أو خبرا بجامع الصفة المعنوية. وقاسه المبرد فيما كان نوعا من العامل فيه لأنه حينئذ يدل على الهيئة بنفسه، فأجاز قياسا: جاء زيد سرعة، لأن السرعة نوع من المجيء. ومنع: جاء ضَحِكًا، لأن الضحك ليس نوعا من المجيء. وقاسه الناظم في التسهيل وابنه في شرح النظم بعد (أمّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم نحو: أمّا علما فعالِِم، أي مهما يُذكر شخص في حال علم فالمذكور عالم وأيضا: بعد خبر شبِّه به مبتدؤه مثل: زيد زهير شعرا. والعامل فيها ما في زهير من معنى الفعل إذ معناه مجيد، وصاحب الحال ضمير مستتر في زهير لما تقرر من أن الجامد المؤول بالمشتق يتحمل الضمير. وأيضا: إذا كان الخبر مقرونا بـ(أل) الدالة على الكمال، مثل: أنت الرجل علما. فعلما حال والعامل فيها ما في الرجل من معنى الفعل إذ معناه الكامل. وذهب الكوفيون إلى أن المصدر منصوب بفعل محذوف أي أنه مفعول مطلق. انظر شرح التصريح ١/٣٧٤ – ٣٧٥، شرح الأشموني ٢/١٧٢-١٧٤..

٧ في ب: تنزيل..
٨ اختلف في المشتمل في بدل الاشتمال هل هو الأول، أو الثاني، أو العامل؟ فقال الرماني هو الأول واختاره في التسهيل، وعلله الجزولي بأن الثاني إما صفة للأول كأعجبتني الجارية حسنها، أو مكتسب من صفة نحو سُلب زيد ماله فإن الأول اكتسب من الثاني كونه مالكا. ورد بأنه يلزم منه أن يجيز ضربت زيدا عبده على الاشتمال، وهم قد منعوا ذلك. وقال الفارسي في الحجة المشتمل هو الثاني، قال: بدليل سرق زيد ثوبه، ورد بسرق زيد فرسه. وقيل المشتمل هو المسند، قال ذلك المبرد والسيرافي وابن جني وابن الباذش وابن أبي العافية وابن الأبرش، بمعنى أن الفعل يستدعيهما، أحدهما على سبيل الحقيقة والقصد والآخر على سبيل المجاز والتبع، فنحو سُلب زيد ثوبه الإسناد فيه حقيقة إلى الثاني مجازا في الأول إذ المسلوب هو الثوب. وقيل بمعنى أنه اشتمل عن التابع والمتبوع معا، إذ الإعجاب في: أعجبتني الجارية حسنها مشتمل على الجارية وعلى حسنها. انظر شرح التصريح ٢/١٥٧، والهمع ٢/١٢٦..
٩ في ب: وهما. وهو تحريف..
١٠ البحر المحيط ٦/٢٢٥..
١١ الدر المصون ٥/٢٠..
١٢ في ب: ممن خلق الأرض والسماوات..
١٣ انظر التبيان ٢/٨٨٤، والكشاف ٢/٤٢٧، والمحيط ٦/٢٢٥..
١٤ انظر الكشاف ٢/٤٢٧، البحر المحيط ٦/٢٢٥..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ في ب: أنا أنزلنا. وهو تحريف..
١٧ انظر الكشاف ٢/٤٢٧، البحر المحيط ٦/٢٢٥، ٢٢٦..
١٨ عليه السلام : سقط من ب..
١٩ في ب: إلى وهو تحريف..
٢٠ قال الزمخشري (ويجوز أن يكون "أنزلنا" حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه) الكشاف ٢/٤٢٧. وقد استبعد أبو حيان ما جوزه الزمخشري فإنه قال: (وهذا تجويز بعيد بل الظاهر أنه إخبار من الله تعالى عن نفسه) البحر المحيط ٦/٢٢٦.
.

٢١ في الأصل: و..
٢٢ في ب: الفصيح. وهو تحريف..
٢٣ لأن ما كان على وزن (فُعْلَى) أنثى (أفعل) صفة يجمع على (فُعَل) كالكبرى أنثى الأكبر، والوسطى أنثى الأوسط والصغرى أنثى الأصغر، فتقول في الجمع كبر – فتقول في الجمع كبر – وُسط – صغر. انظر شرح التصريح ٢/٣٠٦..
٢٤ في ب: تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ في ب: العاليات..
٢٧ انظر البغوي ٥/٤١٠..
٢٨ في ب: للدلالة. وهو تحريف..
٢٩ انظر الكشاف ٢/٤٢٧، والفخر الرازي ٢٢/٥..
٣٠ ما بين القوسين في ب: وارتفاعها..
قوله :﴿ الرَّحْمانُ ﴾ العامة على رفعه، وفيه أوجه :
أحدها : أنه بدل من الضمير المستكن في " خَلَقَ " ذكره ابن عطية١، ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة الموصولة بها من رابط يربطها به٢.
الثاني : أن يرتفع على خبر مبتدأ مضمر تقديره : هو الرحمن٣.
الثالث : أن يرتفع على الابتداء مشاراً إلى " مَنْ خَلَقَ " والجملة بعده خبر. وقرأ جناح بن حُبَيش :" الرَّحْمنِ " مجروراً٤، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من الموصول. لا يقال : إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل، لأن ( الرحمن ) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل٥.
والثاني : أن يكون صفة للموصول أيضاً٦.
قال أبو حيان : ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص ك " مَنْ " و " مَا " لا يوصف منها إلاَّ الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة٧. قال ذلك كالراد على الزمخشري.
والجملة في قوله٨ :﴿ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ﴾ خَبَر لقوله ﴿ الرَّحْمنُ ﴾ على القول : بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل : إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر٩، وكذلك في قراءة مَنْ جرَّه١٠. وفاعل " اسْتَوَى " ضمير يعود على " الرَّحْمانُ ". وقيل : بل فاعله " مَا " الموصولة١١ بعده١٢، أي : استوى الذي له ما في السموات قال أبو البقاء : وقال بعضُ الغلاةِ١٣ :" مَا " ١٤ فاعل " اسْتَوَى "، وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله :﴿ الرَّحْمنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى ﴾ كلاماً تامّاً ومنه هرب١٥. قال شهابُ الدين : هذا يُروى١٦ عن ابن عبَّاس، وأنَّه كان يقفُ على لفظ " العَرْشِ " ثم يبتدئ ب١٧ " اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ "، وهذا لا يصح عنه١٨.
١ تفسير ابن عطية ١٠/٤..
٢ قال أبو حيان: (وأرى أن مثل هذا لا يجوز، لأن البدل يحل محل المبدل منه و(الرحمان) لا يمكن أن يحل محل الضمير، لأن الضمير عائد على (من) الموصولة، و (خَلَق) صلة، والرابط هو الضمير فلا محل محله الظاهر لعدم الرابط). البحر المحيط ٦/٢٦٦..
٣ قال الزمخشري: والرفع أحسن لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير هو الرحمن، وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى "من خلق" الكشاف ٢/٤٢٧..
٤ المختصر (٨٧)، البحر المحيط ٦/٢٢٦..
٥ أي أنه بدل من الموصول في قوله ﴿ممن خلق﴾ في الآية السابقة. قاله الزجاج. معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٥٠، وانظر البحر المحيط ٦/٢٢٦..
٦ أي أنه صفة للموصول في قوله ﴿ممن خلق﴾ في الآية السابقة. قاله الزمخشري. الكشاف ٢/٤٢٧..
٧ وهو كما في البحر المحيط (ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلاتها نحن (من) و(ما) لا يجوز نعتها إلا (الذي) و(التي) فيجوز نعتها فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون "الرحمن" صفة لـ "من" ٦/٢٢٦.
بناء منه على أن الموصول لا ينعت، لأنه كجزء الكلمة ولا يتم إلا بصلته وجزء الكلمة لا ينعت، إلا المقرون بأل منه كالذي والتي، لأنه يوصف به ويصغر ويثنى ويجمع، وقد جوز السيوطي أيضا نعت (من) و(ما) تقول: جاءني من في الدار العاقل، ونظرت إلى ما اشتريت الحسن. انظر الهمع ٢/١١٨..

٨ في ب: قولك. وهو تحريف..
٩ في ب: أو مضمر. و هو تحريف..
١٠ انظر الكشاف ٢/٤٢٧..
١١ في ب: وقيل بل لا فاعله الموصول. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: "له ما في السماوات وما في الأرض" من الآية التي بعدها..
١٣ في ب: الغلا. وهو تحريف..
١٤ ما : سقط من ب..
١٥ التبيان ٢/٨٨٥..
١٦ في ب: مروى..
١٧ بـ: سقط من ب..
١٨ الدر المصون ٥/٢٠..
قوله :﴿ الثَّرَى ﴾ : هو التراب النَّدِي١، ولامه ياء بدليل تثنيته على ثَرَيَيْن وقولهم : ثَرِيَتْ الرضُ تَثْرَى ثَرًى٢. والثَّرَى في انقطاع المودة، قال جرير :
فَلاَ تَنْبِشُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى فَإنَّ٣ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي٤
والثَّراء بِالمَد : كثرة المال٥، قال :
أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ٦
وَما أَحسن قولَ ابن دُرَيد٧ في قصيدته التي جمع فيها بن الممدود والمقصور باختلاف معنى٨.

فصل٩


قال المفسرون : معنى١٠ " لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ " لما شرح ملكه بقوله :﴿ الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ﴾، والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة١١ ثم بالعلم.
أما القدرة فهي هذه الآية، والمعنى : أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من مَلَكٍ ونَجْم وغيرهما، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات١٢، ومالك لما بينهما١٣ من الهواء، ومالك لما تحت الثرى١٤. قال الضحاك : يعني ما روى الثرى من شيء١٥.
وقال ابن عباس : إن الأَرضينَ على ظهر النون، والنون١٦ على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات١٧ منها. وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى١٨ في قصة لقمان " فَتَكنْ فِي صَخْرَةٍ " ١٩، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، و " مَا تَحْتَ الثَّرَى " لا يعلمه إلا الله تعالى٢٠. وذلك الثور فاتح فاه، فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست٢١.
١ الندى: سقط من ب..
٢ اللسان (ثرا)..
٣ في ب: وإن..
٤ البيت من بحر الطويل قاله جرير، وهو في ديوانه ١/٤٢١ واللسان (ثرا) والبحر المحيط ٦/٢٢٢. ورواية الديوان: فلا توبسوا.
فلا توبسوا: أي لا تجعلوه يابسا.
لا توبس بيني وبينك الثرى: أي لا تذهب المودة بيني وبينك والشاهد فيه استعمال (الثرى) في انقطاع المودة..

٥ في ب: والثرى بالمد ذكر المال. وهو تحريف..
٦ البيت من بحر الطويل، قاله حاتم الطائي برواية: أماويَّ ما يغني الثراء عن الفتى: إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر. اللسان (حشر- قرن).
أماويَّ: الهمزة للنداء، وماوي: منادى مرخم ماوية، وهي زوجة حاتم، والماوية في اللغة: المرآة التي يرى فيها الوجه، كأنها منسوبة إلى الماء، فإن النسبة إلى الماء مائي وماوي، الحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردد الصوت.
والشاهد فيه أن (الثراء) بالمد كثرة المال. وقد أتى به بعض النحويين شاهدا على أن ضمير الغائب فاعل (حشرجت) يعود على النفس التي هي بعض (الفتى). وعلى رواية الديوان ففاعل (حشرجت) (نفس) وليس ضميرا. وقد تقدم..

٧ تقدم..
٨ وهو قوله:
يوما تصير إلى الثرى ويفوز غيـرك بالثراء
وهو البيت الثاني من قصيدته في المقصور والممدود يعني ما يفتح أوله فيقصر ويمد والمعنى مختلف، ومطلع القصيدة:
لا تركننّ إلى الهوى واذكر مفارقه الهواء
ديوان ابن زيد (١٣٨)..

٩ فصل: سقط من ب..
١٠ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٨..
١١ بالقدرة: سقط من ب..
١٢ كذا في الفخر الرازي وفي الأصل: الفلوات، وفي ب: الحيوانات. وهو تحريف. وفي هامش الفخر الرازي: في الأصل الأميري: والفلوات جمع فلاة وهي الخلاء والفضاء في الأرض كالصحاري لا نبات بها. وهي محرفة عن الفلزات وهي جواهر الأرض وعناصرها المكونة منها..
١٣ في ب: فيها..
١٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٨..
١٥ انظر البغوي ٥/٤١٠..
١٦ في ب: على ظهر الثور والثور..
١٧ في ب: السماء..
١٨ تعالى: سقط من ب..
١٩ من قوله تعالى :﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ [لقمان: ١٦]..
٢٠ في ب: إلا الله عز وجل..
٢١ انظر البغوي ٥/٤١٠ – ٤١١..
وأما العلم فقوله :﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السّرَّ وَأَخْفَى ﴾ قال الحسن١ السر٢ : ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير : السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر : ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسَك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم اليوم ولا تعلم ما تسر غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غدا.
وقال عليّ بن أبي طلحة٣ عن ابن عباس : السِّرُّ ما أٍر ابن آدم في نفسه، وأخفى : ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه.
وقل مجاهد : السِّرُّ العمل الذي يُسِرُّ من الناس وأخفى : الوسوسة وقيل : السِّرُّ هو العزيمة ( وأخفى : ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد بن أسلم :" يَعْلَمُ السِّرَّ " ٤ وأخْفَى " أي : يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من٥ عباده فلا يعلمه أحد٦.
قوله :﴿ وَأخْفَى ﴾ جوزوا فيه وجهين :
أحدهما : أنه أفعل تفضيل، أي : وأخفى من السر٧.
والثاني : أنه فعل ماض، أي : وأخفى عن٨ عباده غيبه كقوله :﴿ وَلاَ يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾٩.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤١١ – ٤١٢..
٢ السر: سقط في الأصل..
٣ هو علي بن أبي طلحة سالم الهاشمي. مولاهم أبو الحسن الجزري ثم الحمصي، أخذ عن ابن عباس، وعن مجاهد والقاسم، وأخذ عنه ثور بن يزيد، ومعمر والثوري. مات سنة ١٤٣ هـ خلاصة تذهيب الكمال ٢/٢٥..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ في ب: عن..
٦ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١١ – ٤١٢..
٧ انظر البيان ٢/١٣٨، التبيان ٢/٨٨٥، البحر المحيط ٢/٢٢٦..
٨ في ب: من..
٩ من قوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠]. انظر التبيان ٢/٨٨٥- البحر المحيط ٦ /٢٢٦ – ٢٢٧..
قوله :﴿ اللهُ لاَ إلهَ إِلاَّ هُوَ ﴾١ الجلالة إما مبتدأ والجملة المنفية خبرها، وإما خبر٢ لمبتدأ محذوف، أي هو الله. والحسنى تأنيثُ الحسنِ، وقد تقدم أن جمع التكسير في غير٣ العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة٤.
ولما ذكر صفاته وحَّدَ نَفْسَه فقال :" اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ هوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى ".

فصل


قالوا٥ : كلمة " لا " ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية تنتفي كل أفرادها. وإنما " اللهُ " اسم علم للذات المعينة، إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد.
وقالوا :" لاَ " استحقت عمل " إِنَّ " ٦ لمشابهتها لها من وجهين :
الأول : ملازمة الأسماء٧.
والآخر : تناقضهما. فإن أحدهما لتأكيد الثبوت٨، والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم٩، وإذا كان كذلك، فنقول : لمَّا قالوا : إنَّ زيداً ذاهبٌ كان يجب أن يقولوا :( لا رجلاً ذاهب )١٠ إلاَّ أنهم بنوا " لا " مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح : أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما١١ دخل عليه كأنهما صارا مفرداً واحداً١٢ فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توقيفاً بين الدليل الموجب للإعراب، والدليل الموجب للبناء١٣. وخبره محذوف١٤ تقديره : لاَ إِله في الوجود، ولا حول ولا قوةَ لنا، وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية. فإن قيل : تصور الثبوت مقدم١٥ على تصور السلب، فإنَّ السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره، فكيف قدم هنا السلب على الثبوت ؟
فالجواب١٦ : لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه١٧.

فصل١٨


ينبغي لأهل لاَ إله إلاَّ الله أنْ يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إلهَ إلا الله : التصديق، والتعظيم والحلاوة والحرية١٩، فمن ليس له التصديق فهو منافق، ومَن ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومَن ليس له الحلاوة٢٠ فهو من مراء ومَنْ ليس له الحرية٢١ فهو فاجر.

فصل


( قال بعضهم٢٢ )٢٣ قوله تعالى :﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾٢٤ أنَّه لا إله إلاَّ الله. ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾٢٥ لا إله إلاَّ الله ﴿ وَتَواصُّوْا بالحَقِّ ﴾٢٦ لا إله إلاَّ الله. ﴿ قُلْ إنَّمَا أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ ٢٧ بلا٢٨ إله إلاَّ الله. ﴿ وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئولُون ﴾ " ٢٩ عن قول لا إله إلاَّ الله. " بَلْ جَاءَ بالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين " ٣٠ هو لا إله إلاَّ الله. " يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ فشي الحَيَاةِ الدُّنْيَا " ٣١ هو لاَ إله إلاَّ الله. " وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمينَ " ٣٢ عن قول : لا إله إلاَّ الله٣٣.

فصل٣٤


قال عليه السلام٣٥ :" أفضل الذكر لاَ إله إلاَّ الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله "، ثمّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فاعْلَم أنَّه لا إلهُ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ " ٣٦ وقال عليه السلام٣٧ :" إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ مَلَكاً من الملائكة قبل أن خلق٣٨ السموات والأرض وهو يقول : أشهد٣٩ أن لا إله إلاَّ الله مادًّا بها صوته لا يقطعها، ولا يتنفس فيها، ولا يتمها، فإذَا أتمَّها أمر٤٠ إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت٤١ القيامة تعظيماً لله تعالى " ٤٢.
وعن٤٣ أنس قال عليه السلام٤٤ :" ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع إليه ويشفعني، حتى قلت : يا رب فيمن قال٤٥ : لا إله إلا الله. قال : يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي، لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله " وقال سفيان الثوري : سألت جعفر بن محمد عن " حم عسق " ٤٦ فقال : الحاء حُكمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤُه والقاف قدرتُه، يقول الله عز وجل : بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي ولا قدرتي لا أعذب بالنار من قال : لاَ إله إلاَّ الله محمد رسول الله.
وعن ابن عمر٤٧ قال عليه السلام٤٨ :" من قال في الشوق : لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيي ويُميتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَمُوتُ بيدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قدِير، كَتَبَ الله لهُ أَلفَ حَسَنةٍ ومَحَا عَنْهُ ألفَ سيئةٍ و بَنَى لَهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ " ٤٩.
وروي عن موسى بن عمران عليه السلام٥٠ قال : يا رب علمني شيئاً أذكرك به قال : قل : لا إله إلاَّ الله، قال : كل عبادك يقول٥١ : لا إله إلاَّ الله. فقال٥٢ : قل : لا إله إلاَّ الله. قال : إنما أردت شيئاً تخصني به. قال يا موسى : لو أن السموات السبع ومن فوقهن في كفة٥٣ ولا إله إلاَّ الله في كفة لماتْ بهِنَّ لاَ إله إلاَّ الله.

فصل٥٤


قيل : إنَّ الله تعالى أربعة آلاف اسم لا يعلمها إلا الله والأنبياء٥٥ أما الألف الرابعة فإن المؤمنين يعلمونها، فثلثمائة في التوراة، وثلثمائة في الإنجيل، وثلثمائة في الزبور ومائة في القرآنه تسعة٥٦ وتسعون ظاهرة وواحد مكنون٥٧ فمن٥٨ أحصاها دخل الجنة.
واعلم أن الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناءً ومدحاً٥٩، كقوله : جاعل، وفالق٦٠، وصانع. فإذا قيل :" فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً " ٦١ صار٦٢ مدحاً٦٣ وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قُرِنَ بغيره أبلغ نحو قولنا : حيّ، فإذا قيل : الحَيُّ القَيُّومُ، أو الحَيُّ٦٤ الَّذِي لا يَمُوتُ. كان أبلغ. وأيضاً بديع. فإذن قلت : بَديعُ السَّمواتِ والأرضِ، ازداد المدح.
ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده، كقولنا : دَلِيلٌ، وكَاشِفٌ، فإذا قيل : يا دليلَ المتحيرين، يا كاشفَ الضُرِّ والبلوى جاز.
ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً ومقروناً كقولنا : الرَّحيم الكريمُ٦٥ ( ومن الأسماء ما يكون تقارنُها أحسنَ كقولك : الأول الآخر، المبدئ المعيد، الظاهر الباطن، العزيز الحكيم )٦٦.
١ في ب: "الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى"..
٢ في ب: خبر. وهو تحريف..
٣ في ب: عن. وهو تحريف..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٢٧..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١..
٦ في ب: استحقت عملا. وهو تحريف..
٧ في ب: الأول عمل الأسماء وملازمتها..
٨ في ب: النبوة. وهو تحريف..
٩ في شرح التصريح: (قال أبو البقاء: وإنما عملت (لا) عمل (إنّ) لمشابهتها من أربعة أوجه: أحدها: أن كلا منهما يدخل على الجملة الاسمية. الثاني: أن كلا منهما للتأكيد فـ (لا) لتأكيد النفي و (إنّ) لتأكيد الإثبات. والثالث: أن (لا) نقيضة (إنّ) والشيء يحمل على نقيضه كما يحمل على نظيره.
والرابع: أن كلا منهما له صدر الكلام. ١/٢٣٥..

١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ في ب: ما. وهو تحريف..
١٢ في ب: كأنما مما دخلا مفردا. وهو تحريف..
١٣ والمراد بالمفرد هنا ما ليس مضافا ولا شبيها به فيشمل المفرد والمثنى وجمع المذكر السالم، والمؤنث السالم، وجمع التكسير. واختلف في علة البناء: فقيل: لتضمنه معنى (من) كأن قائلا قال هل من رجل في الدار، فقال مجيبه: لا رجل في الدار. لأن نفي (لا) عام، بدليل ظهورها في قوله:
فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال ألا لا من سبيل إلى هند
واختار هذا القول ابن عصفور وعلله بأن تركيب الاسم مع الحرف قليل والبناء للتضمن كثير. وقيل: تركيب الاسم مع الحرف تركيب خمسة عشر، هذا قول سيبويه والجماعة ويؤيده أنهم إذا فصلوا أعربوا فقالوا: لا فيها رجل ولا امرأة. والمفرد وجمع التكسير يبنيان على الفتح لخفته، وجمع المؤنث السالم يبنى على الكسر، وقيل على الفتح كقول الشاعر:
إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ ولا الذات للشِّيب
والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما ينصبان به وهو الياء كقول الشاعر:
تعز فلا إلفين بالعيش متعا ولكن لورّاد المنون تتابع
وقول الآخر:
يحشر الناس لا بنين ولا آ باء إلا وقد عنتهم شؤون
وذهب المبرد إلى أنهما معربان.
انظر شرح التصريح ١/٣٣٨ – ٢٤٠، الهمع ١/١٤٥ـ ١٤٦، شرح الأشموني ٢/٦-٨..

١٤ خبر (لا) النافية لجنس يحذف عند العلم به، وهذا الحذف غالب في لغة الحجاز ملتزم في لغة تميم وطيء فلم يلفظوا به أصلا نحو: لا ضير فلا فوت ولا ضرر، لا عدوى ولا طيرة لا بأس. وإنما كثر أو وجب، لأن (لا) و ما دخلت عليه جواب استفهام عام، والأجوبة يقع فيها الحذف والاختصار كثيرا، ولهذا يكتفون فيها بـ (لا) و(نعم) ويحذفون الجملة بعدها رأسا. وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع (إلا) نحو لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن لم يعلم بقرينة قالية أو حالية لم يجز الحذف عند أحد. انظر الهمع ١/١٤٦..
١٥ في ب: يقدم..
١٦ في ب: الجواب..
١٧ آخر ما نقله ابن عادل هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١..
١٨ هذه الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠ – ١١..
١٩ في النسختين: الجلالة والحرمة..
٢٠ في النسختين: الجلالة..
٢١ في النسختين: الحرمة..
٢٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١..
٢٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٤ وتكملة الآية: ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ [إبراهيم: ٢٤]..
٢٥ من قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]..
٢٦ من قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ٣].
٢٧ من قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦]..
٢٨ في ب: لا..
٢٩ [الصافات: ٢٤]..
٣٠ [الصافات: ٣٧]..
٣١ من قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧]..
٣٢ من قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧]..
٣٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١..
٣٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠ – ١١..
٣٥ في ب: قال صلى الله عليه وسلم..
٣٦ من الآية [١٩] من سورة محمد. أخرجه ابن ماجه (أدب) ٢/١٢٤٩ والترمذي (دعوات) ٥/١٣٠..
٣٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٨ في ب: يخلق..
٣٩ أشهد: سقط من ب..
٤٠ في ب: أمر الله..
٤١ في ب: وقامة. وهو تحريف..
٤٢ تعالى سقط في ب..
٤٣ في ب: عن..
٤٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٥ في الأصل: قالت. وهو تحريف..
٤٦ [الشورى: ١، ٢]..
٤٧ في الفخر الرازي : قال عمر..
٤٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٩ أخرجه الترمذي (دعوات) ٥/١٥٥ – ١٥٦، وابن ماجه (تجارات) ٢/٧٥٢، والدارمي (استئذان) ٢/٢٩٣، وأحمد ١/٤٧..
٥٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥١ في ب: يقولوا..
٥٢ في الأصل: قال..
٥٣ في كفة: سقط من ب..
٥٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٢ – ١٣..
٥٥ في الفخر الرازي : يقال: إن الله تعالى أربعة آلاف اسم ألف لا يعلمها إلا الله تعالى وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة والأنبياء..
٥٦ في ب: وتسعة..
٥٧ في الأصل: وواحدة مكنونة..
٥٨ في الأصل: من..
٥٩ في ب: ومدح..
٦٠ في ب: فالق وجاعل..
٦١ [الأنعام: ٩٦] "وجاعل" قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، و"جعل" قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ٢٦٣..
٦٢ صار: سقط من ب..
٦٣ في ب: ثناء ومدح..
٦٤ أو الحي: مكرر في الأصل..
٦٥ في ب: الرحيم العزيز الحكيم..
٦٦ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أتَاكَ حَديثُ مُوسَى: إذْ رَأَى نَاراً﴾... الآية: لما عظم حال القرآن، وحال الرسول عليه السلام بما كلَّفه أتبع ذلك بما يقوي قلبَ رسوله من ذكر أحوال الأنبياء تقوية لقلبه في الإبلاغ، كقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. وبدأ بموسى لأن فتنته كانت أعظم «ليتسلَّى قلبُ الرسول عليه السلام بذلك، ويصبر على تحمل المكاره. قوله:» وَهَلْ أتَاكَ «يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به من أمر موسى فقال:» وَهَلْ أتَاكَ «أي لم يأتك إلى الآن) وقد أتاك الآن فتنبه له، وهذا قول الكلبي. ويحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان المتقدم فكأنه قال: أليس قد أتاك، وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس، وهذا وإن كان
182
على لفظ الاستفهام الذي لا يجوز على الله على لكن المقصود منه تقرير الخبر في قلبه، وهذه الصورة أبلغ في ذلك كقولك لصاحبك: هَلْ بلغكَ عني كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة ما يرمي إليه، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر من قِبَل موسى لا من قِبَل الله (تعالى).
قوله:» إذْ رَأَى «يجوز أن يكون منصوباً بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينتصب ب (اذكر) مقدراً قاله أبو البقاء. أو بمحذوف بعده، أي إذا رأى ناراً كان كيت وكيت كما قاله الزمخشري. و» هَلْ «على بابها من كونها استفهام تقرير. وقيل: بمعنى قد. وقيل: بمعنى النفي. وقرأ» لإِهْلِهُ امْكُثُوا «بضم الهاء حمزة، وقد تقدم أنه الأصل وهو لغة الحجاز.
وقاله أبو البقاء: إن الضم (للإتباع).
قوله:»
آنَسْتُ «أي أبصرت، والإيناس: الإبصار والتبيُّن ومنه إنسان العين، لأنه يبصر به الأشياء، والإنس لظهورهم كما قيل: الجن لاستتارهم. وقيل: هو الوجدان. وقيل: هو الإحساس فهو أعم من الإبصار. وأنشدوا للحارث بن حلزة:
183
٣٦٤٢ - آنَسْتُ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا القُن نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ
والقَبَس: الجَذْوَةُ من النار، وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوها وهو فعلٌ بمعنى مفعول كالقَبَض والنَّفَض بمعنى المقبوض والمنفوض. ويقال: إن فعل وأَفْعَل يقالان في المعنيين فيقال: قَبَسْتُه ناراً وعِلماً وأَقْبَستُهُ أيضاً (ناراً وعلماً) وقوله:» مِنْهَا «يجوز أن يتعلق (ب» آتِيكُمْ «أو) بمحذوف على أنه حال من» قَبَس «وأما بعضهم ألف» هُدًى «وقفاً، والجيد أن لا تُمال، لأن الأشهر أنها بدل من التنوين.

فصل


قال المفسرون: استأذن موسى شعيباً في الرجوع من مَدْيَنَ إلى مصر لزيارة
184
والدته وأخته، فأذن له، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام.
فولدت امرأته في ليلة شاتية، وكانت ليلة الجمعة فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، فقدح زنده فلم يورِهِ، فبينما هو في مزاولة ذلك إذ أبصر ناراً من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور.
قال السُّدي: فظن أنها نارٌ من نيران الرعاة.
وقال آخرون: إنه عليه السلام رآها في شجرة وليس في القرآن ما يدل على ذلك. وقال بعضهم: الذي رآه لم يكن ناراً (بل تخيله ناراً) والصحيح أنه رأى ناراً ليكون صادقاً في خبره، إذا الكذب لا يجوز على الأنبياء. قيل: النار أربعة أقسام:
نارٌ تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا. ونارٌ تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ [يس: ٨٠].
ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة. ونارٌ لا تأكل ولا تشرب، وهي نار موسى عليه السلام.
وقيل أيضاً: النار أربعة: أحدها: نارٌ لها نور بلا حرقة، وهي نار موسى عليه السلام.
ونارٌ لها حرقة بلا نور، وهي نار جهنم. ونارٌ لها حرقة ونور، وهي نار الدنيا. ونار لا حرقة لها ولا نور وهي نار الأشجار. فلما أبصر النار «قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا» يجوز أن يكون هذا الخطاب للمرأة وولدها والخادم.
ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيماً، أي: أقيموا في مكانكم. «إنِّي آنَسْتُ نَاراً». أي أبصرتُ ناراً، والإيناس: الإبصار وقيل: إبصار ما يُؤنَسُ بِهِ ولما وجد الإيناس - وكان منتفياً - حقيقة لهم أتى بكلمة «إنِّي» ليوطن أنفسهم. ولما كان
185
الإتيان بالقَبَس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع، فقال: «لَعَلِّي» ولم يقطع فيقول: إنِّي آتيكُمْ، لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به، والنكتة فيه أن قوماً قالوا: كَذَبَ إبراهيمُ للمصلحة وهو محال، لأن موسى عليه السلام قبل نبوته احترز فلم يقل: إِنِّي آتِيكُمْ، بل قال «لَعَلِّي آتِيكُمْ». والقَبَسُ: النارُ المقتبسةُ في رأس عودٍ أو فتيلةٍ أو غيرهما. «أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى» أي ما يهتدي به وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجِدُ على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة.
ومعنى الاستعلاء على النار « (أنَّ أهلَ النارِ) يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا مشرفين عليها، فكأنه قال: أُجِدُ على النارِ مَنْ يَدُلُّنِي.» فَلَمَّا أتَاهَا «أي النار، قال ابن عباس: رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها أطافت بها نار بيضاء تتّقد كأضوأ ما يكون فوقف متعجباً من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغير خضرتها، ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار.
قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء.
وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت من العَوْسَج.
وقال وهب: كانت من العُلِّيْق. وقيل: كانت من العِنَّاب.
قال أكثر المفسرين: إنَّ الذي رآه موسى لم يكن ناراً بل كان نورَ الربِّ (تبارك
186
وَتَعالى) ذُكِرَ بلفظ النار، لأن موسى عليه السلام حسبه ناراً فلما دَنَا مِنْهَا سمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً.
قال وهب: ظن موسى أنها نار أوقدت، فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده، فتأخر عنها وهابَها، ثم لم تزل تطعمه، ويطمع فيها، ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها، فإذا خضرتها ساطعة في السماء، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك وضع يديه على عينيه، فنودي يا موسى.
قال القاضي: الذي يروى من أن الزند ما كان يروى فجائز، وما رُوِي من أن النار كانت تتأخر عنه، فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ممنوع إلاَّ أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء، لأن قوله: «وَأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى» دليل على أنه إنما أوحي إليه في هذه الحالة، وجعله نبيًّا. وعلى هذا يبعدُ ما ذكروه من تأخر النار عنه وبيَّنَ فسادَ ذلك، قوله تعالى: «فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ» ولو كانت تتأخر عنه حالاً بعد حالٍ لَمَا صحَّ ذلك، ولَمَا بقي لفاء التعقيب.
قوله: «نودي: القائم مقام الفاعل ضمير موسى.
وقيل: ضميرُ المصدر، أي نُودِي النداء، وهو ضعيف. ومنعُوا أنْ يكون القائم مقامه الجملة من»
يا مُوسَى «، لأن الجملَةَ لا تكونُ فاعلاً.
187
قوله :﴿ إذْ رَأَى ﴾ يجوز أن يكون منصوباً بالحديث وهو الظاهر ويجوز أن ينتصب ب ( اذكر ) مقدراً١ قاله أبو البقاء٢. أو بمحذوف بعده، أي إذا رأى ناراً٣ كان كيت وكيت كما٤ قاله الزمخشري٥. و " هَلْ " على بابها من كونها استفهام تقرير٦. وقيل : بمعنى قد. وقيل : بمعنى النفي٧. وقرأ " لإِهْلِهُ امْكُثُوا " بضم الهاء حمزة، وقد تقدم أنه الأصل وهو لغة الحجاز٨.
وقاله أبو البقاء : إن الضم ( للإتباع )٩ ١٠.
قوله :﴿ آنَسْتُ ﴾ أي أبصرت، والإيناس : الإبصار والتبيُّن ومنه إنسان١١ العين، لأنه يبصر به الأشياء، والإنس لظهورهم كما قيل : الجن لاستتارهم. وقيل : هو الوجدان. وقيل : هو١٢ الإحساس فهو أعم من الإبصار. وأنشدوا للحارث بن حلزة :
آنَسْتُ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا القُن نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ١٣
والقَبَس : الجَذْوَةُ١٤ من النار، وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة و١٥ نحوهما وهو فعلٌ بمعنى مفعول كالقَبَض١٦ والنَّفَض١٧ بمعنى المقبوض والمنفوض. ويقال : أقبست١٨ الرجل علما، وقبسته نارا، ففرقوا بينهما، هذا قول المبرد١٩. قال الكسائي : إن فعل وأَفْعَل يقالان في المعنيين فيقال : قَبَسْتُه ناراً وعِلماً وأَقْبَستُهُ أيضاً ( ناراً وعلماً )٢٠ ٢١ وقوله :" مِنْهَا " يجوز أن يتعلق ( ب " آتِيكُمْ " أو )٢٢ بمحذوف على أنه حال من " قَبَس " ٢٣ وأما بعضهم ألف " هُدًى " وقفاً، والجيد أن لا تُمال، لأن الأشهر أنها بدل٢٤ من التنوين٢٥.

فصل


قال المفسرون٢٦ : استأذن موسى شعيباً٢٧ في الرجوع من مَدْيَنَ إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام.
فولدت امرأته في ليلة شاتية، وكانت ليلة الجمعة فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي الأيمن، فقدح زنده فلم يورِهِ، فبينما٢٨ هو في مزاولة٢٩ ذلك إذ أبصر ناراً من بعيد على٣٠ يسار الطريق من جانب الطور٣١.
قال السُّدي : فظن أنها نارٌ من نيران٣٢ الرعاة.
وقال آخرون٣٣ : إنه عليه السلام٣٤ رآها في شجرة وليس في القرآن ما يدل على ذلك. وقال بعضهم : الذي رآه لم يكن ناراً٣٥ ( بل تخيله ناراً )٣٦ والصحيح أنه رأى ناراً ليكون صادقاً في خبره، إذا الكذب لا يجوز على الأنبياء٣٧. قيل : النار أربعة أقسام :
نارٌ٣٨ تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا. ونارٌ تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى٣٩ :﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً ﴾٤٠.
ونار تأكل وتشرب وهي نار٤١ المعدة. ونارٌ لا تأكل ولا تشرب، وهي نار موسى عليه السلام٤٢.
وقيل أيضاً : النار أربعة : أحدها : نارٌ لها نور بلا حرقة، وهي نار موسى عليه السلام٤٣.
ونارٌ لها حرقة بلا نور، وهي نار جهنم. ونارٌ لها حرقة ونور، وهي نار الدنيا. ونار لا حرقة لها ولا نور وهي نار الأشجار. فلما أبصر النار ﴿ قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا ﴾ يجوز أن يكون هذا الخطاب للمرأة٤٤ وولدها والخادم.
ويجوز أن يكون للمرأة وحدها خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع وأيضاً فقد يخاطب الواحد بلفظ الجمع تفخيماً، أي : أقيموا في مكانكم. " إنِّي آنَسْتُ نَاراً ". أي أبصرتُ ناراً، والإيناس : الإبصار وقيل : إبصار٤٥ ما يُؤنَسُ بِهِ ولما وجد الإيناس -وكان منتفياً- حقيقة لهم أتى بكلمة " إنِّي " ليوطن أنفسهم٤٦. ولما كان الإتيان بالقَبَس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بنى٤٧ الأمر فيهما على الرجاء والطمع، فقال :" لَعَلِّي " ولم يقطع فيقول : إنِّي آتيكُمْ، لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به، والنكتة فيه أن قوماً قالوا : كَذَبَ إبراهيمُ للمصلحة وهو٤٨ محال، لأن موسى عليه السلام٤٩ قبل نبوته احترز فلم يقل : إِنِّي آتِيكُمْ، بل قال " لَعَلِّي آتِيكُمْ ". والقَبَسُ : النارُ المقتبسةُ في رأس عودٍ أو فتيلةٍ أو غيرهما. " أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى " أي ما يهتدي به وهو اسم مصدر٥٠، فكأنه قال : أجِدُ على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة.
ومعنى الاستعلاء على٥١ النار " ( أنَّ أهلَ النارِ )٥٢ يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها٥٣ إذا أحاطوا مشرفين عليها٥٤، فكأنه٥٥ قال : أُجِدُ على النارِ مَنْ يَدُلُّنِي. " فَلَمَّا أتَاهَا " أي النار، قال ابن عباس : رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها٥٦ أطافت بها نار بيضاء تتّقد٥٧ كأضوأ ما يكون فوقف متعجباً من شدة ضوء تلك٥٨ النار وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغير خضرتها، ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء٥٩ النار٦٠.
قال ابن مسعود٦١ : كانت الشجرة سمرة خضراء.
وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت من العَوْسَج٦٢.
وقال وهب : كانت من العُلِّيْق٦٣. وقيل : كانت من العِنَّاب٦٤ ٦٥.
قال أكثر المفسرين : إنَّ الذي رآه موسى٦٦ لم يكن ناراً بل كان نورَ الربِّ ( تبارك وَتَعالى )٦٧ ذُكِرَ٦٨ بلفظ النار، لأن موسى عليه السلام٦٩ حسبه ناراً فلما دَنَا مِنْهَا سمع تسبيح الملائكة ورأى نوراً عظيماً٧٠.
قال وهب٧١ : ظن موسى أنها٧٢ نار٧٣ أوقدت٧٤، فأخذ من دقاق الحطب وهو الحشيش اليابس ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده، فتأخر عنها وهابَها، ثم لم تزل تطعمه٧٥، ويطمع٧٦ فيها، ثم لم يكن بأسرع من خمودها كأنها لم تكن ثم رمى موسى ببصره إلى فروعها، فإذا٧٧ خضرتها ساطعة في السماء، وإذا٧٨ نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى٧٩ ذلك وضع يديه على عينيه، فنودي يا موسى.
قال القاضي : الذي يروى من أن الزند ما كان يروى فجائز، وما رُوِي من٨٠ أن النار كانت تتأخر عنه، فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا فهو ممنوع إلاَّ أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء، لأن٨١ قوله :﴿ وَأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴾٨٢ دليل على أنه إنما أوحي إليه في هذه الحالة٨٣، وجعله نبيًّا. وعلى هذا يبعدُ ما ذكروه من تأخر النار عنه وبيَّنَ فسادَ ذلك،
١ في ب: مقدم ما. وهو تحريف..
٢ انظر التبيان ٢/٨٨٥..
٣ نارا سقط من ب..
٤ كما: سقط من ب..
٥ قال الزمخشري: أو المضمر، أي: حين (رأى نارا) كان كيت وكيت الكشاف ٢/٤٢٨..
٦ في ب: استفهام تقديره. وهو تحريف..
٧ البحر المحيط ٦/٢٢٩. قال أبو حيان بعد قوله: وقيل هل بمعنى قد: (والظاهر خلاف هذا، لأن السورة مكية، والظاهر أنه لم يكن أطلعه على قصة موسى قبل هذا) وفي ب: وقيل بمعنى بعد، وقيل بمعنى قد أو النفي..
٨ قرأ حمزة وابن سعدان عن إسحاق المسيبي "لأهله امكثوا" بضم الهاء والباقون يكسرون الهاء فيهما. انظر السبعة : ٤١٧ وحجة من ضم الهاء أنه أتى بالهاء على أصلها موصولة بالواو للتقوية، فلقيت الواو وهي ساكنة الميم من "امكثوا" وهي ساكنة فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة تدل عليها. وحجة من كسر الهاء أنه أبدل من ضمة الهاء كسرة للكسرة التي قبلها، فانقلبت الواو ياء ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الميم بعدها، وبقيت الكسرة تدل عليها. انظر الكشف ٢/٩٥..
٩ قال أبو البقاء: (لأهله بكسر الهاء وضمها، وقد ذكر، ومن ضم أتبعه ما بعده) التبيان ٢/٨٨٥..
١٠ في ب: لاتباع. وهو تحريف..
١١ في ب: إيناس. وهو تحريف..
١٢ هو سقط من ب..
١٣ في الأصل: آنست نبأة وقد روعها القُنّاص وقدَّد بالإمساء. وفي ب: آنست نبأة وقد روعها القنّاص وقد بالإمساء. وما أثبته هو الصواب. والبيت من بحر الخفيف من معلقته.
آنست: أحسّت. وهو موطن الشاهد.
النبـأة: الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله. الإفزاع: الإخافة. القُنّاص: جمع قانص، وهو الصياد، العصر: العشيّ..

١٤ في ب: الجذو..
١٥ في ب: أو..
١٦ القَبَض: ما قُبض من الأموال..
١٧ النقض – بالتحريك: ما تساقط من الورق والثمر، وهو فعل بمعنى مفعول، كالقبض بمعنى المقبوض..
١٨ في ب: أقبس..
١٩ لم أعثر على هذا القول فيها رجعت إليه من كتب المبرد، وهو في البحر المحيط ٦/٢٢٢. والمبرد هو محمد بن يزيد الأزدي البصري أبو العباس المبرد، إمام العربية ببغداد في زمانه، أخذ عن المازني وأبي حاتم السجستاني ومن مصنفاته معاني القرآن، الكامل، والمقتضب وغير ذلك. مات سنة ٢٨٥ هـ ببغداد. بغية الوعاة ١/٢٦٩ – ٢٧١..
٢٠ اللسان (قبس)..
٢١ ما بين القوسين في ب: عالما ونارا..
٢٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٣ انظر التبيان ٢/٨٨٥..
٢٤ في ب: بدلا. وهو تحريف..
٢٥ قال أبو البقاء: (والجيد في هدى هنا أن يكتب بالألف، ولا تمال: لأن الألف بدل من التنوين في القول المحقق. وقد أمالها قوم، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون شبه ألف التنوين بلام الكلمة إذ اللفظ بهما في المقصور واحد.
والثاني : أن تكون لام الكلمة، ولم تبدل من التنوين شيئا في النصب كما جاء: وآخذ من كل حي عصم.
والثالث: أن تكون على رأي من وقف في الأحوال الثلاثة من غير إبدال) التبيان ٢/٨٨٥..

٢٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥ – ١٦..
٢٧ في الأصل: شعيب..
٢٨ في ب: فيبنا. وهو تحريف..
٢٩ المزاولة: معالجة الشيء، يقال: فلان يزاول حاجة له. اللسان (زَوَلَ)..
٣٠ في ب: عن..
٣١ انظر البغوي ٥/٤١٣..
٣٢ في الأصل: نار. وهو تحريف..
٣٣ في ب: وقيل..
٣٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٥ في ب: نار. وهو تحريف..
٣٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٧ في ب: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام..
٣٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٩ ما بين القوسين تكلمة من الفخر الرازي..
٤٠ من قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم به توقدون﴾ [يس: ٨٠]..
٤١ في الأصل: النار. وهو تحريف..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٤ في ب: إلى المرأة..
٤٥ في ب: أيضا. وهو تحريف..
٤٦ في ب: أهله..
٤٧ في ب: بين. وهو تحريف..
٤٨ في ب: وهي. وهو تحريف..
٤٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٠ اسم المصدر: هو ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما فعله، مثل توضأ وضوءا وتكلم كلاما. انظر شرح الأشموني ٢/٢٨٧..
٥١ في الأصل: في. وهو تحريف..
٥٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٣ في الأصل لها. وهو تحريف..
٥٤ في ب: إذا أشرفوا بها كأنهم أحاطوا بها..
٥٥ في ب: كأنه..
٥٦ في ب: من أعلاها إلى أسفلها..
٥٧ في ب: متعد. وهو تحريف..
٥٨ ضوء سقط من ب..
٥٩ في ب: لون..
٦٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠- ١٦ بتصرف..
٦١ من هنا ما نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤١٣..
٦٢ العَوْسَج: شجر من شجر الشوك. وله ثمر أحمر مدوّر كأنه العقيق. اللسان (عسج)..
٦٣ العُليق: شجر من شجر الشوك لا يعظم، وإذا نشب فيه شيء لم يكد يتخلص من كثرة شوكه، وشوكه حجز شداد. اللسان (علق)..
٦٤ العنّاب: من الثمر معروف الواحدة عنابة، وربما سمي ثمر الأراك عنّابا. اللسان (عنب)..
٦٥ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١٣..
٦٦ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٦٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٦٨ في ب: ذكر موسى..
٦٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٠ انظر البغوي ٥/٤١٣. وهو تحريف..
٧١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦..
٧٢ في ب: أنه. وهو تحريف..
٧٣ في النسختين: نارا. والصواب ما أثبته..
٧٤ في ب: وقدت..
٧٥ في ب: قطعه، وهو تحريف..
٧٦ في ب: وطمع..
٧٧ في ب: فإذا هي..
٧٨ في ب: إذا..
٧٩ موسى: سقط من ب..
٨٠ من: سقط من ب..
٨١ في ب: إلا أن..
٨٢ الآية: [١٣] من سورة طه..
٨٣ في ب: الحال..
قوله تعالى :﴿ فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ ﴾ ولو١ كانت تتأخر عنه حالاً بعد حالٍ لَمَا صحَّ ذلك، ولَمَا بقي لفاء التعقيب فائدة.
والجواب : أن القاضي بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أنّ الإرهاص غير جائز. وذلك باطل، فبطل قوله٢، وأما التمسك بفاء التعقيب فقريب، لأنّ تخلل الزمان القليل بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب٣.
قوله :﴿ نودي ﴾ : القائم مقام الفاعل ضمير موسى.
وقيل : ضميرُ المصدر، أي نُودِي النداء، وهو ضعيف. ومنعُوا أنْ يكون القائم مقامه الجملة من " يا مُوسَى "، لأن الجملَةَ لا تكونُ فاعلاً٤.
١ في ب: وإن..
٢ قوله: سقط من ب..
٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦..
٤ انظر التبيان ٢/٨٨٦، اختلف في الفاعل ونائبه هل يكونان جملة أم لا؟ فالمشهور المنع مطلقا وهو مذهب البصريين وأجازه هشام وثعلب مطلقا نحو (يعجبني قام زيد). وفصل الفراء و جماعة ونسبوه لسيبويه فقالوا: إن كان الفعل قلبيا ووجد معلق عن العمل نحو: (ظهر لي أقام زيد) صح، وإلا فلا، وحملوا عليه ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥] ومنعوا (يعجبني يقوم زيد)، وأجازهما هشام وثعلب واحتجا بقوله:
وما راعني إلا يـســير بشرطة وعهدي به قينا يسير بكير
ومنع الأكثرون ذلك كله، وأولوا ما ورد يوهمه، فقالوا: في بدأ ضمير البداء، ويسير على إضمار (أن) المغني ٢/٤٢٨، الهمع ١/١٦٤، حاشية الصبان ٢/٤٣..

قوله: «إِنِّي» قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح على تقدير الباء أي: بأِنِّي، لأن النداء يوصل بها. تقول: ناديتُه بكذا، وأنشد الفارسيُّ قول الشاعر:
٣٦٤٣ - نَادَيْتُ باسْمِ رَبيعَةَ بنِ مُكْدَّمٍ إنَّ المُنَوَّه باسْمِهِ المَوْثُوقُ
وجوز ابن عطية أن تكون بمعنى: لأجل، وليس بظاهر. والباقون بالكسر إمَّا على إضمار القول عند الكوفيين. وقوله: «أَنَّا» يجوز أن يكون مبتدأ وما بعده خبر والجملة خبر (إنَّ) ويجوز أن يكون توكيداً للضمير المنصوب. ويجوز أن يكون (فصلاً).
188

فصل


قال المفسرون: لمَّا نُودِي يَا مُوسَى أجاب سريعاً ما يدري من دعاه، فقال: إنِّي أسمع صوتك ولا أرَى مكانَك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقَكَ، وَعَكَ، وأمَامَكَ، وخلفَكَ، وأقربُ إليكَ منْ نفسِك. فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا الله عزّ وجلّ فأيقن به. «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» روى ابن مسعود مرفوعاً في قوله: «اخْلَعْ نَعْلَيْكَ» قيل: كانَتَا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ.
وقال عكرمة ومجاهد: ليباشر بقَدَمَيْه تراب الأرض المقدسة، فيناله بركتها، لأنه قُدِّسَتْ مرتين، فخلعهما وأَلقاهُما من وراء الوادي.
قيل: إنه عرف أن المنادي هو الله تعالى، لأنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث أن الخُضْرة ما كانت تطفئ تلك النار، وتلك النار ما كانت تنضر بتلك الخُضْرة، وهذا لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى.
قوله: «طُوَى» قرأ الكوفيون وابنُ عامر «طُوًى» بضم الطاء والتنوين.
وقرأ الباقون: بضمها من غير تنوين.
وقرأ الأعمش والحسن وأبو حيوة وابن محيصن بكسر الطاء منوناً، وأبو زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون.
فمن ضمَّ ونوَّنَ فإنه صرف: لأنَّه أوَّله بالمكان. ومن منعه فيحتمل أوجهاً:
أحدها: أنه منعه للتأنيث باعتبار والعلمية.
189
الثاني: أنَّه منعه للعدل إلى فُعَل، وإن لم يعرف اللفظ المعدول عنه وجعله كُعَمر وزُفَر.
الثالث: أنه اسم أعجميٌّ فمَنْعُهُ للعلمية والعجمة. ومن كَسَر ولم يُنوّن فباعتبار البقعة أيضاً. فإن كان اسماً فهو نظير عِنَب، وإن كان صفة فهو نظير عِدَى وسِوَى. ومن نَوَّنه فباعتبار المكان.
وعن الحسن البصري: أنه بمعنى الثناء بالكسر والقصر، والثناء المتكرر مرتين فيكون معنى هذه القراءة: أنه طهر مرتين، فيكن مصدراً منصوباً بلفظ (المقدس)، لأنه بمعناه، كأنه قيل: المقدس مرتين من التقديس.
وقرأ عيسى بن عمر والضَّحَّاك «طَاوِيْ اذْهِب». وطُوَى: إما بدل من
190
الوادي أو عطف بيان له. أو مرفوع على إضمار مبتدأ، أو منصوب على إضمار أعْنِي.

فصل


استدلت المعتزلة بقوله: «اخْلَعْ نَعْلَيْكَ» على أن كلام الله تعالى ليس بقديم، إذ لو كان قديماً لكان الله قائلاً قبل وجود موسى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يَا مُوسَى، ومعلوم أن ذلك سفه، فإن الرجل في الدار الخالية إذا قال يا يزيد افعل، ويا عمرو لا تفعل مع أن زيداً وعمراً لا يكونان حاضرين يعد ذلك جنوناً وسفهاُ.
فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه وتعالى؟ وأجيب عن ذلك بوجهين:
الأول: أن كلامه تعالى وإن كان قديماً إلا أنه في الأزل لم يكن أمراً ولا نهياً.
الثاني: أنه كان أمراً بمعنى أنه وجد في الأزل شيء لما استمر إلى ما يزال صار الشخص به مأموراً من غير وقوع التغير في ذلك الشيء، كما أن القدرة تقتضي صحة الفعل، ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه الصحة، فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة، فكذا ههنا، وهذا كلام فيه غموض وبحث دقيق.

فصل


قال بعضهم: في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل، والصحيح عدم الكراهة، لأنا عللنا الأمر بخلع النعلين لتعظيم الوادي، وتعظيم كلام الله تعالى كان الأمر مقصوراً على تلك الصورة.
وإن عللناه بأن النعليْن كانتا من جلد حمار ميِّت، فجائز أن يكون محظوراً لبس جلد الحمار الميت، وإن كان مدبوغاً، فإنْ كان ذلك فهو منسوخ بقوله عليه السلام: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ طَهُرَ» «وقد صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في نعليْه ثم خلعهما في الصلاة،
191
فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: خلعتَ فخلعنا قال:» فإنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ أخبرَنِي أنَّ فيهِمَا قذراً «فلم يكره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الصلاة في النعل، وأنكر على الخالعين خلعها، وأخبرهم أنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر.

فصل


قال عكرمة وابن زيد: طُوَى: اسم للوادي.
قال الضَّحاك: طُوَى: واد مستدير عميق الطويّ في استدارته.
وقيل: طُوَى معناه مرتين نحو ثنى. أي: قدِّس الوادي مرتين أي: نُودِيَ موسَى نِدَاءَيْن يقال: ناديته طُوًى أي: مثنى. وقيل: طُوى أي؛ طيًّا. قال ابن عباس: إنه مرَّ بذلك الوادي ليلاً فطواه، فكان المعنى بالوادي الذي طويته طيًّا أي: قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه، ومن ذهب إلى هذا قال: طُوًى مصدر أخرج عن لفظه كأنه قال: طويتُه أطوِي طُوًى كما يقال: هدى يهدي هُدًى.
192
قوله تعالى: «وَأنَا اخْتَرْتُكَ» أي للرسالة والكلام.
قرأ حمزة «وَ» أنَّا اخْتَرْنَاكَ «بفتح الهمزة فضمير المتكلم المعظم نفسه.
وقرأ السلمي والأعمش وابن هرمز كذلك إلا أنهم كسروا الهمزة.
والباقون:»
وَأنَا اخْتَرْتُكَ «بضمير المتكلم وحده. وقرئ» أَنِّي اخْتَرْتُكَ «بفتح الهمزة.
192
فأما قراءة حمزة فعطف على قوله» أنِّي رَبُّكَ أَنَا رَبُّكَ «وذلك أنه يفتح الهمزة هناك ففعل ذلك لما عطف غيرها عليها. وجوز أبو البقاء أن يكون الفتح على تقدير: وَلأنّا اخْتَرْنَاكَ فَاسْتَمِعْ، فعلقه باسْتَمِعْ. والأول أولى.
ومن كسرها فلأنه يقرأ»
إنِّي أنَا رَبُّكَ «بالكسر. وقراءة أُبي كقراءة حمزة بالنسبة للعطف. ومفعول» اخْتَرْتُكَ «الثاني محذوف، أي اخترتك من قومك.
قوله:»
لِمَا يُوحَى «الظاهر تعلقه ب» اسْتَمِع «ويجوز أن تكونَ اللام مزيدة في المفعول على حد قوله تعالى» رَدِفَ لَكُمْ «وجوَّز الزمخشري وغيره أن تكون المسألة من باب التنازع بين» اخْتَرْتُكَ «وبين» اسْتَمِعْ «كأنه قيل:» اخْتَرْتُكَ لِمَا يُوحَى فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى «. قال الزمخشري: فعلق اللام باسْتَمِعْ أو باخْتَرْتُكَ وقد رد أبو حيان هذا بأن قال: ولا يجوز التعليق باخْتَرْتُكَ لأنه من باب الإعمال فكان يجب أو يختار إعادة الضمير مع الثاني، فكان يكون: فاسْتَمِعْ لَهُ لِمَا يُوحَى، فدل على أنه من باب إعمال الثاني.
قال شهاب الدين: والزمخشري عنى التعليق المعنوي من حيث الصلاحية وأما تقدير الصناعة فلم يَعْنِهِ.
(و»
ما «) يجوز أن تكون مصدرية وبمعنى الذي، أي فاسْتَمِعْ للوحي أو للذي يوحى).

فصل


هذهالآية تدل على النبوة لا تحصل بالاستحقاق، لأن قوله:»
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ «يدل
193
على أن ذلك المنصب العالي إنما حَصَل لأنه تعالى اختاره له ابتداء لا أنه يستحقه على الله تعالى.
وقوله:» فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى «أي: إليك فيه نهاية الهيبة والجلالة كأنه قال: لَقَدْ جَاءَك أمْرٌ فتأهَّبْ له، واجعَلْ كلَّ عقلك وخاطرِك مصروفاً إليه.
ثم قال:»
إنَّنِي أَنَا لاَ إلَه إلاَ أَنَأ فَأعْبُدْنِي «ولا تعبد غيري، وهذا يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع: لأن التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع.
وأيضاً فالفاء في قوله:»
فَاعْبُدْنِي «تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهِيَّتِهِ.

فصل


احتجُّوا بهذه الآية على أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة من وجهين:
الأولك أنه تعالى بعد أن أمره بالتوحيد أمره بالعبادة، ولم يذكر كيفية العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان.
الثاني: أنه قال:»
أَقِم الصَّلاَةَ لِذِكْرِي «ولم يبين كيفية الصلاة.
قال القاضي: لا يمتنع أن موسى عليه السلام - قد عرف الصلاة إلى تعبُّدَ الله تعالى - بها شُعَيْباً - عليه السلام - وغيره من الأنبياء، فتوجه الخطاب إلى ذلك، ويحتمل أنه تعالى بيَّن له في الحال، وإن كان المنقول في القرآن لم يذكر فه إلا هذا القول.
وأجيب عن الأول: بأنه لا يتوجه في قوله تعالى: «فَاعْبُدْنِي»
وأيضاً فحَمْلُ مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم، لأن موسى - عليه السلام - ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب - عليه السلام -، فلو حملنا قوله: «وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي» على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت فائدة زائدة. وقوله: لعلَّ
194
اللهَ بيَّنه في ذلك الموضع، وإن لم يحكه في القرآن قلنا: لا شك أن البيان (أكثر فائدة) من المجمل، فلو كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.
قوله: «لِذِكْرِي» يجوز أن يكون المصدرُ مضافاً لفاعله، أي: لأنِّي ذكرتُها في الكتب، أو لأني أذكرك. (ويجوز أن يكون مضافاً لمفعوله، أي: لأنْ تَذْكُرْنِي) وقل: معناه ذكر الصَّلاة بعد نسيانها، لقوله - عليه السلام -: «مَنْ أقَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا».
قال الزمخشري: وكان حق العبارة لِذِكْرِهَا ثم قال: ومَنْ يَتمحّل له أن يقول إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله أو على حذف مضاف أي لِذِكِر صلاتي، أو لأن الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة وقرأ أبو رجاء والسلمي «لِلْذِكْرَى» بلام التعريف وألف التأنيث. وبعضهم: «لِذِكْرِي» منكَّرة وبعضهم: «لِلْذِّكْرِ» بالتعريف والتذكير.

فصل


ذكرُوا في قوله تعالى: «لِذِكْرِي» وجوهاً:
أحدها: لِذِكْرِي بمعنى لِتَذْكُرَنِي، فإنَّ ذِكْرِي أنْ أُعْبَدَ ويُصَلَّى لِي.
والثاني: لتَذْكُرني منها لاشتمال الصلاة على الأذكار؛ وعن مجاهد.
195
وثالثها: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.
ورابعها: لأن أَذْكُرَك بالمدح والثناء.
وخامسها: لِذِكْرِي خاصة لا يشوبه ذكرُ غيري.
وسادسها: لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين، كقوله: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾ [النور: ٣٧].
وسابعها: لأوقات ذِكْرِي، وهي مواقيت الصلاة، لقوله: ﴿إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ [النساء: ١٠٣].
وثامنها: أقِم الصَّلاة حين تذكرها أي: إنَّكَ إذَا نسيتَ صلاةً فاقْضها إذا ذكرتَها، قال عليه السلام: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ولاَ كَفَّارَةَ لهَا إلاَّ ذلِك» ثم قرأ «أقِم الصَّلاَةَ (لِذِكْرِي). قال الخطَّابي هذا الحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يكفرها غير قضائها.
والآخر: أنه لا يلزمه فغي نسيانها غرامة، ولا كفارة، كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر، وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً فدية من دم أو طعام إنما يصلّي ما ترك فقط.
فإن قيل: حق العبادة أن يقول: صَلِّ الصَّلاةَ لذكرِها، كما قال عليه السلام: «إذَا ذَكَرَهَا»

فالجواب: قوله: «لِذِكْرِي» معناه: للذِّكْر الحاصل بِخَلْقِي. أو بتقدير حذف مضاف أي: لذكر صلاتي.
(فصل)
لو فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء، فلو ترك الترتيب في
196
قضائها جاز عند الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة، فإن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة الوقت جاز، وأن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فاتت صلاة الوقت فيجب البداءة بصلاة الوقت لئلا تفوت الأخرى. ولو تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمّها ثم قضى الفائتة. ويستحبّ أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا يجب. وقال أبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم الجمعة حتى قال: ولو تذكر في صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت، فيقضي الفائتى، ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيِّقاً فلا يبطل، واستدل بالآية والخبر والقياس والأثر. أما الآية فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي عند دلوك الشمس، فالمعنى: أَقِم الصَّلاَةَ عِنْدَ تَذْكرها، وذلك يقتضي وجوب الترتيب. وأما الخبر فقوله عليه السلام: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها» والفاء للتعقيب. وروي في الصحيحين «أنَّ عُمَرَ بن الخطاب جاء إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يومَ الخندق فجعَلَ يَسُبُّ كفارَ قريش ويقول: والله يا رسول الله ما صلَّيْتُ العصرَ حتَّى كادت الشَّمْسُ تغربَ. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَأنَا والله ما صلَّيْتُهَا بعد «قال: فنزل إلى بُطْحَان فَصلى العصرَ (بَعْدَ ما غَرَبَت الشمسُ) ثم صلى بعدها المغرب» والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقد صلى الفوائت على الولاء فيجب علينا اتباعه.
197
والثاني: أن فعلَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة، وهذا الفعل خرج بياناً لمجمل قوله: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ» ولهذا قالوا: إن الفوائت إذا كانت قليلة يجب مراعاة الترتيب فيها، فإذا كثرت سقط الترتيب للمشقة. وأما الأثر: فرُوِي عن ابن عمر أنه قال: «مَنْ فاتَهُ صلاةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلا في صَلاةِ الإمام فليمض في صلاته، فإذَا قَضَى صلاتَه مع الإمَام يُصَلِّي ما فاته، ثم ليعُد التي صلاها مع الإمام» وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وأما القياس: فإنهما صلاتا فرض جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة، فأشبهتا صلاتي عرفةٍ والمزدلفة، فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما، وجي أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة كذلك.
واحتج الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ بما روى أبو قتادة: «أنَّهُمْ لَمَّا نَامُوا عَنْ صَلاَةِ الفَجْرِ ثُمَّ انْتَبَهُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنْ يقُودُوا رَوَاحِلَهُم ثُمَّ صَلاَّهَا» ولو كان وقت التذكير معيناً للصلاة لما جاز ذلك، فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه، لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع، وإذا ثبت هذا فنقول: إيجاب قضاء الفوائت، وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير بين الواجبين، فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء، ولأنه لو كان الترتيب واجباً في الفوائت لما سقط بالنسيان، ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيْم، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال (والعصر بعد الزوال) فإنه يعيدهما جميعاً، ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما
198
كان شرطاً فيهما، فها هنا أيضاً لو كلن الترتيب شرطاً فيهما لما كان يسقط بالنسيان.
199
ثم قال :" إنَّنِي١ أَنَا لاَ إلَه إلاَ أَنَأ فَاعْبُدْنِي " ولا تعبد غيري، وهذا يدل على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع : لأن التوحيد من علم الأصول والعبادة من علم الفروع.
وأيضاً فالفاء في قوله :﴿ فَاعْبُدْنِي ﴾ تدل على أن عبادته إنما لزمت لإلهِيَّتِهِ.

فصل٢


احتجُّوا بهذه الآية على أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة من وجهين :
الأول : أنه٣ تعالى بعد أن أمره بالتوحيد أمره بالعبادة، ولم يذكر كيفية العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكاً عن البيان.
الثاني : أنه قال :" أَقِم الصَّلاَةَ لِذِكْرِي " ولم يبين كيفية الصلاة.
قال القاضي : لا يمتنع أن موسى عليه السلام٤ -قد عرف الصلاة إلى تعبُّدَ الله تعالى٥ -بها شُعَيْباً- عليه السلام٦- وغيره من الأنبياء، فتوجه٧ الخطاب إلى ذلك، ويحتمل٨ أنه تعالى بيَّن له في الحال، وإن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه٩ إلا هذا القول.
وأجيب عن الأول : بأنه لا يتوجه في قوله تعالى :﴿ فَاعْبُدْنِي ﴾ وأيضاً١٠ فحَمْلُ١١ مثل هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم، لأن موسى -عليه السلام١٢- ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب -عليه السلام-١٣، فلو حملنا قوله :﴿ وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي ﴾ على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت فائدة زائدة. وقوله : لعلَّ اللهَ بيَّنه في ذلك الموضع١٤، وإن١٥ لم يحكه في القرآن قلنا : لا شك أن البيان ( أكثر فائدة )١٦ من المجمل، فلو١٧ كان مذكوراً لكان أولى بالحكاية.
قوله :
﴿ لِذِكْرِي ﴾ يجوز أن يكون المصدرُ مضافاً لفاعله، أي : لأنِّي ذكرتُها في الكتب، أو لأني أذكرك. ( ويجوز أن يكون مضافاً لمفعوله، أي : لأنْ تَذْكُرْنِي١٨ )١٩ وقل : معناه ذكر الصَّلاة بعد نسيانها، لقوله -عليه السلام٢٠- :" مَنْ أقَامَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا " ٢١.
قال الزمخشري : وكان حق العبارة لِذِكْرِهَا٢٢ ثم قال : ومَنْ يَتمحّل٢٣ له أن يقول إذا ذكر الصلاة٢٤ فقد ذكر الله أو على حذف مضاف أي لِذِكِر صلاتي، أو لأن الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة٢٥ وقرأ أبو رجاء٢٦ والسلمي " لِلْذِكْرَى " بلام التعريف وألف التأنيث٢٧. وبعضهم :" لِذِكْرِي " منكَّرة٢٨ وبعضهم :" لِلْذِّكْرِ " بالتعريف والتذكير٢٩.

فصل٣٠


ذكرُوا في قوله تعالى٣١ :﴿ لِذِكْرِي ﴾ وجوهاً :
أحدها٣٢ : لِذِكْرِي بمعنى٣٣ لِتَذْكُرَنِي، فإنَّ ذِكْرِي أنْ أُعْبَدَ ويُصَلَّى لِي.
والثاني٣٤ : لتَذْكُرني منها لاشتمال الصلاة على الأذكار ؛ وعن مجاهد.
وثالثها : لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.
ورابعها : لأن أَذْكُرَك بالمدح والثناء.
وخامسها : لِذِكْرِي خاصة لا يشوبه ذكرُ غيري.
وسادسها : لتكون لي ذاكراً٣٥ غير ناس فعل المخلصين، كقوله :﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾٣٦.
وسابعها : لأوقات ذِكْرِي، وهي مواقيت الصلاة، لقوله :﴿ إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً ﴾٣٧.
وثامنها : أقِم الصَّلاة٣٨ حين تذكرها أي : إنَّكَ إذَا نسيتَ صلاةً فاقْضها إذا ذكرتَها، قال عليه السلام٣٩ :" مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ولاَ كَفَّارَةَ لهَا إلاَّ ذلِك " ثم قرأ " أقِم الصَّلاَةَ ( لِذِكْرِي٤٠ ) " ٤١. قال الخطَّابي٤٢ هذا الحديث يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يكفرها غير قضائها.
والآخر : أنه لا يلزمه فغي نسيانها غرامة، ولا كفارة، كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر، وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئاً فدية من دم أو طعام٤٣ إنما يصلّي ما ترك فقط.
فإن قيل٤٤ : حق العبادة أن يقول : صَلِّ الصَّلاةَ لذكرِها، كما قال عليه السلام٤٥ :" إذَا ذَكَرَهَا ".
فالجواب٤٦ : قوله :﴿ لِذِكْرِي ﴾ معناه : للذِّكْر٤٧ الحاصل بِخَلْقِي. أو بتقدير حذف مضاف أي : لذكر صلاتي.
( فصل٤٨ )٤٩
لو فاتته صلاة٥٠ يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء، فلو ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي٥١ -رحمه الله-٥٢، ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر٥٣ فائتة، فإن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة الوقت جاز، وإن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فاتت صلاة الوقت فيجب البداءة٥٤ بصلاة الوقت لئلا تفوت الأخرى. ولو تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت أتمّها ثم قضى الفائتة. ويستحبّ أن يعيد صلاة الوقت٥٥ بعدها، ولا يجب. وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم الجمعة حتى قال : ولو٥٦ تذكر في صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت، فيقضي الفائتة، ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيِّقاً فلا يبطل، واستدل بالآية والخبر والقياس والأثر. أما الآية فقوله تعالى :﴿ أقم الصلاة لذكري ﴾ أي لتذكرها و " اللام " بمعنى " عند " كقوله تعالى :﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ﴾٥٧ أي عند دلوك الشمس٥٨، فالمعنى : أَقِم الصَّلاَةَ عِنْدَ تَذْكرها، وذلك يقتضي وجوب الترتيب. وأما الخبر فقوله عليه السلام٥٩ :" مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَها " ٦٠ والفاء للتعقيب. وروي في الصحيحين " أنَّ عُمَرَ بن الخطاب جاء إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ الخندق فجعَلَ يَسُبُّ كفارَ قريش ويقول : والله يا رسول الله٦١ ما صلَّيْتُ العصرَ حتَّى كادت الشَّمْسُ تغربَ. فقال النبي٦٢ صلى الله عليه وسلم :" وَأنَا٦٣ والله ما صلَّيْتُهَا بعد " قال : فنزل إلى بُطْحَان٦٤ فَصلى العصرَ ( بَعْدَ ما غَرَبَت الشمسُ )٦٥ ثم صلى بعدها المغرب " ٦٦ والاستدلال به من وجهين :
أحدهما : أنه قال :" صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي " ٦٧ وقد صلى الفوائت على الولاء فيجب علينا اتباعه٦٨.
والثاني : أن فعلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مخرج البيان للمجمل٦٩ كان حجة، وهذا٧٠ الفعل خرج بياناً لمجمل قوله :﴿ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾٧١ ولهذا قالوا : إن الفوائت إذا كانت قليلة يجب مراعاة الترتيب فيها، فإذا كثرت سقط الترتيب للمشقة. وأما الأثر : فرُوِي عن ابن عمر أنه قال :" مَنْ فاتَهُ صلاةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلا في صَلاةِ الإمام فليمض في صلاته، فإذَا قَضَى صلاتَه مع الإمَام يُصَلِّي ما فاته، ثم ليعُد٧٢ التي صلاها مع الإمام " ٧٣ وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما القياس : فإنهما٧٤ صلاتا فرض جمعهما وقت واحد٧٥ في اليوم والليلة، فأشبهتا صلاتي٧٦ عرفةٍ والمزدلفة، فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما، وجي أن يكون حكم الفوائت فيما٧٧ دون اليوم والليلة كذلك.
واحتج الشافعي رحمه الله٧٨ بما روى أبو قتادة٧٩ :" أنَّهُمْ لَمَّا نَامُوا عَنْ صَلاَةِ الفَجْرِ ثُمَّ انْتَبَهُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يقُودُوا رَوَاحِلَهُم٨٠ ثُمَّ صَلاَّهَا ". ولو كان وقت التذكير٨١ معيناً للصلاة لما جاز ذلك، فعلمنا أن ذلك الوقت وقت٨٢ لتقرر الوجوب عليه، لكن لا على سبيل التضييق بل على سبيل التوسع، وإذا ثبت هذا فنقول : إيجاب قضاء الفوائت، وإيجاب أداء٨٣ فرض الوقت الحاضر يجري مجرى التخيير٨٤ بين الواجبين، فوجب أن يكون المكلف مخيراً في تقديم أيهما شاء، ولأنه لو كان الترتيب واجباً في الفوائت لما سقط بالنسيان، ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في٨٥ يوم غيْم، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال ( والعصر بعد الزوال )٨٦ فإنه يعيدهما جميعاً، ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان٨٧ شرطاً فيهما، فها هنا أيضاً لو كان الترتيب شرطاً فيهما لما كان يسقط٨٨ بالنسيان.
١ في ب: إني. وهو تحريف..
٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩..
٣ أنه: سقط من الأصل..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ تعالى: سقط من ب..
٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧ في ب: فيخرج. وهو تحريف..
٨ في ب: ويجعل. وهو تحريف..
٩ فيه: تكملة من الفخر الرازي..
١٠ وأيضا: سقط من ب..
١١ في ب: وحمل..
١٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٣ في ب: شعيبا عليه الصلاة والسلام..
١٤ الموضع: سقط من ب..
١٥ أن: سقط من ب..
١٦ ما بين القوسين في ب: أفضل..
١٧ في ب: ولو..
١٨ انظر البيان ٢/١٣٩، التبيان ٢/٨٨٧، والبحر المحيط ٦/٢٣١..
١٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢١ أخرجه الترمذي (صلاة) ١/١١٤، النسائي ١/٢٩٦، ابن ماجه (صلاة) ١/٢٢٧ – ٢٢٨، أحمد ٣/٢٤٣..
٢٢ الكشاف ٢/٤٢٩..
٢٣ في ب: يتحمل. وهي مكررة في ب..
٢٤ في ب: الصلاة إذا ذكر الصلاة..
٢٥ الشكاف ٢/٤٢٩..
٢٦ هو عمران بن تيم أبو رجاء العطاردي، ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، أسلم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم – ولم يره عرض القرآن على ابن عباس، وتلقنه من أبي موسى، ولقي أبا بكر الصديق، وحدث عن عمر، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم روى القراءة عنه عرضا أبو الأشهب العطاردي مات سنة ١٠٥ هـ طبقات القراء ١/٦٠٤..
٢٧ المختصر (٨٧)، البحر المحيط ٦/٢٣٢..
٢٨ في ب: مؤنثة، وبعضهم منكره..
٢٩ البحر المحيط ٦/٢٣٢..
٣٠ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩ – ٢٠..
٣١ تعالى: سقط من ب..
٣٢ في ب: الأول..
٣٣ في ب: يعني..
٣٤ في ب: وثانيها..
٣٥ في ب: ذاكر..
٣٦ من قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ [النور: ٣٧]..
٣٧ [النساء: ١٠٣]..
٣٨ في ب: أقم الصلاة لذكري..
٣٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٠ تقدم تخريجه..
٤١ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٢ هو عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن الخطابي أبو محمد البصري، روى عن يزيد بن زريع ومعمر بن سليمان وغيرهما، وعنه بكر الأثرم والعباس بن عبد العظيم وغيرهما مات بالبصرة سنة ٢٣٠ هـ.
تهذيب التهذيب ٥/٣٣١..

٤٣ في الأصل: طعامه. وهو تحريف..
٤٤ في ب: فصل..
٤٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٦ فالجواب: سقط من ب..
٤٧ في ب: الذكر..
٤٨ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠- ٢١..
٤٩ ما بين القوسين في ب: وقال بعضهم..
٥٠ في ب: الصلاة. وهو تحريف..
٥١ محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله الشافعي – رضي الله عنه – أحد أئمة الإسلام، أخذ القراءة عرضا عن إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين المكي. وروى القراءة عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. توفي سنة ٢٠٤ هـ. طبقات القراء ٢/٩٥ – ٩٧..
٥٢ في ب: الله تعالى..
٥٣ في ب: وتذكرها. وهو تحريف..
٥٤ في ب: البداء..
٥٥ في ب: بعد ما شرع في الصلاة..
٥٦ في ب: لو..
٥٧ [الإسراء: ٧٨] والاستشهاد بالآية على أن اللام بمعنى عند انظر المغني ١/٢١٣..
٥٨ في ب: دلوكها..
٥٩ في ب: فقوله عليه الصلاة والسلام..
٦٠ تقدم تخريجه..
٦١ في ب: يا رسول الله والله..
٦٢ في ب: رسول الله..
٦٣ في الأصل أنا..
٦٤ بطحان: موضع بالمدينة..
٦٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦٦ أخرجه البخاري (مواقيت) ١/١١٢، ومسلم (مساجد) ١/٤٣٨، الترمذي ١/١١٦، والنسائي (أدب) ٣/٨٤، ٨٥..
٦٧ أخرجه البخاري (أذان) ١/١١٧، (أدب) ٤/٥٢، الدارمي (صلاة) ١/٢٨٦، أحمد ٥/٥٣..
٦٨ في ب: إثبات اتباعه..
٦٩ في ب: المجمل. وهو تحريف..
٧٠ في ب: وكان. وهو تحريف..
٧١ قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ ورد في القرآن إحدى عشرة مرة أولها: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]..
٧٢ في ب: ليعيد..
٧٣ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (قصر الصلاة في السفر) ١/١٦٨..
٧٤ في ب: فلأنها..
٧٥ في ب: وقتا واحدا..
٧٦ في ب: فأشبها صلاة. وهو تحريف..
٧٧ في ب: فيهما. وهو تحريف..
٧٨ في ب: الله تعالى..
٧٩ هو أبو قتادة الأنصاري السلمي، فارس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اسمه الحارث بن ربعي، شهد أحدا والمشاهد، أخذ عنه ابنه عبد الله، وابن المسيب ومولاه نافع وخلق. مات سنة ٥٤ هـ بالمدينة.
خلاصة تذهيب تهذيب تهذيب الكمال ٣/٢٣٨ ـ ٢٣٩..

٨٠ في ب: أن يعودوا أرواحهم. وهو تحريف..
٨١ في النسختين : الصلاة. و ما أثبتناه هو الصواب..
٨٢ في ب: ورما. وهو تحريف..
٨٣ في ب: قضاء. وهو تحريف..
٨٤ في ب: التخير..
٨٥ في: سقط من ب..
٨٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٨٧ كان: سقط من ب..
٨٨ في ب: سقط. وهو تحريف..
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
(لمَّا خاطب موسى عليه السلام بقوله: «فَاعْبُدْنِي وَأَقِم الصَّلاَةَ لِذِكْرِي» أتبعُه بقوله: «إنَّ السَّاعَة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيَها»، وما أليق هذا بتأويل من تأوّل قوله: «لِذِكْرِي» أي لأذكرك بالإثابة والكرامة فقال عقيب ذلك «إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ» لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة، ثم قال: «أَكَادُ أُخْفِيَهَا». العامة على ضم الهمزة من «أَخْفِيَها».
وفيها تأويلات:
أحدها: أن الهمزة في «أُخْفِيهَا» للسلب والإزالة، أي: أزيل خفاءها نحو: أَعْجَمْتُ الكتابَ أي: أزلت عجمتَه، وأشكيتُه أي أزلت شكواه، ثم في ذلك معينان:
أحدهما: أن الخفاءَ بمعنى (الستر)، ومتى أزال سترها فقد أظهرها، والمعنى: أنها لتحقّق وقوعها وقربها أكاد أظهرها لولا ما تقتضيه الحكمة من التأخير.
والثاني: أن الخفاءَ هو الظهور كما سيأتي، والمعنى: أزيل ظهورها، وإذا أزال ظهورها فقد استترت، والمعنى: أن لشدّة إبهامها أكادُ أخفيهَا فلا أظهرها ألبتة وإن كان لا بد من إظهارها، ولذلك يوجد في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ: «أَكَادُ أُخْفِيَهَا من نفسي فكيف أظهركم عليها» وهو على عادة العرب في المبالغة في الإخفاء، قال الشاعر:
199
وكيف يتصوّر كتمانه من نفسه؟ قال القاضي: هذا بعيد، لأن الإخفاء إنما يصح ممن يصح له الإظهار، وذلك مستحيل عليه تعالى، لأن كلَّ معلومٍ له، فالإظهار والإسرار فيه مستحيل. ويمكن أن يُجاب بأن ذلك واقع على التقدير، بمعنى لو صح مني إخفاؤه عن نفس أخفيته عني، والإخفاء وإن كان محالاً في نفسه إلا أنه يمتنع أن يذكر على هذا التقدير، مبالغة في عدم إطلاع الغير عليه.
والتأويل الثاني: أن (كَادَ) زائدة قاله ابن جبير، وأنشد غيره شاهداً عليه قول زيد الخيل:
٣٦٤٤ - أَيَّامَ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وَأُخْبِرُهَا مَا كِدْتُ أَكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ
٣٦٤٥ - سَريعٌ إلَى الهَيْجَاءِ شَاكٍ سِلاَحَهُ فَمَا إنْ يَكَادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ
وقول الآخر:
٣٦٤٦ - وَأَنْ لا أَلُومُ النَّفْسَ مِمَّا أَصَابَنِي وَأَنْ لاَ أَكَادُ بالَّذِي نِلْتُ أنْجَحُ
ولا حجة في شيء منه.
200
والتأويل الثالث: أنَّ الكيدَ ورد بمعنى الإرادة، قاله الأخفش وجماعة، وهو قول إبِي مسلم، فهو كقوله: «كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ» ومن أمثالهم المتداولة «لا أفْعَلُ ذَلِكَ وَلا أَكَادُ.
أي: لا أُريد أَنْ أفعله، وهذا) لا ينفع فيما قصدوه.
التأويل الرابع: أنَّ خبرها محذوف، تقديره: أكادُ آتِي بها لقُرْبِها، وأنشدوا قول ضابئ البرجمي:
٣٦٤٧ - هَمسْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ وَلَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلاَئِلُهُ
أي: وكدت أفعل. فالوقف على»
أَكَادُ «والابتداء ب» أُخْفِيَها «، واستحسنه أبو جعفر.
201
وذكر ابن الخطيب هنا سؤالاً: فقال: إنَّ (كادَ) نفيه إثبات وإثباته نفي، قال تعالى:» وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون «، أي: ففعلوا ذلك، فقوله:» أكَادَ أُخْفِيَها «يقتضي أنه ما أخفاها.
وذلك باطل لوجهين:
أحدهما: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]
الثاني: إنَّ قوله: ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. ثم أجاب بوجوه: الأول: أنَّ «كَادَ»
موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات، فقوله: «أَكَادُ أُخْفِيها» معناه: قرب الأمر فيه من الإخفاء. وأمَّا أنَّه هل حصل ذلك أو ما حصل فهو غير مستفاد من اللفظ بل بقرينة قوله: ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار.
الثاني: أنَّ «كَادَ» من الله: وجب، فمعنى قوله: أَكَادُ أُخْفِيَها «أي: أنا أُخْفِيها عن الخلق، كقوله: ﴿عسى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء: ٥١] أي هو قريبٌ قاله الحسن. وذكر باقي التأويلات المتقدمة.
وقرأ أبُو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد:»
أَخْفِيَها «بفتح الهمزة
202
والمعنى: أظهرها بالتأويل المتقدم، يقال: خَفَيْتُ الشيء: أظهرتُه وأخفيتُه سترتُه هذا هو المشهور وقد نقل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنى. وحكى عن أبي عبيد أَنَّ أخْفَى من الأضداد يكون بمعنى أظْهَرَ وبمعنى سَتَرَ. وعلى هذا تتخذ (القراءتان). ومن مجِئ خَفَيْتُ بمعنى أظهرت قول امرئ القيس:
٣٦٤٨ - خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عِشِيٍّ مُجْلِّبِ
(وقول الآخر:
٣٦٤٩ - فَإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ وَإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ)
قال الزجاج: وهذه القراءة أبْيَنُ، لأن معناها: أكادُ أَظْهِرُها (فيفيد أنه قد أخفاها). والحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت: أنَّ الله تعالى وعد قبلها التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى وقت قرب ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية، فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل معصية وهو لا يجوز. قوله:» لِتُجْزَى «هذه لام كي، وليست بمعنى
203
القسم أي: لِتُجْزَيَّن كما نقله أبو البقاء عن بعضهم، وتتعلق هذه اللامِ بأُخْفِيها. وجعلها بعضهم متعلقة ب (آتِيَةٌ)، وهذا لا يتم إلا إذا قدرت أن» أكَادُ أُخْفِيِهَا «معترضة بين المتعلق والمتعلق به، أما إذا جعلتها صفة (آتِيَةٌ) فلا يتم على مذهب البصريين، لأن اسم الفاعل متى وصف لم يعمل فإن عمل ثم وصف جاز.
وقال أبو البقاء: وقيل: ب (آتِيَةٌ)، ولذلك وقف بعضهم على ذلك وقفة يسيرة إيذاناً بانفصالها عن (أخفيها).
قوله:»
بِمَا تَسْعَى «متعلق ب» لِتُجْزَى «. و» مَا «يجوز أن تكون مصدرية أو موصولة اسمية، ولا بد من مضاف، أي: لِتُجْزَى بعقاب سعيها، أو: بعقاب ما سعته.

فصل


لمَّا حكم بمجيء الساعة ذكرَ الدليلَ عليه، وهو أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي، وهو المعنيُّ بقوله:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨].
واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل، لأن (الباءَ) للإلصاق، فقوله: «بِمَا تَسْعَى»
يدل على أن المؤثر في ذلك الجزاء هو ذلك السعي واحتجوا بها أيضاً على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، لأن الآية صريحة في إثبات
204
سعي العبد، ولو كان الفعل مخلوقاً لله تعالى لم يكن للعبد سعي ألبتة «.
قوله:»
فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا «من لا يؤمن هو المنهي صورة، والمراد غيره، فهو من باب: لا أريَنَّك هَهُنَا. وقيل: إن صدَّ الكافرِين عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. والضميران في» عَنْهَا «و» بِهَا «للسَّاعة قاله ابن عباس: وذلك أنه يجب عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو هنا الساعة. وقيل: للصلاة.
وقال أبو مسلم: الضمير في (عَنْهَا) للصَّلاة، وفي (بِهَا) للسَّاعة، قال: وهذا جائز في اللغة، فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر حقه.
وأجيب بأنَّ هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة (ههنا).
قوله:»
فَتَرْدَى «يجوز فيه أن ينتصب في جواب النهي بإضمار» أَنْ) وأن يرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: فَأَنْتَ تَرْدَى.
وقرأ يحيى: «تَرْدَى» بكسر التاء، وقد تقدم أنها لغة والرَّدَى الهلاك يقال: رَدِيَ يَرْدَى رَدّى، قال دُرَيْد (بن الصمة) :
205
٣٦٥٠ - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسَاً فَقُلْتُ أَعْبُدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي

فصل


الخطابُ في قوله: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ» يحتمل أن يكون مع موسى، وأن يكون مع محمد - عليهما السلام -. والأقرب أنه مع موسى - عليه السلام -، لأنَّ جميع الكلام خطاب له. وعلى كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج: إنَّه ليس بمراد وإنما أريد به غيره، وذلك لأنه ظن أن النبيَّ - عليه السلام - لما لم يجز عليه مع النُّبَوَّة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطباً بذلك، وليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كانَ مكلَّفاً بأنْ لا يقبلَ الكفر بالساعة من أحد وكان قادراً على ذلك جاز أن يخاطب به، (ويكون المراد) هو وغيره. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله: «فَلا يَصُدنَّكَ عَنْهَا» النهي عن الميل إليهم ومقاربتهم.

فصل


المقصودُ نَهْيُ موسى - عليه السلام - عن التكذيب بالبعث، ولكن الظاهر اللفظ يقتضي نهيَ منْ لم يؤمن عن صدِّ موسَى - عليه السلام - وفيه وجهان:
أحدهما: أن صدَّ الكافر عن التصديق بها سببٌ للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. (ذلك أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرَّجُل في الدِّين، فذكر المسبب ليدل حمله على السبب) كقولهم: لاَ أضرَيَنَّكَ هَهُنَا.
المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته فهكذا ههنا، كأنه قيل: لا تكن رخواً بل كن في الدين شهيداً.
206

فصل


دلَّت الآية على وجوب تعلم علم الأصول، لأن قوله: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ» يرجع معناه إلى صلابته في الدين، وتلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد لم يتميز المبطل فيه عن المحق، فلا بد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قوياً في تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من إزالته عن الدين بل يكون هو متمكناً من إزالة المبطل عن بطلانِهِ.
(فصل)
قوله: «فَلاَ يَصُدَّنَّكَ» يدل على أن العبادَ هُمُ الذين يصدون، ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصَّاد دونهم، فدل ذلك على بطلان القول بالجبر. وأجيب بالمعارضة بمسألة العلم (والداعي). ثم قال تعالى: «واتَّبَعَ هَوَاهُ» والمعنى أن منكر البعث إنَّما أنكره اتباعاً للهوى لا للدليل، وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، لأن المقلّد متبعٌ للهوى (لا للحجة) ثم قال: «فَتَرْدَى» أي: فتهلك.
207
قوله :﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ من لا يؤمن هو المنهي صورة، والمراد غيره، فهو من باب : لا أريَنَّك هَهُنَا١. وقيل : إن صدَّ الكافرِين٢ عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب٣. والضميران في " عَنْهَا " و " بِهَا " للسَّاعة٤ قاله ابن عباس٥ : وذلك أنه يجب عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو هنا الساعة٦. وقيل : للصلاة٧.
وقال أبو مسلم : الضمير في ( عَنْهَا ) للصَّلاة، وفي ( بِهَا ) للسَّاعة، قال : وهذا جائز في اللغة٨، فالعرب٩ تلف الخبرين ثم١٠ ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر١١ حقه١٢.
وأجيب١٣ بأنَّ هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة ( ههنا١٤ )١٥.
قوله١٦ :﴿ فَتَرْدَى ﴾ يجوز فيه أن ينتصب في جواب النهي بإضمار ( أَنْ١٧ ) وأن يرتفع١٨ على خبر ابتداء مضمر تقديره : فَأَنْتَ تَرْدَى١٩.
وقرأ يحيى :" تَرْدَى " بكسر التاء٢٠، وقد تقدم أنها لغة والرَّدَى الهلاك يقال : رَدِيَ يَرْدَى رَدّى٢١، قال دُرَيْد ( بن الصمة )٢٢ ٢٣ :
تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسَاً فَقُلْتُ أَعْبُدَ٢٤ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي٢٥

فصل٢٦


الخطابُ في قوله :﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ ﴾ يحتمل أن يكون مع موسى، وأن يكون مع محمد - عليهما السلام-٢٧. والأقرب أنه مع موسى - عليه السلام٢٨-، لأنَّ جميع الكلام خطاب له. وعلى كلا٢٩ الوجهين فلا معنى لقول الزجاج : إنَّه ليس بمراد وإنما أريد٣٠ به غيره، وذلك٣١ لأنه ظن أن النبيَّ - عليه السلام-٣٢ لما لم يجز عليه مع النُّبَوَّة أن يصده٣٣ أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطباً بذلك٣٤، وليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كانَ مكلَّفاً بأنْ لا يقبلَ الكفر بالساعة من أحد وكان قادراً على ذلك جاز أن يخاطب به، ( ويكون المراد )٣٥ هو وغيره. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله :﴿ فَلا٣٦ يَصُدنَّكَ عَنْهَا ﴾ النهي عن الميل إليهم ومقاربتهم.

فصل٣٧


المقصودُ نَهْيُ موسى - عليه السلام٣٨- عن التكذيب بالبعث، ولكن الظاهر اللفظ يقتضي نهيَ٣٩ منْ لم يؤمن عن صدِّ موسَى- عليه السلام٤٠- وفيه وجهان :
أحدهما : أن صدَّ الكافر عن التصديق بها٤١ سببٌ للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. ( ذلك أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرَّجُل في الدِّين، فذكر المسبب ليدل حمله على السبب )٤٢ كقولهم٤٣ : لاَ أضرَيَنَّكَ هَهُنَا.
المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته فهكذا ههنا، كأنه قيل : لا تكن رخواً بل٤٤ كن في الدين شديداً.

فصل٤٥


دلَّت الآية على وجوب تعلم علم٤٦ الأصول، لأن قوله :﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ ﴾ يرجع معناه إلى صلابته في الدين، وتلك الصلابة إن كان المراد بها٤٧ التقليد لم يتميز المبطل فيه عن المحق، فلا بد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قوياً في تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم٤٨ من إزالته عن الدين بل يكون هو متمكناً من إزالة المبطل عن بطلانِهِ.
( فصل٤٩ )٥٠
قوله :﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ ﴾ يدل على أن العبادَ هُمُ الذين يصدون٥١، ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصَّاد دونهم، فدل ذلك على بطلان القول بالجبر٥٢. وأجيب بالمعارضة بمسألة٥٣ العلم ( والداعي )٥٤ ٥٥. ثم٥٦ قال تعالى :" واتَّبَعَ هَوَاهُ " والمعنى أن منكر البعث إنَّما أنكره اتباعاً للهوى لا للدليل، وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد٥٧، لأن المقلّد متبعٌ للهوى ( لا للحجة )٥٨ ٥٩ ثم قال :" فَتَرْدَى " أي : فتهلك.
١ قال سيبويه في هذا: (باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي: ومثله من النهي لا يرينك ههنا، ولا أرينك ههنا) الكتاب ٣/١٠١، وقد تكلم العلماء في إمكان النهي لغير المخاطبة فقالوا إنه من قبيل المجاز المرسل الذي علاقته السببية، من إطلاق المسبب وإرادة السبب، أي لا يمكن منك وجود حتى لا يراك أو لا أراك، فصد الكافر مسبب عن رخاوة الرَّجل في الدّين، فذكر المسبب ليدل على السبب).
انظر الكشاف ٢/٤٣٠، البحر المحيط ٦/٣٣٣..

٢ في ب: الكافر..
٣ انظر: الكشاف ٢/٤٣٠..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٣..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
٦ هذا التعليل من كلام القاضي. انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٣..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في ب: والعرب..
١٠ في ب: لم. وهو تحريف..
١١ في ب: ليرمي السامع وليرد إلى كل. وهو تحريف..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
١٣ هذا جواب القاضي عما قاله أبو موسى..
١٤ الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
١٥ ههنا: سقط من ب..
١٦ قوله: سقط من ب..
١٧ في ب: أنه. وهو تحريف..
١٨ في ب: يرفع..
١٩ انظر التبيان ٢/٨٨٧، البيان ٢/١٤٠، البحر المحيط ٦/٢٣٣..
٢٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٣..
٢١ اللسان (ردى)..
٢٢ هو دريد بن الصمة الجشمي شجاع شاعر، جعله محمد بن سلام أول الشعراء الفرسان عاش نحوا من مائتي سنة حتى سقط حاجباه على عينه، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وقتل يوم حنين كافرا. الخزانة ١١/١١٨ – ١٢١..
٢٣ ابن الصمة: سقط من ب..
٢٤ في ب: يا عبد. وهو تحريف..
٢٥ البيت من بحر الطويل قاله دريد بن الصمة، وهو في دوانه (٤٩) و مجاز القرآن ٢/١٧، والجمهرة ٣/٣٤١، وتفسير ابن عطية ١٠/١٧، البحر المحيط ٦/٢٢٢. أردت: أهلكت. الرَّدي: الهالك. وهو موطن الشاهد..
٢٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
٢٧ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
٢٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٩ في ب: كل. وهو تحريف..
٣٠ في ب: أراد..
٣١ وذلك سقط من ب..
٣٢ في ب: صلى الله عليه وسلم..
٣٣ في ب: أنه لم يصده..
٣٤ في ب: بذلك الشيء..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٦ في ب: لا..
٣٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
٣٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٩ في ب: نفي. وهو تحريف..
٤٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤١ بها: سقط من ب..
٤٢ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٤٣ في ب: كقوله..
٤٤ في النسختين : رخاوتك. والصواب ما أثبته..
٤٥ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣..
٤٦ علم: سقط من ب..
٤٧ بها: سقط من ب..
٤٨ في ب: الشخص. وهو تحريف..
٤٩ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣ -٢٤..
٥٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٥١ في ب: هم المصدون..
٥٢ قاله القاضي..
٥٣ في ب: بمنزلة..
٥٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣. والمراد بمسألة العلم ما عارض به أهل السنة المعتزلة وهو العلم الإلهي الأزلي. والمراد بمسألة الداعي ما يخلق في القلب من توجه نحو أحد المختارين. انظر شرح المقاصد ١/٢٥١ – ٢٥٦، شرح المواقف ٢٨٨ – ٢٩٩..
٥٥ في ب: والداعي منه..
٥٦ ثم: سقط من ب..
٥٧ في ب: المقلد. وهو تحريف..
٥٨ لا للحجة: سقط من ب..
٥٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣ – ٢٤..
قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب﴾ الآية. (مَا) مبتدأة استفهامية و «تِلْكَ) خبره، و» بِيَمِينِكَ «متعلق بمحذوف، لأنه حال كقوله:» وَهَذَا بَعْلِي شَيْخَاً «، والعامل
207
في الحال المقدرة معنى الإشارةَ وجوَّز الزمخشري أن تكون (تِلْكَ) موصولة بمعنى (التي) و (بِيَمِينِكَ) صلتها. ولم يذكر ابنُ عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين أنهم لم يجعلوا (من أسماء) الإشارة موصولاً (إذَا) بشروط تقدمت. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك جميعها، ومنه هذه الآية عندهم أي: وَمَا التي بيمينك وأنشدوا:
٣٦٥١ - نَجَوْتَ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ... أي والذي تحملين.
وقال الفراء معناه: وَمَا هذِهِ التي فِي يمينِكَ.

فصل


السؤال إنما يكون لطلب العلم، وهو على الله تعالى محال. فما فائدة قوله:» وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ «؟
208
والجواب فيه فوائد، الأولَى: حكمةُ هذا السؤال تنبيهُهُ وتَوْقيفُه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية عَلِمَ أنها معجزةٌ عظيمةٌ، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره: هَلْ تَعْرِف هَذَا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.
الثانية: أن يقرِّرُ عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافُها.
الثالثة: أنه تعالى لمَّا أراه الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسْمَعَهُ كلام نفسه، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم، فتحيَّر موسى - عليه السلام - ودُهِشَ، (فقيل له:» وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ «، وتكلم معه بكلام البشر إزالةٌ لتلك الدهشة والحيرة).
فصل هذا خطاب من الله مع موسى بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد عليه السلام فيلزم أن يكون موسى أفضَل من محمد عليهما السلام.
فالجوابُ: أنَّه تعالى كما خاطبَ موسَى فقد خاطب محمداً في قوله:»
فَأَوْحَى إلَى عِبْدِهِ مَا أَوْحَى «إلا أن الفرق أنَّ الذي ذكره مع محمد كان سراً لم يستأهل له أحداً من الخلق. وأيضاً إن كان موسى تكلم معه فأمةُ محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرات على ما قاله عليه السلام:» المُصَلَّى يُنَاجَي رَبَّهُ «والرَّبُ يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ قوله:» هِيَ عَصَايَ «هِيَ يعودُ على المستفهم عنه.
209
وقرأ العامة» عَصَايَ «بفتح الياء. والجَعْفَرِيّ وابنُ أبي إسحاق» عَصِيَّ «بالقلب والإدغام. وقد تقدَّم توجيه ذلك أوّل البقرة، ولِمَنْ تنسب هذه اللغة والشعر المروي في ذلك.
وروي عن أبي عمرو ابن أبي إسحاق أيضاً (والحسن»
عِصَاي «بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق) » عِصَايْ «بسكونها وصلاً وقد فعل ذلك نافع مثل ذلك في» مَحْيَايَ «فجمع بين ساكنين وصلاً، وقد تقدم الكلام هناك.
قوله: «أَتَوَكَّأُ»
يجوز أن يكون خبراً ثانياً ل «هِيَ» ويجوز أنْ يكونَ حالاً إمَّا مِنْ «عَصَايَ» وإمَّا مِنْ «الياء» وفيه بُعدٌ، لأن مجيء الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا.
210
ويجوز أن تكون مستأنفة. وجوَّز أبو البقاء نقلاً عن غيره: أن يكون «عَصَايَ» منصوبة بفعل مقدر، و «أَتَوَكَّأُ» هو الخبر. ولا ينبغي أن يقال ذلك.
والتَّوكّؤُ: التحامُلُ على الشيء، وهو بمعنى الاتِّكاء، وقد تقدم تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيها.
والهَشُّ بالمعجمية: الخَبْطُ، يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّهُ أي: خبطته ليسقط، والمعنى: أَخْبِطُ بِهَا وَاَضْرِبُ أغصانَ الشجر ليسقط ورقُهَا على غنمي لتأكله وأما هَشَّ يَهِشُّ - بكسر العين في المضارع، فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي بذلك، فقيل:
211
هو بمعنى: أَهُشُّ - بالضم - والمفعول محذوف في القراءتين أي: أهُشُّ الورقَ أو الشجرَ وقيل: هو في هذه القراءة من هَشَّ هشاشةً إذا مال. وقرأ وقرأ الحسن وعكرمة: «وأَهُسُّ» بضم الهاء والسين المهملة وهو السُّوْقُ، ومنه الهَسُّ (والهَسَّاسُ) وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمَّن معنى ما يتعدى بعلى وهو أقوم (وَأَهْوَنُ).
ونقل ابن خالوية عن النخعي أنه قرأ «وأُهِسُّ» بضم الهمزة وكسر الهاء من (أَهَسَّ) رباعياً بالمهملة. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة، فيكون عنه قراءتان ونقل صاحب اللوائحِ عن مجاهد وعكرمة «وأهُشُ» بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة.
وقرأ بعضهم: «غَنَمِي» (بسكون النون)، وقرئ «عَلَيَّ» بتشديد الياء والمْآرِبُ: جمع مَأْرُبَة، وهي الحاجة وكذلك الإرْبَة أيضاً. وفي (راء) المَأرُبَة الحركات الثلاث.
212
وإنما قال: «مَآرِب» في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي (و «أُخْرَى» ) كقوله: «الأسْمَاءُ الحُسْنَى» وقد تقدَّم قريباً.
قال أبو البقاء: ولو قال: أخر لكان على اللفظ. يعني أُخَر كقوله: «فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر» بضم الهمزة وفتح الخاء واللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازيّ عن شيبة والزهري: مَارِبُ «قال: بغير همز كذا أطلق والمراد بغير همز محقق بل مسهل بَيْنَ بَيْن وإلا فالحذف بالكلية شاذ.

فصل


قيل: كما قال:»
هِيَ عَصَايَ «فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الآخر، لأنه كان يجب المكالمة مع ربه تعالى، فجعل ذلك كوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض.
»
213
أتَوكَّأُ عَلَيْهَا «التوَكُّؤْ والاتِّكَاءُ واحد كالتوقي والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع» وأهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي «أي: أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم (فتأكله).
«وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرَى»
أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب (ذلك).
قال وهب: كانت ذا شعبتين (ومحجن، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين). فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها كساء فكان ظلاً.
وقيل: كانَ فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر، وتصير شعبتاها دلواً، ويصيران شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت يابسة ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكان تقيه الهوام قال مقاتل: كان اسمها نبعة.
وروي عن ابن عبَّاس: أنها كانت تماشيه وتحدثه.
قال الله تعالى: «ألْقِهَا يَا مُوسَى» أي انبذها.
قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفُضْهَا «فَألْقَاهَا» على وجه الأرض ثم ينظر إليها «فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى» صفراء أعظم ما تكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف
214
كعرف الفرَس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، صارت شدقين لها والمِحجن عنقاً يهتز، وعيناها متقدان كالنار، وتمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها، وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها (صريف عظيم).
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كُنْ فيكون.

فصل


والحكمة في قلب العصا حيَّةً في ذلك الوقت من وجوه:
أحدها: لتكون معجزةً لموسى - عليه السلام - يعرف بها نبوة نفسه، لأنه عليه السلام - إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا انه لم يكن معجزاً، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن، فقلب العصا حيَّةً ليكون دليلاً قاهِراً على الممعجزة.
الثاني: أنه تعالى عرضَها عليه ليشاهدوها أولاً، فإذا شاهدها عند فرعون لا يخافها.
وثالثها: أنه كان راعياً فقيراً ثم نُصِّب للمِنْصبِ العظيمِ فلعله بقي يتعجب من ذلك، فقلب العصا حيَّةً تنبيًّا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين.
فإنْ قيل: كيف قال ههنا «حَيَّة» وفي موضع آخر «جَان» وهو الحية الخفية الصغيرة، وقال في موضع «ثُعْبَانٌ» وهو أكبر ما يكون من الحيات؟
فالجواب: أن الحيَّة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما
215
الجَانَّ فقيل: عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حيَّةً على قدر العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعباناً.
وقيل: كانت في عظم الثعبان وسرعة الجانِّ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: ١٠، القصص: ٣١].
«تسعى» ) يجوز أن تكون خبراً ثانياً عند من يجوز ذلك ويجوز أن تكون صفة ل «حَيَّةً» فلما عاين موسى ذلك «وَلَّى مُدْبِراً»، وهرب ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي: «خُذْهَا فَلاَ تَخَفْ سُنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا» (وهيبتها) «الأُولَى» أي نردها عصا كما كانت. قوله: «سِيرَتَهَا» في نصبها أوجه:
أحدها: أن تكون منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي: طريقتها.
الثاني: أن تكونَ منصوبة على البدل من «ها» «سَنُعِيدُهَا» بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها.
الثالث: أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير:
٣٦٥٢ - وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ...
216
وهذا هو (معنى قول من قال: إنه على إسقاط (إلى) و) كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة (في) إلا فيما (شذ. والسيرَةُ) فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الرُّكُوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي:
٣٦٥٣ - فَلاَ تغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا فَأوَّلَ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا
وجوَّز أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال؛ أي: سَنُعيدُهات سائرةً سيرتَهَا.
فإن قيل: لمَّا نوديَ يا موسَى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى فلماذا خاف؟ فالجواب من وجوه:
217
قوله :﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾ هِيَ يعودُ على المستفهم عنه.
وقرأ العامة " عَصَايَ " بفتح الياء. والجَعْفَرِيّ وابنُ أبي إسحاق " عَصِيَّ " بالقلب والإدغام١. وقد تقدَّم توجيه ذلك أوّل البقرة، ولِمَنْ تنسب هذه اللغة٢ والشعر المروي في ذلك٣.
وروي عن أبي عمرو ابن٤ أبي إسحاق أيضاً ( والحسن " عِصَاي " بكسر الياء لالتقاء الساكنين٥، وعن أبي إسحاق )٦ " عِصَايْ " بسكونها وصلاً٧ وقد فعل ذلك نافع مثل ذلك في " مَحْيَايَ " ٨ فجمع بين ساكنين وصلاً، وقد٩ تقدم الكلام هناك١٠.
قوله :﴿ أَتَوَكَّأُ ﴾١١ يجوز أن يكون خبراً ثانياً ل " هِيَ " ١٢ ويجوز أنْ يكونَ حالاً إمَّا مِنْ " عَصَايَ " وإمَّا مِنْ " الياء " ١٣ وفيه بُعدٌ، لأن مجيء١٤ الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا١٥.
ويجوز أن تكون مستأنفة١٦. وجوَّز أبو البقاء نقلاً عن غيره : أن يكون " عَصَايَ " منصوبة بفعل١٧ مقدر، و " أَتَوَكَّأُ " هو الخبر١٨. ولا ينبغي أن يقال ذلك.
والتَّوكّؤُ : التحامُلُ على الشيء، وهو بمعنى الاتِّكاء، وقد تقدم تفسيره في يوسف١٩ فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيهما٢٠.
والهَشُّ بالمعجمية : الخَبْطُ٢١، يقال : هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّهُ أي : خبطته ليسقط، والمعنى : أَخْبِطُ بِهَا وَاَضْرِبُ أغصانَ الشجر ليسقط ورقُهَا على غنمي لتأكله٢٢ وأما هَشَّ يَهِشُّ- بكسر العين في المضارع، فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي٢٣ بذلك٢٤، فقيل : هو بمعنى : أَهُشُّ- بالضم- والمفعول محذوف في القراءتين٢٥ أي : أهُشُّ الورقَ أو الشجرَ٢٦ وقيل : هو في هذه القراءة من هَشَّ هشاشةً إذا مال٢٧. وقرأ الحسن وعكرمة :" وأَهُسُّ " بضم الهاء والسين المهملة٢٨ وهو السَّوْقُ، ومنه الهَسُّ ( والهَسَّاسُ )٢٩ ٣٠ وعلى هذا فكان٣١ ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمَّن معنى٣٢ ما يتعدى بعلى وهو أقوم ( وَأَهْوَنُ )٣٣ ٣٤.
ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ " وأُهِسُّ " بضم الهمزة وكسر الهاء من ( أَهَسَّ ) رباعياً بالمهملة٣٥. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة٣٦، فيكون عنه قراءتان٣٧ ونقل صاحب اللوائحِ٣٨ عن مجاهد وعكرمة " وأهُشُ " بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف٣٩، وهي بمعنى قراءة العامة٤٠.
وقرأ بعضهم :" غَنْمِي " ( بسكون النون٤١ )٤٢، وقرئ " عَلَيَّ " بتشديد الياء٤٣ والمْآرِبُ : جمع مَأْرُبَة، وهي الحاجة وكذلك الإرْبَة٤٤ أيضاً٤٥. وفي ( راء ) المَأرُبَة الحركات الثلاث٤٦.
وإنما قال :" مَآرِب " في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي٤٧ ( و " أُخْرَى " )٤٨ كقوله :﴿ الأسْمَاءُ الحُسْنَى ﴾٤٩ وقد تقدَّم قريباً٥٠.
قال أبو البقاء : ولو قال٥١ : أخر لكان٥٢ على اللفظ٥٣. يعني أُخَر كقوله :﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر ﴾٥٤ بضم٥٥ الهمزة وفتح الخاء واللفظ٥٦ لفظ الجمع. ونقل٥٧ الأهوازيّ٥٨ عن شيبة٥٩ والزهري٦٠ : مَارِبُ " قال : بغير همز كذا أطلق والمراد بغير همز محقق بل مسهل بَيْنَ بَيْن وإلا فالحذف بالكلية شاذ٦١.

فصل


قيل٦٢ : كما قال :" هِيَ عَصَايَ " فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام٦٣ ذكر الوجوه الآخر، لأنه٦٤ كان يجب المكالمة مع ربه تعالى٦٥، فجعل ذلك كوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض٦٦.
" أتَوكَّأُ عَلَيْهَا " التوَكُّؤْ والاتِّكَاءُ واحد كالتوقي والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع " ٦٧ وأهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي " أي : أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم ( فتأكله )٦٨ ٦٩.
" وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرَى " أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك٧٠ المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب ( ذلك )٧١ ٧٢.
قال٧٣ وهب٧٤ : كانت ذا شعبتين ( ومحجن، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين )٧٥. فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها٧٦ وألقى عليها كساء٧٧ فكان ظلاً.
وقيل : كانَ فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر، وتصير شعبتاها دلواً، ويصيران شمعتين٧٨ في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه٧٩ وكانت يابسة٨٠ ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب٨١، وكان تقيه الهوام٨٢ ٨٣ قال مقاتل : كان اسمها نبعة٨٤.
وروي عن ابن عبَّاس : أنها كانت تماشيه وتحدثه٨٥.
١ انظر المختصر ٨٧، البحر المحيط ٦/٣٣٤..
٢ في ب: الآية. وهو تحريف..
٣ عند قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتيكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٣٨].
ذكر ابن عادل هناك: قرئ بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم وهي لغة هذيل، قال شاعرهم:
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرِّموا ولكل جنب مصرع
فكأنهم لما لم يصلوا إلى ما تستحقه ياء المتكلم فمن كسر ما قبلها لكونه ألفا بما يناسب الكسرة فقلبوا الألف ياء.
انظر اللباب ١/١٢٩ – ١٣٠..

٤ في ب: ابن. .
٥ انظر المحتسب ٢/٤٨، والبحر المحيط ٦/٣٣٤..
٦ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٧ انظر المحتسب ٢/٤٩، و البحر المحيط ٦/٢٣٤..
٨ من قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢]..
٩ قد: سقط من الأصل..
١٠ قرأ نافع ومحياي بسكون ياء المتكلم، وفيها الجمع بين ساكنين قال الفارسي: كقولهم: التقت حلقتا البطان، ولفلان ثلثا المال بثبوت الألفين وقد طعن بعض الناس على هذه القراءة بما ذكر من الجمع بين الساكنين، وتعجب من كون هذا القارئ يحرك ياء "مماتي" ويسكن ياء "محياي" وقد نقل بعضهم عن نافع الرجوع عن ذلك. انظر اللباب ٣/٥٥٦..
١١ في ب: "أتوكأ عليها"..
١٢ انظر التبيان ٢/٨٨٨..
١٣ انظر المرجع السابق..
١٤ في ب: المجيء..
١٥ لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه إلا إذا توافر له واحد من أمور ثلاثة:
أن يكون المضاف مما يصح عمله في الحال، كاسم الفاعل والمصدر ونحوهما مما تضمن معنى الفعل نحو: هذا ضارب هند مجردةّ، وأعجبني قيام زيد مسرعا، ومنه قوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم جميعا﴾ [يونس: ٤٠]، ومنه قول الشاعر:
تـــقول ابنتي إنّ انطلاقك واحدا إلى الروع يوما تاركي لا أبا ليا
ب – أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانا﴾ [الحجر: ٤٧].
فـ "إخوانا" حال من الضمير المضاف إليه "صدور"، والصدور جزء من المضاف إليه.
جـ - أن يكون المضاف مثل جزء المضاف إليه – في صحة الاستغناء عنه بالمضاف إليه – نحو قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك إن اتّبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النحل: ١٢٣] فـ (حنيفا) حال من (إبراهيم) والملة كالجزء من المضاف إليه إذ يصحّ الاستغناء بالمضاف إليه عنها. فلو قيل في غير القرآن: أن اتبع إبراهيم حنيفا، لصحّ.
وادعى المصنف في شرح التسهيل الاتفاق على منع مجيء الحال من المضاف إليه فيما عدا المسائل الثلاث المستثناة نحو: ضربت غلام هند جالسة وتابعه على ذلك ولده في شرحه، وفيما ادعياه نظر فإن مذهب الفارسي الجواز مطلقا.
قال السيوطي في الهمع: (وجوز بعض البصريين، وصاحب البسيط مجيء الحال من المضاف إليه مطلقا وخرّجوا عليه ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر: ٦٦] ١/٢٤٠. وعلى ذلك فكون أتوكأ حالا من الياء – المضاف إليه – يجوز على مذهب من جوز مجيء الحال من المضاف إليه مطلقا.
انظر الأشموني ٢/١٧٨ – ١٧٩. .

١٦ انظر التبيان ٢/٨٨٨..
١٧ ما بين القوسين سقط من ب..
١٨ حيث قال أبو البقاء: (وقيل: هو خبر "هي" و"عصاي" مفعول لفعل محذوف) التبيان ٢/٨٨..
١٩ عند قوله تعالى: ﴿فلما سمعت بمكرهنّ أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأ﴾ [يوسف: ٣١] انظر اللباب ٥/٢٧ ـ ٢٨..
٢٠ يريد أن وزن (متكأ) من سورة يوسف (مفتعل) فهو اسم مفعول من (اتكأ) بخلاف (أتوكأ) هنا فهي على وزن (أتفعّل) مضارع (تفعّل)..
٢١ انظر تفسير غريب القرآن ٢٧٨..
٢٢ قال أبو عبيدة: ("وأهش بها على غنمي " أي أخبط بها فأضرب بها ليسقط ورقها على غنمي فتأكله).
مجاز القرآن ٢/١٧..

٢٣ هو إبراهيم بن يزيد أبو عمران النخعي، الكوفي، الإمام المشهور الصالح، العالم، الزاهد، قرأ على الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، قرأ عليه الأعمش، وطلحة بن مصرف، مات سنة ٩٦ هـ طبقات القراء ١/٢٩ – ٣٠..
٢٤ أي بكسر الهاء. انظر المحتسب ٢/٥٠، والقرطبي ١١/١٨٦، والبحر المحيط ٦/٤..
٢٥ في الأصل: القراءة. وهو تحريف..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٤..
٢٧ انظر المحتسب ٢/٥٠، البحر المحيط ٦/٢٣٤..
٢٨ انظر المختصر (٨٧)، المحتسب ٢/٥٠، البحر المحيط ٦/٢٢٣..
٢٩ الهسّ: زجر الغنم، فمعنى أهُسّ: أسوق، ورجل هسّاس: أي سوّاق، انظر: المحتسب ٢/٥١..
٣٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٣١ في ب: كان..
٣٢ معنى: سقط من ب..
٣٣ المحتسب ٢/٥١..
٣٤ ما بين القوسين في الأصل: أهوَل..
٣٥ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٤..
٣٦ قال الزمخشري: (وفي قراءة النخعي: "أهِشّ" وكلاهما من هَشّ الخبز: إذا كان ينكسر لهشاشته) الكشاف ٢/٤٣٠..
٣٧ أهسّ بضم الهمزة وكسر الهاء وبالمهملة، أهِشّ بالمعجمة وضم وكسر الهاء من أهسّ أو أهشّ رباعيا، وهناك قراءة ثالثة معزوة إلى النخعي أيضا وهي: وأهِش بفتح الهمزة وكسر الهاء وبالمعجمة من هشَّ ثلاثيا. انظر المحتسب ٢/٥٠ والبحر المحيط ٦/٢٣٤..
٣٨ هو عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن أبو الفضل الرازي العجلي، الإمام المقرئ وشيخ الإسلام الثقة الورع. ومن مؤلفاته جامع الوقوف واللوامح وغيرهما، قرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي، وأحمد بن يحيى، وغيرهما، مات سنة ٤٥٤ هـ طبقات القراء ١/٣٦١ – ٣٦٣..
٣٩ في ب: قد استعمل الضعيف مع الشين فخفف وهو تحريف..
٤٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٤..
٤١ البحر المحيط ٦/٢٣٥..
٤٢ ما بين القوسين في ب: بسكون النون ولا ينفاين. وهو تحريف..
٤٣ أي: بإيقاع الفعل على الغنم. انظر البحر المحيط ٦/٢٣٥..
٤٤ في ب: إربة..
٤٥ الإربة والإرب: الحاجة، وفيه لغات: إرب وإربة وأرب ومأرُبة ومأرَبة اللسان (أرب)..
٤٦ انظر القرطبي ١١/١٨٧..
٤٧ قال الزجاج: (وجاء "أخرى" على لفظ الواحدة، لأن مآرب في معنى جماعة فكأنها جماعات من الحاجات أخرى، فلو جاءت أخر كان منصوبا) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٥٥. وقال أبو حيان: (وعامل المآرب وإن كان جمعا معاملة الواحدة المؤنثة فأتبعها صفتها في قوله: "أخرى" ولم يقل أخر رعيا للفواصل، وهو جائز في غير الفواصل، وكان أجود وأحسن في الفواصل) البحر المحيط ٦/٢٣٥..
٤٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٩ من قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ﴾ [طه: ٨]..
٥٠ قبل صفحات..
٥١ في الأصل: قيل..
٥٢ في ب: كان..
٥٣ انظر التبيان ٢/٨٨٨..
٥٤ من الآية :(١٨٤، ١٨٥) من سورة البقرة..
٥٥ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٥٦ في الأصل: وباللفظ وهو تحريف..
٥٧ ونقل: سقط من ب..
٥٨ هو الحسن بن علي بن إبراهيم الأستاذ أبو علي الأهوازي صاحب المؤلفات شيخ القراء في عصره، قرأ على إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد الطبري وقرأ عليه أبو علي الحسن بن قاسم الهذلي وغيرهما مات سنة ٤٤٦ هـ طبقات القراء ١/٢٢٠ – ٢٢٢..
٥٩ هو شيبة بن عمرو بن ميمون المصيصي، روى القراءة عن حماد بن سلمة عن عاصم، روى القراءة عنه عيسى بن مهران القومسي. طبقات القراء ١/٣٢٩..
٦٠ هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب أبو بكر الزهري، المدني، تابعي وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس بن مالك، روى عن عبد الله بن عمر، وعن أنس بن مالك، وعرض عليه نافع بن أبي نعيم، وروى عنه مالك بن أنس وغيره مات سنة ١٠٥ هـ طبقات القراء ٢/٢٦٢ ـ ٢٦٣..
٦١ لأن كل همزة مفتوحة كانت قبلها فتحة فإنك تجعلها إذا أردت تخفيفها بين الهمزة والألف الساكنة وتكون بزنتها مخففة، غير أنك تضعف الصوت ولا تتمه وتخفي لأنك تقربها من هذه الألف الكتاب ٣/٤١ هـ ٥٤٢، البحر المحيط ٦/٢٣٥..
٦٢ قيل: سقط من ب..
٦٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٤ في ب: إلا أنه..
٦٥ تعالى: سقط من ب..
٦٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٦..
٦٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٦..
٦٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٦..
٦٩ ما بين القوسين في ب: فتأكل..
٧٠ في ب: ذلك..
٧١ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٧..
٧٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٣ في ب: فصل وقال..
٧٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢..
٧٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٦ الركز: غرزك شيئا منتصبا كالرّمح ونحوه، تركزه ركزا في مركزه، وقد ركزه يركُزه ويركِزه ركزا وركَزه: غرزه في الأرض. اللسان (ركز)..
٧٧ في ب: شعبتاها. وهو تحريف..
٧٨ في ب: شمعتان. وهو تحريف..
٧٩ في ب: وكان يحمل زاده وماؤه..
٨٠ في ب: بالية. وهو تحريف..
٨١ في ب: نصب. وهو تصحيف..
٨٢ الهوام: ما كان من خشاش الأرض نحو العقارب وما أشبهها الواحدة هامة لأنها تهم، أي: تدب، وهميمها دبيبها. والهوامّ: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه. اللسان (همم)..
٨٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٧..
٨٤ انظر البغوي : ٥/٤١٦..
٨٥ المرجع السابق..
قال الله تعالى :" ألْقِهَا يَا مُوسَى " أي انبذها.
قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفُضْهَا
" فَألْقَاهَا " على وجه الأرض ثم ينظر إليها " فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى " صفراء أعظم ما تكون من الحيات تمشي بسرعة١ لها عرف كعرف الفرَس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، صارت شدقين لها والمِحجن عنقاً٢ يهتز، وعيناها متقدان كالنار، وتمر بالصخرة٣ العظيمة مثل الخلفة٤ من الإبل فتلتقمها٥، وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها ( صريف٦ عظيم ) ٧ ٨.
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كُنْ فيكون.

فصل


والحكمة٩ في قلب العصا حيَّةً في ذلك الوقت من وجوه :
أحدها١٠ : لتكون معجزةً لموسى -عليه السلام- يعرف بها نبوة نفسه، لأنه عليه السلام -١١إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء١٢ وإن كان مخالفاً للعادات إلا انه لم يكن معجزاً، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات١٣ الملائكة أو الجن، فقلب العصا حيَّةً ليكون دليلاً قاهِراً١٤ على الممعجزة.
الثاني : أنه تعالى عرضَها عليه١٥ ليشاهدها أولاً، فإذا شاهدها عند فرعون لا يخافها.
وثالثها١٦ : أنه كان راعياً فقيراً ثم نُصِّب للمِنْصبِ العظيمِ فلعله بقي يتعجب١٧ من ذلك، فقلب العصا حيَّةً تنبيًّا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين١٨.
فإنْ قيل : كيف قال ههنا " حَيَّة " وفي موضع آخر " جَان " ١٩ وهو الحية الخفية الصغيرة، وقال في موضع٢٠ " ثُعْبَانٌ " ٢١ وهو أكبر ما يكون من الحيات ؟
فالجواب : أن الحيَّة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير٢٢ وأما الجَانَّ٢٣ فقيل : عبارة عن ابتداء حالها فإنها٢٤ كانت حيَّةً على قدر العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعباناً.
وقيل : كانت في عظم الثعبان٢٥ وسرعة الجانِّ لقوله تعالى :﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾٢٦ ٢٧.
( و " تسعى " )٢٨ يجوز أن تكون خبراً ثانياً٢٩ عند من يجوز ذلك ويجوز أن تكون صفة ل " حَيَّةً " فلما عاين موسى ذلك " وَلَّى مُدْبِراً " ٣٠، وهرب
١ انظر البغوي ٥/٤١٧..
٢ في ب: عنقا وعرفا..
٣ في ب: بالهجوة. وهو تحريف..
٤ الخلفة: ما علق خلف الراكب..
٥ في ب: فتلفها. وهو تحريف..
٦ الصريف: صوت الأنياب والأبواب. اللسان (صرف)..
٧ البغوي ٥/٤١٧..
٨ في النسختين: صريفا عظيما..
٩ من هنا نقله ابن عادل عن الفخرالرازي ٢٢/٢٨..
١٠ في ب: الأول..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ والنداء: سقط من الأصل..
١٣ في ب: عادة..
١٤ في ب: قاطعا..
١٥ في ب: عرض عليها. وهو تحريف..
١٦ في ب: الثالث..
١٧ في ب: متعجب..
١٨ آخر ما نقله هنا من الفخر الرازي ٢٢/٢٨..
١٩ في قوله تعالى: ﴿كأنها جان﴾ [النمل: ١٠].
[القصص: ٣١]..

٢٠ في ب: في آخر..
٢١ في قوله تعالى: ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الشعراء: ٣٢]..
٢٢ في ب: الصغيرة والكبيرة. وهو تحريف..
٢٣ الجانّ: سقط من ب..
٢٤ في الأصل: فإنه. وهو تحريف..
٢٥ في ب: كانت من أعظم الحيات أو في أعظم الثعبان. وهو تحريف..
٢٦ [النمل: ١٠]، [القصص: ٣١]..
٢٧ انظر البغوي ٥/٤١٧، الفخر الرازي ٢٢/٢٨..
٢٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٩ انظر التبيان ٢/٨٨٨..
٣٠ من قوله تعالى: ﴿فلما رآها تهتز كأنها جانّ ولّى مدبرا﴾ [النمل: ١٠] [القصص: ٣١]..
ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي :" خُذْهَا فَلاَ تَخَفْ سُنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا " ( وهيئتها )١ " الأُولَى " أي نردها عصا كما كانت. قوله :﴿ سِيرَتَهَا ﴾ في نصبها٢ أوجه :
أحدها : أن تكون٣ منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي : طريقتها٤.
الثاني : أن تكونَ منصوبة على البدل من " ها " ٥ " سَنُعِيدُهَا " بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها٦.
الثالث : أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي : إلى سيرتها٧.
قال الزمخشري٨ : ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير :
وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ٩ ***. . .
وهذا هو ( معنى قول من قال : إنه على إسقاط ( إلى ) و )١٠ كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم١١، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة ( في )١٢ إلا فيما ( شذ١٣. والسيرَةُ )١٤ فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الرُّكُوب١٥، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي١٦ :
فَلاَ تغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا *** فَأوَّلَ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا١٧
وجوَّز١٨ أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي : يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال ؛ أي : سَنُعيدُها١٩ سائرةً سيرتَهَا٢٠.
فإن قيل٢١ : لمَّا نوديَ يا موسَى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى فلماذا٢٢ خاف ؟ فالجواب من وجوه :
أحدها : أن ذلك الخوف كان من نفرة٢٣ الطبع لأنه -عليه السلام٢٤- ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري٢٥ : وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة.
وثانيها٢٦ : خاف لأنه عليه السلام٢٧ عرف ما لقي آدم منها.
وثالثها : أن مجرد قوله ﴿ وَلاَ تَخَفْ ﴾ لا يدل على حصول الخوف كقوله :﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين ﴾٢٨ لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله :﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً ﴾٢٩ يدل عليه٣٠.

فصل


قال المفسرون : كانَ علَى٣١ موسى٣٢ مَدْرَعة من صوف قد خللها٣٣ بعيدان٣٤. فلما قال له :" خُذْهَا " لف طرف المَدْرَعَةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل : إن مَلَكاً قال : أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً ؟ فقال : لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ٣٥، فكشف٣٦ يده، ثم وضعهَا في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ٣٧. واعلم أن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات المآرب٣٨ التي تقدمت.
١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢ في ب: نصبه..
٣ انظر الكشاف ٢/٤٣١.
ورده أبو حيان فقال في البحر المحيط بعد ما ذكر الزمخشري في جواز نصب (سيرتها) على الظرف: (وسيرتها وطريقتها ظرف مختص فلا يتعدى إليه الفصل على طريقة الظرفية إلا بواسطة (في) ولا يجوز الحذف إلا في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب) ٦/٢٣٦..

٤ في ب أنها..
٥ في ب: قوله. وهو تحريف..
٦ ذكر هذا الوجه أبو البقاء. انظر التبيان ٢/ ٨٨٨، البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٧ قال الحوفي. قال أبو حبان (واختلفوا في إعراب سيرتها. فقال الحوفي: مفعول ثان لـ (سنعيدها). على حذف الجار مثل "واختار موسى قومه" يعني: إلى سيرتها) البحر المحيط ٦/٢٣٥، ٢٣٦. وانظر التبيان ٢/١٤١..
٨ الكشاف ٢/٤٣١. بتصرف، وهو بلفظه في البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٩ هذا عجز بيت من بحر الوافر قاله زهير، وصدره: فصرم حبلها إذ صرفته وهو في شرح الديوان (٦٢)، الكشاف ٢/٤٣١، اللسان (عدا) والبحر المحيط ٦/٢٣٦. ورواية شرح الديوان: العداء والشاهد فيه تعدي (عاد) إلى مفعولين وهما ضمير المخاطب و (أن تلاقيها)..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه : الذي..
١١ انظر الكشاف ٢/٤٣١. قال الزمخشري: (فيجوز أن ينتصب على الظرف، أي سنعيدها في طريقتها الأولى، أي في حال ما كانت عصا)..
١٢ في: سقط من الأصل..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٦..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ اسم الهيئة: اسم يدل على نوع من الحدث، وضرب منه له صفة خاصة، وقياسه من الثلاثي على (فعلة) بكسر الفاء وسكون العين نحو جلسة.
فإذا كان المصدر العام على (فعلة) بكسر الفاء دل على الهيئة بالوصف. نحو نشدة عظيمة. ومن غير الثلاثي يؤتى بالمصدر العام موصوفا نحو: أسرع إسراعا شديدا. انظر التبيان في تصريف الأسماء ٥٥ – ٥٦..

١٦ هو خالد بن زهير الهذلي، أحد بني مازن بن معاوية (سعد بن هذيل) عارض زواج ابن عمه أبي ذؤيب الهذلي، فوقع في معركة بالهجاء معه، ومع معقل بن خويلد الهذلي، التقي خالد بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عند وفاته مقيما بالمدينة، رثاه أبو خراش بقصيدة. تاريخ التراث العربي، فؤاد سنركين ٢/٢٦٥..
١٧ البيت من بحر الطويل قاله خالد الهذلي، اللسان (سير)، والشاهد فيه أنه عبر عن المذهب والطريقة بالسيرة اتساعا، لأن (سيرة) على فعلة تدل على الهيئة.
ورواية الديوان:
فـلا تجزعن من سنـة أنت سرتهــا *** وأول راضي سـنة من يسيرها
وقد تقدم..

١٨ أي الزمخشري..
١٩ في ب: نعيدها..
٢٠ قال الزمخشري :(ووجه ثالث حسن، أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى: أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أولا، ونصب (سيرتها) بفعل مضمر أي: تسير سيرتها الأولى أي سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها، ولك فيها مآرب التي عرفتها) الكشاف ٢/٤٣١..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٨ – ٢٩..
٢٢ في ب: فلما..
٢٣ في ب: نفر. وهو تحريف..
٢٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٥ سلمان بن ناصر بن عمران أبو القاسم الأنصاري النيسابوري، الفقيه الصوفي إمام الحرمين، كان بارعا في الأصول، وصنف في التفسير، وشرح الإرشاد لشيخه سمع الحديث من عبد الغفار الفارسي وكريمة المروذية وغيرهما مات سنة ٥١٢ هـ. طبقات المفسرين للسيوطي ٥٢، طبقات المفسرين للداودي ١/١٩٣ – ١٩٤..
٢٦ في ب: والثاني..
٢٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٨ [الأحزاب: ١، ٤٨]..
٢٩ [النمل: ١٠]، [القصص: ٣١]..
٣٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٨ – ٢٩..
٣١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤١٨..
٣٢ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٣٣ في الأصل: فدخلها، وفي ب: قد خلها. وهو تحريف..
٣٤ بعيدان: سقط من ب..
٣٥ في ب: خفت. وهو تحريف..
٣٦ في ب: ثم كشف..
٣٧ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١٨..
٣٨ في ب: والمآرب..
أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه - عليه السلام - ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة.
وثانيها: خاف لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها.
وثالثها: أن مجرد قوله «وَلاَ تَخَفْ» لا يدل على حصول الخوف كقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الأحزاب: ١، ٤٨] لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً﴾ [النمل: ١٠، القصص: ٣١] يدل عليه.

فصل


قال المفسرون: كانَ علَى موسى مَدْرَعة من صوف قد خللها بعيدان. فلما قال له: «خُذْهَا» لف طرف المَدْرَعَةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل: إن مَلَكاً قال: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً؟ فقال: لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ، فكشف يده، ثم وضعهَا في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ. واعلم أن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات المآرب التي تقدمت.
قوله
: ﴿واضمم
يَدَكَ إلى جناحكواضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾
لا بد هنا من حذف والتقدير: واضمم يَدَك تنضم
218
وأخرجها تخرج، فحذف من الأول والثاني وأبقى مقابلهما ليدلان على ذلك إيجازاً واختصاراً وإنما احتيج إلى هذا، لأنه لا يترتب على مجرد الضم الخروج. وقوله: «بَيْضَاءَ» حال من فاعل تخرج.
قوله: «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «تَخْرُج» وأن يكون متعلقاً ب «بَيْضَاءَ» لما فيها من معنى الفعل حو ابيضت من غير سوء. (ويجوز) أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير في «بَيْضَاء».
وقوله:: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «يسمى عند أهل البيان الاحتراس، وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم مَنْ يتوهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به البَرَص والبَهَق فأتى بقوله:» مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «نفياً لذلك.
قوله:»
آيَةً «فيها أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً، أعني أنها بدل من ب»
بَيْضَاءَ «الواقعة حالاً.
الثاني: أنها حالٌ من الضمير في»
بَيْضَاء «.
الثالث: أنها حالٌ من (الضمير في) الجار والمجرور.
والرابع: أنها منصوبة بفعل محذوف، فقدره أبو البقاء: جعلنَاهَا آيَةً، (أو آتيناك) آيةً. وقدره الزمخشري: خُذْ آيَةً، وقدر أيضاً: دونك آية. ورد أبو
219
حيان هذا، لأن ذلك من باب الإغراء، ولا يجوز إضمار الظروف في الإغراء. قال: لأن العامل حُذِف وناب هذا مكانه، فلا يجوز أن يحذف النائب أيضاً، وأيضاً فإن أحكامها تخالف العامل الصريح، فلا يجوز إضمارها وإن جاز إضمارها وإن جاز إضمار الأفعال.

فصل


يقال لكل ناحيتين، جَنَاحان كجناحي العسكر لطرفيه، وجناحا الإنسان جانباه والصل المستعار منه جناحا الطائر، لأنه يجنحها عند الطيران.
وجناحا الإنسان عَضُدَاه أي: اضمم يدّك إلى إبْطِكَ تخرج بيضاء نيرة مشرقة من غير سوء وعن ابن عباس:» إلى جَنَاحِكَ «أي إلى صدرك.
والأول أولى، لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر، ولأنه قال:»
تَخْرُج بَيْضَاءَ «ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله» تَخْرُج «معنى. ومعنى ضم اليد إلى الجناح ما قاله في آية أخرى» وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ «، لأنه إذا أدخل يده في جيبه كان كأنه قد ضم يده إلى حناحه.
والسوءُ: الرداءة والقبح في كل شيء، وكنّى عن البَرَص كما كنّى عن العورة
220
بالسَّوْأَة، والبرَص أبغضُ شيء إلى العرب، فكان جديراً بأن يُكْنَى عنه بالسُّوء، وكان عليه السلام شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه، وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها فكانت تبرق مثل البرق، وقيل: مثل الشمس، من غير برص، ثم إذا ردَّها عادت إلى لونها الأول.
«آيَةً أُخْرَى» دلالة على صدقك سوى العصا.
قوله: «لِنُريََكَ» متعلق بما دلَّت عليه «آيَةً» أي: دللنا بها لُنِرِيَكَ، أو ب (جَعَلْنَاهَا)، أو ب (أتَيْنَاكَ) المقدر. وقدره الزمخشري: لِنُرِيَكَ فِعْلَنا ذلك، وجوَّز الحوفي أن يتعلق ب «اضْمُمْ». وجوَّز غيرُه أن يتعلق (بتَخْرُج). ولا يجوز أن يتعلق بلفظ آية، لأنها قد وصفت. وقدره الزمخشري أيضاتً: لِنُرِيَكَ خُذْ هذه الآيةَ أيضاً.
قوله: «مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى».
يجوز أن يتعلق «مِنْ آيَاتِنَا» بمحذوف على أنه حال من «الكُبْرَى» حال كونها من آياتنا، على هاذ مفعولاً ثانياً «لُنِريَكَ» والتقدير: «لُنِريَكَ المُبْرَى» حال كونها من آياتنا، أي: بعض آياتنا ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس «مِنْ آيَاتِنَا» فيتعلق بمحذوف أيضاً، و «الكُبْرَى» على هذه صفة ل «آيَاتِنَا» ووصف الجمع المؤنث غير العاقل وصف الواحد على حد «مَآربَ أُخْرَى» و «الأَسْمَاءُ الحُسْنَى».
وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري والحوفي (وأبو البقاء) واختار
221
قوله :﴿ لِنُريََكَ ﴾ متعلق بما دلَّت عليه " آيَةً " أي : دللنا بها لُنِرِيَكَ، أو ب ( جَعَلْنَاهَا )، أو ب ( آتَيْنَاكَ ) المقدر١. وقدره الزمخشري : لِنُرِيَكَ فِعْلَنا ذلك٢، وجوَّز٣ الحوفي أن يتعلق ب " اضْمُمْ " ٤. وجوَّز غيرُه أن يتعلق ( بتَخْرُج )٥ ٦. ولا يجوز أن يتعلق بلفظ آية، لأنها قد وصفت٧. وقدره الزمخشري أيضاتً : لِنُرِيَكَ خُذْ هذه الآيةَ أيضاً٨.
قوله :﴿ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى ﴾.
يجوز أن يتعلق " مِنْ آيَاتِنَا " بمحذوف على أنه٩ حال من " الكُبْرَى " ويكون " الكبرى " على هذا مفعولاً ثانياً١٠ " لُنِريَكَ " والتقدير :" لُنِريَكَ الكبْرَى " حال كونها من آياتنا، أي : بعض آياتنا ويجوز أن يكون المفعول الثاني نفس١١ " مِنْ آيَاتِنَا " فيتعلق بمحذوف أيضاً، و " الكُبْرَى " ١٢ على هذه صفة ل " آيَاتِنَا " ووصف الجمع المؤنث غير العاقل وصف الواحد١٣ على حد " مَآربَ أُخْرَى " ١٤ و " الأَسْمَاءُ الحُسْنَى " ١٥.
وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري١٦ والحوفي١٧ ( وأبو البقاء١٨ )١٩ واختار أبو حيَّان الثاني قال : لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته كلها هي الكبرى، لأن ما كان بعض٢٠ الآيات الكُبَر صدق عليه آية٢١ الكبرى، لأنها هي المتصفة٢٢ بأفْعَل التفضيل، وأيضاً إذا جُعِلت " الكبرى " مفعولاً فلا يمكن٢٣ أن يكون صفة للعصا٢٤ واليد معاً، إذ كان يلزم التثنية، ولا جائز أن يخصَّ أحدهما بالوصف دون الأخرى٢٥، لأن التفضيل في كل منهما٢٦.

فصل


قال المفسرون : قال :" لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى " ولم يقل : الكُبَر لرؤوس الآي٢٧. وقيل٢٨ : فيه إضمار معناه : لُنِرِيَكَ من آياتنا الآية الكبرى ويدل عليه قول ابن عباس٢٩ : كانت يد موسى أكبر آياته٣٠ وهو قول الحسن قال : اليد أعظم في الإعجاز من العصا، فإنه جعل " الكُبْرَى " مفعولاً ثانياً٣١ لنريك وجعل ذلك ( راجعاً للآية القريبة، وقد )٣٢ ضُعِّفَ ذلك بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، ( وأما العصا ففيها تغير اللون )٣٣ وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر، ثم عادت عصا بعد ذلك، فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم٣٤.
وأما قوله :﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى ﴾ فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام، وأنه غير مختص باليد٣٥.
١ انظر التبيان ٢/٨٨٩..
٢ الكشاف ٢/٤٣١..
٣ في ب: وذكر..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٥ البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٦ في ب: بأخرج. وهو تحريف..
٧ انظر التبيان ٢/٨٨٩..
٨ الكشاف ٢/٤٣١..
٩ في ب: أنها..
١٠ ثانيا: سقط من ب..
١١ من: سقط من الأصل..
١٢ في ب: ويكون الكبرى..
١٣ في الأًصل: وصفا لجمع المؤنث غير العاقلة وصف الواحدة..
١٤ [طه: ١٨]..
١٥ [طه: ٨]..
١٦ قال الزمخشري: ("لنريك" أي: خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى، أو: لنريك بهما الكبرى من آياتنا، أو: لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك) الكشاف ٢/٤٣١..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٧..
١٨ قال أبو البقاء: (الكبرى صفة لآيات: وحكمها حكم مآرب، ولو قال: الكبر لجاز، ويجوز أن تكون الكبرى نصبا بـ "نريك" و"من آياتنا" حال منها، أي: لنريك الآية الكبرى من آياتنا) التبيان ٢/٨٨٩..
١٩ ما بين القوسين في ب: وأبو البقاء وابن عطية. أي: لنريك من آياتنا الآية الكبرى. قال: وقال: من آياتنا الكبرى. ولم يقل الكبر لرؤوس الآي..
٢٠ في ب: من..
٢١ في ب: آيات. وهو تحريف..
٢٢ في ب: المتصلة وهو تحريف..
٢٣ في ب: فلا يلزم. وهو تحريف..
٢٤ في ب: العصا..
٢٥ في ب: الآخر..
٢٦ البحر المحيط ٦/٢٣٧. بتصرف يسير..
٢٧ انظر القرطبي ١١/١٩١..
٢٨ وقيل: سقط من ب..
٢٩ في ب: ابن عباس رضي الله عنه..
٣٠ انظر القرطبي ١١/١٩١..
٣١ في ب: بآياتنا. وهو تحريف..
٣٢ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه: وجعل ذلك قريبا..
٣٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٣٠، والبحر المحيط ٦/٢٣٧..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٣٠..
أبو حيَّان الثاني قال: لأنه يلزم من ذلك أن تكون آياته كلها هي الكبرى، لأن ما كان بعض الآيات الكُبَر صدق عليه آية الكبرى، لأنها هي المتصفة بأفْعَل التفضيل، وأيضاً إذا جُعِلت «الكبرى» مفعولاً فلا يمكن أن يكون صفة للعصا واليد معاً، إذ كان يلزم التثنية، ولا جائز أن يخصَّ أحدهما بالوصف جون الأخرى، لأن التفضيل في كل منهما.

فصل


قال المفسرون: قال: «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى» ولم يقل: الكُبَر لرؤوس الآي. وقيل: فيه إضمار معناه: لُنِرِيَكَ من آياتنا الآية الكبرى ويدل عليه قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته وهو قول الحسن قال: اليد أعظم في الإعجاز من العصا، فإنه جعل «الكُبْرَى» مفعولاً ثانياً لنريك وجعل ذلك (راجعاً للآية القريبة، وقد) ضُعِّفَ ذلك بأنه ليس في اليد إلا تغير اللون، (وأما العصا ففيها تغير اللون) وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والإعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر، ثم عاجت عصا بعد ذلك، فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم.
وأما قوله: «لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى» فقد ثبت أنه عائد إلى الكلام، وأنه غير مختص باليد.
قوله
تعالى
: ﴿اذهب
إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾
لما أظهر له الآيات عقبها بأنْ أرمه بالذهاب إلى فرعون، وبيَّن العلة في ذلك، وهو أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع
222
أنه بُعِثَ موسى إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبًّر، وكان متبوعاً فكان ذكره أولى. ومعنى «طَغَى» جاوز الحد في العصيان والتمرد، فبلِّغْهُ رسالتي وادْعُهُ إلى عبادتي وحذِّرْهُ نِقْمتي.
قال موسى: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي» وسّعه للحق.
(قال ابن عباس) : يريد حتى لا أخاف غيرك. والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: ١٣] وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً، لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدراً (بما كُلِّفَ) من مقاومة فرعون فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحداً لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذا علم ذلك لم يَخَفْ فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده.
(قوله: «لي) صَدْرِي» متعلق ب «اشْرَحْ»، قال الزمخشري: فإن قلت: (لي) في قوله: «اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» ما جدواه والأمر مستتب بدونه. قلت: قد أبهم الكلام أولاً فقال: «اشْرَحْ لِي» «وَيَسِّرْ لِي» فعلم أن ثَمَّ مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفه الإبهام بذكرهما، فكان ىكد لطلب الشرح لصده، والتيسير لأمره.
ويقال: يَسَّرْتُهُ لكذا، ومنه «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى» ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية.
قوله: «وَيَسِّرْ لِي أمْرِي» أي سَهِّل عليَّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال، والأقوال والحركات،
223
والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلاً له، فهذه الإرادة صفة محدثة، ولا بد لها من فاعل، وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم ففي الحقيقة هو الميسر للأمور.
قوله: «واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي»، وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمةً، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوِّي وأراد أن يقتلهن فقالت آسية: إنه صبي لا يَعْقِل ولا يميز جَرِّبْه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عيله السلام يد موسى فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، (وصارت عليه عقدة).
وقيل: قرَّبا إليه ثمرةً وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه.
[قالوا] : ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا.
وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته. واختلفوا في أنه لِمَ طلب حل العقدة؟ فقيل: لئلا يقع في خلل في أداء الوحي. وقيل: لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل: لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى - عليه السلام - معجز في حقه.

فصل


قال الحسن: إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى: «قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ
224
يَا مُوسَى»، وقيل: هذا ضعيف، لأنه عليه السلام لم يقل: واحْلُلْ العقدة من لساني بل قال: «واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي»، فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء لقوله حكاية عن فرعون «أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين» مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن المراد بقوله: «وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ» أي لا يأتي ببيان وحجة.
والثاني: أن (كَادَ) بمعنى قَرُبَ. فلو كَانَ المراد هو البيان اللساني، لكان معناه: أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهموزن، فكيف يمكن نفي البيان، بل إنما قالوا ذلك تمويهاً ليصرفوا الوجوه عنه. واعلم أن النطق فضيلة عظيمة، ويدل عليه وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، ولهذا قيل للإنسان: هو الحيوان الناطق.
الثاني: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير:
٣٦٥٤ - لِسَانُ الفَتَى نِصْفَ وَنصْفٌ فؤاده فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صُورَةُ اللَّّحْمِ وَالدَّمِ
وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة. أي لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم.
وقالوا: المَرْءُ بأصغريه أي قلبِه ولسانِه.
وقالوا: «المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ».
225
الثالث: أن في مناظرة آدم - عليه السلام - مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: ﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٣٣].
قوله: «مِنْ لِسَانِي» يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «عُقْدَة» أي: من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس «احلُلْ»، والأول أولى. قوله: «واجْعَلْ لِي وَزِيراً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً مقدِّماً و «وَزِيراً» ويجوز أن يكون متعلقاً بالجعل، و «هَارونَ» بدل من «وَزِيراً» وجوَّز أبو البقاء أن يكون «هَارُونَ» عطف بيان ل «وَزيراَ». ولم يذكر الزمخشري غيره. ولما حكى أبو حيان هذا لم يعقبه بتنكير، وهو عجب منه فإنَّ عطفَ البيان يُشترط فيه التوافق تعريفاً وتنكيراً، وقد عرفت أن وزيراً نكرة، وهارون معرفة.
والزمخشري قد تقدَّم له مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وتقدم الكلام معه هناك، وهو عائد هنا.
ويجوز أن يكون «هارون» منصوباً بفعل محذوف كأنه قال: «أخصُّ من بينهم هارون
226
من بين أهلي ويجوز أن يكون» وَزيراً «مفعولاً ثانياً و» هارُونَ «هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة. وعلى هذا فقوله:» لِي «يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من» وَزِيراً «مفعولاً أول، و» مِنْ أهْلِي «هو الثاني. وقوله:» لِي «مثل قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] يعنون أنه به يتم المعنى. ذكر ذلك أبو البقاء.
ولما حكاه أبو حيان لم يعقبه بنكير، وهو عجب، لأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بوزيرٍ وأخبرت عنه ب (مِنْ أَهْلِي) لم يجز، إذ لا مسوِّغ للابتداء به. و»
أَخشي «بدل أو عطف بيان ل» هَارُونَ «.
وقال الزمخشري: وإن جعل عطف بيان آخر جازِ وحَسُن.
قال أبو حيَّان: ويبعُدُ فيه عطفُ البيان، لأن عطف البيانِ الأكثر فيه أن يكون الأول دونه في الشهرة، وهذا بالعكس.
قال شهاب الدين: لم يُرِد الزمخشري أنَّ»
أَخِيط عطفُ بيان ل «هَارُونَ» حتى يقول الشيخ: إن الأول وهو «هَاروُنَ» أشهر من الثاني وهو «أخِي»، إنما عنى الزمخشري أنه عطفٌ بيان أيضاً ل «وزيراً»، ولذلك قال: آخر، ولا بد
227
من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته.
قال: «وَزيراً» وهَارُونَ «مفعولاً قوله:: اجْعَلْ»، أوْ «لي وَزِيراً: معفولاه، و» هَارونَ «عطفُ بيان للوزير، و» أخِي «في الوجهين بدل من» هَاروُنَ «، وإن جعل عطف بيان آخر جازَ وحَسُنَ فقوله: (آخر) يُعَينُ أن يكون عطفَ بيان لما جُعِل عنه عطف بيان قبل ذلك.
وجوَّز الزمخشري (في»
أَخِي «) أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة من قوله:» اشْدُدْ بِهِ «، وذلك على قراءة الجمهور له بصيغة الدعاء، وعلى هذا فالوقف على» هَارُونَ «. وقرأ ابن عامر» أَشْدُد «للمضارعة، وجزم الفعل جواباً للأمر،» وَأُشْرِكْهُ «بضم الهمزة للمضارعة، وجزم الفعل نسقاً على ما قبله حكاية عن موسى: أنا أفعل ذلك. وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح همزة القطع في الثاني على أنهما دعاء من موسى لربه بذلك، وعلى هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة دون ما تقدمها من جمل الدعاء وقرأ الحسن» أَشْدُدْ «مضارع شدد بالتشديد.
والوزير: قيل: مشتق من الوِزْر، وهو الحبل الذي يحتضن به وهو الملجأ لقوله
228
تعالى: «كَلاَّ لاَ وِزْرَاً» قال:
٣٦٥٥ - مِنَ السِّبَاعِ الضَّوَارِي دُونَهَا وَزَرٌ وَالنَّاسُ شَرُّهُمُ مَا دُونَهُ وَزَرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤذِهِمْ سَبْعٌ وَلاَ تَرَى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِم بَشَرُ
وقيل: من المُؤَازَرَةِ، وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي قال: وكان القياس أَزيراً يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك، قال الزمخشري: (فقلبت) : الهمزة إلى الواو، ووجع قبلها إليها أنَّ فَعِيلاً جاء بمعنى مُفَاعِل مجيئا صالحاً كقولهم: عَشِيرِ، وجَلِيسِ، وخَلِيط وصَدِيق، وخَلِيل، ونَدِيم فلما قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظر إلى يؤازر وإخوته وإلى المؤازرة. يعني أن وزيراً بمعنى مُؤَازر، ومُؤازر تقلب فيه الهمزة واواً قليلة قياساً، لأنها همزة مفتوحة بعد ضمة فهو نظير مُؤَجَّل ويُؤاخذكم وشبهه، فَحُمِلَ أَزير عليه في القلب، وإنْ لم يكن فيه سبب القلب. والمُؤازرة مأخوذةٌ من إزار الرجل، وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل متعب.

فصل


اعلم أن طلبَ الوزير إما أنه خاف على نفسه العجزَ عن القيام بذلك الأمر فطلب المُعين، أو لآنه رأى أنَّ التعاونَ على الدين والتظاهرَ عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة قربةٌ عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى، ولذلك قال عيسى ابن مريم: ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقال لمحمد عليه السلام {يا
229
أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين} [الأنفال: ٦٤] وقال عليه السلام: «إنَّ لِي في السَّمَاءِ وَزِيرَيْنِ، وَفِي الأَرْضِ وَزِيرَيْن فاللَّذانَ فِي السَّماءِ جِبْريلُ وميكائيلُ (عليهما السلام) وّاللَّذانِ في الأرض أبو بكرٍ وَعمَرُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما» ) «.
وقال عليه السلام:»
إذَا أَرَادَ اللهُ بِمَلِكٍ خيراً قَيَّضَ اللهُ لَُ وَزِيراً صَالِحاً إنْ نَسِيَ ذكَّره، وإنْ نَوَى خَيْراً أعانَه، وإنْ أَرَادَ شَرَّاً كَفَّهُ «وقال أنوشروان: لاَ يَسْتَغْنِي أجودُ السيوف عن الصقي، ولا أكرمُ الدوابَّ عن السَّوْط (ولا أعلمُ الملوك عن الوزير). وأراد موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه، وأن يكون أخاه هارون، والسببُ فيه إما لأن التعاونَ على الدين منفعة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا بأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه.
وكان هارونُ أكبرَ سناً من موسى بأربع سنين، وكان أفصحَ منه لساناً، وأجملَ وأوسمَ أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون أقْنَى جَعْداً.
و»
اشْدُدْ بِهِ (أزري) قَوِّ) ظَهْري، «وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» في النبوة. والأَزْرُ القوة، وَآزَرَهُ: قَوَّاه. وقال أبو عبيدة: أَزْرِي: ظَهْرِي. وفي كتاب الخليل: الأَزْرُ الظَّهرُ.
ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: «كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثيراًط قال الكلبي: نُصَلِّي لكَ كثيراً، ونحمدكُ، ونثني عليك.
والتَّسبيحُ: تنزيهُ اللهِ تعالى في ذاته وصفاته عمَّا لا يليق به.»
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً «أي: نصفُك بصفاتِ الجَلالِ والكِبْرِيَاء.
230
قوله:» كَثِيراً «نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه.
وجوَّز أبو البقاء: أن يكون نعتاً لزمان محذوف، أي: زماناً كثيراً.
قوله:»
إنَّك كُنْتَ بِنَا بَصيراً «أي عالِماً بأنَّا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهَك ورضاك، أو بصيراً بأنَّ الاستعانةَ بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليه، أو بصيراً بوجوه مصالحنا فأَعْطِنَا ما هو أصلح لنا.
231
قال موسى :" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي " وسّعه للحق.
( قال ابن عباس )١ : يريد حتى لا أخاف غيرك٢. والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى٣ عنه في موضع آخر ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي ﴾٤ ٥ وذلك٦ أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً، لشدة شوكته وكثرة جنوده٧، وكان يضيق صدراً ( بما كُلِّفَ )٨ من مقاومة فرعون٩ فسأل١٠ الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحداً لا يقدر١١ على مضرته إلا بإذن الله تعالى١٢، وإذا علم ذلك لم يَخَفْ فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده١٣.
( قوله :" لي )١٤ صَدْرِي " متعلق ب " اشْرَحْ "، قال الزمخشري : فإن قلت١٥ :( لي )١٦ في قوله :﴿ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ ما جدواه والأمر مستتب بدونه. قلت١٧ : قد أبهم الكلام أولاً فقال :" اشْرَحْ لِي " " وَيَسِّرْ لِي " ١٨ فعلم أن ثَمَّ مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفه الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح لصدره، والتيسير لأمره١٩.
ويقال : يَسَّرْتُهُ لكذا، ومنه " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى " ٢٠ ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية٢١.
١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١٩..
٣ تعالى: سقط من ب..
٤ [الشعراء: ١٣]..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٣١..
٦ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤١٩ – ٤٢٠..
٧ في ب: جنوده قوله. وهو تحريف..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في ب: فرعون وحده..
١٠ في ب: فكان يسأل..
١١ في ب: أن لا أحد يقدر..
١٢ تعالى: سقط من ب..
١٣ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١٩ – ٤٢٠..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ في ب: فإن قيل..
١٦ لي : سقط من ب..
١٧ في ب: والجواب..
١٨ في ب: اشرح لي صدري ويسر لي أمري..
١٩ الكشاف ٢/٤٣٢..
٢٠ [الليل: ٧]..
٢١ أي أن (يسّر) يجوز أن يتعدى إلى المفعول به بنفسه أو بحرف الجر..
قوله :﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ أي سَهِّل عليَّ١ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون٢. وذلك٣ لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال، والأقوال٤ والحركات، والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير٥ فاعلاً له، فهذه الإرادة٦ صفة محدثة، ولا٧ بد لها من فاعل، وفاعلها إن كان٨ هو العبد افتقر في تحصيل تلك٩ الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم١٠ التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى١١ إرادة يخلقها مدبر العالم ففي الحقيقة هو الميسر للأمور١٢.
١ عليّ: سقط من ب..
٢ انظر البغوي ٥/٤٢٠..
٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٣٤..
٤ في ب: الأقوال والأفعال..
٥ في ب: يكون..
٦ في ب: الآية. وهو تحريف..
٧ في ب: فلا..
٨ في ب: فإن كان الفاعل..
٩ في ب: ذلك. وهو تحريف..
١٠ في ب: ويلزم..
١١ في ب: من..
١٢ آخر من نقله عن الفخر الرازي ٢٢/٣٤..
قوله :﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾، وذلك أن١ موسى٢ كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمةً، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته : إن هذا عدوِّي وأراد أن يقتله، فقالت آسية : إنه صبي لا يَعْقِل ولا يميز جَرِّبْه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عليه السلام٣ يد موسى٤ فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، ( وصارت عليه عقدة )٥.
وقيل : قرَّبا إليه ثمرةً وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه٦.
[ قالوا ]٧ : ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا٨.
وقيل : كان ذلك التعقد٩ خلقة فسأل الله تعالى إزالته١٠. واختلفوا في أنه لِمَ طلب حل العقدة ؟ فقيل : لئلا يقع في خلل في أداء١١ الوحي. وقيل : لئلا يستخف بكلامه١٢ فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل : لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان١٣ زكريا عن الكلام كان معجزاً في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى -عليه السلام-١٤ معجز في حقه١٥.

فصل١٦


قال الحسن١٧ : إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى١٨ :" قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى " ١٩، وقيل : هذا ضعيف٢٠، لأنه عليه السلام٢١ لم يقل : واحْلُلْ العقدة من لساني بل قال :" واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي "، فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله٢٢ سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء لقوله حكاية عن فرعون " أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين " مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب٢٣ عنه بوجهين :
أحدهما : أن المراد بقوله :﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ أي لا يأتي ببيان وحجة.
والثاني : أن ( كَادَ ) بمعنى قَرُبَ. فلو كَانَ المراد هو البيان اللساني، لكان معناه : أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهمون، فكيف يمكن نفي البيان، بل إنما قالوا ذلك تمويهاً ليصرفوا الوجوه عنه٢٤. واعلم٢٥ أن٢٦ النطق فضيلة عظيمة، ويدل عليه وجوه٢٧ :
الأول : قوله تعالى :﴿ خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان ﴾٢٨، ولهذا قيل للإنسان : هو الحيوان الناطق.
الثاني : اتفاق العقلاء٢٩ على تعظيم أمر٣٠ اللسان قال زهير :
لِسَانُ الفَتَى نِصْفَ وَنصْفٌ٣١ فؤاده فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صُورَةُ اللَّّحْمِ وَالدَّمِ٣٢
وقالوا٣٣ : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة٣٤. أي لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم.
وقالوا : المَرْءُ٣٥ بأصغريه أي قلبِه ولسانِه.
وقالوا٣٦ :" المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ".
الثالث : أن في مناظرة آدم -عليه السلام٣٧- مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال :﴿ يَآ آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض ﴾٣٨ ٣٩.
قوله :" مِنْ لِسَانِي " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " عُقْدَة " أي : من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره٤٠. ويجوز أن يتعلق بنفس " احلُلْ " ٤١، والأول أولى.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٢٠ – ٤٢١..
٢ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٥ آخر ما نقله عن البغوي ٥/٤٢٠ – ٤٢١..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
٩ في ب: العقد. وهو تحريف..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
١١ في ب: أدائه. وهو تحريف..
١٢ في الأصل: في كلامه. وهو تحريف..
١٣ لسان على هامش الأصل، وسقط من ب..
١٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٨..
١٦ في ب: فإن قيل..
١٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨. بتصرف يسير..
١٨ تعالى: سقط من ب..
١٩ [طه: ٣٦]..
٢٠ ضعيف: سقط من الأصل..
٢١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٢ في ب: الله تعالى..
٢٣ [الزخرف: ٥٢]..
٢٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨. بتصرف يسير..
٢٥ في ب: فصل واعلم..
٢٦ من هنا ما نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤٦..
٢٧ في ب: وجه. وهو تحريف..
٢٨ [الرحمن: ٣، ٤]..
٢٩ في ب: العلماء العقلاء..
٣٠ أمر: سقط من ب..
٣١ ونصف: سقط من ب..
٣٢ البيت من بحر الطويل قاله زهير وهو في جمهرة أشعار العرب ١/٣٠٠، والبيان و التبيين ١/١٧١ ونسبة الجاحظ إلى الأعور الشني، والفخر الرازي ٢٢/٤٦. واستشهد به على عظم أمر اللسان.
.

٣٣ في الفخر الرازي: وقال علي..
٣٤ في ب: مرسل. وهو تحريف..
٣٥ في الأصل: الإنسان..
٣٦ في الفخر الرازي : وقال صلى الله عليه وسلم..
٣٧ عليه السلام سقط من ب..
٣٨ [البقرة: ٣٣]..
٣٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤٦. بتصرف..
٤٠ الكشاف ٢/٤٣٢..
٤١ ونسبه أبو حيان إلى الحوفي البحر المحيط ٦/٣٣٩، وجوز أبو البقاء الوجهين التبيان ٢/٨٨٩..
قوله :﴿ واجْعَلْ لِي وَزِيراً ﴾ يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً مقدِّماً و " وَزِيراً " هو المفعول الأول١، و " من أهلي " على هذا يجوز أن يكون صفة ل " وزيرا "، ويجوز أن يكون متعلقاً بالجعل٢،
١ في ب: الأولى..
٢ في ب: قوله..
و " هَارونَ " بدل١ من " وَزِيراً " وجوَّز أبو البقاء أن يكون " هَارُونَ " عطف بيان ل " وَزيراَ " ٢. ولم يذكر الزمخشري غيره٣. ولما حكى أبو حيان هذا لم يعقبه بنكير، وهو عجب منه فإنَّ عطفَ البيان يُشترط فيه التوافق تعريفاً وتنكيراً٤، وقد عرفت أن وزيراً نكرة، وهارون معرفة.
والزمخشري قد تقدَّم له مثل ذلك في قوله تعالى :﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾٥، وتقدم الكلام معه هناك، وهو عائد هنا٦.
ويجوز أن يكون " هارون " منصوباً بفعل محذوف كأنه قال :" أخصُّ من بينهم هارون من بين أهلي٧ ويجوز أن يكون " وَزيراً " مفعولاً ثانياً و " هارُونَ " هو الأول٨، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر٩ الوزارة١٠. وعلى هذا فقوله :" لِي " يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " وَزِيراً " ١١ إذ هو في الأصل صفة١٢ له١٣، و " من أهلي " على ما تقدم من وجهيه١٤ ويجوز أن يكون " وزيرا " مفعولاً١٥ أول، و " مِنْ١٦ أهْلِي " هو الثاني. وقوله :" لِي " مثل قوله :﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾١٧ يعنون أنه به يتم المعنى. ذكر ذلك أبو البقاء١٨.
ولما حكاه١٩ أبو حيان لم يعقبه بنكير، وهو عجب، لأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بوزيرٍ٢٠ وأخبرت عنه ب ( مِنْ أَهْلِي )٢١ لم يجز، إذ٢٢ لا مسوِّغ للابتداء به٢٣. و " أَخي " بدل أو عطف بيان ل " هَارُونَ " ٢٤.
وقال٢٥ الزمخشري : وإن جعل٢٦ عطف بيان آخر جازِ وحَسُن٢٧.
قال أبو حيَّان : ويبعُدُ فيه عطفُ البيان، لأن عطف البيانِ الأكثر فيه أن٢٨ يكون الأول دونه في الشهرة، وهذا بالعكس٢٩.
قال شهاب الدين : لم يُرِد الزمخشري أنَّ " أَخِيط عطفُ بيان ل " هَارُونَ " حتى يقول الشيخ٣٠ : إن الأول وهو " هَاروُنَ " أشهر من الثاني وهو " أخِي "، إنما٣١ عنى الزمخشري أنه عطفٌ بيان أيضاً ل " وزيراً " ٣٢، ولذلك٣٣ قال٣٤ : آخر، ولا٣٥ بد من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته٣٦.
قال٣٧ :" وَزيراً " و هَارُونَ " مفعولاً٣٨ قوله :: اجْعَلْ "، أوْ " لي وَزِيراً : معفولاه٣٩، و " هَارونَ " عطفُ بيان للوزير، و " أخِي " في الوجهين بدل من " هَاروُنَ "، وإن جعل عطف بيان آخر جازَ وحَسُنَ٤٠ فقوله :( آخر ) يُعَينُ أن يكون عطفَ بيان لما جُعِل عنه عطف بيان قبل ذلك.
وجوَّز الزمخشري ( في " أَخِي " )٤١ أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة من قوله
١ في ب: بدلا..
٢ التبيان ٢/٨٩٠..
٣ الكشاف ٢/٤٣٢..
٤ وذلك لأن عطف البيان كالنعت يوافق متبوعه في الإعراب، والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير. انظر شرح التصريح ٢/١٣١..
٥ [آل عمران: ٩٧].
وقول الزمخشري إن "مقام إبراهيم" عطف بيان لقوله: "آيات بينات" مخالف للبصريين والكوفيين، لأنهم أجمعوا على أن النكرة لا تبين بالمعرفة، وجمع المؤنث لا يبين بالمفرد المذكر، ولا يجوز أن يكون بدلا، لأنهم نصوا على أن البدل منه إذا كان متعددا وكان البدل غير واف بالعدة تعين القطع وإنما التقدير منها مقام إبراهيم أو بعضها مقام إبراهيم فهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ.
وقد ذكر الزمخشري توجيها لصحة كون (مقام إبراهيم) عطف بيان لآيات بينات فقال: (فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد قلت: فيه وجهان أحدهما: أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه، وقوة دلالته على قدرة الله، ونبوة إبراهيم.... والثاني اشتماله على آيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية...) الكشاف ١/٢٠٣ – ٢٠٤، شرح التصريح ٢/١٣١ – ١٣٢..

٦ انظر اللباب ٢/٣٠٥ – ٣٠٦..
٧ انظر التبيان ٢/٨٩٠، وبعد أن حكى أبو حيان هذا الوجه قال: (وهذا لا حاجة إليه، لأن الكلام تام بدون هذا المحذوف) البحر المحيط ٦/٢٤٠..
٨ في ب: هو الأول مقدما. وهو تحريف..
٩ في ب: اعتبار أمر. و هو تحريف..
١٠ انظر الكشاف ٢/٤٣٢، التبيان ٢/٨٩، البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١١ في ب: وزير..
١٢ صفة: سقط من ب..
١٣ انظر البيان ٢/١٤١، التبيان ٢/٨٩٠..
١٤ من كونه صفة لـ "وزيرا" أو متعلقا بالجمعل..
١٥ في النسختين: مفعول..
١٦ من: سقط من ب..
١٧ [الإخلاص: ٤]..
١٨ التبيان ٢/٨٩٠..
١٩ في ب: حكى. وهو تحريف..
٢٠ في ب: وزيرا..
٢١ في ب: وأخبرت أهلي. وهو تحريف..
٢٢ في ب: لأنه..
٢٣ وذلك لأن وزيرا نكرة ولا يجوز الابتداء بالنكرة، لأن النكرة مجهولة والحكم على المجهول لا يفيد. ولكن يبتدأ بها إذا وجد مسوغ من مسوغات الابتداء بالنكرة، وهنا لا يوجد مسوغ للابتداء بـ "وزيرا"..
٢٤ انظر البيان ٢/١٤١، والتبيان ٢/٨٩٠..
٢٥ في ب: قال..
٢٦ في ب: جعلا. وهو تحريف..
٢٧ الكشاف ٢/٤٣٢..
٢٨ أي: سقط من ب..
٢٩ البحر المحيط ٦/٢٤٠..
٣٠ الشيخ: سقط من ب..
٣١ في ب: وإنما..
٣٢ في ب: الوزير..
٣٣ في النسختين: وكذلك. والصواب ما أثبته..
٣٤ قال: سقط من ب. أي قال الزمخشري..
٣٥ في ب: فلا..
٣٦ الدر المصون ٥/٢٣ – ٢٤..
٣٧ أي الزمخشري..
٣٨ في ب: مفعول. وهو تحريف..
٣٩ في ب: مفعول. وهو تحريف..
٤٠ في ب: جعلا. وهو تحريف..
٤١ الكشاف ٢/٤٣٢..
" اشْدُدْ بِهِ "، وذلك على قراءة الجمهور له بصيغة الدعاء، وعلى هذا فالوقف على " هَارُونَ " ١. وقرأ ابن عامر " أَشْدُد " للمضارعة٢، وجزم الفعل جواباً للأمر،
١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢ قال الزمخشري: ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل "أخي" مرفوعا على الابتداء و"اشدد به" خبره ويوقف على "هارون" الكشاف ٢/٤٣٢. وقال أبو حيان ردا على ما جوزه الزمخشري (وهو خلاف الظاهر فلا يصار إليه لغير حاجة) البحر المحيط ٦/٣٤٠..
" وَأُشْرِكْهُ " بضم الهمزة للمضارعة، وجزم الفعل نسقاً على ما قبله حكاية عن موسى : أنا أفعل١ ذلك٢. وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح٣ همزة القطع في الثاني على أنهما دعاء من موسى لربه بذلك٤، وعلى هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة دون ما تقدمها من جمل الدعاء وقرأ الحسن " أُشَْدّدْ " مضارع شدد بالتشديد٥.
والوزير٦ : قيل : مشتق من الوِزْر، وهو الثقل٧. وهو الثقل٨. وسمي به٩ لأنه تحمل أعباء الملك ومؤنه، فهو معين على أمر الملك وقائم بأمره.
وقيل : هو١٠ من الوَزر، وهو الحبل الذي يحتصن به وهو الملجأ١١ لقوله تعالى :﴿ كَلاَّ١٢ لاَ وِزْرَاً ﴾ ١٣ ١٤ قال :
مِنَ السِّبَاعِ الضَّوَارِي دُونَهَا وَزَرٌ وَالنَّاسُ شَرُّهُمُ مَا دُونَهُ وَزَرُ
كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤذِهِمْ سَبْعٌ وَلاَ تَرَى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِم بَشَرُ١٥
وقيل١٦ : من المُؤَازَرَةِ، وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي قال : وكان القياس أَزيراً١٧ يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك، قال الزمخشري :( فقلبت )١٨ : الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها إليها أنَّ فَعِيلاً جاء بمعنى مُفَاعِل مجيئا صالحاً كقولهم : عَشِيرِ، وجَلِيسِ، وخَلِيط وصَدِيق، وخَلِيل، ونَدِيم فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظر إلى يؤازر١٩ وإخوته وإلى المؤازرة٢٠. يعني أن وزيراً بمعنى مُؤَازر، ومُؤازر تقلب فيه الهمزة واواً٢١ قليلة قياساً، لأنها همزة مفتوحة بعد ضمة٢٢ ٢٣ فهو نظير مُؤَجَّل ويُؤاخذكم وشبهه، فَحُمِلَ أَزير عليه في القلب، وإنْ لم يكن فيه سبب القلب. والمُؤازرة مأخوذةٌ من إزار الرجل، وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل متعب٢٤.

فصل


اعلم٢٥ أن طلبَ الوزير إما أنه خاف على نفسه العجزَ عن القيام بذلك الأمر فطلب المُعين، أو لأنه رأى أنَّ التعاونَ على الدين والتظاهرَ عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة قربةٌ عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى، ولذلك قال عيسى ابن مريم٢٦ :﴿ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾٢٧، وقال لمحمد عليه السلام٢٨ ﴿ يا أيها النبي٢٩ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾٣٠ وقال عليه السلام٣١ :" إنَّ لِي في السَّمَاءِ وَزِيرَيْنِ، وَفِي الأَرْضِ وَزِيرَيْن فاللَّذانَ فِي السَّماءِ جِبْريلُ وميكائيلُ ( عليهما السلام )٣٢ وّاللَّذانِ في الأرض أبو٣٣ بكرٍ وَعمَرُ ( رضي الله عنهما ٣٤ " )٣٥ ".
وقال عليه السلام٣٦ :" إذَا أَرَادَ اللهُ بِمَلِكٍ خيراً قَيَّضَ اللهُ لَُ وَزِيراً صَالِحاً إنْ نَسِيَ ذكَّره، وإنْ نَوَى خَيْراً أعانَه، وإنْ أَرَادَ شَرَّاً كَفَّهُ " ٣٧ وقال أنوشروان : لاَ يَسْتَغْنِي أجودُ السيوف عن الصقل، ولا أكرمُ الدوابَّ عن السَّوْط ( ولا أعلمُ الملوك عن الوزير )٣٨ ٣٩. وأراد موسى - عليه السلام-٤٠ أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه، وأن يكون أخاه هارون، والسببُ فيه إما لأن التعاونَ على الدين٤١ منفعة عظيمة فأراد٤٢ أن لا تحصل هذه٤٣ الدرجة إلا بأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه٤٤.
وكان هارونُ أكبرَ سناً من موسى بأربع سنين، وكان أفصحَ منه لساناً، وأجملَ وأوسمَ أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون أقْنَى جَعْداً٤٥.
و " اشْدُدْ بِهِ ( أزري ) قَوِّ )٤٦ ظَهْري، " وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي " في النبوة. والأَزْرُ القوة، وَآزَرَهُ : قَوَّاه. وقال أبو عبيدة٤٧ : أَزْرِي : ظَهْرِي٤٨. وفي كتاب الخليل : الأَزْرُ الظَّهرُ٤٩.
ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال :
١ في ب: للمضارعة وجزم الفعل نسقا على ما قبله حكاية عن موسى أني أفعل ذلك وقرأ أيضا أشدد للمضارعة..
٢ يريد أن الكلام لموسى حكاه الله عز وجل..
٣ في ب: وحذف. وهو تحريف..
٤ انظر السبعة ٤١٨، الحجة لابن خالويه (٣٤١)، الكشف ٢/٩٧، النشر ٢/٣٢٠، الإتحاف (٣٠٣)..
٥ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٠، وقد نقل أبو حيان هذه القراءة عن صاحب اللوامح فإنه قال: (وقال صاحب عن الحسن إنه "أشدد به" مضارع شدّد للتكثير والتكرير، أي: كلما حزبني أمر شدد به أزري)..
٦ في ب: فصل قوله: وزيرا..
٧ الوزر: الحمل الثقيل..
٨ في ب: وسمي بذلك..
٩ في ب: بل هو..
١٠ في ب: وهو من الجبل..
١١ وهو الملجأ: سقط من ب..
١٢ كلا: سقط من الأصل..
١٣ [القيامة: ١١]..
١٤ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٥٧..
١٥ البيتان من بحر البسيط للخطابي. وهو في البحر المحيط ٦/٢٣٩ والخزانة ٢/١٢٤..
١٦ في ب: وهي. وهو تحريف..
١٧ الكشاف ٢/٤٣٢..
١٨ ما بين القوسين سقط من ب، وفيه: وقلبت..
١٩ في النسختين الوازر. والصواب ما أثبته..
٢٠ الكشاف ٢/٤٣٢..
٢١ في ب: واو. وهو تحريف..
٢٢ ضمة: سقط من ب..
٢٣ قال سيبويه: (وإذا كانت الهمزة مفتوحة وقبلها ضمة، وأردت أن تخفف أبدلت مكانها واوا كما أبدلت مكانها ياء حيث كان ما قبلها مكسورا، وذلك قولك في التؤدة تودة، وفي الجؤن جون، وتقول: غلام وبيك إذا أردت غلام أبيك) الكتاب ٣/٥٤٣..
٢٤ في ب: إذا أراد العمل المتعب..
٢٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨ – ٤٩..
٢٦ في ب: عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام..
٢٧ [آل عمران: ٥٢]..
٢٨ في ب: وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم..
٢٩ "يا أيها النبي": سقط من ب..
٣٠ [الأنفال: ٦٤]..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٣ في الأصل: أبي. وهو تحريف..
٣٤ أخرجه الترمذي (مناقب) ٥/٢٧٨ – ٢٧٩..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٦ في ب: وقال صلى الله عليه وسلم..
٣٧ أخرجه أبو داود (إمارة) ٣/٣٤٥..
٣٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨ – ٤٩..
٣٩ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٤٠ في ب عليه الصلاة والسلام..
٤١ على الدين: سقط من ب..
٤٢ في ب: أراد..
٤٣ في ب: هذه المنفعة..
٤٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٩..
٤٥ انظر البغوي ٥/٤٢١..
٤٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٧ في ب: أبو عبيد. وهو تحريف..
٤٨ مجاز القرآن ٢/١٨..
٤٩ العين (أزر)..
" كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثيراً " قال الكلبي : نُصَلِّي لكَ كثيراً، ونحمدكُ، ونثني عليك١.
والتَّسبيحُ : تنزيهُ اللهِ تعالى في ذاته وصفاته عمَّا لا يليق به٢.
١ انظر البغوي ٥/٢٤٢..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٠..
" وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً " أي : نصفُك بصفاتِ الجَلالِ والكِبْرِيَاء.
قوله :" كَثِيراً " نعت لمصدر محذوف١، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه٢.
وجوَّز أبو البقاء : أن يكون نعتاً لزمان محذوف، أي : زماناً كثيراً٣.
١ تقديره: تسبيحا كثيرا. انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٦. تفسير ابن عطية ١٠/٢٥، البيان ٢/٨٩٠، والبحر المحيط ٦/٢٤٠..
٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٠..
٣ التبيان ٢/٨٩٠، وانظر أيضا مشكل إعراب القرآن ٢/٦٦ – ٦٧..
قوله :﴿ إنَّك كُنْتَ بِنَا بَصيراً ﴾ أي عالِماً بأنَّا لا نريد بهذه الطاعات١ إلا وجهَك ورضاك، أو بصيراً بأنَّ الاستعانةَ بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليه، أو بصيراً بوجوه مصالحنا فأَعْطِنَا ما هو أصلح لنا٢.
١ في ب: الطاعة..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٠ بتصرف..
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾ فُعْل بمعنى مَفْعُول كقولك: خُبْزٌ بمعنى مَخْبُوز وأُكْلٌ بمعنى مَأْكُول، ولا ينقاس و «مَرَّةً» مصدر، و «أُخْرَى» تأنيث آخر بمعنى: غير، وزعم بعضهم أنها بمعنى آخرة فتكون مقابلة للأولى، وتخيَّلَ لذلك بأن قال سمَّها أخرَى وهي أولَى، لأنها أخرى في الذكر.

فصل


إن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان في المعلوم أن قيامه بما كلفه (لا يتم إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على إبلاغ ما كلف به) فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾ فنبه بذلك على أمور:
231
أحدها: كأنه تعالى قال: إني رَاعَيْتُ مَصْلَحَتَكَ قبل سؤالك فكيف لا أُعطيك مرادك بعد السؤال.
وثانيها: إني كنت ربيتُك فلو منعتك الآن كان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان، فكيف يليق بكرمي.
وثالثها: إنا أعطيناك في الأزمنةِ السالفةِ كلَّ ما احتجتَ إليه، ورقَّيْنَاكَ إلى الدرجة العالية، وهي درجة النبوة، فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع عن المطلوب. ومعنى «مَنَنَّا عَلَيْكَ» أَنْعَمْنَا عَلَيْكَ «مَرَّةً أُخْرَى» فإن قيل: لِمَ ذكر تلك النِّعَم بلفظ المنّة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقامُ مقامُ التلطف؟
فالجواب: إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقاً لشيء منها، بل إنما خصَّه الله بها لمحض التفضل والإحسان.
فإن قيل: لم ثال: «مَرَّةٌ أُخْرَى» مع أنه تعالى ذكر «مِنَنَاً» كثيرة؟
فالجواب: لَمْ يُعْنِ ب «مَرَّةٌ أُخْرَى» مرة واحدة من المنن، لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير.
قوله: «إذْ أَوْحَيْنَا» العامل في «إذِ مَنَنا» أي مننا عليك في وقت إيحائنا إلى أمك، وأبهَمَ في قوله: «مَا يُوحَى» للتعظيم كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وهذا وحي إلهام، لأن الأكثرين على أن أم موسى - عليه السلام - ما كانت من الأنبياء، وذلك لأن المرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، ولا تمكن عند أكثر العلماء من تزويج نفسها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧].
232
والوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين﴾ [المائدة: ١١] ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه:
الأول: أنه رؤيا رأتها أم موسى، وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت، وقذفه في البحر، وأن الله تعالى يرده إليها.
الثاني: أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة.
الثالث: المراد منه خطور البال وغلبته على القلب.
فإن قيل: الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك، وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعونَ، فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانَة عن الثاني؟ فالجواب لعلَّها عرفت بالاستقراء صدقَ رؤياها، فكان الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقع الولد في يد فرعون، أو لعله أوْحَى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشُعَيْب أو غيره، ثم أن ذلك النبي عرفها إمّا مشافهة، أو مراسلة.
واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحجقها الخوف. وأجيب: ذلك الخوف كان من لوازم البشرية، كما أن موسى - عليه السلام - كان يخاف من فرعون مع أن الله - تعالى - كان أمره بالذهاب إليه مروراً.
الرابع من الأوجه: لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - أخبروا بذلك الخبر، وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. أو لعل الله بَعَثَ إليها مَلَكَاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٧].
233
وأما قوله: «مَا يُوحى» معناه: أوحينا إلى أمِّكَ ما يجب أن يُوحى، وإنما وجب ذلك الوحي، لأن الواقعة عظيمة، ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي، فكان الوحي فيها واجباً.
قوله: «أَن اقْذِفِيهِ» يجوز أن تكون «أَنْ» مفسِّرة، لأن الوحي بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشري غيره. وجوز غيره أن تكون مصدرية، ومحلها حينئذ النصب بدلاً من «مَا يُوحَى» والضمائر في (قوله: «أن) اقْذِفِيه إلى آخِرِهَا عائدة على موسى - عليه السلام - لأنه المحدِّث عنه.
وجوَّز بعضهم أن يعود الضمير في قوله: ﴿فاقذفيه فِي اليم﴾ للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى - عليه السلام - وعَابَه الزمخشري وجعله تنافراً ومُخْرِجَاً للقرآن عن إعجازه فإنه قال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذُوفُ في البحر هو التابوتُ، وكذلك الملقى إلى الساحل قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسِّر.
قال أبو حيَّان: ولقائلٍ أن يقول: إن الضمير إذا كانَ صالحاً لأن يعود على
234
الأقرب وعلى الأبعد، كان عوده على الأقرب راجحاً، وقد نص النحويون على هذا، فعوده على التابوت في قوله: ﴿فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم﴾ راجح، والجواب: أن أحدهما إذا كان محدِّثاً عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدِّث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا رددنا على أبي محمد بن جزم في دعواه أن الضمير في قوله تعالى:» فَإنَّه رِجْسٌ «عائد على (خِنْزِير) لا على (لَحْم)، لكونه أقرب مذكور، فيحرم بذلك شحمه، وغضروفه وعظمه وجلده، فإن المحدِّث عنه هو لحم خنزير لا خنزير.
وقد تقدمت هذه المسألة في الأنعام.
قوله: «فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ»
هذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمراً لفظاً جُزم جوابُه في قوله «يَأْخُذُه»، وإنما خرج بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطعُ الأفعال ولآكدها، قال الزمخشري: لما كانت مشيئةُ الله وإرادته أن يجري ماءُ اليَمِّ، ويلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليَمَّ كأنَّه ذو تمييزٍ أمر بلك ليطيع الأمر، ويتمثل رسمه فقيل: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل﴾. و «بالسَّاحِلِ» يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال. أي: ملتبساً بالسَّاحل. وأن يتعلق ينفس الفعل على أن الباء ظرفية بمعنى (
235
في) والقذفُ يستعمل بمعنى الإلقاء والوضع، ومنه قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ [الأحزاب: ٢٦] واليَمُّ البحر، والمراد به ههنا نيلُ مصرَ (في قول الجميع) واليَمُّ: اسم يقع على النهر والبحر العظيم.
قال الكسائي: والسَّاحِلُ فاعل بمعنى مَفْعُول، سمي بذلك لأن الماءَ يسحله أي: يغمره إلى أعره «.

فصل


روي أنها اتخذت تابوتاً.
قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حُزَيْقِيل مؤمن آل فرعون وجَعَلت في التابوت قطناً ملحوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وشقوقه بالقير، ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسيةَ إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه، وفتحوا رأسَه، فإذا صبيٌّ من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال ابن عباس: أَحّبَّه وحبَّبَهُ إلى خَلْقِه.
وقال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه.
فإن قيل: قوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ولم يكن موسى في ذلك الوقت معادياً له.
فالجواب: من وجهين:
236
الأول: كونُه كافراً عدواً لله، وكونه عدواً لموسى - عليه السلام -، فإنه بحيث أو ظهر له على حاله لقتله.
والثاني: عدواً بحيث يؤول أمره إلى عداوته.
قوله:» مِنِّي «فيه وجهان: قال الزمخشري:» مِنِّي «لا يخلو إما أن يتعلق ب» أَلْقَيْتُ «فيكون المعنى: على أني أحببتك، ومن أحبه الله أحبته القلوب.
وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة ل»
مَحَبَّةٌ «أي: محبة حاصلة وواقعة مِني قد ركزتها أنا في القلوب، وزرعتها فيها، فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩]. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه، وهو كقوله - تعالى -:
﴿سَيَجْعَلُ
لَهُمُ
الرحمن
وُدّاً﴾
[مريم: ٩٦] قال القاضي: هذا الوجه أقرب، لأنه حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين؛ لأن ذلك إنما حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين؛ لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب.
فالمراد أول ما ذكر في كيفيته في الخلقة يستحلى ويغتبط به، وكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته. (ويمكن أن يقال) بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار، وهو أن يقال: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ حاصلةٌ مِنِّي وواقعة بتخليقي، وعلى الأول لا حاجة إلى الإضمار.
237
وأما قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله. فممنوع، لأن معنى الله هو اتصال النفع إلى عباده، وهذا المعنى كان حاصلاً ي حقه في زمان صباه، وعلم الله أن ذلك يستمر إلى آخر عمره، فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة. قوله: «وَلِتُصْنَع» قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون على البناء للمفعول، ونصب الفعل بإضمار (أنْ) بعد لام (كي)، وفيه وجهان:
أحدهما: أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها.
والتقدير: ليتلطف بك ولتصنع، (أو ليعطف عليك). وترأم ولتصنع، وتلك العلة المقدرة متعلقة بقوله: «وَأَلْقِيْتُ» أي: ألقيت عليك المحبة (ليعطف عليك ولتصنع، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المَحَبَّةِ).
والثاني: أن هذه اللام تتعلق بمضمر بعدها، تقديره: ولتصنع على عيني فعلت ذلك، أي: ألقيت عليكَ محبةً مِنِّي، أو كان كيت وكيت.
ومعنى «وَلِتُصْنَعَ» أي لِتُرَبِّى ويُحْسِن إلَيْكَ، وأنا مراعيك، ومراقبك كما يراعى الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قال الزمخشري.
ومجاز هذا أنَّ مَنْ صنعَ للإنسانِ شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه كما يُحِبُّ، ولا يمكنه أن يخالف غرضه فكذا هنا. وفي كيفية المجاز قولان:
الأول: المراد من العَيْنِ العلم، أي تُرَبَّى على علم مِنِّي، ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العَيْن على العلم (لاشتباههما) من هذا الوجه.
238
الثاني: المراد من العَيْنِ الحراسة، لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما لا يريده، فالعين كأنها سبب الحراسة، فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]. ويقال: عَيْنُ الله عليك، إذا دعا له بالحفظ (والحياطة).
وقرأ الحسن وأبو نهيك: «وَلِتصْنَعَ» بفتح التاء.
(قال ثعلب) : معناه لتكون حركتك وتصرفك على عينٍ مني.
وقال قريباً منه الزمخشري.
وقال أبو البقاء: أي: لتفعل ما آمرك بمرأى مني. وقرأ أبو جعفر وشيبة «وَلْتُصْنَعْ» بسكون اللام والعين وضم التاء، (وهو أمر معناه: لتُربِّ وليُحْسَن إليك). وروي عن أبي جعفر في هذه القراءة كسر لام الأمر.
ويحتمل مع كسر اللام أو سكونها حال تسكين العين أن تكون لام كي، وإنما سكنت تشبيهاً بكَتْف وكَبد، والفعل منصوب، والتسكين في العين لأجل
239
الإدغام لأنه لا يقرأ في الوصل إلا بإدغام فقط.
240
ومعنى " مَنَنَّا عَلَيْكَ " أَنْعَمْنَا عَلَيْكَ " مَرَّةً أُخْرَى " فإن قيل : لِمَ ذكر تلك١ النِّعَم بلفظ المنّة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقامُ مقامُ التلطف ؟
فالجواب : إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام٢ أن هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقاً لشيء منها، بل إنما خصَّه الله بها لمحض التفضل٣ والإحسان.
فإن قيل : لم قال :" مَرَّةٌ أُخْرَى " مع أنه تعالى ذكر " مِنَنَاً " كثيرة ؟
فالجواب : لَمْ٤ يُعْنِ ب " مَرَّةٌ أُخْرَى " مرة٥ واحدة من المنن، لأن ذلك قد٦ يقال في القليل والكثير٧.
١ في ب: لفظ. وهو تحريف..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: لمن. وهو تحريف..
٤ في ب: لمن. وهو تحريف..
٥ مرة: سقط من ب..
٦ مد: سقط من ب..
٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥١..
قوله :﴿ إذْ أَوْحَيْنَا ﴾ العامل في " إذِ مَنَنا " ١ أي مننا عليك في وقت إيحائنا إلى أمك، وأبهَمَ في قوله :﴿ مَا يُوحَى ﴾ للتعظيم كقوله تعالى :﴿ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ ﴾٢ وهذا وحي إلهام، لأن الأكثرين على أن أم موسى - عليه السلام-٣ ما كانت من الأنبياء، وذلك٤ لأن المرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، ولا تمكن عند أكثر العلماء من تزويج نفسها، ويدل على ذلك٥ قوله تعالى :﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ ﴾٦.
والوحي قد٧ جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى :﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾٨ ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾٩ ثم١٠ اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه١١ :
الأول١٢ : أنه رؤيا رأتها١٣ أم موسى١٤، وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام١٥ في التابوت، وقذفه في البحر، وأن الله تعالى يرده إليها١٦.
الثاني١٧ : أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة.
الثالث١٨ : المراد منه١٩ خطور البال وغلبته على القلب.
فإن قيل : الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك، وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعونَ، فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانَة عن الثاني ؟ فالجواب لعلَّها عرفت بالاستقراء صدقَ رؤياها، فكان الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقع الولد في يد فرعون، أو لعله٢٠ أوْحَى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشُعَيْب٢١ أو غيره٢٢، ثم أن ذلك النبي عرفها إمّا مشافهة، أو مراسلة.
واعترض عليه٢٣ بأن٢٤ الأمر لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب٢٥ : ذلك الخوف كان من لوازم البشرية، كما أن موسى - عليه السلام٢٦- كان يخاف من فرعون مع أن الله - تعالى- كان أمره بالذهاب إليه مروراً.
الرابع من الأوجه٢٧ : لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام٢٨- أخبروا بذلك الخبر، وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. أو لعل٢٩ الله بَعَثَ إليها مَلَكَاً لا٣٠ على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله :﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾٣١.
وأما قوله :﴿ مَا يُوحى ﴾٣٢ معناه : أوحينا إلى أمِّكَ ما يجب أن يُوحى، وإنما وجب ذلك الوحي، لأن الواقعة عظيمة، ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي، فكان الوحي فيها واجباً٣٣.
١ في قوله تعالى: ﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى﴾ الآية [٣٧] من السورة نفسها وانظر التبيان ٢/٨٩١..
٢ [طه: ٧٨] والاستشهاد بالآية على أن حق الكلام كان: فغشيهم من ماء اليم شدته، فعدل إلى لفظه (ما) لما فيها من الإبهام تهويلا للأمر، وتعظيما للشأن، لأنه أبلغ من التعيين لأن الوهم يقف في التعيين على الشيء المعين، ولا يقف عند الإبهام، بل يتردد في الأشياء المختلفة، فيكون أبلغ تخويفا وتهديدا. انظر البيان ٢/١٥١..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ ذلك: سقط من ب..
٥ في ب: عليه..
٦ [الأنبياء: ٧]..
٧ قد: سقط من ب..
٨ [النحل: ٦٨]..
٩ [المائدة: ١١]..
١٠ في ب: فصل..
١١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٠ – ٥٢..
١٢ في ب: أحدها..
١٣ في ب: أنها. وهو تحريف..
١٤ في ب: أم موسى عليه السلام..
١٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٦ في الأًصل: عليها..
١٧ في ب: ثانيها..
١٨ في ب: ثالثها..
١٩ في ب: بذلك..
٢٠ في ب: أو لأنه..
٢١ في ب: إلى شعيب عليه الصلاة والسلام..
٢٢ في الأصل: وغيره..
٢٣ في ب: فإن قيل: واعترض عليه..
٢٤ في الأصل: أن..
٢٥ في ب: فالجواب..
٢٦ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٢٧ في الأصل: الثالث..
٢٨ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٢٩ في ب: أو لأن..
٣٠ لا: سقط من الأصل..
٣١ [مريم: ١٧]..
٣٢ في الأصل: "ما أوحى"..
٣٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥١ – ٥٢ بتصرف..
قوله :﴿ أَن اقْذِفِيهِ ﴾١ يجوز أن تكون " أَنْ " مفسِّرة، لأن الوحي٢ بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشري غيره٣. وجوز غيره أن تكون مصدرية، ومحلها حينئذ النصب بدلاً من " مَا يُوحَى " ٤ والضمائر في ( قوله :" أن )٥ اقْذِفِيه إلى آخِرِهَا٦ عائدة٧ على موسى - عليه السلام-٨ لأنه المحدِّث عنه٩.
وجوَّز بعضهم أن يعود الضمير في قوله :﴿ فاقذفيه١٠ فِي اليم ﴾ للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى١١ - عليه السلام١٢- وعَابَه الزمخشري وجعله تنافراً ومُخْرِجَاً للقرآن عن إعجازه فإنه١٣ قال : والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع١٤ بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة١٥ لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت١٦ : المقذُوفُ في البحر هو التابوتُ، وكذلك الملقى إلى الساحل قلت١٧ : ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل قلت : ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك١٨ النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون١٩ الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسِّر٢٠.
قال أبو حيَّان : ولقائلٍ أن يقول : إن الضمير إذا كانَ صالحاً لأن يعود على٢١ الأقرب وعلى الأبعد، كان٢٢ عوده على٢٣ الأقرب راجحاً٢٤، وقد٢٥ نص النحويون على هذا، فعوده على التابوت في قوله :﴿ فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم ﴾٢٦ راجح، والجواب٢٧ : أن أحدهما إذا كان محدِّثاً عنه٢٨ والآخر فضلة كان عوده على المحدِّث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا رددنا٢٩ على٣٠ أبي٣١ محمد بن جزم٣٢ في دعواه أن الضمير في قوله تعالى :﴿ فَإنَّه٣٣ رِجْسٌ ﴾٣٤ عائد على ( خِنْزِير ) لا على ( لَحْم )، لكونه٣٥ أقرب مذكور، فيحرم بذلك شحمه، وغضروفه٣٦ وعظمه وجلده، فإن المحدِّث عنه هو٣٧ لحم خنزير٣٨ لا٣٩ خنزير٤٠. وقد تقدمت هذه المسألة في الأنعام٤١.
قوله :﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ هذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمراً لفظاً جُزم جوابُه في قوله " يَأْخُذُه "، وإنما خرج بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطعُ الأفعال وآكدها، قال الزمخشري : لما كانت مشيئةُ الله وإرادته أن يجرى ماءُ اليَمِّ، ويلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليَمَّ كأنَّه ذو تمييزٍ أمر بلك ليطيع الأمر، ويتمثل رسمه فقيل :﴿ فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ﴾٤٢. و " بالسَّاحِلِ " يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال. أي : ملتبساً بالسَّاحل. وأن يتعلق ينفس الفعل على أن الباء ظرفية بمعنى ( في )٤٣ والقذفُ يستعمل٤٤ بمعنى الإلقاء والوضع، ومنه قوله :﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾٤٥ واليَمُّ٤٦ البحر، والمراد٤٧ به ههنا نيلُ مصرَ ( في قول الجميع )٤٨ واليَمُّ : اسم يقع على النهر والبحر٤٩ العظيم.
قال الكسائي : والسَّاحِلُ فاعل٥٠ بمعنى مَفْعُول، سمي بذلك لأن الماءَ يسحله أي : يغمره٥١ إلى أعلاه " ٥٢.

فصل


روي٥٣ أنها اتخذت٥٤ تابوتاً.
قال مقاتل : إن الذي صنع التابوت حُزَيْقِيل مؤمن آل فرعون وجَعَلت في التابوت قطناً ملحوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وشقوقه بالقير٥٥، ثم ألقته٥٦ في النيل، وكان يشرع منه نهر٥٧ كبير في٥٨ دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسيةَ إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه، وفتحوا رأسَه، فإذا صبيٌّ من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك٥٩ قوله :﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾٦٠ قال ابن عباس : أَحّبَّه وحبَّبَهُ٦١ إلى خَلْقِه٦٢.
وقال عكرمة : ما رآه أحد إلا أحبه.
فإن قيل : قوله :﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ﴾ ولم يكن موسى في ذلك الوقت معادياً له.
فالجواب : من وجهين :
الأول : كونُه كافراً عدواً لله٦٣، وكونه عدواً لموسى - عليه السلام٦٤-، فإنه بحيث أو ظهر له٦٥ على حاله لقتله.
والثاني : عدواً بحيث٦٦ يؤول أمره إلى عداوته٦٧.
قوله٦٨ :" مِنِّي " فيه٦٩ وجهان : قال الزمخشري :" مِنِّي " ٧٠ لا يخلو٧١ إما أن يتعلق ب " أَلْقَيْتُ " فيكون المعنى : على أني أحببتك، ومن أحبه الله أحبته القلوب.
وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة ل " مَحَبَّةٌ " ٧٢ أي : محبة حاصلة وواقعة مِني٧٣ قد ركزتها أنا٧٤ في القلوب، وزرعتها فيها، فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت :﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ ﴾٧٥. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه٧٦، وهو كقوله - تعالى-٧٧ :
﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ٧٨ الرحمن وُدّاً ﴾٧٩ قال القاضي٨٠ : هذا الوجه أقرب، لأنه حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين ؛ لأن٨١ ذلك إنما٨٢ يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب.
فالمراد أول ما ذكر في كيفيته في الخلقة٨٣ يستحلى ويغتبط به، وكذلك كانت حاله٨٤ مع فرعون وامرأته. ( ويمكن أن يقال )٨٥ بل٨٦ الاحتمال الأول أرجح لأن٨٧ الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار، وهو أن يقال : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ حاصلةٌ مِنِّي وواقعة٨٨ بتخليقي، وعلى الأول لا حاجة إلى الإضمار٨٩.
وأما قوله : إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله. فممنوع، لأن معنى الله هو اتصال النفع إلى عباده، وهذا المعنى كان حاصلاً ي حقه في زمان صباه، وعلم الله أن ذلك يستمر إلى آخر عمره، فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة٩٠. قوله :" وَلِتُصْنَع " قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون٩١ على البناء للمفعول، ونصب الفعل بإضمار ( أنْ ) بعد لام ( كي )٩٢، وفيه وجهان :
أحدهما : أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها.
والتقدير : ليتلطف بك ولتصنع٩٣، ( أو ليعطف عليك )٩٤. وترأم٩٥ ولتصنع، وتلك٩٦ العلة المقدرة متعلقة بقوله :" وَأَلْقِيْتُ " أي : ألقيت عليك المحبة ( ليعطف عليك ولتصنع، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المَحَبَّةِ٩٧ )٩٨.
والثاني : أن هذه اللام تتعلق بمضمر بعدها، تقديره : ولتصنع على عيني فعلت ذلك، أي : ألقيت عليكَ محبةً مِنِّي، أو كان كيت وكيت٩٩.
ومعنى " وَلِتُصْنَعَ " ١٠٠ أي لِتُرَبِّى ويُحْسِن إلَيْكَ، وأنا مراعيك، ومراقبك كما يراعى الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قال الزمخشري١٠١.
ومجاز هذا١٠٢ أنَّ مَنْ صنعَ للإنسانِ شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه كما يُحِبُّ، ولا يمكنه أن يخالف غرضه فكذا هنا١٠٣. وفي كيفية المجاز قولان :
الأول : المراد من العَيْنِ العلم، أي تُرَبَّى على علم مِنِّي، ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العَيْن على العلم ( لاشتباههما )١٠٤ من هذا الوجه١٠٥.
الثاني : المراد من العَيْنِ الحراسة، لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما لا يريده، فالعين١٠٦ كأنها سبب الحراسة، فأطلق اسم١٠٧ السبب على المسبب مجازاً١٠٨ وهو كقوله تعالى :﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى ﴾١٠٩ ويقال : عَيْنُ الله عليك، إذا دعا له بالحفظ ( والحياطة١١٠١١١ )١١٢.
وقرأ الحسن وأبو نهيك١١٣ :" وَلِتصْنَعَ " بفتح التاء١١٤.
( قال ثعلب )١١٥ : معناه لتكون حركتك وتصرفك على عينٍ مني١١٦.
وقال قريباً منه الزمخشري١١٧.
وقال أبو البقاء : أي : لتفعل ما آمرك بمرأى مني١١٨. وقرأ أبو جعفر وشيبة " وَلْتُصْنَعْ " بسكون١١٩ اللام والعين وضم التاء١٢٠، ( وهو أمر معناه : لتُربِّ وليُحْسَن إليك١٢١ )١٢٢. وروي عن أبي جعفر في هذه القراءة كسر لام الأمر١٢٣.
ويحتمل مع كسر اللام أو١٢٤ سكونها حال تسكين العين أن١٢٥ تكون لام كي، وإنما سكنت تشبيهاً بكَتْف وكَبد١٢٦، والفعل منصوب، والتسكين في العين١٢٧ لأجل الإدغام لأنه١٢٨ لا يقرأ في الوصل إلا بإدغام فقط.
١ في الأصل: فاقذفيه..
٢ في ب: لأن معنى الوحي..
٣ انظر الكشاف ٢/٤٣٣..
٤ ذكر هذا الرأي مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/٦٧، وابن الأنباري في البيان ٢/١٤٢، والعكبري في التبيان ٢/٨٩١، وزاد العكبري وجها آخر: وهو أن تكون على تقدير: هو أن اقذفيه أي خبر المبتدأ محذوف، ويجوز أن تكون بمعنى أي..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ وهي في قوله: ﴿فاقذفيه في اليمّ فليلقه اليم﴾..
٧ في الأصل: عائد. وهو تحريف..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ انظر الكشاف: ٢/٤٣٣..
١٠ في ب: "أن اقذفيه"..
١١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٧، البيان ٢/١٤٢..
١٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٣ في ب: فإن وهو تحريف..
١٤ في ب: ورجع، وهو تحريف..
١٥ الهجنة من الكلام: ما يعيبك..
١٦ في ب: فإن قيل..
١٧ في ب: فالجواب..
١٨ عليك: سقط من الأصل..
١٩ في ب: والتابوت. وهو تحريف..
٢٠ الكشاف ٢/٤٣٣..
٢١ في ب: إلى..
٢٢ في ب: وكان..
٢٣ في ب: إلى..
٢٤ في ب: راجعا إليه مرجحا فإن قيل. وهو تحريف..
٢٥ في ب: قد..
٢٦ في ب: "اليم بالساحل"..
٢٧ في ب: فالجواب..
٢٨ عنه: سقط من ب..
٢٩ في ب: وعلى هذا أردنا. وهو تحريف..
٣٠ في ب: إلى. وهو تحريف..
٣١ أبي: سقط من ب..
٣٢ هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام، من مصنفاته الفصل في الملل والأهواء والنِّحل، المحلّى في الفقه، جمهرة الأنساب، الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، مات سنة ٤٥٦ هـ. الأعلام ٥/٥٩..
٣٣ في ب: إنه..
٣٤ من قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهلّ لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإنّ ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥]..
٣٥ في ب: لأنه..
٣٦ في ب: وغضروفه..
٣٧ هو: سقط من الأصل..
٣٨ في ب: الخنزير..
٣٩ في ب: ولا..
٤٠ البحر المحيط ٦/٢٤١..
٤١ انظر اللباب ٣/٥٣٨ – ٥٣٩..
٤٢ انظر الكشاف ٢/٤٣٣، وقال الفراء: (ثم قال: "فليلقه اليم بالساحل " هو جزاء أخرج مخرج الأمر كأن البحر أمر. وهو مثل قوله: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل﴾ [العنكبوت: ١٢] المعنى والله أعلم: اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم. وكذلك وعدها الله: ألقيه في البحر يلقيه اليمّ بالساحل). معاني القرآن : ٢/١٧٩..
٤٣ كما في قوله: ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقوله تعالى: ﴿نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤] انظر المغني ١/١٠٤..
٤٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٢..
٤٥ [الأحزاب: ٢٦]..
٤٦ في ب: فصل..
٤٧ في ب: المراد..
٤٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٩ في ب: البحر والنهر..
٥٠ في ب: اسم فاعل..
٥١ في الأصل: يعمره..
٥٢ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢٢/٥٢..
٥٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٢..
٥٤ في ب: أخذت..
٥٥ القير والقار: لغتان، وهو شيء أسود تطلى به الإبل والسفن يمنع الماء أن يدخل. اللسان (قير)..
٥٦ في ب: وألقته..
٥٧ في ب: تفر. وهو تحريف..
٥٨ في ب: من. وهو تحريف..
٥٩ في ب: بذلك..
٦٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٢. وانظر البغوي ٥/٤٢٥ – ٤٢٦..
٦١ في ب: وأحبه..
٦٢ البغوي ٥/٤٢٦..
٦٣ في الأصل: كافر عدو. وهو تحريف..
٦٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٥ له : سقط من ب..
٦٦ في ب: من حيث..
٦٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٣..
٦٨ قوله: سقط من ب..
٦٩ في ب: يجوز فيها..
٧٠ مني: سقط من ب..
٧١ في النسختين: لا يخلوا..
٧٢ في ب: بمحبة. وهو تحريف. وقد أجاز الوجهين أبو البقاء حيث قال: (ومني تتعلق بـ "ألقيت" ويجوز أن تكون نعتا لـ "محبة" التبيان ٢/٨٩١..
٧٣ وجوز أبو البقاء الوجهين. التبيان ٢/٨٩١..
٧٤ أنا: سقط من ب..
٧٥ [القصص: ٩]..
٧٦ الكشاف ٢/٤٣٣..
٧٧ تعالى: سقط من ب..
٧٨ في ب: له. وهو تحريف..
٧٩ [مريم: ٩٦]..
٨٠ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٣. بتصرف يسير..
٨١ في ب: لا. وهو تحريف..
٨٢ في ب: فإنما. وهو تحريف..
٨٣ في ب: الخطبة. وهو تحريف..
٨٤ في ب: حالته. وهو تحريف..
٨٥ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه: بل يحتمل..
٨٦ في ب: لأن. وهو تحريف..
٨٧ في ب: و. وهو تحريف..
٨٨ في ب: وواقعت. وهو تحريف..
٨٩ لأن ما لا يحتاج إلى إضمار أولى مما يحتاج إليه..
٩٠ أخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٣. بتصرف يسير..
٩١ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٢..
٩٢ وإضمار "أن" هنا جائز، لأن اللام لم تسبق بكون ناقص منفي، فيجب الإضمار نحو قوله تعالى: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ [النساء: ١٦٨]. ولم يقترن الفعل بـ (لا) فيجب الإظهار نحو قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠] الأشموني ٣/٢٩١-٢٩٢..
٩٣ في ب: ولتصنع عليك. وهو تحريف..
٩٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٩٥ ترأم: تعطف..
٩٦ في ب: وذلك. وهو تحريف..
٩٧ ولم يذكر أبو البقاء غير هذا الوجه، قال: ("ولتصنع": أي: لتحب ولتصنع) التبيان ٢/٨٩١..
٩٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩٩ وجوز الزمخشري الوجهين قال: ("ولتصنع" معطوف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك وترأم ونحوه، أو حذف معلله أي ولتصنع فعلت ذلك) الكشاف ٢/٤٣٣..
١٠٠ في ب: لتصنع..
١٠١ الكشاف ٢/٤٣٣..
١٠٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٣ – ٥٤..
١٠٣ في ب: هذا..
١٠٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٠٥ على سبيل الاستعارة..
١٠٦ في ب: والعين..
١٠٧ في ب: لفظ. وهو تحريف..
١٠٨ مجاز مرسل علاقته السببية..
١٠٩ من قوله تعالى: ﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]..
١١٠ حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة: حفظه وتعهده. اللسان (حوط)..
١١١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٣ – ٥٤..
١١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١١٣ وأبو نهيك: سقط من ب..
١١٤ انظر المحتسب ٢/٥١، تفسير ابن عطية ١٠/٣٠، البحر المحيط ٦/٢٤٢..
١١٥ ما بين القوسين في ب: قال الحسن. وهو تحريف..
١١٦ انظر المحتسب ٢/٥٢، تفسير ابن عطية ١٠/٣٠، البحر المحيط ٦/٢٤٢..
١١٧ قال الزمخشري: (وقرئ "ولتصنع" بفتح التاء والنصب، أي وليكون عملك وتصرفك على عين مني) الكشاف ٢/٤٣٣..
١١٨ التبيان ٢/٨٩١..
١١٩ في ب: بإسكان..
١٢٠ المختصر (٨٧)، والمحتسب ٢/٥١، والبحر المحيط ٦/٢٤٢..
١٢١ الكشاف ٢/٤٣٣، البحر المحيط ٦/٢٤٢..
١٢٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٢٣ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٣٠ والبحر ٦/٢٤٢، والإتحاف (٣٠٣)..
١٢٤ في ب: أوجه. وهو تحريف..
١٢٥ في ب: أي، وهو تحريف..
١٢٦ في لغة بني تميم الذين يخففون الاسم الثلاثي الذي على وزن فعل – بفتح الفاء وكسر العين – على فعل – بفتح الفاء وسكون العين – وعلى فعل – بكسر العين وسكون الفاء – فيقولون في كبد وكتف كبْد وكتْف. ثم يعاملون ما كان من كلمتين فأكثر معاملة الكلمة الواحدة كما هنا.
انظر شرح الشافية ١/٤١ – ٤٢..

١٢٧ في ب: الفعل..
١٢٨ في ب: ولأنه..
قوله: «إذ تَمْشِي» (في عامل هذا الظرف أوجه:
أحدها: أنَّ العامل فيه «أَلْقِيَتُ»، أي: ألقيتُ عليكَ محبَّةٌ منِّي وقت مشي أختِك.
الثاني: أنه منصوب بقوله: «وَلِتُصْنَع»، أي: لتربَّى ويُحسنَ إليك في هذا الوقت: قال الزمخشري: والعامل في «إذ تَمْشِي» «أَلْقَيْتُ» أو «لِتُصْنَعَ» وقال أبو البقاء: «إذْ تَمْشِي» يجوز أن يتعلق بأحد الفعلين. يعني بالفعلين ما تقدم من «أَلْقِيْتُ» أو «لِتُصْنَعَ» ). وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من باب التنازع لأن كلاًّ من هذين العاملين يطلب هذا الظرف من حيث المعنى، ويكون من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهذا إنما يتجه كل الاتجاه إذا جعلت «وَلِتُصْنَعَ» معطوفاً على علة محذوفة متعلقة ب «أُلْقِيْتُ».
أما إذا جعلته متعلقاً بفعلٍ مضمرٍ بعده فيبعد ذلك، أو يمتنع لكون الثاني صار من جملة أخرى.
الثالث: أن يكون «إذْ تَمْشِي» بدلاً من «إذْ أَوْحَيْنَا».
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل: لَقيتُ فَلاناً سَنَةَ كذا، فتقول: وَأَنَا لَقيتهُ إذْ ذاك، وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. قال أبو
240
حيان: وليس كما ذكره، لأن السنة تقبل الاتساع، فإذا وقع لقيهما فيها بخلاف هذين الطرفين، فإن كل واحد منهما ضيق ليس بمتسع لتخصيصهما بما أضيفا إليه، فلا يمكن أن يقع الثاني في الطرف الذي وقع فيه الأول، إذ الأول ليس متسعاً لوقوع الوحي فيه ووقع مشي الأخت، فليس وقت وقوع الوحي مشتملاً على أجزاء وقع في بعضها المشي بخلاف السنة.
قال شهاب الدين: وهذا تحامل منه عليه، فإن زمن اللقاء أيضاً ضيق لا يسع فعليهما، وإنما ذلك مبني على التساهل، إذ المراد أن الزمان مشتملٌ على فعليهما.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلاً من (إذ) الأولى: لأنَّ مشيْ أختِه كان مِنَّةً عليه.
يعني أن قوله: «إذْ أَوْحَيْنَا» منصوب بقوله: ( «مَنَنَّ» ) فإذا جُعِلَ «إذْ تَمْشِي» بدلاً منه كان أيضاً ممتناً به عليه.
الرابع: أن يكون العامل فيه مضمراً تقديره: اذكر إذ تَمْشِي، وهو على هذا مفعول به (لفساد المعنى على الظرفية).
قوله: ﴿إِذْ تمشي أُخْتُكَ﴾ (اسمها مريم).
يروي أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل، وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها، لأن الله - تعالى - حرَّم عليه المراضع غير أمه
241
واضطروا إلى تتبع النساء فخرجت أخته متعرفة خبره، فجاءت إليهم متنكرة فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ﴾ أي على امرأة ترضعه؟ قالوا نعم: فجاءت الأم، فَقَِبِلَ ثديها، فذلك قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بلقائك.
قوله: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾. قرأ العامة «تَقَرَّ» بفتح التاء والقاف وقرأت فرقة: «تَقِرَّ» بكسر القاف، وقد تقدم في سورة مريم أنهما لغتان.
وقرأ جناح بن حبيش «تُقَرَّ» بضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول «عَيْنُها» رفعاً لما لم يسم فاعله.
فإن قيل: (لو قال) : كي لا تحزن وتقرَّ عينُها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من عدم حصول الحزن حصول السرور لها، فلما قال أولاً ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كان قوله «وَلاَ تَحزَن» فضلاً، لأنه متى حصل السرور وجب زوالُ الغمِّ لا محالة.
فالجواب: المراد تقرَّ عينُها بسبب وصولك إليها، ويزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك. قوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾، وهذه المنّة الخامسة. قال ابن عباس: هو الرجل القبطي الذي قتله خطأ بأن (وكزه) حيث استغاثه الإسرائيلي إليه، فحصل له الغم من وجهين:
الأول: من عقاب الدنيا، وهو اقتصاص فرعون منه على ما حكى الله تعالى عنه ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨].
والثاني: من عقاب الله حيث قتله لا بأمر الله. فنجاه الله - تعالى - من الغمين، أما من فرعون فوفق له المهاجرة إلى مدين، وأما من عقاب الآخرة (فلأن الله تعالى
242
غفر له ذلك). (قال كعب الأحبار: كان عمره إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة).
قوله: «فُتُوناً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه مصدر على فُعُول كالقُعُود والجُلُوس، إلا أنَّ فُعُولاً قليل في المتعدي ومنه الشُّكُور والكُفُور والثُّبُور واللُّزُوم قال تعالى: ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان: ٦٢] وهذا على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤].
والثاني: أنه جمع فِتْن أو فِتْنَة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحُجُوزٍ
243
وبُدُورٍ في حُجْرَةٍ وبَدْرَة، أي: فَتناكَ ضروباً من الفتن. عن ابن عباس أنه ولُِدَ في عام يُقْتَل فيه الولدان، وألقته أنه في البحر، وقَتَل البطيَّ، وأجَّرَ نفسه عشر سنين، وضلَّ عن الطريق وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة. ولما سأل سعيد بن جبير عن ذلك أجاب بما تقدم، وصار يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير، قال معناه الزمخشري.
وقال غيره: بفُتُونٍ من الفِتَن أي المِحَن مختبر بها.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها، أولها أنَّ أمه حملت في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم مَنْعُه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أَخَذُه بحليةٍ فرعونَ حتى همَّ بقتلهِ، ثمو تناولت الجملة بدل الجوهرة ثم قَتْلُه القبطيَّ، وخروجه إلى مدين خائفاً.
فعلى هذا معنى: فتناك أخلصناك من تلك المِحَن كما يُفْتَن الذهب بالنار فيتخلص من كل خبث فيه.
فإن قيل: إنه تعالى عدَّد أنواع مِنَنِهِ على موسى في هذا المقام، فكيف يليق بهذا قوله: «وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً» ؟
فالجواب من وجهين:
الأول: ما تقدم من أنَّ «فَتَنَّاكَ» بمعنى خلصناك تخليصاً.
والثاني: أن الفتنة تشديد المحنة يقال: فُتِن فلانٌ عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه. قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقال: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]
244
وقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٣]، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب عدَّه الله من جملة النِّعَم.
فإن قيل: هل يَصلح إطلاق الفَتَّان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: «وفَتَنَّاكَ فُتُوناً» ؟
فالجواب: لا لأنه صفة ذمٍّ في العرب، وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي.
قوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ والتقدير: «وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً» فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم وهي إمَّا عشراً وَثَمان لقوله تعالى: ﴿على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقال وهب: لَبِثَ مُوسَى عند شعيب عليهما السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته.
ويرده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل (وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] الأجل المشروط عيله في تزويجه.
ومَدْيَن: بَلْدَةُ شُعَيْبٍ على ثَمَان مراحل من مصر.
قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ هذا الجار متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل «جِئْتَ» أي جئت موافقاً لما قُدِّر لك، كذا قدره أبو البقاء، وهو تفسير معنى، والتفسير الصناعي: ثم جئت مستقراً أو كائناً على مقدار معين، كقول الآخر:
245
ولا بد من حذف في الكلام، أي: على قدر أمر من الأمور.
وقال محمد بن كعب: جئتَ على القدر الذي قدرت أنك تجيء فيه وقال مقاتل: كان موعداً (في تقدير الله.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: كان على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي) يوحي فيه إلى الأنبياء. وهذا قول أكثر المفسرين، أي على الوعد الذي وعده الله وقدَّر أنه يوحي إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة.
قوله
: ﴿واصطنعتك
لِنَفْسِي﴾
(أي اخترتُك واصطفيتُك افتعال من الصنع لوحيي ورسالتي. وأبدلت التاء طاء)، لأجل حرف الاستعلاء.
وهذا مجازٌ عن قرب منزلته، ودنوه من ربه، لأن أحداً لا يصطنع إلا من يختاره.
قال القفال: واصطنعتُكَ أصله من قولهم: اصطنع فلانٌ فلاناً إذا أحسن إليه حتى
246
يضاف إليه فيقال: هذا صنيعُ فلانٍ وجريحُ فلانٍ. وقوله: «لِنَفْسِي» أي: لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما أمرتك به، وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي، وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك.
وقال الزجاج: اخترُكَ لأمري، وجعلتك القائم بحجتي، والمخاطب بيني وبين خلقي: كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم.
قوله: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا﴾ لما قال: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ عقبه بذكر ما له اصطنعته، وهو الإبلاغ والأداء، و «الياء» في «بِآيَاتِي» بمعنى (مع)، لأنهما لو ذهبا إليه بدون آيةٍ معهما لم يلزمه الإيمان، وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
قال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث الله بها موسى. وقيل: إنها العصا واليد، لأنهما اللذان جرى دكرهما في هذا الموضع، ولم يذكر أنه - عليه السلام - أوتي قبل مجيئه إلى فرعون، لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى حكاية عن فرعون ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦ - ١٠٨]، وقال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢].
فإن قيل: كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن العصا كانت آيات، انقلابُها حيواناً، ثم إنها كانت في أول الأمر صغيرة، لقوله تعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: ١٠، القصص: ٣١] ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم إنه كان عليه السلام يدخل في يده في فمها قلم تضره وهذه آية أخرى، ثم
247
كانت تنقلب عصا وهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشُعَاعَها آية أخرى، ثم زوالهما بعد ذلك آية أخرى، فدل ذلك على أنهما كانتا آيات كثيرة.
وثانيها: هَبْ أن العصا أمرٌ واحدٌ ولكن فيها آيات، لأن انقلابها حيةً يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم، ويدل على نبوة موسى، ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً، فهذه آيات كثيرة، ولذلك قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]... إلى قوله... ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] فهاهنا أولى.
وثالثها: قال بعضهم: أقل الجمع اثنان.
وقيل: معنى قوله: «بِآيَاتِي» أمُدكُّما بآياتي، وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه، والمعنى: فإن آياتي معكما كما يقال: اذهب فإن جندي معك أي: إنِّي أمدك بهم من احتجت.
وقيل: الآيات: العصا، واليد، وحل العقدة من لسانه، وذلك أيضاً معجزة.
قوله: «وَلاَ تَنِيَا» يقال: «وَنَى يَنِيَ وَنْيَاً كَوَعَد يَعِدُ وَعْداً، إذا فَتَرَ.
والوَنْيُ الفُتُور، ومنه: امرَأةٌ أَنَاةٌ، وصفوها بفتور القيام كناية عن ضخامتها. قال زهير:
٣٦٥٦ - نَالَ الخِلاَفَةَ أَوْ جَاءَتْ عَلَى قَدَرٍ كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرٍ
248
بكسر السين وفتح الراء مصدر (سَرُع) بفتح السين وضم الراء.
تقول: سَرُعَ سِرَعاً كصَغُرَ صِغَراً.
والأصل: ونَاةٌ، فأبدلوا الهمزة من الواو كأحَد وليس بالقياس، وفي الحديث:» إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ الحِلْمُ والأَنَاةُ «.
والوَانِي: المقصِّر في أمره، قال الشاعر:
٣٦٥٧ - مَنَّا الأَنَاةُ وَبَعْضُ القَوْمِ يَحْسَبُنَا أَنَّا بِطَاءٌ وفي إبْطَائِنَا سِرْعُ
249
وانفك) فيعمل بشرط النفي أو شبهه عمل (كان)، فيقال:» مَا وَنِيَ زيدٌ قائماً، وأنشد ابن مالك شاهداً على ذلك قوله:
٣٦٥٨ - فَمَا اَنَا بالوَانِي وَلاَ الضَّرْع الغُمْرِ ووَنَى فعلٌ لازم يتَعَدى وزعم بعضهم أنه يكون من أخوات (زال
٣٦٥٩ - لاَ يَنشي الحُبُّ شِيمَةَ الحُبِّ مَا دَا مَ فَلاَ يَحْسَبَنَّهُ ذَا ارْعِوَاءِ
أي: لا يزال الحُبُّ بضم الحاء شيمةَ الحِبِّ أي: بكسرها وهو المحب. ومن منع ذلك يتأول البيت على حذف حرف الجر، لأنَّ هذا الفعل يتعدى تارة ب (عَنْ) وتارة ب (في) يقال: ما ونَيْتُ عن حاجتك، أو: في حاجتك فالتقدير: لا يفتر الحب في شيمة المحب، وفيه مجاز بليغ وقد عدي في الآية الكريمة ب (في).
قرأ يحيى بن وثَّاب «وَلاَ تِنِيَا» بكسر التاء إتباعاً لحركة النون، وسكن الياء في «ذِكْرِي».
وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو «لِنَفْسِيَ اذْهَبْ» ذِكْرِي اذْهَبَا «و ﴿إِنَّ قَوْمِيَ اتخذوا﴾ و ﴿مِن بَعْدِيَ اسمه﴾ بفتح الياء فيهن وافقهم أبو بكر في ﴿مِن بَعْدِيَ اسمه﴾.
250
قوله :﴿ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي١ لما قال :﴿ واصطنعتك لِنَفْسِي ﴾ عقبه بذكر ما له اصطنعته، وهو الإبلاغ والأداء، و " الياء " في " بِآيَاتِي " بمعنى ( مع )٢، لأنهما لو ذهبا إليه بدون آيةٍ معهما لم يلزمه الإيمان، وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد٣.
قال ابن عباس : يعني الآيات التسع التي بعث الله بها موسى٤. وقيل٥ : إنها٦ العصا واليد، لأنهما٧ اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع، ولم يذكر أنه -عليه السلام-٨ أوتي قبل مجيئه إلى فرعون، لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى حكاية عن فرعون ﴿ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾٩، وقال :﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾١٠.
فإن قيل : كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين ؟
فالجواب من وجوه :
أحدها١١ : أن العصا كانت آيات، انقلابُها١٢ حيواناً، ثم إنها كانت في أول الأمر١٣ صغيرة، لقوله١٤ تعالى :﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾١٥، ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم إنه كان عليه السلام يدخل في يده في فمها قلم تضره وهذه آية أخرى١٦، ثم كانت تنقلب١٧ عصا وهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشُعَاعَها آية أخرى، ثم زوالهما بعد ذلك آية أخرى، فدل ذلك على أنهما كانتا١٨ آيات كثيرة.
وثانيها١٩ : هَبْ أن العصا أمرٌ واحدٌ ولكن فيها آيات، لأن٢٠ انقلابها حيةً يدل على وجود إله٢١ قادر على الكل عالم بالكل حكيم، ويدل على نبوة موسى، ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً، فهذه آيات كثيرة، ولذلك قال٢٢ :﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مباركا ﴾٢٣. . . إلى قوله. . . ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾٢٤ فهاهنا أولى.
وثالثها٢٥ : قال بعضهم : أقل الجمع اثنان٢٦.
وقيل : معنى قوله :" بِآيَاتِي " أمُدكُّما بآياتي، وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه، والمعنى : فإن آياتي معكما كما يقال : اذهب فإن٢٧ جندي معك٢٨ أي : إنِّي أمدك بهم من احتجت٢٩.
وقيل : الآيات : العصا، واليد، وحل العقدة من لسانه، وذلك أيضاً معجزة٣٠.
قوله :﴿ وَلاَ تَنِيَا ﴾ يقال :" وَنَى يَنِيَ وَنْيَاً كَوَعَد يَعِدُ وَعْداً، إذا فَتَرَ٣١.
والوَنْيُ٣٢ الفُتُور، ومنه : امرَأةٌ أَنَاةٌ٣٣، وصفوها بفتور القيام كناية عن ضخامتها. قال زهير٣٤ :
مَنَّا الأَنَاةُ وَبَعْضُ القَوْمِ يَحْسَبُنَا *** أَنَّا بِطَاءٌ وفي إبْطَائِنَا سِرْعُ٣٥
بكسر السين وفتح الراء مصدر ( سَرُع ) بفتح السين وضم الراء.
تقول : سَرُعَ سِرَعاً٣٦ كصَغُرَ صِغَراً.
والأصل : ونَاةٌ، فأبدلوا الهمزة٣٧ من الواو كأحَد وليس بالقياس٣٨، وفي الحديث :" إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ الحِلْمُ والأَنَاةُ " ٣٩.
والوَانِي : المقصِّر في أمره، قال الشاعر :
فَمَا اَنَا بالوَانِي وَلاَ الضَّرْع الغُمْرِ٤٠ ***. . .
ووَنَى٤١ فعلٌ لازم يتَعَدى٤٢ وزعم بعضهم٤٣ أنه يكون من أخوات ( زال وانفك ) فيعمل بشرط النفي٤٤ أو شبهه٤٥ عمل ( كان )، فيقال٤٦ :" مَا وَنِيَ زيدٌ قائماً، وأنشد ابن مالك٤٧ شاهداً على ذلك قوله :
لاَ يَنشي الحُبُّ٤٨ شِيمَةَ الحُبِّ مَا دَا *** مَ فَلاَ يَحْسَبَنَّهُ ذَا ارْعِوَاءِ٤٩
أي : لا يزال الحُبُّ٥٠ بضم الحاء شيمةَ الحِبِّ٥١ أي : بكسرها وهو المحب٥٢. ومن منع ذلك يتأول٥٣ البيت على حذف حرف الجر٥٤، لأنَّ٥٥ هذا الفعل٥٦ يتعدى تارة ب ( عَنْ ) وتارة ب ( في )٥٧ يقال : ما ونَيْتُ عن حاجتك، أو : في حاجتك فالتقدير : لا يفتر الحب في شيمة المحب، وفيه مجاز بليغ وقد عدي في الآية الكريمة ب ( في ).
قرأ يحيى بن وثَّاب " وَلاَ تِنِيَا " بكسر التاء٥٨ إتباعاً لحركة النون، وسكن الياء في " ذِكْرِي " ٥٩.
وقرأ أهل الحجاز٦٠ وأبو عمرو " لِنَفْسِيَ اذْهَبْ " ٦١ ذِكْرِي اذْهَبَا " ٦٢ و ﴿ إِنَّ قَوْمِيَ اتخذوا ﴾٦٣ و٦٤ ﴿ مِن بَعْدِيَ اسمه ﴾٦٥ بفتح الياء فيهن وافقهم٦٦ أبو بكر في ﴿ مِن بَعْدِيَ اسمه ﴾.
وقرأ الآخرون بإسكانها٦٧.
والمراد بالذكر تبليغ الرسالة. وقيل : لا تفترا عن ذكر الله. ( والحكمة فيه٦٨ )٦٩ أنَّ مَنْ ذكر جلالَ الله استخف غيره، فلا يخاف أحداً، ويقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في٧٠ مقصوده، ومن ذكر الله فلا بد وأن يكون ذاكراً إحسانه ( وذاكرُ إحسانه )٧١ لا يفتر في أداء أوامره.
وقيل : لاَ تَنِيَا في ذِكْرِي عند فرعون، وكيفية الذكر أن يذكرا٧٢ لفرعون وقومه أنَّ الله تعالى لا يرضى منهم٧٣ الكفر، ويذكرا٧٤ لهم أمر الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب٧٥.
١ في ب: قوله تعالى: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا﴾..
٢ وهي التي تكون بمعنى المصاحبة انظر المغني ١/١٠٣..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٦..
٤ انظر البغوي ٥/٤٣٢..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٦ – ٥٧..
٦ في ب: هما..
٧ في ب: لأنهما..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ [الأعراف: ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨]..
١٠ [القصص: ٣٢]..
١١ في ب: الأول..
١٢ في ب: لانقلابها. وهو تحريف..
١٣ في ب: في أول الأمر كانت..
١٤ في ب: بقوله. وهو تحريف. .
١٥ [النمل: ١٠] [القصص: ٣١]..
١٦ في ب: أخرى ثم إنها كانت تصير ثعبانا وهذه آية أخرى..
١٧ في ب: تقلب..
١٨ في ب: أنها كانت. وهو تحريف..
١٩ في ب: والثاني..
٢٠ لأن: سقط من ب..
٢١ في ب: إله موجود..
٢٢ في ب: أيضا..
٢٣ [آل عمران: ٩٦]..
٢٤ [آل عمران: ٩٧]..
٢٥ في ب: والثالث..
٢٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٦ ـ ٥٧ بتصرف..
٢٧ في الأصل: فإني. وهو تحريف..
٢٨ معك: سقط من ب..
٢٩ الفخر الرازي ٢٢/٥٧..
٣٠ [آل عمران: ٩٧]..
٣١ في ب: افتر وهو تحريف. وانظر اللسان (ونى)..
٣٢ الوني الضعف والفتور والكلال والإعياء. اللسان (ونى)..
٣٣ هي التي فيها فتور عند القيام، وقيل: عند القيام والقعود والمشي. اللسان (ونى)..
٣٤ زهير: سقط من ب..
٣٥ البيت من بحر البسيط، وليس في ديوان زهير ولم أجده فيما رجعت إليه من مصادر. أناة: الأصل: وناة، أبدلت الواو المفتوحة همزة، وامرأة وناة وأناة: حليمة بطيئة القيام. وهو موطن الشاهد. بطاء: البطء والإبطاء: نقيض الإسراع، تقول منه: بطؤ مجيئك، وبطؤ في مشيه يبطؤ، بطأ وبطأ، وأبطأ، وتباطأ وهو بطيء، ولا تقل: أبطيت والجمع بطاء.
السرعة: نقيض البطء. سرع يسرع سراعة وسِرْعا وسِرَعًا وسَرَعا وسُرعة، فهو سرع وسريع وسراع، والأنثى بالهاء. وقد تقدم..

٣٦ في ب: يقال سرعا سرع..
٣٧ الهمزة: سقط من ب..
٣٨ إذا وقعت الواو في أول الكلمة مفتوحة لم تبدل همزة إلا فيما سمع لأن الفتحة بمنزلة الألف، فكما لا تستثقل الألف والواو في (عاود) وأمثاله فكذلك لا تستثقل الواو المفتوحة. والذي سمع في ذلك (أجم) في (وجم) و (أناة) في (وناة) و(أحد) في (وحد) و(أسماء) في (وسماء) اسم امرأة على فعلاء وليس بجمع.
قال سيبويه: (وقالوا: وجم وأجم، وناة وأناة، وقالوا: أحد وأصله وحد، لأنه واحد، فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضا لما يدخلها من الحذف والبدل وليس ذلك مطردا في المفتوحة) الكتاب ٤/٣٣١.
انظر سر صناعة الإعراب ١/٩٢، الممتع ١/٣٣٥..

٣٩ أخرجه مسلم (الإيمان) ١/٤٨، ٤٩، أبو داود (أدب) ٥/٣٩٥ – ٣٩١ الترمذي (البر والصلة) ٣/٢٤٧، ابن ماجه ٢/١٤٠١، أحمد ٣/٢٣، ٤/٢٠٦..
٤٠ عجز بيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وصدره:
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا
وهو تفسير ابن عطية ١/٣٢، واللسان (ضرع)، البحر المحيط ٦/٢٤٤، الضَّرع: هو الغمر الضعيف من الرجال، رجل ضارع بين الضروع والضّراعة: ناحل ضعيف. الغمر: الذي لم يجرب الأمور، ولا خبرة له بحرب ولا أمر، ولم تحكنه التجارب. والشاهد في البيت هو أنّ الواني بمعنى الضعيف المتباطئ في الأمر بسبب ضعفه وعجزه..

٤١ في ب: ونى..
٤٢ البحر المحيط ٦/٢٤٣، وقال أبو حيان: (وإذا عدِّي فبـ (عن) وبـ(في))..
٤٣ وهو ابن مالك، فإنه قال: وقيدت: ونى ورام الملحقتان بهن (يريد يزال وأخوتها) بمرادفتهما لهن، احترازا من ونى بمعنى فتر، ومن رام بمعنى حاول وبمعنى تحول، ومضارع التي بمعنى حاول يروم، ومضارع التي بمعنى تحول يريم، وهكذا مضارع المرادفة زال، وهي وونى بمعنى زال غريبتان، ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عنى باستقرار الغريب، ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر:
لا يني الخبُّ شيمة الخبِّ ما *** دا م فلا يحسبنَّه ذا ارعواء
شرح التسهيل ١/٣٣٤..

٤٤ في ب: بنفي الشرط. وهو تحريف..
٤٥ في ب: و. وهو تحريف..
٤٦ في ب: فيقول..
٤٧ انظر شرح التسهيل ١/٣٣٤..
٤٨ في ب: الخير. وهو تحريف..
٤٩ البيت من بحر الخفيف لم أهتد لقائله. شرح التسهيل ١/٣٣٤، البحر المحيط ٦/٢٥٣، الهمع ١/١١٢، الدرر ١/٨٢.
الحب بضم الحاء: الوداد والمحبة. الحبُّ: بكسر الحاء: الحبيب.
وروي: (لا يني الخبُّ شيمه الخبُّ) فالخبُّ بالكسر: الخداع والغش، والخبُّ: بالفتح الذي يخدع.
الشاهد فيه أن ابن مالك استشهد به على أنّ (ونى) من أخوات (زال وانفك) فيعمل بشرط النفي أو شبهه والتقدير: لا زال الحبُّ..

٥٠ في ب: والحرب. وهو تحريف..
٥١ في ب: و. وهو تحريف..
٥٢ في ب: المحبة. وهو تحريف..
٥٣ في ب: تأول..
٥٤ قال السيوطي: (وقال أبو حيان: ذكر أصحابنا أن "ونى" زادها بعض البغداديين في أفعال هذا الباب لأن معناها معنى (مازال) نحو ما ونى زيد قائما ورد بأنه لا يلزم من كونها بمعناها مساواتها لها في العمل، ألا ترى أن (ظل زيد قائما) معناه: أقام زيد قائما النهار، ولم يجعل العرب لـ (أقام) اسما ولا خبرا كما فعلت ذلك بـ (ظل)، قالوا والتزام التنكير في المنصوب بها دليل على أنه حال.... فالمنصوب في (البيت) على إسقاط الخافض، أي: لا يني عن شيمة الحب) الهمع ١/١١٢..
٥٥ في ب: فإن..
٥٦ في ب: البيت. وهو تحريف..
٥٧ في ب: تارة بفي وتارة بعن..
٥٨ في ب: بكسر النون وكسر التاء..
٥٩ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٥..
٦٠ نافع وابن كثير..
٦١ نهاية الآية (٤١) وبداية الآية (٤٢)..
٦٢ نهاية الآية (٤٢) وبداية الآية (٤٣) من سورة طه..
٦٣ من قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾ [الفرقان: ٣٠]..
٦٤ و: سقط من ب..
٦٥ [الصف: ٦]..
٦٦ في ب: وأهمز. وهو تحريف..
٦٧ السبعة (٤٢٦، ٤٦٨، ٦٣٥)، الكشف ٢/١٠٩، النشر ٢/٣٢٣ الإتحاف (٣٠٣) وذلك أنه يجوز إسكان ياء الإضافة وفتحها مع المضاف الواجب كسر آخره، وهو ما سوى المنقوص والمقصور، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وذلك أربعة أشياء المفرد الصحيح نحو غلامي وفرسي، والمعل الجاري مجراه نحو طبيي ودلوي، وجمع التكسير نحو رجالي وهنودي، وجمع المؤنث السالم نحو مسلماتي.
واختلف في الأصل منهما فقيل الإسكان، وقيل: الفتح، وجمع بينهما بأن الإسكان أصل أول إذ هو الأصل في كل مبني، والفتح أصل ثان، إذ هو الأصل فيما هو على حرف واحد. انظر شرح الأشموني ٢/٢٨١ – ٢٨٢، والكشف ١/٣٢٤..

٦٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٥٧. بتصرف..
٦٩ ما بين القوسين في ب: والمعنى..
٧٠ في ب: عن..
٧١ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٢ في ب: يذكر. وهو تحريف..
٧٣ في ب: منهما وهو تحريف..
٧٤ في ب: ويذكر. وهو تحريف..
٧٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٥٧. بتصرف..
وقرأ الآخرون بإسكانها.
والمراد بالذكر تبليغ الرسالة. وقيل: لا تفترا عن ذكر الله. (والحكمة فيه) أنَّ مَنْ ذكر جلالَ الله استخف غيره، فلا يخاف أحداً، ويقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في مقصوده، ومن ذكر الله فلا بد وأن يكون ذاكراً إحسانه (وذاكرُ إحسانه) لا يفتر في أداء أوامره.
وقيل: لاَ تَنِيَا في ذِكْرِي عند فرعون، وكيفية الذكر أن يذكرا لفرعون وقومه أنَّ الله تعالى لا يرضى منهم الكفر، ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
قوله
: ﴿اذهبآ
إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾
ذكر المذهوب إليه في قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾ وحذفه في الأول في قوله: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه: ٤٢] اختصاراً في الكلام.
وقال القفال: فيه وجهان:
أحدهما: أن قوله: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه: ٤٢] يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد، فقيل مرة أخرى: «اذْهَبَا» ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به أحدهما دون الآخر.
251
والثاني: أن قوله: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه: ٤٢] أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمر بالذهاب إلى فرعون وحده.
قيل: وهذا فيه بُعْدٌ، بل الذهابان متوجهان لشيء واحد وهو فرعون، وقد حذف من كل الذهابين ما أثبته في الآخر، وذلك أنه حذف المذهوب إليه من الأول وأثبته في الثاني، وحذف المذهوب به، وهو «بِآيَاتِي» من الثاني وأثبته في الأول.
فإن قيل: قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾ خطاب من موسى وهارون، (وهارون عليه السلام) لم يكن حاضراً هناك، وكذا في قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى﴾ [طه: ٤٥] وأجاب القفال بوجوه:
أحدها: أن الكلام كام مع موسى إلا انه كان متبوع هارون، فجعل الخطاب معه خطاباً مع هارون، (وكلام هارون) على سبيل التقدير بالخطاب في تلك الحالة، وإن كان مع موسى - عليه السلام - وحده، إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] وقوله: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ [المنافقون: ٨] روي أن القائل هو عبد الله ابن أُبَيِّ وحده.
وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لمَّا قال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: ٣٦] سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله - تعالى - خاطبهما بقوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾.
وثالثها: حكي في مصحف ابن مسعود «قال رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُُ» أي أنَا وأخي.
252
قوله: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ قرأ أبو معاذ «قَوْلاً لَيْناً» وهو تخفيف من لَيِّن كَمَيْت في ميِّت.
وقوله: «لَعَلَّهُ» فيه أوجه:
أحدها: أن «لَعَلَّ» على بابها للترجي، وذلك بالنسبة إلى المرسل وهو موسى وهارون، أي اذهبا على رجائكماوطمعكما في إيمانه أي اذهبا مترجَيْن طامعَيْن، وهذا معنى قول الزمخشري ولا يستفقيم أن يرد ذلك في حق الله تعالى، إذ هو عالم بعواقب الأمور. وعن سيبويه: كل ما ورد في القرآن من (لَعَلَّ، وَعَسَى) فهو من عند الله واجب. يعني أنه يستحيل بقاء معناه في حق الله تعالى.
والثاني: أنَّ «لَعَلَّ» بمعنى (كَيْ) فتفيد العلية، وهذا قول الفراء قال: كما تقول: اعْمَلْ لَعَلَّكَ تأخذُ أجرَكَ، أي: كي تأخذَ.
والثالث: أنها استفهامية، أي: هل يتذكر أو يخشى؟
وهذا قول ساقط، وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجَعْلُ اللفظ على مدلوله باقياً أولى من إخراجه عنه.
فإن قيل: لِمَ أمر الله تعالى باللين مع الكافر الجاحد؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه قد ربَّى موسى - عليه السلام - فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق، وهاذ تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.
253
والثاني: أنَّ من عادة الجبابرة إذا غُلِّظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبُّراً.
والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر، فلهذا أمر الله تعالى بالرفق.
قوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ أي يتعظ ويخاف.

فصل


اختلفوا في ذلك القول اللين، فقال ابن عباس: لا تعنِّفا في قولكما.
وقال السُّدِّي وعكرمة: كَنَّياه، فقولا: يا أبا العباس. وقيل: يا أبا الوليد.
وقال مقاتل: القول الليِّن: ﴿هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]، وقولهما: ﴿فقولاا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] إلى قوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ [طه: ٤٧].
وقال السدي: القول اللِّين ان موسى اتاه ووعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم، ومُلْكاً لا ينزعُ منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم، والمشرب، والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة. فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان غائباً، فلما قَدِم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، قال: أردتُ أنْ أقبل مِنْه. فقال له هامان: كنت أرى عقلاً ورأياً، أنت ربٌّ تريد أن تكون مربوباً، وأنت تُعْبَدُ تريدُ أن تَعْبُدَ، فقلبه عن رأيه.

فصل


قال ابن الخطيب: هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله، فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان، وإذا كان عالماً بذلك، فكيف أمر موسى بذلك الرفق، وكيف بالغ
254
في الأمر بتلطف دعوته إلى الله - تعالى - مع علمه باستحالة حصول ذلك منه؟ ثم هَبْ أن المعتزلة ينازعون في هذا الانتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال، ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأن لا يحصل ذلك الإيمان، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى - عليه السلام - إلا استحقاق العذاب، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً من عَلِمَ قَطعاً أنه يمزق به بطن نفسه، ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟ يا أخي: العقولُ قاصرةٌ عن معرفة هذه الأسرار، ولا سبيل فيها إلا التسليم، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة «فَقُولاَ لَهُ قََوْلاً لَيِّناً وسَأقْسي قلبَه فلا يؤمن».
255
قوله :﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ قرأ أبو معاذ١ " قَوْلاً لَيْناً " وهو تخفيف من لَيِّن كَمَيْت في ميِّت٢.
وقوله :" لَعَلَّهُ " فيه أوجه :
أحدها : أن " لَعَلَّ " على بابها للترجي، وذلك بالنسبة إلى المرسل وهو موسى وهارون، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما في إيمانه أي٣ اذهبا مترجَيْن طامعَيْن، وهذا معنى قول الزمخشري٤ ولا يستقيم أن يرد ذلك في حق الله٥ تعالى، إذ هو٦ عالم بعواقب الأمور. وعن سيبويه : كل ما ورد في القرآن من ( لَعَلَّ، وَعَسَى ) فهو من عند الله واجب. يعني أنه يستحيل بقاء٧ معناه في حق الله تعالى.
والثاني : أنَّ " لَعَلَّ " بمعنى ( كَيْ ) فتفيد العلية، وهذا قول الفراء قال : كما تقول : اعْمَلْ لَعَلَّكَ تأخذُ أجرَكَ، أي : كي تأخذَ٨.
والثالث : أنها استفهامية، أي : هل يتذكر أو يخشى٩ ؟
وهذا قول ساقط، وذلك أنه يستحيل الاستفهام في حق الله تعالى كما يستحيل الترجي، فإذا كان لا بد من التأويل فجَعْلُ اللفظ على مدلوله باقياً أولى من إخراجه عنه.
فإن قيل : لِمَ أمر الله تعالى باللين مع الكافر الجاحد ؟ فالجواب من وجهين :
أحدهما١٠ : أنه قد ربَّى موسى -عليه السلام-١١ فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق، وهاذ تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين.
والثاني : أنَّ من عادة الجبابرة إذا غُلِّظ١٢ لهم١٣ في الوعظ١٤ أن يزدادوا عتواً وتكبُّراً.
والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر، فلهذا أمر الله تعالى بالرفق١٥.
قوله :﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ أي يتعظ ويخاف.

فصل


اختلفوا في ذلك القول اللين١٦، فقال ابن عباس : لا تعنِّفا في قولكما١٧.
وقال السُّدِّي وعكرمة : كَنَّياه، فقولا : يا أبا العباس. وقيل : يا أبا الوليد١٨.
وقال مقاتل : القول الليِّن :﴿ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى١٩٢٠، وقولهما٢١ :﴿ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾٢٢ إلى قوله :﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾٢٣.
وقال السدي٢٤ : القول اللِّين أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم، ومُلْكاً لا ينزعُ منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم٢٥، والمشرب، والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة. فأعجبه٢٦ ذلك، وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان غائباً، فلما قَدِم أخبره بالذي٢٧ دعاه إليه موسى، قال : أردتُ أنْ أقبل مِنْه. فقال له هامان : كنت أرى عقلاً ورأياً، أنت ربٌّ تريد أن تكون مربوباً، وأنت تُعْبَدُ تريدُ٢٨ أن تَعْبُدَ، فقلبه عن رأيه٢٩.

فصل


قال ابن الخطيب : هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى، لما٣٠ علم أنه لا يؤمن قط كان٣١ إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله، فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان، وإذا كان عالماً بذلك، فكيف أمر موسى بذلك الرفق، وكيف بالغ في الأمر بتلطف دعوته٣٢ إلى الله -تعالى- مع علمه باستحالة حصول٣٣ ذلك منه ؟ ثم هَبْ أن المعتزلة ينازعون٣٤ في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في٣٥ هذا السؤال، ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأن لا يحصل ذلك الإيمان، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى -عليه السلام٣٦- إلا استحقاق العذاب، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً من عَلِمَ قَطعاً أنه يمزق به بطن نفسه٣٧، ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه٣٨ إلا الإحسان إليه ؟ يا أخي : العقولُ قاصرةٌ عن معرفة هذه الأسرار، ولا سبيل فيها إلا التسليم، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب٣٩ في التوراة " فَقُولاَ لَهُ قََوْلاً لَيِّناً وسَأقْسي قلبَه فلا يؤمن " ٤٠.
١ هو الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي، روى القراءة عن خارجة بن مصعب، روى عنه القراءة محمد بن هارون النيسابوري ومحمد بن عبد الحكم والليث بن مقاتل بن الليث المرسي مات قريبا من سنة ٢١١ هـ. طبقات القراء ٢/٩..
٢ المختصر (٨٨)، الكشاف ٣/٤٣٤، البحر المحيط ٦/٢٤٦..
٣ أي: سقط من ب..
٤ أي: أنه يصرف الرجاء للمخاطبين. الكشاف ٢/٤٣٤..
٥ في ب: في قوله. وهو تحريف..
٦ في ب: لأنه..
٧ في الأصل: إبقاء..
٨ انظر قول الفراء في البحر المحيط ٦/٢٤٦. وممن أثبت هذا المعنى أيضا الكسائي والأخفش، فقال الأخفش (وقال: "لعله يتذكر" نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ لعنا نتغدّى والمعنى: لنتغدّى وحتى نتغدّى. وتقول للرجل: عمل عملك لعلك تأخذ أجرك أي لتأخذه) معاني القرآن ٢/٦٣١، وانظر المغنى ١/٢٨٨..
٩ أثبته الكوفيون قال ابن هشام : ولهذا علِّق بها الفعل في نحو: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ [الطلاق: ١] ونحو ﴿وما يدريك لعله يزّكّى﴾ [عبس: ٣] المغني ١/٢٨٨ وهذان المعنيان (التعليل والاستفهام) لا يثبتهما البصريون ورجعوا هذه المعاني إلى الترجي والإشفاق انظر شرح التصريح ١/٢١٣، والهمع ١/١٣٤..
١٠ في ب: الأول..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ في الأصل: أغلظ..
١٣ في ب: عليهم..
١٤ في ب: في اللفظ والوعظ..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٥٨..
١٦ قوله: سقط من ب..
١٧ في ب: واللين. وهو تحريف..
١٨ انظر البغوي ٥/٤٣٢..
١٩ المرجع السابق..
٢٠ [النازعات: ١٨ – ١٩]..
٢١ البغوي ٥/٤٣٢..
٢٢ في ب: وقوله..
٢٣ [طه: ٤٧]..
٢٤ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٣٢ – ٤٣٣..
٢٥ في ب: الطعم..
٢٦ في ب: وأعجبه..
٢٧ في ب: بالأمر الذي..
٢٨ في ب: وتريد..
٢٩ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٣٢ – ٤٣٣..
٣٠ لما: سقط من ب..
٣١ في ب: وكان..
٣٢ في ب: دعواه..
٣٣ في ب: حصوله. وهو تحريف..
٣٤ في ب: تنازعوا. وهو تحريف..
٣٥ في ب: شبه ما وجه. وهو تحريف..
٣٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٧ في ب: حتف أنفه. وهو تحريف..
٣٨ إليه: سقط من ب..
٣٩ في ب: المكتوب. وهو تحريف..
٤٠ الفخر الرازي ٢٢/٥٩..
قوله: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى﴾ قد تقدم أن هارون لم يكن حاضراً هناك، فكيف قال: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ﴾ وتقدم جوابه.
فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وأجابه (الله تعالى) بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: ٣٦] وهذا يدل أنه شرح صدره، ويسر، وعيّن له ذلك الأمر، فكيف قال بعده: «إنَّنَا نَخَافُ»، فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر، فالجواب: أن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السَّهو تلك والتحريف، وذلك شيء آخر غير زوال الخوف. فإن قيل: أما علم موسى وهارون - عليهما السلام - وقد حمَّلهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل.
255
فالجواب قد أمِنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما من قبل الأداء أو بعده، وأيضاً فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه، وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
فإن قيل: لمَّا تكرر الأمر من الله - تعالى - بالذهاب، فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية؟
فالجواب: إن اقتضى الأمر الفور كان كذلك من أقوى الدلائل على المعصية، لا سيما وقد أكثر الله - تعالى - من أنواع التشريف، وتقوية القلب، وإزالة الغم، ولكن الأمر ليس على الفور، فزال السؤال، وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل.
قوله: «أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ» مفعول «يَخَافُ»، ويقال: فَرَطَ يَفْرُط سبق وتقدم، ومنه الفارط وهو الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وفرس فرط تسبق الخيل، أي: نَخَاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. قاله الزمخشري. ومن ورود الفارط بمعنى المتقدم على الواردة قول الشاعر:
٣٦٦٠ - وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا كمَا تَقَدَّم فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وفي الحديث: «أنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ» أي سابقكم ومتقدمكم.
وقرأ يحيى بن وثاب وابن محيصن وأبو نوفل «يُفْرَط» بضم حرف المضارعة
256
وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنى: خافَا أن يسبق في العقوبة أي يحمله حامل عليها وعلى المعاجلة بها إما قومه وإما الشيطان وإما حبه الرياسة، وإما ادعاؤه الإلهية.
وقرأ ابن محيصن في رواية الزعفراني: «أن يُفْرِط» بضم المضارعة وكسر الراء من أفرط.
قال الزمخشري: من افرَطَهُ غيره، إذا حمله على العجلة خَافَا ان يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب.
وقال كعب بن زهير:
٣٦٦١ - تَنْفِي الرِّيَاحُ القَذَى عضنْهُ وَأفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ
أي سبقت هذه البيض لتملاه.
وفاعل يفرط ضمير فرعون، وهذا هو الظاهر الذي ينبغي أن لا يعدل عنه، وجعله أبو البقاء مضمراً لدلالة الكلام عليهن فقال: فيجوز أن يكون التقدير: أن يَفْرُط علينا منه قولٌ فأضمر القول لدلالة الحال عليه كما تقول: فَرَط منِّي قول، وأن يكون الفاعل ضمير فرعون كما كان في «يَطْغَى».

فصل


قال ابن عباس: «يَفْرُطَ عَلَيْنَآ» يعجل علينا بالقتل والعقوبة. يقال: فَرَطَ عَلَيْنَا فلان إذا عجل بمكروه، وفَرَط منه أي بدر وسبق ﴿أَوْ أَن يطغى﴾ يجاوز الحد بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجرأته عليك. واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه لأعذار يذكرها فلا بد أن يختم كلامه بما هو الأقوى، كما أن الهُدْهُدَ ختم عذره
257
بقوله: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله﴾ [النمل: ٢٤]، فكذا هاهنا بدأ موسى بقوله ﴿أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾، وختم بقوله ﴿أَوْ أَن يطغى﴾ لما كان طغيانه في حق الله - تعالى - أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون.
قوله: ﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان، لأن ذلك هو المفهوم من الكلام، لأنه - تعالى - لم يؤمنهما من الرد، ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة وقوله: «إِنَّنِي مَعَكُمَآ» أي: بالحراسة والحفظ وقوله: «أَسْمَعُ وأرى» قال ابن عباس: اسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما.
وقال القفال: (قوله: أَسْمَعُ وَأَرَى) قال ابن عباس: اسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما.
وقال القفال: (قوله: «أسْمَعُ وَأرَى» يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى﴾ ﴿أَوْ أَن يطغى﴾ بأن لا يسمع منّا «يَفْرُطَ عَلَيْنَآ» بأن يقتلنا، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ﴾ كلامكما فأسخّره للاستماع منكما، «وَأَرَى» أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه واعلم أن مفعول) (أسْمَعُ وَأَرَى) محذوف، فقيل: تقديره: أسمع أقوالكما وأرى أفعالكما.
وعن ابن عباس: أسمع جوابه لكما (وَأَرَى مَا يُفْعَل بِكُمَا).
أو يكون من حذف الاقتصار، نحو «يحيي ويُميت».
258
قوله :﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى ﴾ لا تخافا مما عرض في قلبكما١ من الإفراط والطغيان، لأن ذلك هو المفهوم من الكلام، لأنه -تعالى- لم يؤمنهما من الرد، ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة٢ وقوله :﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ ﴾ أي : بالحراسة والحفظ وقوله :
﴿ أَسْمَعُ وأرى ﴾ قال ابن عباس : اسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما٣.
وقال القفال :( قوله :﴿ أسْمَعُ وَأرَى ﴾ يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله ﴿ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى ﴾ ﴿ يفرط علينا ﴾ بأن لا يسمع منّا ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ بأن يقتلنا، فقال الله تعالى :﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ ﴾ كلامكما فأسخّره للاستماع منكما، " وَأَرَى " أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه٤ واعلم أن مفعول )٥ ( أسْمَعُ وَأَرَى ) محذوف٦، فقيل : تقديره : أسمع أقوالكما وأرى أفعالكما.
وعن ابن عباس : أسمع جوابه لكما ( وَأَرَى مَا يُفْعَل بِكُمَا٧ )٨.
أو٩ يكون من حذف الاقتصار، نحو " يحيي ويُميت " ١٠.
١ في الأصل: قلوبكما..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٠..
٣ انظر البغوي ٥/٤٣٤..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٠..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: هناك محذوف..
٧ البحر المحيط ٦/٢٤٦..
٨ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٩ في ب: و..
١٠ قوله: ﴿يحيي ويميت﴾ ورد في القرآن تسع مرات، بداية من الآية (٢٥٨) من سورة البقرة انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن (٢٢٣).
وحذف الاقتصار هو أن لا يكون في الكلام دليل على الحذف، انظر الهمع ١/١٥٢..

قوله: «فَأتِيَاهُ» أعاد التكليف المتقدم فقال: ﴿فأتِيَاهُ فَقُولاَ لَهُ﴾ وذلك أنه تعالى قال أولاًَ ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٢٤] وثانياً قال: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه: ٤٢]
258
وقال ثالثاً: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٤٣]. ورابعاً (قال هاهنا «فَأتِيَاهُ» ).
فإن قيل: إنه تعالى أمرهما بأن يقولا له «قَوْلاً لَيِّناً»، وهاهنا أمرهما بأن يقولا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وفي هذا تغليظ من وجوه:
الأول: «إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ» ) وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما، وذلك يعظم على الملك المتبوع.
والثاني: قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ فيه إدخال النقص على ملكه، لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال وأيضا: أمرهم بالإرسال يقتضي وجوب الطاعة والانقياد فيصير تحت أمرهم.
والثالث: نهيهم له بقولهم: «وَلاَ تُعَذِّبهُمْ».
والرابع: قوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
فما الفائدة في القول اللين أولاً والتغليظ ثانياً؟
فالجواب: أن الإنسان إذا أظهر اللجاجة فلا بد له من التغليظ.
فإن قيل: أليس أن الأولى أن يقولا إنا رَسُولاَ رَبِّكَ قَدْ جئنَاكَ بآيةٍ فأرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرائيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُم، فإن ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟
فالجواب: بل هذا أولى، لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجز.
قوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ قال الزمخشري: هذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ مجرى البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا بينتهما التي هي مجيء الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى أعطاه آيتين، وهما العصا واليد ثم قال: {اذهب أَنتَ
259
وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} [طه: ٤٢]، وذلك يدل على ثلاث آيات وقال هاهنا ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾، وذلك يدل على أنها كانت واحدة (فكيف الجمع) ؟
أجال القفال: بأن معنى الآية هاهنا الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال: جئْنَاك ببيان من عند الله. ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة.
وقال غيره: المراد في هذا الموضوع تثبيت الدعوى ببرهانها فكأنه قال:
قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعينا من الرسالة كقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥]، وقوله: ﴿فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأعراف: ١٠٦] وقوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠].
وتقدم الجواب عن التثنية والجمع، وأن في العصا واليد آيات.
قوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ يحتمل أن يكون تسليماً منهما ولم يؤمرا به، فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب قال بعضهم: إنَّ (عَلَى) بمعنى (اللام) أي والسلام لمن اتبع الهدى كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سواء الدار﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم اللعنة، وقال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقال:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
260
وهذا وعد منهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة والسلام والسلام بمعنى السلامة، كما يقال: رضاع ورضاعة.
وقيل: هذا من كلام الله تعالى كأنه قال: «فَقُولاَ إنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ وَقُولاَ لَهُ والسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى»، وليس المراد منه التحية إنما معناه سَلِم من عذاب الله من أسلم.
قوله: «أرسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائيلَ» خلِّ عنهم وأطلقهم عن أعمالك «وَلاَ تُعَذِّبهُم» لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة.
قوله تعالى: ﴿لْعَذَابَ على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم، لأن الألف واللام للاستغراق، أو الإفادة (الماهية، وعلى) التقديرين يقتضي انحصار هذا الجنس في «من كذب وتولى) فوجب أن لا تحصل لغير المكذب المتولي.
وظاهر هذه الآية يقتضي بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به في بعض الأوقات، فجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام، ولأن العقاب المتناهي إذا حصل بعد السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب فلذلك يجسن مع حصول ذلك القجر أن يقال: إنه لا عقاب.
وأيضاً فقوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، إذا فسَّرنا السلام بالسلامة. والعارف بالله قد اتبع الهدى، فوجب أن يكون صاحب السلامة. ومعنى الآية: إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه.
قوله:»
أنَّ العَذَابَ «» أنَّ «وما في خبرها في محل رفع لقيامه الفاعل الذي
261
حذف في» أُوْحِيَ إِلَيْنَا «بنائه للمفعول (خوفاً أن يبدر من فرعون بادرة لمن أوحي لو سمياه فطويا ذكره تعظيماً له واستهانة بالمخاطب).
262
قوله تعالى١ :﴿ إنّا قد أوحي إلينا أنّ الْعَذَابَ على مَن كَذَّبَ وتولى ﴾ هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم، لأن الألف واللام٢ للاستغراق، أو الإفادة ( الماهية، وعلى )٣ التقديرين يقتضي انحصار٤ هذا الجنس في " من كذب وتولى ) فوجب أن لا تحصل لغير٥ المكذب المتولي.
وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به٦ في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي٧ الدوام، ولأن العقاب المتناهي٨ إذا حصل بعد السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب، فلذلك يحسن مع حصول٩ ذلك القدر أن يقال : إنه لا عقاب.
وأيضاً فقوله :﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، إذا فسَّرنا السلام بالسلامة. والعارف بالله قد اتبع الهدى، فوجب أن يكون صاحب السلامة١٠. ومعنى الآية : إنما يعذب الله من كذب بما جئنا١١ به وأعرض عنه.
قوله :﴿ أنَّ العَذَابَ ﴾ " أنَّ " وما في خبرها في محل رفع لقيامه١٢ الفاعل الذي حذف في١٣ " أُوْحِيَ إِلَيْنَا " بنائه للمفعول ( خوفاً أن يبدر من فرعون بادرة لمن أوحي لو سمياه فطويا ذكره تعظيماً له واستهانة بالمخاطب١٤ )١٥.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٦٢..
٢ في ب: لأن الألف واللام في العذاب..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ في ب: وعلى هذا يقتضي..
٥ لغير: سقط من ب..
٦ به: سقط من ب..
٧ في ب: على أصله بقي. وهو تحريف..
٨ في ب: وأم لأن العقاب المناهي. وهو تحريف..
٩ في ب: حصوله..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٦٢..
١١ في ب: جئت..
١٢ كذا في ب، وفي الأصل في محل الرفع لقيامها..
١٣ حذف في: سقط من ب..
١٤ البحر المحيط ٦/٢٤٧..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب، وفيه: وهو واضح..
قوله: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ وحده بعد مخاطبته لهما معاً إمَّا لأنَّ موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرُّتَّة التي في لسان موسى، ويعلم فصاحة هارون بدليل قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص: ٣٤] وقوله: ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] فأراد استنطاقه دون أخيه.
وإما لأنه حذف المعطوف للعلم به أي: يا موسى وهارون وقاله أبو البقاء وبدأ به. وقد يقال: حَسَّنَ الحذف كون موسى فاصلة، لا يقال: كان يغني في ذلك أن يقدم هارون ويؤخر موسى فيقال: يا هارون وموسى فتحصل مجانسة الفواصل من غير حذف، لأن نداء موسى أهم فهو المبدوء به. واعلم أن في الكلام حذف، لأنه لما قال ﴿فَأْتِيَاهُ فقولاا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] إلى قوله: ﴿أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ [طه: ٤٨] أمر من الله تعالى لموسى بأن يقول لفرعون ذلك الكلام والتقدير: فَذَهبا إلى فرعون فقالا له ذلك فقال مجيباً لهما من رَبُّكما؟
قوله: ﴿أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ في هذه الآية وجهان:
أحدهما: أن يكون «كُلُّ شَيْءٍ» مفعول أول و «خَلْقَهُ» مفعولاً ثانياً على معنى أعطى كل شيء شكله وصورتَه التي تطابق المنفعو المنوطة به كما أعطى العين الهيئة
262
التي تطابق الإبصار، والأذن الهيئة التي تطابق الاستماع وتوافقه، وكذلك اليد والرجل واللسان. قاله مجاهد. أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحَجْر زوجين، والناقة والبعير، والرجل والمرأة، ولم يزاوج شيئاً منها غير جنسه، ولا ما هو مخالف لخلقه.
(وقيل: المعنى أَعْطَى كلَّ شيءٍ مخلوقٍ خلقهُ، أي هو الذي ابتدعه).
وقيل: المعنى أعطى كُلَّ شيءٍ مما خلق خلقته وصورته على ما يناسبه من الإتقان، لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا بالعكس، بل خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً.
الثاني: أن يكون «كُلَّ شَيْءٍ» مفعولاً ثانياً و «خَلْقَه» هو الأول فقدَّم الثاني عليه، والمعنى: أعطى خليقَتَه كلَّ شيء يحتاجُون إليه ويرتفقون به.
وقرأ عبد الله والحسن والأعمش وأبو نُهَيْك وابن أبي إسحاق ونصرٌ عن الكسائيِّ وجماعةٌ من أصحاب رسول الله «خَلَقَهُ» بفتح اللام فعلاً ماضياً، وهذه الجملة في هذه القراءة تحتمل أن تكون منصوبة المحلِّ لكلِّ أو في محل جرّ صفة لشيء. وهذا معنى قول الزمخشري: صفة المضاف يعني «كُلّ» (أو للمضاف إليه يعني «شَيْء» )، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، فيحتمل أن يكون حذفه حذف اختصار للدلالة عليه. أي: أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ويصلحه أو كماله، ويحتمل أن يكون حذفه حذف اقتصار)، والمعنى أنَّ كلَّ شيءٍ خلقه الله
263
تعالى لم يُخْلِهِ من إنعامه وعطائه.

فصل


اعلم أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر، ثم إن موسى لما دعاه إلى ربه لم يبطش به، ولم يؤذه، فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة، وذلك يدل على السفاهة من غير حجة شيء لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟ ثم إن فرعون لما سأل موسى - عليه السلام - عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال، واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع، وذلك يدل على فساد التقليد، ويدل أيضاً على قول التعليمية الذين يقولون: نستفيد معرفة الإله من قول الرسول، لأن موسى - عليه السلام - اعترف هاهنا بأن معرفة الله تجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول. ودلت الآية أيضاً على أنه يجوز حكاية كلام المبطِل، لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري الحشر إلا أنه يجب أن يذكر الجواب مقروناً بالسؤال (كما فعل الله تعالى في هذه المواضع لئلا يبقى الشك).
ودلت الآية على ان المحق يجب عليه استماع كلام المبطِل عنه من غير إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى عليه السلام بفرعون هاهنا، ولقوله تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ [التوبة: ٦].

فصل


قال بعضهم: إنَّ فرعون كان عارفاً بالله تعالى إلا أنه كانَ يُظْهِرُ الإنكار تكبراً
264
وتجبراً، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض﴾ [الإسراء: ١٠٢] فيمن نصب التاء في «عَلِمْتَ» كان ذلك خطاباً لموسى - عليه السلام - مع فرعون، وذلك يدل على أن فرعون كان عالماً بذلك، وقوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤]. ولأنه لو لم يكن عاقلاً لم يجز تكليفه، والعاقل بعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ويعلم أن من كان كذلك افتقر إلى مدبَِّر، وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبِّر، ولأن قول موسى - عليه السلام - ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ يقتضي ذلك، لأن كلمة «الَّذِي» تقتضي وصف المعرفة بجملةٍ معلومةٍ عند المخاطب. وأيضاً فإن مُلْك فرعون لم يتجاوز القبطَ، ولم يبلغ الشام، ولما هرب موسى إلى مَدْيَنَ قال له شعيبٌ: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ [القصص: ٣١]، فمع هذا يعتقد أنَّه إله العالم؟
وقال آخرون: إنَّه كانَ جاهلاً بربِّه.
واتفقوا على أنَّ العاقل لا يَجُوزُ أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه خالقُ نفسه، لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها، ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله، فَحَصَلَ له العلم الضروري بأنه ليس موجداً لها ولا خالقاً لها.
واختلفوا في كيفية جَهْلِه بالله تعالى، فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمدبِّر، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة الموجبة، وبحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلوليَّة، وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له.

فصل


قال هاهنا: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾، وقال في سورة الشعراء: {وَمَا رَبُّ
265
العالمين} [٢٣]، وهو سؤال عن الماهية، فهما سؤالان مختلفان، والواقعة واحدة، والأقرب أن يقال: سؤال «مَنْ» كان مقدماً على سؤال «مَا»، لأنه كان يقول: أنا اللهُ والرَّبُّ، فقال: «فَمَنْ رَبُّكُما»، فلما أقام موسى الدلالة على الوجود، وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام، لظهوره وجلائه، عدل إلى طلب الماهية، وهذا ينبه على أنه كان عالماً بالله، لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره؛ وشرع في المقام الصعب، لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر.
قوله: «قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا» ولم يقل: «فَمَن إلَهُكُمَا» لأنه أثبت نفسه رباً في قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: ١٨]، فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال: أنَا رَبُّكَ فَلِمَ تدعي رَبًّا آخر، وهذا يشبه كلام نمروذ حين قال له إبراهيم ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال نمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرها إبراهيم هي التي عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ، فكذا هاهنا لما ادعى موسى - عليه السلام - ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام، أي: أنا الرَّبُّ الذي ربيتك، ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله تعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ.

فصل


استدل موسى عليه السلام - على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وهو قوله: ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾، وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد - عليه السلام - في قوله: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١، ٢، ٣] وقال إبراهيم - عليه السلام -: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين
266
الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: ٧٧، ٧٨].
واعلم أن الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان، والهدايةُ عبارة عن إيداع القُوَى المدركة والحركة في تلك الأجسام، فالخلق مقدم على الهداية كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية بحر لا ساحل له ولنذكر منه أمثلة:
أحدها: أنَّ الطبيعي يقول: الثقيل هابط، والخفيف صاعد، وأثقل الأشياء الأرض ثم الماء، وأخفها النار ثم الهواء، فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه تعالى قلب هذا في خلقة الإنسان؛ فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر، وهما أيْبَسُ ما في البدن، وهما بمنزلة الأرض، ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء، وجعل تحته النفس التي هو بمنزلة الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب، وهي بمنزلة النار، فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى، وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعلم أن ذلك بتدبير القادر الحكيم لا باقتضاء العلة والطبيعة.
وثانيها: أنَّك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وقسمتها، وعجائب أحوال البق والبعوض والنمل في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بإلهام مدبر عالم بجميع المعلومات.
وثالثها: أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم، والمشروب، والملبوس، والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون المعادن من الجبال، واللآلئ من البحار، ويركبون الأدوية والدرياقات النافعة، ويجمعون بين الأشياء المختلفة، ويستخرجون لذائذ الأطعمة، فدل ذلك على أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها،
267
وليس هذا مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوان، فأعطى الإنسان إنسانةً، والحمار حمارةً، والبعير ناقةً هداه لها ليدوم التناسل، وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غيب مختص بالحيوانات، بل هو حاصل في أعضائها، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيها قوة الأخذ، وخلق الرِّجل على تركيب خاص، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيه قوة الأخذ، وخلق الرَّجل على تركيب خاص، وأودع فيها قوَّة المشي، وكذا العين، والأذن، وجميع الأعضاء، ثم ربط البعض بالبعض على وجه يحصل من ارتباطها مجموع واحد هو الإنسان.
وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع، لأن اتصاف كلِّ جسمٍ من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة الهادية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن ذلك التركيب والقوى، فدل على أن ذلك جائز، والجائز لا بد له من مرجِّح، وليس ذلك المرجِّح هو الإنسان، ولا قواه، لأنَّ فعل ذلك يستدعي قدرةً عليه، وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان، لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل؛ فلا بد وأن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجوداً آخر، وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسماً، لأن الأجسام متساوية في الجسمية، واختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لا بد وأن يكون جائزاً فيفتقر إلى سبب آخر، والدور والتسلسل محالان، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني، ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلاً عن مثل، وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فَلِمَ اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية، وبعضها بالحيوانية؟
فثبت أن المؤثر والمدبر قادر، والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالماً، ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا بد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وصفاته، وإلا لافتقر إلى مدبر آخر، ولزم التسلسل، وهو محال، وإن كان واجب الوجود في قادريته وعالميتهن والواجب لذاته لا يتخصص ببعض
268
الممكنات دون البعض، فوجب أن يكون عالماً بكل ما صح أن يكون معلوماً، وقادراً على كل ما صح أن يكون مقدوراً، فظهر بهذه الدلالة التي تمسك بها موسى وقررها احتياج العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني، وهو واجب الوجود في ذاته وصفاته عالم بكل المعلومات، قادر على كل المقدورات، وذلك هو الله سبحانه وتعالى.
269
قوله :﴿ أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ﴾١ في هذه الآية وجهان :
أحدهما : أن يكون " كُلُّ شَيْءٍ " مفعول أول و " خَلْقَهُ " مفعولاً ثانياً٢ على معنى أعطى كل شيء شكله وصورتَه٣ التي تطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الهيئة التي تطابق الاستماع وتوافقه٤، وكذلك اليد والرجل واللسان٥. قاله مجاهد٦. أو٧ أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحَجْر٨ زوجين، والناقة والبعير، والرجل والمرأة، ولم يزاوج شيئاً منها٩ غير جنسه، ولا ما هو مخالف لخلقه.
( وقيل : المعنى أَعْطَى كلَّ شيءٍ مخلوقٍ خلقهُ، أي هو الذي ابتدعه١٠ )١١.
وقيل : المعنى أعطى كُلَّ شيءٍ مما خلق خلقته وصورته على ما يناسبه من الإتقان، لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا بالعكس، بل خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً١٢.
الثاني : أن يكون " كُلَّ شَيْءٍ " مفعولاً ثانياً و " خَلْقَه " هو الأول١٣ فقدَّم١٤ الثاني عليه، والمعنى : أعطى خليقَتَه كلَّ شيء يحتاجُون إليه ويرتفقون١٥ به.
وقرأ عبد الله والحسن والأعمش وأبو نُهَيْك وابن أبي إسحاق١٦ ونصرٌ١٧ عن الكسائيِّ وجماعةٌ من أصحاب رسول الله١٨ " خَلَقَهُ " بفتح اللام فعلاً ماضياً١٩، وهذه الجملة في هذه القراءة تحتمل أن تكون منصوبة المحلِّ لكلِّ أو في محل جرّ صفة لشيء. وهذا معنى قول الزمخشري : صفة المضاف يعني " كُلّ " ٢٠ ( أو للمضاف إليه يعني " شَيْء " ٢١ )٢٢، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، فيحتمل أن يكون حذفه حذف اختصار٢٣ للدلالة عليه٢٤. أي : أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ويصلحه أو كماله، ويحتمل أن يكون حذفه حذف اقتصار )٢٥، والمعنى أنَّ كلَّ شيءٍ خلقه الله تعالى٢٦ لم يُخْلِهِ من إنعامه وعطائه٢٧.

فصل٢٨


اعلم أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر، ثم إن موسى لما دعاه إلى ربه٢٩ لم يبطش به، ولم يؤذه، بل خرج معه في المناظرة، لأنه لو أذاه لنُسب إلى الجهل والسفاهة، فاستنكف من٣٠ ذلك وشرع في المناظرة، وذلك يدل على السفاهة من غير حجة شيء لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ؟ ثم إن فرعون لما سأل موسى -عليه السلام٣١- عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال، واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع، وذلك يدل على فساد التقليد، ويدل أيضاً على قول التعليمية٣٢ الذين يقولون : نستفيد معرفة الإله من قول الرسول، لأن موسى -عليه السلام٣٣- اعترف هاهنا بأن معرفة الله تجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول. ودلت الآية أيضاً على أنه يجوز حكاية كلام المبطِل، لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري الحشر٣٤ إلا أنه يجب أن يذكر الجواب مقروناً بالسؤال٣٥ ( كما فعل الله٣٦ تعالى في هذه المواضع لئلا يبقى الشك )٣٧.
ودلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطِل عنه من غير إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى عليه السلام٣٨ بفرعون هاهنا، ولقوله تعالى :﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾٣٩، وقال :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ﴾٤٠.

فصل٤١


قال بعضهم : إنَّ فرعون كان عارفاً بالله تعالى إلا أنه كانَ يُظْهِرُ الإنكار٤٢ تكبراً وتجبراً، لقوله تعالى٤٣ :﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض ﴾٤٤ فيمن نصب التاء في " عَلِمْتَ " ٤٥ كان ذلك خطاباً لموسى -عليه السلام-٤٦ مع فرعون، وذلك يدل على أن فرعون كان عالماً٤٧ بذلك، وقوله :﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾٤٨. ولأنه لو لم يكن عاقلاً لم يجز تكليفه، والعاقل بعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ويعلم أن من كان كذلك افتقر إلى مدبَِّر، وهذان العلمان الضروريان يستلزمان٤٩ العلم بوجود المدبِّر، ولأن قول موسى -عليه السلام٥٠- ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ يقتضي ذلك٥١، لأن كلمة " الَّذِي " تقضي وصف المعرفة بجملةٍ٥٢ معلومةٍ عند المخاطب. وأيضاً فإن مُلْك فرعون٥٣ لم يتجاوز القبطَ، ولم يبلغ الشام، ولما هرب موسى إلى مَدْيَنَ قال له شعيبٌ :﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين ﴾٥٤، فمع هذا يعتقد أنَّه إله العالم ؟
وقال آخرون : إنَّه كانَ جاهلاً بربِّه.
واتفقوا على أنَّ العاقل لا يَجُوزُ أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه خالقُ نفسه، لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها، ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله، فَحَصَلَ له العلم الضروري بأنه ليس موجداً لها ولا خالقاً لها.
واختلفوا في كيفية جَهْلِه بالله تعالى، فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمدبِّر، ويحتمل٥٥ أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة الموجبة٥٦، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلوليَّة، وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له.

فصل٥٧


قال هاهنا :﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يا موسى ﴾، وقال في سورة الشعراء :﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾٥٨، وهو سؤال عن الماهية، فهما سؤالان مختلفان، والواقعة واحدة، والأقرب أن يقال٥٩ : سؤال " مَنْ " كان مقدماً على سؤال " مَا " ٦٠، لأنه كان يقول : أنا اللهُ والرَّبُّ٦١، فقال :" فَمَنْ رَبُّكُما "، فلما أقام موسى الدلالة على الوجود، وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه٦٢ في هذا المقام، لظهوره وجلائه، عدل إلى طلب الماهية، وهذا ينبه٦٣ على أنه كان عالماً بالله، لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره ؛ وشرع في المقام الصعب، لأن العلم بماهية الله تعالى٦٤ غير حاصل للبشر.
قوله٦٥ :﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ﴾ ولم يقل :" فَمَن إلَهُكُمَا " لأنه أثبت نفسه رباً في قوله :﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾٦٦، فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال : أنَا رَبُّكَ فَلِمَ تدعي رَبًّا آخر، وهذا يشبه٦٧ كلام نمروذ حين قال له إبراهيم ﴿ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾٦٨ قال نمروذ :﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾٦٩ ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرها إبراهيم هي٧٠ التي عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ، فكذا هاهنا لما ادعى٧١ موسى -عليه السلام٧٢- ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام، أي : أنا الرَّبُّ الذي ربيتك، ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى٧٣ لله تعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما٧٤ إلا في اللفظ٧٥.

فصل


استدل موسى٧٦ عليه السلام٧٧- على٧٨ إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وهو قوله :﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾، وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد -عليه السلام٧٩- في قوله :﴿ سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى ﴾٨٠ وقال إبراهيم -عليه السلام٨١- :﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾٨٢.
واعلم أن الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان، والهدايةُ عبارة عن إيداع القُوَى المدركة والحركة في تلك الأجسام، فالخلق مقدم على الهداية كما قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾٨٣ إلى أن قال :﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ﴾٨٤.
واعلم٨٥ أن عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية بحر لا ساحل له ولنذكر منه أمثلة٨٦ :
أحدها٨٧ : أنَّ الطبيعي يقول٨٨ : الثقيل هابط، والخفيف صاعد، وأثقل الأشياء الأرض ثم الماء، وأخفها النار ثم الهواء، فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه تعالى قلب هذا٨٩ في خلقة الإنسان ؛ فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر٩٠، وهما٩١ أيْبَسُ ما في البدن، وهما بمنزلة الأرض، ثم جعل تحته الدماغ الذي هو٩٢ بمنزلة الماء، وجعل تحته النفس التي هو٩٣ بمنزلة الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب، وهي بمنزلة النار، فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى، وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعلم أن ذلك بتدبير٩٤ القادر الحكيم لا باقتضاء العلة والطبيعة.
وثانيها٩٥ : أنَّك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وقسمتها، وعجائب أحوال البق والبعوض والنمل في اهتدائها٩٦ إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بإلهام مدبر عالم بجميع المعلومات.
وثالثها٩٧ : أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق٩٨ بما به قوامهم من المطعوم، والمشروب، والملبوس، والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون المعادن من الجبال، واللآلئ من البحار، ويركبون الأدوية٩٩ والدرياقات النافعة، ويجمعون بين الأشياء المختلفة، ويستخرجون لذائذ الأطعمة، فدل ذلك على أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء١٠٠ ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها، وليس هذا مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوان، فأعطى الإنسان إنسانةً، والحمار حمارةً، والبعير ناقةً هداه لها ليدوم التناسل١٠١، وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غيب مختص بالحيوانات١٠٢، بل هو حاصل في أعضائها، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيها قوة الأخذ، وخلق الرِّجل على تركيب خاص، وأودع فيها قوَّة المشي، وكذا العين، والأذن، وجميع الأعضاء، ثم ربط البعض بالبعض على وجه يحصل من ارتباطها مجموع واحد هو الإنسان.
وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع، لأن اتصاف كلِّ جسمٍ من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة الهادية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن ذلك التركيب والقوى، فدل على أن ذلك جائز، والجائز لا بد له من مرجِّح، وليس ذلك المرجِّح هو الإنسان، ولا قواه، لأنَّ فعل ذلك يستدعي قدرةً عليه، وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان، لأنه١٠٣ بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد١٠٤ البحث الشديد عن١٠٥ كتب التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل ؛ فلا بد وأن١٠٦ يكون المتولي١٠٧ لتدبيرها وترتيبها موجوداً آخر، وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسماً، لأن الأجسام متساوية في الجسمية، واختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية١٠٨ لا بد وأن يكون جائزاً فيفتقر إلى سبب آخر، والدور والتسلسل محالان، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة١٠٩ إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني، ثم تأثير ذلك المؤثر١١٠ إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز١١١ مثلاً عن مثل، وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فَلِمَ١١٢ اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتي
١ في ب: "أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"..
٢ الكشاف ٢/٤٣٥، التبيان ٢/٨٩٢..
٣ في ب: صوته. وهو تحريف..
٤ في ب: الشكل الذي يطابق الاستماع ويوافقه..
٥ انظر الكشاف ٢/٤٣٥، القرطبي ١١/١٠٤..
٦ في ب: قال مجاهد..
٧ في ب: و..
٨ الحجر: الفرس الأنثى. لم يدخلوا فيه الهاء، لأنه اسم لا يشركها فيه الذكر، والجمع أحجار وحجورة وحجور. اللسان (حجر)..
٩ منها: سقط من ب..
١٠ التبيان ٢/٨٩٢..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..
١٢ انظر القرطبي ١١/٢٠٤..
١٣ في ب: الأولى. وهو تحريف..
١٤ في ب: تقدم..
١٥ انظر الكشاف ٢/٤٣٥، والتبيان ٢/٨٩٢، والقرطبي ١١/١٠٤..
١٦ هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، النحوي، البصري، أخذ القراءة عرضا عن يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وروى القراءة عنه عيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء وغيرهما. مات سنة ١١٧ هـ طبقات القراء ١/٤١٠..
١٧ هو نصر بن يوسف صاحب الكسائي..
١٨ في ب: رسول الله صلى الله عليه وسلم..
١٩ انظر المختصر (٨٧)، الكشاف ٢/٤٣٥، البحر المحيط ٦/٢٤٧..
٢٠ في ب: أعني كل شي..
٢١ الكشاف ٢/٤٣٥..
٢٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٣ في ب: حذفه اختصارا. وحذف الاختصار هو أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف..
٢٤ التبيان ٢/٨٩٢..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ تعالى: سقط من ب..
٢٧ انظر الكشاف ٢/٤٣٥، البحر المحيط ٦/٢٤٧..
٢٨ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٦٢ – ٦٣..
٢٩ في ب: الله..
٣٠ في ب: عن..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ التعليمية: سقط من ب..
٣٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٤ في ب: البعث..
٣٥ في ب: لأنه يجب أن يذكر السؤال مقرونا بالجواب..
٣٦ لفظ الجلالة مكرر في الأصل..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٩ [النحل: ٢٥]..
٤٠ [التوبة: ٦]..
٤١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٦٣ – ٦٤ بتصرف يسير..
٤٢ في ب: ينكر الإظهار. وهو تحريف..
٤٣ تعالى: سقط من الأصل..
٤٤ [الإسراء: ١٠٢]..
٤٥ ونصب التاء في "عملت" قراءة غير الكسائي، أما هو فقد قرأ بضم التاء. انظر السبعة ٣٨٥ – ٣٨٦..
٤٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٧ في ب: كان عارفا عالما..
٤٨ [النمل: ١٤]..
٤٩ في ب: يلتزمان..
٥٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥١ في ب: مقتضى ذلك..
٥٢ في الأصل جملة..
٥٣ في ب: وأيضا فإن ذلك أعني ملك فرعون..
٥٤ [القصص: ٣١]، وليس هذا قول شعيب وإنما قول شعيب له هو: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٥] وذلك كما في الفخر الرازي..
٥٥ يحتمل: سقط من ب..
٥٦ في ب: بالعلة الموجبة. ويحتمل أنه كان جاهلا بربه واتفق جماعة منهم على ذلك..
٥٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ـ ٦٤ بتصرف يسير..
٥٨ من قوله تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣]..
٥٩ في ب: والأقرب واحد. وهو تحريف..
٦٠ ما: سقط من ب..
٦١ في ب: إني أنا الله والرب. وهو تحريف..
٦٢ في ب: أن يقال وأن يقاومه. وهو تحريف..
٦٣ في ب: وذلك يدل..
٦٤ تعالى: سقط من ب..
٦٥ في ب: فإن قيل..
٦٦ [الشعراء: ١٨]..
٦٧ في ب: شبه. وهو تحريف..
٦٨ [البقرة: ٢٥٨]..
٦٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٠ في ب: على. وهو تحريف..
٧١ في ب: فصل لما ادعى..
٧٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٣ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٧٤ في ب: فيها. وهو تحريف..
٧٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٤..
٧٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٦٤ – ٦٦..
٧٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٨ في الأصل: في. وهو تحريف..
٧٩ في ب: صلى الله عليه وسلم..
٨٠ [الأعلى: ١، ٢، ٣]..
٨١ في ب: وقال عليه السلام..
٨٢ [الشعراء: ٧٧، ٧٨]..
٨٣ [المؤمنون: ١٢]..
٨٤ [المؤمنون: ١٤]..
٨٥ في ب: فصل واعلم..
٨٦ في ب: مثلة. وهو تحريف..
٨٧ في ب: الأول..
٨٨ في ب: يقول الطبيعي إن..
٨٩ في ب: خلق قلب ذلك. وهو تحريف..
٩٠ في ب: الشعر والعظم..
٩١ في ب: ومنه. وهو تحريف..
٩٢ هو : سقط من ب..
٩٣ هو: سقط من ب..
٩٤ في ب: بتقدير وهو تحريف..
٩٥ في ب: الثاني..
٩٦ في ب: البعوض في ابتدائها، وهو تحريف..
٩٧ في ب: الثالث..
٩٨ في الأصل: الخلق..
٩٩ في الأصل: الأودية. وهو تحريف..
١٠٠ في ب: الإنسان. وهو تحريف...
١٠١ في ب: التسلسل. وهو تحريف..
١٠٢ في الأصل: الحيوان..
١٠٣ في ب: لأن. وهو تحريف..
١٠٤ في ب: بعد..
١٠٥ في ب: من..
١٠٦ في ب: أن..
١٠٧ في ب: للتولي. وهو تحريف..
١٠٨ في ب: المؤثر..
١٠٩ في ب: تسلسلة الحال. وهو تحريف..
١١٠ في ب: المدبر وهو تحريف..
١١١ لا غير: سقط من بز.
١١٢ في ب: علم. وهو تحريف..
قوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ البال: الفكر، يقال: خطر بباله كذا، ولا يثنى ولا يجمعن وشذ جمعه على بالات، ويقال للحال المكترث بها، وكذلك يقال: ما بَالَيتُ بالة، والأصل بالية كعافية فحذفت لامه تخفيفاً.

فصل


قال المفسرون: البَالُ، الحالُ، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود.
وفي ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوه:
الأول: أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا قرر أمر المبدأ قال فرعون: إن كان إثبات المبدأ ظاهراً إلى هذا الحد ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ ما أثبتوه بل تركوه، فكأن موسى - عليه السلام - لما استدل على إثبات الصانع بالدلالة القاطعة قَدَح فرعونُ في تلك الدلالة بقوله: إنْ كانَ الأمرُ على ما ذكرت من قوة الدلالة وجب على أهل القرون الماضية أن لا يغفلوا عنها. فعارض الحجة بالتقليد.
269
الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - لما هدده بالعذاب في قوله: ﴿أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ [طه: ٤٨] قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ فإنها كذبت ولم يعذبوا؟
الثالث: وهو الأظهر، وأن فرعون لما قال: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: ٤٩] فذكر موسى - عليه السلام - دليلاً ظاهراً على صحة دعواه فقال: ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] خاف فرعون أن يزيد في تلك الحجة، فيظهر للناس صدقه، وفساد طريق فرعون، فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام، ويشغله بالحكايات فقال: ﴿فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ فلم يلتفت موسى - عليه السلام - إلى ذلك الحديث وقال: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ «ولا يتعلق غرضي بأحوالهم، ولا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة على الوحدانية فقال ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم.
فإن قيل: العلمُ الذي عند الرب، كيف يكون في الكتاب؟ وذلك أن علم الله صفة قائمة به، فكون صفة الشيء حاصلة في كتاب غير معقول، فذكروا في الجواب وجهين:
الأول: معناه: أنه تعالى أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده ليكون ما كتبه فيه ظاهراً للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات ينزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول: قوله:»
فِي كِتَابٍ «يوهم احتياجه سبحانه في العلم إلى ذلك الكتاب، وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أن يوهمه في أولالأمر لا سيما للكافر، فكيف يحسن ذكره مع معاندٍ مثل فرعون في وقت الدعوة؟
الوجه الثاني: أن يفسِّر ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب، فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها مغلومة لله تعالى بحيث لا يزول منها شيء عن علمه، ويؤكد هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾.
270
وقيل: إنما ردَّ موسى علم ذلك إلى الله، لأنه لم يعلم ذلك فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون والمراد بالكتاب: اللوحُ المحفوظ.
قوله: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ في خبر هذا المبتدأ وجوه:
أحدها: أنَّه «عِندَ رَبِّي» وعلى هذا فقوله: «فِي كِتَابٍ» متعلق بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في الظرف، أو خبر ثان.
الثاني: أن الخبر قوله: ﴿عِندَ رَبِّي﴾، فَعَلى هذا قوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ معمول للاستقرار الذي تعلق به «في كتاب» كما تقدم في عكسه، أو يكون حالاً من الضمير المستتر في الجار الواقع خبراً، وفيه خلاف أعني تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقوله:
271
وقال بعض النحويين: إنه إذا كان العامل معنوياً والحال ظرف أو عديله حَسُنَ التقديم عندالأخفش وغيره، وهذا منه، أو يكون ظرفاً للعلم نفسه، أو يكون حالاً من المضاف إليه، وهو الضمير في «عِلْمُهَا» ولا يجوز أن يكون «فِي كِتَابٍ» متعلقاً ب «عِلْمُهَا» على قولنا: إنَّ «عِنْدَ رَبِّي» الخبر، كما جاز تعلق «عِنْدَ» بِهِ، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته.
الثالث: أن يكون الظرف وحرف الجر معاً خبراً واحداً في المعنى فيكون بمنزلة: هذا حلوٌ حامضٌ، قاله أبو البقاء. وفيه نظر إذ كل منهما يستقل بفائدة الخبرية بخلاف هذا حُلْوٌ حامِضٌ. والضمير في «عِلْمُهَا» فيه وجهان: أظهرهما: عوده على «القُرُونِ» والثاني: عوده على القيام لدلالة ذكر «القُرُونِ» على ذلك لأنه سأله عن بعث الأمم، والبعث يدل على يوم القيامة.
قوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي﴾ في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنَّها في محل جر صفة ل «كِتَاب»، والعائد محذوف تقديره: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّه رَبِّي، أو لا يضل حفظَه رَبِّي، ف «رَبِّي»، فاعل «يَضِلُّ» على هذا التقدير.
وقيل: تقديره: لا يَضِلُّ الكتابُ رَبِّي، فيكون في «يَضِلُّ» ضمير يعود على الكتاب، و «رَبِّي» منصوب على التعظيم، وكان الأصل عن ربي، فحذف الرحف اتساعاً.
272
يقال: ضَلِلْتُ كذا وضَلِلْتُه بفتح اللام وكسرها لغتان مشهورتان وأشهرهما الفتح.
والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب - ساقها الله - تعالى - لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى.
وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة «لا يَضِلُّ» بضم الياء، أي لا يُضِلُّ رَبِّي الكِتَابَ، أي: لا يضيعُه، يقال: أضْلَلْتُ الشيء أي أضعته و «رَبِّي» فاعل على هذا التقدير.
وقيل: تقديره: لا يُضِلُّ أحدٌ رَبِّي عن علمه، أي من علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم. وفرِّق بعضهم بين ضَلَلْت وأَضْلَلْتُ، فقال: ضَلَلْتُ منزلي بغير ألف، وأضْلَلْتُ بعيري ونحوه من الحيوان بالألف، نقل ذلك الرماني عن العرب.
وقال الفراء: يقال: ضَلَلْتُ الشيْءَ إذا أخطأت في مكانه، وَضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتد له كقوله: ضلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ، ولا يقال: أَضْلَلْتُه إلا إذا ضاع منك كالدابة انفلتت وشبهها.
قوله: «وَلاَ يَنْسَى» في فاعل «يَنْسَى» قولان:
273
أحدهما: أنه عائد على «رَبِّي» أي: ولا يَنْسَى رَبِّي ما أثبته في الكتاب.
والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على «الكِتَابِ» على سبيل المجاز كما أسند إليه الإحصاء مجازاً في قوله: «إلا أحْصَاهَا» لما كان محلاً للإحصاء.

فصل


قال مجاهد في قوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ : إن معنى اللفظين واحد أي: لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، فقال القفال: لا يَضِلُّ عن الأشياء ومعرفتها، وما عُلِم من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات، وقوله: «وَلاَ يَنْسَى» دليلٌ على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير.
وقال مقاتل: لا يخطئ ذلك الكتاب رَبِّي، ولا يَنْسَى ما فيه.
(وقال الحسن: لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو: وأصل الضلال الغيبوبة، والمعنى: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.
وقال ابن جرير: لا يُخطئ في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه صواباً، وإذا عرفه لا ينساه). وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول. واعلم أن فرعون لمَّا سال موسى عن الإله فقال: «فَمَنْ رَبُّكُمَا» وكان ذلك ممّا سبيله الاستدلال، أجاب بالصواب بأوجز عبارة، وأحسن معنى، ولما سأله عن القُرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار لم يأته خبرمن ذلك، وكلها إلى عالم الغُيوب.
قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ﴾ في هذا الموصول وجهان:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أو منصوب بإضمار أمدح، وهو على هذين التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك، لأن
274
قوله: «فَأَخْرَجْنَا بِهِ» وقوله: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ وقوله: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ» إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ لا يتأتى أن يكون من كلام موسى يعني: أنه وصف ربَّه تعالى بذلك، ثم التفت إلى الإخبار عن الله - تعالى - بلفظ التكلم؟
قيل: إنما جعلناه التفاتاً في الوجه الأول، لأت المتكلم واحد بخلاف هذا فإنه لا يتأتى فيه الالفتات المذكور وأخواته من كلام الله.
والثاني: أن «الَّذِي» صفة ل «رَبِّي»، فيكون في محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم من إعراب «رَبِّي». وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم الكلام من قوله: «فَأخْرَجْنَا» وأخواته من عدم جواز الالتفات، وإن كان قد قال بذلك الزمخشريي والحوفي. وقال ابن عطية: إن كلام موسى تم عند قوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ وأن قوله: «فَأخْرَجْنَا» إلى آخره من كلام الله تعالى. وفيه وقرأ الكوفيون «
275
مَهْداً» بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون: «مَهَاداً» بكسر الميم وفتح الحاء وألف بعدها. وفيه وجهان:
أحدهما: ثال المفضل: إنَّهما مصدران بمعنى واحد يقال: مَهَّدْتُهُ مَهْدًا ومِهَاداً.
والثاني: أنهما مخلفان، فالمِهَادُ هو الاسم، والمَهْد هو الفعل كالفرش والفراش، فالفَرْش المصدر، والفراش اسم لما يُفْرَش. أو أن مِهَاداً جمع مَهْد نحو فَرْخ وفرَاخ وكَعْب وكِعَاب. ووصف الأرض بالمَهْد إما مبالغة، وإما على حذف مضاف أي ذات مَهْدِ.
قال أبو عبيد: الذي اختاره مِهَاداً وهو اسم والمَهْد الفعل.
وقال غيره: المَهْد الاسم والمِهَادُ الجمع كالفَرْش والفِرَاشِ.
أجاب أبو عبيد: بأن الفَرْشَ والفِرَاشَ فعل.
قوله: «شَتَّى» فَعْلَى، وألفه للتأنيث، وهو جمع الشَّتيت نحو مَرْضَى في جميع مَرِيض، وجَرْحَى في جمع جَرِيح، وقتلى في جمع قتيل.
276
يقال: شَتَّ الأمرُ يَشِتُّ شَتًّا وَشَتَاتاً فهو شَتٌّ أي تفرق، وشَتَّان اسم فعل ماض بمعنى: افْتَرَقَ، ولذلك لا يكتفي بواحد. وفي «شَتَّى» أوجه:
أحدها: أنَّها منصوبةٌ نعتاً لأزواج، أي أزواجاً متفرقة، بمعنى مختلفة الألوان (والطعوم).
والثاني: أنَّها منصوبةٌ على الحال من أزواج، وجاز مجيء الحال من النكرة لتخصصها بالصفة، وهي «مِنْ نَبَاتٍ».
الثالث: أن تنتصب على الحال أيضاً من فاعل الجار، لأنه لما وقع وصفاً وقع ضميراً فاعلاً.
الرابع: أنه في محل جر نعتاً لنبات، قال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة لنبات، ونبات مصدر سمي به النبات كما سمي بالنبت، واستوى فيه الواحد والجمع، يعني: أنها شَتَّى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم ووافقه أبو البقاء أيضاً، والظاهر الأول.
قوله: «كُلُوا» منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل «أخْرَجْنَا» تقديره: فأخرَجْنَا كَذَا قائلينَ كُلُوا.
وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى: «وَكُلُوا واشْرَبُوا» «وارْعُوا» (
277
رعى) يكون لازماً ومتعدياً، يقال: رَعَى دابَّته رعياً فهو راع، ورعى الدابة تَرْعَى رعياً فهي راعية، وَجَاء في الآية متعدياً، و «النُّهَى» فيه قولان: أحدهما أنه جمع نُهْيَة كغُرَف جمع غرفة.
والثاني: أنَّها اسمٌ مفرد، وهو مصدر كالهُدَى والسُّرى، قاله أبو عليّ وقد تقدم أول الكتاب أنهم قالوا لم يأت مصدر على «فُعَلٍ» من المعتل اللام إلا سُرَى وهُدَى وبُكَى، وأن بعضهم زاد لُقَى، وأنشد عليه بيتاً.
وهذا لفظ فيكون خامساً. والنُّهَى: العقل سُمِّي لعقل به، لأنه صاحبه عن ارتكاب القبائح.

فصل


لما ذكر موسى - عليه السلام - الدلالة الأولى، وهي (دِلاَلَةٌ عامَّة «تتناول جميع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد ذكر بعده دلائل خاصة فقال:» الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرضَ مِهَاداً «أي جعلها بحيث يتصرف العباد، وغيرهم عليها من النوم، والقُعُود، والقِيَام، والزراعة، وجميع المنافع المذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ [البقرة: ٢٢].
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ السَّلْكُ: إدخال الشيء في الشيء، أي: أدْخَلَ فِي الأرْضِ لأجلكم طُرُقاً تسلكونها.
قال ابن عباس: سَهَّل لكم فيها طرقاً. ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ تقدم الكلام فيه في البقرة»
فَأخْرَجْنَا بِهِ أزْوَاجَاً «تقدَّم أنّ هذا من كلام موسى تقديره: يقول ربِّي الذي
278
جعل كذا وكذا» فأخْرَجْنَا «نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراسة» أزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ «.
وتقدم أنَّ الصحيح أنه من كلام الله تعالى، لأنَّ ما بعده لا يليق بموسى - عليه السلام -، ولأن أكثر ما في قدرته صرف المياه إلا سَقْي الأراضي والحراسة، فأما إخراج لنبات على أصناف طبائعه وألوانه وأشكاله فليس من موسى عليه السلام، فثبت أنه كلام الله تعالى.
وقوله:»
أزْوَاجاً «أي أصنافاً سميت بذلك، لأنها مزدوجة مقترنة بعضها ببعض.» شَتَّى «مختلفة الألوان والطعوم والمنافع بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم.
»
كُلُوا «أمر إباحة.» وَارْعَوْا أنْعَامَكُمْ «تقول العرب: رَعَيْتُ الغنمِ فَرَعَت أي أسِيموا أنْعَامَكُمْ تَرْعَى.» إنَّ في ذَلِكَ «أي فيما أنزلت لكم من هذه النعم» لآيَاتٍ «لعبرة ودلالات.» لأُولِي النُّهَى «لذوي العقول.
(قال الضحَّاك) »
لأُولِي النُّهَى «الذي ينتهون عما حرم الله عليهم.
وقال قتادة: لذَوِي الورع.
قوله تعالى:»
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ «الآية، لما ذكر منافع الأرض السماء بيَّن أنَّها غير مخلوقة لذواتها، بل بكونها وسائل إلى منافع الآخرة، فقال:» مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ «أي من الأرض.
فإن قيل: إنَّما خَلَقَنَا من النُّطْفَةِ على ما بَيَّنَ في سائر الآيات.
فالجواب من وجوه:
الأول: أنَّه لمَّا خَلَق أصلنا وهو آدم - عليه السلام - من تُرابٍ كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] حسن إطلاق ذلك علينا.
الثاني: أنَّ تَوَلُّدَ الإنسان إنَّما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدَّان من
279
الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي، والنبات إنما يحدث من المتزاج الماء والتراب، فصح أنه سبحانه خَلَقَنا مِنْهَا، وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة.
الثالث: روى ابن مسعود أن مَلَكَ الأرحام يأتي إلى الرَّحيم حين يكتب أجل المولود ورزقَه، والأرض التي يُدْفَن فيها، وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة، ثم يدخلها في الرحم. ثم قال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي عند الموت، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ عند البعث.
280
م٥١
ثم عاد إلى تتميم١ كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة٢ على الوحدانية فقال ﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم٣.
فإن قيل : العلمُ الذي عند الرب، كيف يكون في الكتاب ؟ وذلك أن علم الله صفة قائمة به، فكون صفة الشيء حاصلة في كتاب٤ غير معقول، فذكروا في الجواب وجهين٥ :
الأول : معناه : أنه تعالى٦ أثبت تلك٧ الأحكام في كتاب عنده ليكون ما كتبه فيه ظاهراً للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات ينزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول : قوله :﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ يوهم احتياجه سبحانه في العلم إلى ذلك الكتاب، وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أن يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر، فكيف يحسن ذكره مع معاندٍ مثل فرعون في وقت الدعوة ؟
الوجه الثاني : أن يفسِّر ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب، فيكون٨ الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول منها شيء٩ عن علمه، ويؤكد هذا التفسير قوله بعد ذلك :﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾١٠.
وقيل : إنما ردَّ موسى علم ذلك إلى الله، لأنه لم يعلم ذلك فإن١١ التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون١٢ والمراد بالكتاب : اللوحُ المحفوظ.
قوله :﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ في خبر١٣ هذا المبتدأ وجوه :
أحدها١٤ : أنَّه " عِندَ رَبِّي " وعلى هذا فقوله :﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ متعلق بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو١٥ متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في الظرف، أو خبر ثان١٦.
الثاني : أن الخبر قوله :﴿ في كتاب ﴾، فَعَلى هذا قوله :﴿ عند ربي ﴾ معمول للاستقرار الذي تعلق به " في كتاب " كما تقدم في عكسه، أو يكون حالاً من الضمير المستتر في الجار الواقع خبراً١٧، وفيه خلاف أعني تقديم الحال على عاملها المعنوي١٨، والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة١٩ :﴿ والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾٢٠ وقوله :
٣٦٦٢ - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبي أَدْرَاعِهِمْ فِيِهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بن حُذَارِ
رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبي أَدْرَاعِهِمْ٢١ فِيِهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بن حُذَارِ٢٢
وقال بعض النحويين : إنه٢٣ إذا كان العامل معنوياً والحال ظرف٢٤ أو عديله حَسُنَ التقديم عند الأخفش وغيره، وهذا منه٢٥، أو يكون ظرفاً للعلم نفسه، أو يكون حالاً من المضاف إليه، وهو الضمير في " عِلْمُهَا " ولا يجوز أن يكون " فِي كِتَابٍ " متعلقاً ب " عِلْمُهَا " ٢٦ على قولنا : إنَّ " عِنْدَ رَبِّي " الخبر، كما جاز تعلق " عِنْدَ " بِهِ، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي٢٧ وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته.
الثالث : أن يكون الظرف وحرف الجر معاً خبراً واحداً في المعنى فيكون بمنزلة : هذا حلوٌ حامضٌ، قاله أبو البقاء٢٨. وفيه نظر إذ كل منهما يستقل بفائدة الخبرية بخلاف هذا حُلْوٌ حامِضٌ. والضمير في " عِلْمُهَا " فيه وجهان : أظهرهما : عوده على " القُرُونِ " ٢٩ والثاني : عوده على القيام لدلالة ذكر " القُرُونِ " على ذلك لأنه سأله٣٠ عن بعث الأمم، والبعث يدل على يوم القيامة٣١.
قوله :﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي ﴾ في هذه الجملة وجهان :
أحدهما٣٢ : أنَّها في محل جر صفة ل " كِتَاب "، والعائد محذوف تقديره : فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّه رَبِّي، أو٣٣ لا يضل حفظَه رَبِّي، ف " رَبِّي "، فاعل " يَضِلُّ " على هذا التقدير.
وقيل : تقديره : لا يَضِلُّ٣٤ الكتابُ رَبِّي، فيكون في " يَضِلُّ " ضمير يعود على الكتاب، و " رَبِّي " منصوب على التعظيم٣٥، وكان الأصل عن ربي، فحذف الحرف اتساعاً.
يقال : ضَلِلْتُ كذا وضَلِلْتُه بفتح اللام وكسرها لغتان مشهورتان وأشهرهما الفتح٣٦.
والثاني : أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب -ساقها الله- تعالى٣٧- لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى٣٨.
وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة٣٩ " لا يَضِلُّ " بضم الياء٤٠، أي لا يُضِلُّ رَبِّي الكِتَابَ، أي : لا يضيعُه، يقال : أضْلَلْتُ الشيء أي أضعته و " رَبِّي " فاعل على هذا التقدير٤١.
وقيل : تقديره : لا يُضِلُّ أحدٌ رَبِّي عن علمه، أي من علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم٤٢. وفرِّق بعضهم بين ضَلَلْت وأَضْلَلْتُ، فقال٤٣ : ضَلَلْتُ منزلي بغير ألف، وأضْلَلْتُ بعيري ونحوه من الحيوان بالألف، نقل ذلك الرماني٤٤ عن العرب٤٥.
وقال الفراء : يقال : ضَلَلْتُ الشيْءَ إذا أخطأت٤٦ في مكانه، وَضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتد له٤٧ كقوله٤٨ : ضلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ، ولا يقال : أَضْلَلْتُه إلا إذا ضاع منك كالدابة انفلتت وشبهها٤٩.
قوله :﴿ وَلاَ يَنْسَى ﴾ في فاعل " يَنْسَى " قولان :
أحدهما : أنه عائد على " رَبِّي " أي : ولا يَنْسَى رَبِّي ما أثبته في الكتاب.
والثاني : أن الفاعل ضمير عائد على " الكِتَابِ " على سبيل المجاز٥٠ كما أسند إليه الإحصاء مجازاً٥١ في قوله :﴿ إلا أحْصَاهَا ﴾٥٢ لما كان محلاً للإحصاء٥٣.

فصل


قال مجاهد٥٤ في قوله :﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾ : إن معنى اللفظين واحد أي : لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، فقال القفال٥٥ : لا يَضِلُّ عن الأشياء ومعرفتها، وما عُلِم من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة٥٦ إلى كونه عالماً بكل المعلومات، وقوله :﴿ وَلاَ يَنْسَى ﴾ دليلٌ على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير.
وقال مقاتل : لا يخطئ ذلك الكتاب رَبِّي، ولا يَنْسَى ما فيه.
( وقال الحسن : لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو : وأصل الضلال الغيبوبة، والمعنى : لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.
وقال ابن جرير : لا يُخطئ في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه صواباً، وإذا عرفه لا ينساه٥٧ )٥٨. وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول٥٩. واعلم٦٠ أن فرعون لمَّا سأل موسى عن الإله فقال :" فَمَنْ٦١ رَبُّكُمَا " وكان ذلك ممّا سبيله الاستدلال، أجاب بالصواب بأوجز عبارة، وأحسن معنى، ولما سأله عن القُرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار لم يأته خبر من ذلك، وكلها إلى عالم الغُيوب٦٢.
٤ في ب: فيكون صفة الشيء في كتاب. وهو تحريف..
٥ في ب: فالجواب من وجهين..
٦ في ب: الأول: أنه..
٧ في ب: ذلك. وهو تحريف..
٨ في ب: فيبقى..
٩ في ب: شيئا. وهو تحريف..
١٠ الفخر الرازي ٢٢/٦٧..
١١ في ب: لأن..
١٢ البحر المحيط ٦/٢٤٨..
١٣ في ب: في تفسير وهو تحريف..
١٤ في ب: الأول..
١٥ في ب: و. وهو تحريف..
١٦ انظر التبيان ٢/٨٩٢..
١٧ انظر البيان ٢/١٤٢، التبيان ٢/٨٩٢..
١٨ تقديم الحال على عاملها المعنوي فيه خلاف بين النحويين: فذهب البصريون إلى منع تقديم الحال على عاملها المعنوي لضعفه نحو: سعيد مستقرا عندك أو في الدار، وما ورد من ذلك مسموعا يحفظ ولا يقاس عليه. وذهب الفراء والأخفش إلى جواز ذلك مطلقا، واستدل على ذلك بقراءة عيسى بن عمر: "والسماوات مطويات بيمينه" بنصب "مطويّات" على الحال، وهي متقدمة على عاملها المعنوي، وقول الشاعر:
رهط ابن كوز محقبي أدراعهم فيهم ورهط وبيعة بن حذار
فـ (محقبي أدراعهم) وقع حالا من (فيهم).
وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك إذا كانت الحال فيه من مضمر نحو أنت قائما في الدار وقيل: يجوز إن كان الحال ظرفا أو جارا مجرورا. صرح بذلك ابن برهان كما في شرح الكافية، لتوسعهم في الظروف نحو زيد عندك أمامك، أو في الدار أمامك شرح الكافية ١/٢٠٤ – ٢٠٥، الأشموني ٢/١٨١..

١٩ عيسى بن عمر، وهي نصب "مطويات". المختصر (١٣١)..
٢٠ [الزمر: ٦٧]. والاستشهاد بالقراءة على تقديم الحال على عاملها المعنوي وتأويل المانع بأن "السماوات" عطف على الضمير المستتر في "قبضته" من قوله تعالى ﴿والأرض جميعا قبضته﴾ لأنها بمعنى مقبوضة و"مطويّات" حال من "السماوات" و"بيمينه" ظرف لغو متعلق بـ "مطويات" انظر حاشية الصبان ٢/١٨٢..
٢١ في ب: أذراعهم. وهو تصحيف..
٢٢ البيت من بحر الكامل، قاله النابغة الذبياني. رهط الرجل: قومه وقبيلته، ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. وقد تقدم..
٢٣ أنه: سقط من ب..
٢٤ في ب: والظرف حال..
٢٥ ذكر الرضي أن الأخفش يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي مطلقا، وأن ابن برهان صرح بجواز تقديم الحال على عاملها المعنوي الذي هو ظرف أو جار ومجرور، وذلك لتوسعهم في الظرف حتى جاز أن يقع موضعا لا يقع غيرها فيه نحو قوله تعالى: ﴿إنّ إلينا إيابهم﴾ [الغاشية: ٢٥] فقوله تعالى ﴿علمها عند ربي في كتاب﴾ نرى أن "عند" ظرف وقع حالا وهو متقدم على عامله النحوي وهو جار ومجرور. شرح الكافية ١/٢٠٤ – ٢٠٥..
٢٦ انظر التبيان ٢/٨٩٢..
٢٧ وذلك أن المصدر لا يفصل بينه وبين ما عمل فيه بأجنبي، والمراد بالأجنبي أن لا يكون للمصدر فيه عمل، فلو قلت: أعجب ركوب الدابة زيدا عمرو. لم يجز، لأن زيدا أجنبي من المصدر الذي هو الركوب، إذ لم يكن فيه تعلق. وقد فصلت بين المصدر وما عمل فيه. التبيان ٢/٨٩٢، شرح المفصل ٦/٦٧..
٢٨ التبيان ٢/٨٩٢ أي من تعدد الخبر في اللفظ دون المعنى، إذ معنى حلو حامض: مزٌّ، وضابطه أن لا يصدق الإخبار ببعضه عن المبتدأ البيان ٢/١٤٣، شرح الأشموني ١/٢٢٢..
٢٩ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٨..
٣٠ في ب: سأل..
٣١ البحر المحيط ٦/٢٤٨..
٣٢ في ب: الأول..
٣٣ في ب: و. وهو تحريف..
٣٤ لا يضل: سقط من ب..
٣٥ التبيان ٢/٨٩٢..
٣٦ في اللسان (ضلل): ضللت تضل هذه اللغة الفصيحة، وضللت تضل ضلالا وضلالة، وبنو تميم يقولون: ضللت أضلّ، وضللت أضلّ وأهل الحجاز يقولون: ضللت أضلّ، وأهل نجد يقولون: ضللت أضلّ، وقال الجوهري: لغة نجد هي الفصيحة..
٣٧ في ب: ساقها تبارك وتعالى..
٣٨ القرطبي : ١١/٢٠٨..
٣٩ هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، روى القراءة عرضا عن عاصم وابن كثير، روى عنه الحروف حرمىّ بن عمارة وحجاج بن المنهال وشيبة بن عمرو المصيصي. مات سنة ١٦٧ هـ. طبقات القراء ١/٢٥٨..
٤٠ انظر المختصر (٨٧) والبحر المحيط ٦ / ٢٤٨..
٤١ التبيان ٢/٨٩٣..
٤٢ التبيان ٢/٨٩٣..
٤٣ في ب: ويقال..
٤٤ هو علي بن عيسى أبو الحسن الرماني، كان إماما في العربية في طبقة الفارسي، والسيرافي، أخذ عن الزجاج وابن السراج وابن دريد، صنف التفسير، شرح أصول ابن السراج، شرح سيبويه، شرح المقتضب، معاني الحروف وغير ذلك مات سنة ٣٨٤ هـ. البغية ٢/١٨٠ – ١٨١..
٤٥ البحر المحيط ٦/٢٤٨..
٤٦ في ب: إذا خطأت..
٤٧ في ب: لذلك..
٤٨ في ب: كما تقول..
٤٩ يبدو أن ابن عادل نقل ما قاله الفراء من البحر المحيط ٦/٢٤٨. دون الرجوع إلى كتاب معاني القرآن للفراء، ونص كلام الفراء: (وتقول: أضللت الشيء إذا ضاع، مثل الناقة والفرس وما انفلت منك وإذا أخطأت الشيء الثابت موضعه مثل الدار والمكان قلت: ضلَلته وضلِلته لغتان، ولا تقل: أضللت ولا أضللته) معاني القرآن ٢/١٨١..
٥٠ فإسناد عدم النسيان إلى الكتاب استعارة..
٥١ كذا في ب، وفي الأصل: مجاز..
٥٢ من قوله تعالى: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩]..
٥٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٤٩..
٥٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٦٧..
٥٥ في ب: فقال الفراء، وهو تحريف..
٥٦ إشارة: سقط من ب..
٥٧ انظر جامع البيان..
٥٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٦٧..
٦٠ في ب: فصل واعلم..
٦١ في ب: من..
٦٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٧..
ثم عاد إلى تتميم١ كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة٢ على الوحدانية فقال ﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم٣.
قوله :﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ ﴾ في هذا الموصول وجهان :
أحدهما : أنه خبر مبتدأ مضمر١، أو منصوب بإضمار أمدح٢، وهو٣ على هذين التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك، لأن قوله :﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾٤ وقوله :﴿ كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ ﴾ وقوله :﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ إلى قوله :﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ﴾ لا يتأتى٥ أن يكون من كلام موسى، فلذلك٦ جعلناه من كلام الباري تعالى٧، ويكون فيه التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه. فإن قلت٨ : أجعله من كلام موسى يعني٩ : أنه وصف ربَّه تعالى بذلك، ثم التفت إلى الإخبار عن الله -تعالى- بلفظ التكلم ؟
قيل١٠ : إنما جعلناه التفاتاً في الوجه الأول، لأن المتكلم واحد بخلاف هذا فإنه لا يتأتى فيه١١ الالتفات المذكور وأخواته من كلام الله١٢.
والثاني : أن " الَّذِي " صفة ل " رَبِّي " ١٣، فيكون في محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم من إعراب " رَبِّي " ١٤. وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم الكلام من قوله :﴿ فَأخْرَجْنَا ﴾ وأخواته من عدم جواز الالتفات١٥، وإن كان قد قال بذلك الزمخشري١٦ والحوفي١٧. وقال ابن عطية : إن كلام موسى تم عند قوله :﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾١٨ وأن قوله :" فَأخْرَجْنَا " إلى آخره من كلام الله تعالى١٩. وفيه بعد٢٠ وقرأ الكوفيون٢١ " مَهْداً " بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون٢٢ :" مَهَاداً " بكسر الميم وفتح الحاء وألف بعدها٢٣. وفيه وجهان :
أحدهما : قال المفضل٢٤ : إنَّهما مصدران بمعنى واحد يقال : مَهَّدْتُهُ مَهْدًا ومِهَاداً٢٥.
والثاني : أنهما مختلفان، فالمِهَادُ هو الاسم، والمَهْد هو الفعل كالفرش والفراش، فالفَرْش المصدر٢٦، والفراش اسم لما يُفْرَش. أو أن مِهَاداً٢٧ جمع مَهْد نحو فَرْخ وفرَاخ٢٨ وكَعْب وكِعَاب٢٩. ووصف الأرض بالمَهْد إما مبالغة، وإما على حذف مضاف أي ذات مَهْدِ٣٠.
قال أبو عبيد : الذي اختاره مِهَاداً وهو اسم والمَهْد الفعل٣١.
وقال غيره : المَهْد الاسم والمِهَادُ الجمع كالفَرْش والفِرَاشِ٣٢.
أجاب أبو عبيد٣٣ : بأن الفَرْشَ والفِرَاشَ٣٤ فعل٣٥.
قوله :" شَتَّى " فَعْلَى٣٦، وألفه للتأنيث، وهو جمع الشَّتيت٣٧ نحو مَرْضَى في جميع مَرِيض، وجَرْحَى في جمع جَرِيح، وقتلى في جمع قتيل٣٨.
يقال : شَتَّ الأمرُ يَشِتُّ شَتًّا٣٩ وَشَتَاتاً فهو شَتٌّ٤٠ أي٤١ تفرق، وشَتَّان اسم فعل ماض بمعنى : افْتَرَقَ، ولذلك لا يكتفي بواحد٤٢. وفي " شَتَّى " أوجه٤٣ :
أحدها٤٤ : أنَّها منصوبةٌ نعتاً لأزواج، أي أزواجاً متفرقة، بمعنى مختلفة الألوان ( والطعوم٤٥ )٤٦.
والثاني : أنَّها منصوبةٌ على الحال من أزواج، وجاز٤٧ مجيء الحال من النكرة لتخصصها بالصفة٤٨، وهي " مِنْ نَبَاتٍ " ٤٩.
الثالث : أن تنتصب على الحال أيضاً من فاعل الجار، لأنه لما وقع وصفاً وقع ضميراً٥٠ فاعلاً.
الرابع : أنه في محل جر نعتاً لنبات، قال الزمخشري : يجوز٥١ أن يكون صفة لنبات، ونبات مصدر سمي به النبات كما سمي بالنبت، واستوى فيه الواحد والجمع، يعني : أنها شَتَّى مختلفة النفع والطعم٥٢ واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم٥٣ ووافقه أبو البقاء أيضاً٥٤، والظاهر الأول.
قوله :" كُلُوا " منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل " أخْرَجْنَا " تقديره : فأخرَجْنَا كَذَا قائلينَ كُلُوا٥٥.
وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى :﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾٥٦ " وارْعُوا " ( رعى ) يكون لازماً ومتعدياً، يقال : رَعَى دابَّته رعياً فهو راع، ورعى الدابة تَرْعَى رعياً فهي راعية٥٧، وَجَاء في الآية متعدياً٥٨، و " النُّهَى " ٥٩ فيه قولان : أحدهما أنه جمع نُهْيَة كغُرَف جمع غرفة٦٠.
والثاني : أنَّها اسمٌ مفرد، وهو مصدر كالهُدَى والسُّرى، قاله أبو عليّ٦١ وقد تقدم أول الكتاب أنهم قالوا لم يأت مصدر على " فُعَلٍ " من المعتل اللام إلا سُرَى وهُدَى وبُكَى، وأن بعضهم زاد لُقَى، وأنشد عليه بيتاً٦٢. وهذا لفظ فيكون خامساً. والنُّهَى : العقل سُمِّي لعقل به، لأنه صاحبه عن ارتكاب القبائح٦٣.

فصل


لما ذكر موسى -عليه السلام٦٤- الدلالة الأولى، وهي ( دِلاَلَةٌ عامَّة )٦٥ تتناول جميع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد ذكر بعده دلائل خاصة فقال :" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرضَ مِهَاداً " أي جعلها بحيث يتصرف العباد، وغيرهم عليها من النوم٦٦، والقُعُود، والقِيَام، والزراعة، وجميع المنافع المذكورة في تفسير قوله تعالى٦٧ :﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً ﴾٦٨.
﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ السَّلْكُ : إدخال الشيء في الشيء، أي : أدْخَلَ فِي الأرْضِ لأجلكم طُرُقاً تسلكونها٦٩.
قال ابن عباس : سَهَّل لكم فيها طرقاً٧٠. ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾ تقدم الكلام فيه في البقرة٧١ " فَأخْرَجْنَا بِهِ أزْوَاجَاً " تقدَّم أنّ هذا من كلام موسى تقديره : يقول ربِّي الذي جعل كذا وكذا " فأخْرَجْنَا " نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراسة " أزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ ".
وتقدم٧٢ أنَّ الصحيح أنه من كلام الله تعالى٧٣، لأنَّ ما بعده لا يليق بموسى -عليه السلام٧٤-، ولأن أكثر ما في قدرته صرف المياه إلا سَقْي الأراضي٧٥ والحراسة، فأما إخراج لنبات على أصناف طبائعه وألوانه وأشكاله فليس من موسى عليه السلام٧٦، فثبت أنه كلام الله تعالى٧٧.
وقوله :﴿ أزْوَاجاً ﴾ أي أصنافاً سميت بذلك، لأنها مزدوجة٧٨ مقترنة بعضها ببعض. " شَتَّى " مختلفة الألوان والطعوم والمنافع بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم.
١ في ب: مضمرا. وهو تحريف..
٢ انظر الكشاف ٢/٤٣٦، والقرطبي ١١/٢٠٩..
٣ في ب: فهو..
٤ في ب: فأخرجنا به جنات وهو تحريف..
٥ في ب: لا ينافي. وهو تحريف..
٦ في ب: فكذلك. وهو تحريف..
٧ تعالى: سقط من ب..
٨ في ب: فإن قيل..
٩ في ب: بمعنى. وهو تحريف..
١٠ في ب: فالجواب..
١١ في ب: لا ينافي. وهو تحريف..
١٢ ذهب أبو حيان إلى أن هذا من كلام الله تعالى، لأنه لو كان من كلام موسى لا يكون فيه إلا الالتفات المذكور لأن الالتفات لا يكون من قائلين، قال أبو حيان: (وإنما ذهبنا إلى أن هذا من كلام الله تعالى لقوله تعالى: ﴿فأخرجنا﴾ وقوله: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ وقوله: ﴿ولقد أريناه﴾ فيكون قوله: ﴿فـأخرجنا﴾ و﴿أريناه﴾ التفاتا من الضمير الغائب في "جعل" و"سلك" إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه ولا يكون الالتفات من قائلين) البحر المحيط ٦/٢٥٠ – ٢٥١..
١٣ في قوله تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ من الآية السابقة..
١٤ وقد تقدم إن "ربي" فاعل "يضلّ" على تقدير: في كتاب لا يضلّ ربي أو لا يضلّ حفظه ربي. فيكون "الذي" في محل رفع. أو أن "ربي" منصوب على التعظيم وذلك إذا كان التقدير: لا يضلّ الكتابَ ربي. فيكون الذي في محل نصب..
١٥ لأن هذا الوجه من الإعراب يجعل قوله ﴿الذي جعل لكم﴾ من كلام موسى وقد تقدم أن قوله: ﴿فأخرجنا به﴾ وقوله: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ و"منها خلقناكم" و"لقد أريناه" لا يتأتى أن يكون من كلام موسى، وأن الالتفات لا يكون من قائلين..
١٦ أي أن الزمخشري ذكر أن "جعل" صفة لـ "ربي" انظر الكشاف ٢/٤٣٦..
١٧ البحر المحيط ٦/٢٥١..
١٨ ماء: سقط من ب..
١٩ تفسير ابن عطية ١٠/٤٠..
٢٠ لما ذكر في جواب الاعتراض السابق حيث قال: (إنما جعلناه التفاتا في الوجه الأول لأن المتكلم واحد بخلاف هذا فإنه لا يتأتى فيه الالتفات المذكور وأخواته من كلام الله)..
٢١ وهم عاصم وحمزة والكسائي..
٢٢ وهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر..
٢٣ السبعة (٤١٨) الحجة لابن خالويه (٢٤١)، الكشف ٢/٩٧، النشر ٢/٣٢٠، الإتحاف (٣٠٣)..
٢٤ المفضل بن محمد بن يعلي الضبي النحوي، الأديب أبو العباس، وقيل أبو عبد الرحمن، كان عالما بالنحو والشعر والغريب وأيام الناس، وكان يكتب المصاحف ويقفها في المساجد تكفيرا لما كتبه بيده من أهاجي الناس. بغية الوعاة ٢/٢٩٧..
٢٥ انظر البحر المحيط ٦/٢٥١..
٢٦ في ب: مصدر..
٢٧ في ب: أو المهاد..
٢٨ في ب: وأفراخ. وهو تحريف..
٢٩ انظر الكشف ٢/٩٧ – ٩٨..
٣٠ وذلك على مذهب البصريين في الوصف بالمصدر، فعندهم إما أن يكون على تقدير مضاف أو جعل العين نفس المعنى مبالغة مجازا وادعاء. وعند الكوفيين على التأويل بالمشتق. انظر شرح التصريح ٢/١١٣..
٣١ انظر البحر المحيط ٦/٢٥١..
٣٢ المرجع السابق..
٣٣ في الأصل: أبو عبيدة..
٣٤ في ب: بأن الفراش والفرش..
٣٥ في الفخر الرازي: (أجاب أبو عبيدة: بأن الفراش اسم، والفرش فعل) ٢٢/٦٨ وفي اللسان (فرش): فرش الشيء يفرشه ويفرشه فرشا، فانفرش وافترشه: بسطه. الليث: الفرش مصدر فرش يفرش ويفرش، وهو بسط الفراش..
٣٦ في ب: فعل. وهو تحريف..
٣٧ في ب: شتيت..
٣٨ وذلك أن (فعلى) من أمثلة جمع الكثرة وهو مطرد في وصف على فعيل بمعنى مفعول دال على هلك أو توجّع أو تشتت نحو قتيل وقتلى وأسير وأسرى، وجريح وجرحى، ويحمل عليه ما أشبهه في المعنى من فعل: كزمن وزمنى، وفاعل كهالك وهلكي، وفيعل كميت وموتى، وفعيل بمعنى فاعل كمريض ومرضى، وأفعل كأحمق وحمقى، وفعلان كسكران وسكرى. وما سوى ذلك محفوظ كقولهم كيس كيسى، فإنه ليس فيه ذلك المعنى، وسنان ذرب وأسنة ذربى. انظر شرح الأشموني ٤/١٣٢ – ١٣٣..
٣٩ شتا: سقط من ب..
٤٠ في ب: فهو شتيت..
٤١ أي: سقط من الأصل..
٤٢ اللسان (شتت)..
٤٣ في ب: نحو شتى وفيها أوجه. وهو تحريف..
٤٤ في ب: الأول..
٤٥ الكشاف ٢/٤٣٦، التبيان ٢/٨٩٣..
٤٦ ما بين القوسين في ب: الفهوم. وهو تحريف..
٤٧ في ب: وجاء. وهو تحريف..
٤٨ في ب: لتخصها فالصفة. وهو تحريف..
٤٩ وذلك أن الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، لأنه محكوم عليه وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة. وقد يقع صاحب الحال نكرة بمسوّغ يقويه من المعرفة، ومن هذه المسوغات أن يكون صاحب الحال مخصوصا بوصف كقراءة إبراهيم بن أبي عبلة ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا﴾ [البقرة: ٨٩]. بنصب "مصدق" وقول الشاعر:
نجيت يا رب نوحا واستجبت له في فلك ماخر في اليم مشحونا
انظر شرح التصريح ١/٣٧٦، وشرح الأشموني ٢/١٧٥..

٥٠ في ب: مضمرا..
٥١ في ب: ويجوز..
٥٢ في ب: مختلفة الطعم..
٥٣ الكشاف ٢/٤٣٦..
٥٤ التبيان ٢/٨٩٣..
٥٥ انظر الكشاف ٢/٤٣٦، والبحر المحيط ٦/٢٥١..
٥٦ قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ ورد في القرآن ست مرات [البقرة: ٦٠، ١٨٧]، [الأعراف: ٣١]، [الطور: ١٩]، [الحاقة: ٢٤] [المرسلات: ٤٣]. انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ٣٧٧..
٥٧ في ب: متعدية. وهو تحريف..
٥٨ اللسان (رعى)، البحر المحيط ٦/٢٥١..
٥٩ في ب: قوله: النهى..
٦٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٥١..
٦١ قال أبو عليّ: (وقد يجوز أن يكون (فعل) مصدرا اختص به المعتل وإن لم يكن في الصحيح، كما كان كينونة ونحوه مصادر) الحجة ١/١٣٤ وانظر البحر المحيط ٦/٢٥١..
٦٢ ذكر ابن عادل هناك: أن الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الشاطبي ذكر أن العرب قالت لقيته لقى، وأنشدنا لبعض الرجاز:
وقد زعمــــــوا عــلمـا ولـم أزد بحمد الذي أعطاك حـلما ولا عقلا
انظر اللباب ١/٤٢ – ٤٣..

٦٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٥١..
٦٤ في ب: لما سأل موسى..
٦٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦٦ في ب: بالنوم..
٦٧ تعالى: سقط من ب..
٦٨ [البقرة: ٢٢]..
٦٩ في ب: أي أدخل لكم في الأرض لأجلكم طرق تسلكونها..
٧٠ انظر البغوي ٥/٤٣٧..
٧١ عند قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢] وذكر ابن عادل هناك: من السماء ابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أن حالا من ماء، لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت حالا، وحينئذ فمعناها التبعيض، وثم مضاف محذوف، أي: من مياه السماء ماء، وأصل "ماء" موه بدليل تصغيره على مويه وجمعه على مياه وأمواه. انظر اللباب ١/٨٢ بتصرف..
٧٢ في ب: وقد تقدم..
٧٣ تعالى: سقط من ب..
٧٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٥ في ب: سقي الأراضي والزراعة..
٧٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٧٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٨، ٦٩ بتصرف..
٧٨ في ب: مزوجة. وهو تحريف..
" كُلُوا " أمر إباحة١. " وَارْعَوْا أنْعَامَكُمْ " تقول العرب : رَعَيْتُ الغنمِ فَرَعَت أي أسِيموا أنْعَامَكُمْ تَرْعَى. " إنَّ في ذَلِكَ " أي فيما أنزلت لكم من هذه النعم " لآيَاتٍ " لعبرة ودلالات٢. " لأُولِي النُّهَى " لذوي العقول.
( قال الضحَّاك )٣ " لأُولِي النُّهَى " ٤ الذي ينتهون عما حرم الله عليهم٥.
وقال قتادة : لذَوِي الورع٦.
١ في ب: بإباحة..
٢ في ب: أو لآيات. وهو تحريف..
٣ ما بين القوسين: سقط من ب..
٤ في ب: لذي النهى. وهو تحريف..
٥ البغوي: ٥/٤٣٧..
٦ في ب: إنا خلقناكم. وهو تحريف..
قوله تعالى :﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ الآية، لما ذكر منافع الأرض السماء بيَّن أنَّها غير مخلوقة لذاتها، بل بكونها وسائل إلى منافع الآخرة، فقال :" مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ " أي من الأرض.
فإن قيل : إنَّما خَلَقَنَا١ من النُّطْفَةِ على ما بَيَّنَ في سائر الآيات٢.
فالجواب من وجوه :
الأول : أنَّه لمَّا خَلَق٣ أصلنا وهو آدم -عليه السلام٤- من تُرابٍ كما قال تعالى :﴿ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ حسن إطلاق ذلك علينا٥.
الثاني : أنَّ تَوَلُّدَ الإنسان إنَّما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدَّان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي، والنبات إنما يحدث٦ من امتزاج الماء والتراب، فصح أنه سبحانه خَلَقَنا مِنْهَا، وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة.
الثالث : روى ابن مسعود أن مَلَكَ الأرحام يأتي إلى الرَّحيم حين يكتب أجل المولود ورزقَه، والأرض التي يُدْفَن فيها، وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة، ثم يدخلها في الرحم٧. ثم قال :﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ أي عند الموت٨، ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى ﴾ عند٩ البعث.
١ في ب: المخلوقات. وهو تحريف..
٢ في ب: ذكر. وهو تحريف..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ [آل عمران: ٥٩]..
٥ في الأصل: عليه. وهو تحريف..
٦ في ب: ينتهي. وهو تحريف..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٩ -٧٠..
٨ في ب: عند الموت والدفن..
٩ في ب: يوم وهو تحريف..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية. هذه الرؤية بصرية فلما دخلت همزة النقل تعدت بها إلى اثنين أولهما الهاء والثاني «آيَاتِنَا». والمعنى: أبْصَرْنَاه، والإضافة هنا قائمة مقام التعريف العهدي، أي: الآيات المعروفة كالعصا واليد ونحوهما. وإلا فَلَم يُرِ الله تعالى فرعون جميع آياته.
وجوَّز الزمخشري أن يراد بها الآيات على العموم، بمعنى أن موسى - عليه السلام - أراه الآية التي بعث بها وعدد عليه الآيات التي جاءت بها الرسل قبله عليهم السلام وهو نبيٌّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به.
قال أبو حيان: وفيه بُعد، لأن الإخبار بالشيء لا يسمَّى رؤية له إلا بمجاز بعيد
280
وقيل: بل الرؤية هنا قلبية، فالمعنى: أعْلَمْنَاهُ، وأيَّد ذلك أنه لم يُرِه إلا العصا واليد فقط.
ومن جوَّز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو إعمال المشترك في معنييه يجيز أن يراد المعنيان جميعاً.
وتأكيد الآيات ب «كُلَّها» يدل على إرادة العموم، لأنهم قالوا: فائدة التوكيد بكلٍّ واخواتها رفع توهم وضع الأخص موضع الأعم فلا يُدَّعى أنه أراد بالآيات آيات مخصوصة، وهذا يتمشى على أن الرؤية قلبية.
ويراد بالآيات ما يدل على وحدانية الله تعالى وصدق المبلِّغ، فأما الآيات الدالة على الوحدانية فقوله: ﴿الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠]، وقوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ [طه: ٥٣] إلى آخره. وما ذكره في سورة الشعراء: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] الآيات. وأما الآيات الدالة على صدق المبلِّغ فهي الآيات التسع المختصة بموسى - عليه السلام -، وهي العَصَا، واليَد، وفلقُ البرح، والحجرُ، والجرَادُ، والقملُ، والضَّفَادِع، والدَّم، ونَتْقُ الجَبَلِ. ومعنى «أَرَيْنَاهُ» عرَّفنا صحتها، وأوضحنا له وجه الدلالة فيها. وإنا أضاف نفخَ الروح إلى نفسه فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] مع أن النفخَ كان من جبريل (عليه السلام) - ولم يذكر مفعول التكذيب والإباء تعظيماً له، وهو معلوم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ يعني الآيات التسع «فَكَذَّب» بها وزعم أنها سِحْرٌ «وَأبَى» أن يسلم.
فإن قيل: قوله: «كُلَّهَا» يفيد العموم، والله - تعالى - ما أراه جميع
281
الآيات، لأن من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى - عليه السلام وبعده.
فالجواب: لفظ الكُلِّ وإنْ كانَ للعموم لكن قج يستعمل في الخصوص مع القرينة، كما يقال: دَخَلْتُ السوق فاشتريت كلَّ شيء، أو يقال إن موسى - عليه السلام - أراه آياته، وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء، فكذَّب فرعونُ بالكُلِّ، أو يقالأ: تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل، فحكى الله - تعالى - ذلك على الوجه الذي يلزم.
قال القاضي: الإباء الامتناع، وإنه لا يوصف به إلا من كَذَّبَ بتمكنٍ من الفعل والترك، ولأنه تعالى ذمَّه بأنه كذَّب، وبأنه أبَى، وإن لم يقدر على ما هو فيه لم يصح. وهذا السؤال وجوابه تقدم ذمَّه بأنه كذَّب، وبأنه أبَى، وإن لم يقدر على ما هو فيه لم يصح. وهذا السؤال وجوابه تقدم في سورة البقرة في ﴿إِبْلِيسَ أبى واستكبر﴾ [٣٤].
قوله: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني مصر ﴿بِسِحْرِكَ ياموسى﴾ وتركيب هذه الشبهة عجيب، وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون مبغضين له جداً بقوله: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾، لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية، ولذلك جعله الله تعالى مساوياً للقتل في قوله ﴿اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في نبوته - عليه السلام - وهي أنَّ ما جئتنا به سِحْرٌ لا معجز، ولمَّا علم أنَّ المعجز إنما يتميز عن السحر، لكون المعجز مما يتعذر بمعارضته قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾.
قوله: «فَلَنَأتِيَنََّكَ» جواب قسم محذوف تقديره: والله لنأتينَّكَ. وقوله «بِسِحْرٍ» يجوز أن يتعلق بالإتيان وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل الإتيان أي ملتبسين بسحرٍ.
قوله: «مَوْعِداً» يجوز أن يكون زماناً كقوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح﴾ [هود: ٨١] ويرجحه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾، (والمعنى: عَيَّن لنا وَقْتَ اجتماعنا، ولذبك أجابهم بقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ وضعَّفوا هذا بأنه ينبو عنه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾.
282
وبقوله: «لاَ نُخْلِفُه». وأجاب عن قوله: «لاَ نُخْلِفُهُ» بأن المعنى: لا نخلف الوقت في الإجماع فيه. ويجوز أن يكون مكاناً. والمعنى: بَيِّنْ لنا مكاناً معلوماً نعرفه نحن وأنت فنأتيه، ويؤيد بقوله: «مَكَاناً سُوًى». قال فهذا يدل على أنه مكان، وهذا يَنْبُو عنه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾، ويجوز أن يكون مصدراً أي اجعل بيننا وبينك وعداً لا نخلِفه، ويؤيد هذا قوله: ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾، لأن الموعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه، وإلى هذا نحا جماعة مختارين له ويُرَدُّ عليهم بقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ (فإنه لا يطابقه).
وقال الزمخشري: إن جعلته زماناً نظراً في أن قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ مطابق له، لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفاً، وأن يعضل عليك ناصب مكاناً، (وإن جعلته مكاناً) لقوله: «مَكَاناً سُوى» لزمك أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾، وقراءة الحسن غير مطابقة له زماناً ومكاناً جميعاً، لأنه قرأ «يَوْمَ الزِّينَةِ» بالنصب، فقي أن يُجْعَل مصدراً يعني الوعد، ويقدِّر مضاف محذوف أي: مكان الوعد، ويجعل الضمير في «تُخْلِفُه» للموعد، و «مكاناً» بدل من المكان المحذوف.
فإن قلت: فكيف طابقه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابقه لفظاً، لأنهم لا بدَّ لهم أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك الزمان، فبذكر الزمان علم المكان
283
وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير، والمعنى: إنجاز وَعْدِكم يوم الزينة، وطابق هذا أيضاً من طريق المعنى، ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف ويكون المعنى: اجْعَلْ بينَنَا وبينَك وَعْداً لا نُخْلِفُه.
وقال أبو البقاء: هو هنا مصدر لقوله: ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ والجعل هنا بمعنى التصير و «مَوْعِداً» مفعول أول، والظرف هو الثاني، والجملة من قوله: «لاَ نُخْلِفُهُ» صفة لموعد، و «نَحْنُ» توكيدٌ مصحِّحٌ للعطف على الضمير المرفوع المستتر في «نُخْلِفُه» و «مكاناً» بدل من المكان المحذوف كما قدره الزمخشري. وجوز أبو علي الفارسي وأبو البقاء أن ينتصب «مَكَاناً» على المفعول الثاني ل «اجْعَلْ» قال: و «مَوْعِداً» على هذا مكان أيضاً، ولا ينتصب بموعد لأنه مصدر قد وصف.
يعني أنه يصح «نصبه مفعولاً ثانياً، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى المكان ليطابق المبتدأ الخبر) في الأصل. وقوله: ولا ينتصب بالمصدر يعني أنه لا يجوز أن يدعي انتصاب» مَكَاناً «بموعد، والمراد بالموعد المصدر، وإن كان جائزاً من جهة المعنى، لأن الصناعة تأباه (وهو وصف المصدر. والمصدر شرط إعماله: عدم وصفه قبل العمل عند الجمهور).
284
وهذا الذي منعه الفارسي وأبو البقاء جوزه الزمخشري وبدأ به فقال: فإن قلت: فيم ينتصب» مكاناً «؟ قلت» بالمصدر أو بما يدل عليه المصدر. فإن قلت: كيف يطابقه (فالجواب) : فقلت: أما على قراءة الحسن فظاهر، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: (وَعْدَكم وَعْدَ يوم زينة.
قال أبو حيان: وقوله: إنَّ «مكاناً» ينتصب بالمصدر) ليس بجائز، لأنه قد وصف قبل العمل بقوله: «لاَ نُخْلِفُه»، وهو موصول، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم. قال شهاب الدين: الظروف والمجرورات يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وفي المسألة خلاف مشهور. وأبو القاسم نحا إلى جواز ذلك.
وجعل الحوفيُّ انتصاب «مكاناً» على الظرف زانتصابه ب «اجْعَل» فتحصل في نصب «مكاناً» خمسة أوجه:
أحدها: أنه بدلٌ من (مكاناً) المحذوف.
الثاني: أنَّه مفعول ثانٍ للجَعْل.
الثالث: أنّضهُ نُصبَ بإضمار فعل.
الرابع: أنَّه منصوبٌ بنفس المصدر.
الخامس: أنَّه منصوبٌ على الظرف بنفس «اجْعِلْ».
وقرأ أبو جعفر وشيبة: «لا نُخْلِفْه» بالجزم على جواب الأمر والعامى بالرفع على الصفة لموعدكم كما تقدم.
وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم والحسن: «سُوًى» بضم السين منوناً وصلاً.
والباقون: بكسرها. وهما لغتان مثل: عِدًى وعُدًى وطِوًى وطُوًى،
285
فالكسر والضم على أنها صفة بمعنى مكان عدلٍ إلاَّ أنَّ الصفة على فُعَل كثيرة نحو لُبَد وحُطَم (وقليلة على فِعَل.
ولم ينوِّن الحسن «سُوَى» أجرى الوصل مجرى الوقف ولا جائز أن يكون منع صرفه للعدل وعلى فُعَل كعُمَر، لأن ذلك في الأعلام، وأما فُعَل في الصفات فمصروفة نحو حُطَم، ولُبد).
وقرأ عيسى بن عمر «سِوَى» بالكسر من غير تنوين وهي كقراءة الحسن في التأويل. (وسوى معناه: عدلاً ونصفة. قال الفارسي: كأنه قال قربهُ منكُم قِرْبَةً منَّا.
قال الأخفش) :«سوى» مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها، ثلاث لغات، ويكون فيها جميعاً بمعنى غَيْر، وبمعنى عدل ووسط بين الفريقين، قال الشاعر:
286
قال: وتقول: مررتُ برجل سِواك وسُواك وسَوائِك أي غيرك، ويكون للجميع وأعلى هذه اللغات الكسر. قاله النحاس.
وزعم بعض أهل اللغة والتفسير أنَّ معنى: «مَكَاناً سوًى» مستوٍ من الأرض ولا وعر فيه ولا جبل.

فصل


قال مقاتل وقتادة: مكاناً وعدلاً بيننا وبينك. وعن ابن عباس نصفاً أي: يستوى مسافة الفريقين إليه. وقال مجاهد: منصفاً بيننا. قال الكلبي: مكاناً سوى هذا المكان الذي نحن فيه.
وقال ابن زيد: مستوٍ لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري.
وقيل: «سِوَى» أي يستوي حالنا في الرضا به.
قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ العامة على رفع «يَوْمُ الزينة» خبراً ل «مَوْعِدِكُمْ»، فإن جعلت «مَوْعِدُكُم» زماناً لم يحتج إلى حذف مضاف، إذى التقدير: زمانُ الوعدِ يَوْمَ الزينة. (وإنْ جعلتَه مصدراً احتجت إلى حذف مضاف تقديره: وَعْدُكُمْ وَعْدَ يومِ الزينة).
وقرأ الحسن والعمش وعيسى وعاصم في بعض طرقه وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقتادة والجحدري (وهبيرة) «يَوْمَ» بالنصب، وفيه أوجه:
أحدها: أن يكون خبراً لمَوْعِدُكم أن المراد بالموعد المصدر، أي
287
وَعْدُكُم كائنٌ في يوم الزِّينَةِ كقولك: القتال يوم كذا والسفر غداً.
الثاني: أن يكون «مَوْعِدُكم» مبتدأ، والمراد به الزمان، و «ضُحى» خبره على نية التعريف فيه، لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. قاله الزمخشري ولم يبين ما الناصب ل «يَوْمَ الزِّيِنَةِ» ولا يجوز أن يكون منصوباً ب «مَوْعِدُكم» على هذا التقدير، لأن مَفْعِلاً مراداً به الزمان أو المكان لا يعمل وإن كان مشتقاً، فيكون الناصب له فعلاً مقدراً.
وواخذه أبو حسان في قوله: على نية التعريف. قال: لأنه وإن كان ضُحَى ذلك اليوم بعينه فليس على نية التعريف بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه، لأنه ليس معدولاً عن الألف واللام كسَحَر، ولا هو معف بالإضافة، ولو قلت: جئت يوم الجمعة بَكراً، لم ندع أن بكراً كعرفة وإن كنت تعلم أنه من يوم بعينه.
الثالث: أن يكون «مَوْعِدُكُم» مبتدأ، والمراد به المصدر، و «يَوْمَ الزِّينَةِ» (ظرف له، و «ضُحَى» منصوب على الظرف خبراً للموعد كما أخبر عنه في الوجه الأول ب «يَوْمَ الزِّينَةِ» ) نحو: القتال يوم كذا.
قوله: «وَأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ» في محله وجهان:
أحدهما: البحر نسقاً (على الزينة أي: مَوْعِدُكُم يومَ الزّينةِ ويوم أن يُحْشَرَ ويومَ حَشْر النَّاس).
والثاني: الرفع نسقاً على «يوم». التقدير: موعدكم يوم كذا وموعدكم أن يُحْشَرَ الناس أي حشرهم.
وقرأ ابن مسعود والجحدري وأو نهيك وعمرو بن فائد «وَأنْ تَحْش الناس» بتاء
288
الخطاب في «تَحْشرَ» وروي عنهم «يَحشر بياء الغيبة، و» الناسَ «نصب في كلتا القراءتين (على المفعولية) والضمير في القراءتين لفرعون أي وأن تَحْشرَ أنتَ يا فرعونُ (أوْ وأنْ يَحْشُرَ فرعون).
وجوز بعضهم أن يكون الفاعل ضمير اليوم في قراءة الغيبة، وذلك مجاز لما كان الحشر واقعاً فيه نشب إليه نحو: نهاره صائم، وليله قائم.
و»
ضُحَى «نصب على الظرف العامل فيه» يُحْشَر «ويذكر ويؤنث» والضَّحاء «بالمد وفتح الضاد فوق الضحى، لأن الضُّحى ارتفاع النهار والضَّحاءُ بعد ذلك، وهو مذكر لا غير.

فصل


قال مجاهد وقتادة والسدي:»
يَوْمُ الزِّينَةِ «كان يوم عيد لهم يتزيَّنُون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز، قاله مقاتل.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء.
واختلفوا في القائل ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ فقيل: هو فرعون بيِّن الوقت. قال: القاضي: لأن المطالب بالاجتماع هو فرعون.
والظاهر أنه من كلام موسى لأن جواب لقول فرعون ﴿فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ وأيضاً: إن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل على ما سيقع فيه، فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا بالمبطل الذي يعرف أنه لس معه إلا التلبيس.
وأيضاً: فقوله:»
مَوْعِدُكُمْ «خطاب للجميع، فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما، أو على أن أقل الجمع
289
اثنان وهو غير جائز، أما لو جعلناه من موسى إلى فرعون وقومه استقام الكلام.
وإنما أوعدهم ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه وكبت الكافرين، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام ليكثر المحدث بذلك الأمر العجيب في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. قال القاضي: إنه عين اليوم بقوله» يَوْمَ الزِّينَةِ «، ثم عين من اليوم وقتاً معيناً بقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ أي: وقت الضحوة نهاراً جهاراً.
290
قوله :﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا ﴾ يعني مصر ﴿ بِسِحْرِكَ يا موسى ﴾ وتركيب هذه الشبهة عجيب١، وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون مبغضين له جداً بقوله :﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا ﴾، لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية، ولذلك جعله الله تعالى٢ مساوياً للقتل في قوله٣ ﴿ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ ﴾٤، ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في نبوته -عليه السلام٥- وهي أنَّ ما جئتنا به سِحْرٌ لا معجز، ولمَّا علم أنَّ المعجز إنما يتميز عن السحر، لكون المعجز مما يتعذر بمعارضته قال :﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ ﴾٦.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٧١..
٢ تعالى: سقط من ب..
٣ في ب: أي. وهو تحريف..
٤ [النساء: ٦٦]..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٧١..
قوله :﴿ فَلَنَأتِيَنََّكَ ﴾ جواب قسم محذوف تقديره : والله لنأتينَّكَ. وقوله ﴿ بِسِحْرٍ ﴾ يجوز أن يتعلق بالإتيان١ وهذا٢ هو الظاهر. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل الإتيان أي ملتبسين٣ بسحرٍ٤.
قوله :﴿ مَوْعِداً ﴾ يجوز أن يكون زماناً كقوله :﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾٥ ويرجحه قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾، ( والمعنى : عَيَّن لنا وَقْتَ اجتماعنا، ولذلك أجابهم بقوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾٦ وضعَّفوا هذا بأنه ينبو عنه قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾.
وبقوله :﴿ لاَ نُخْلِفُه ﴾. وأجاب٧ عن قوله :﴿ لاَ نُخْلِفُهُ ﴾ بأن المعنى : لا نخلف الوقت في الاجتماع فيه٨. ويجوز أن يكون مكاناً. والمعنى : بَيِّنْ لنا مكاناً معلوماً نعرفه نحن وأنت فنأتيه، ويؤيد٩ بقوله :﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾. قال١٠ فهذا يدل على أنه مكان، وهذا يَنْبُو عنه قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾، ويجوز أن يكون مصدراً أي اجعل بيننا وبينك وعداً لا نخلِفه، ويؤيد هذا قوله١١ :﴿ لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ ﴾، لأن الموعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه١٢، وإلى هذا نحا جماعة مختارين له١٣ ويُرَدُّ عليهم بقوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ( فإنه لا يطابقه )١٤.
وقال الزمخشري : إن جعلته زماناً نظراً في أن قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾١٥ مطابق١٦ له، لزمك شيئان : أن تجعل الزمان مخلفاً١٧، وأن يعضل١٨ عليك ناصب مكاناً، ( وإن جعلته مكاناً )١٩ لقوله :﴿ مَكَاناً سُوى ﴾ لزمك أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق٢٠ قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾، وقراءة الحسن غير مطابقة له زماناً ومكاناً جميعاً٢١، لأنه قرأ " يَوْمَ الزِّينَةِ " بالنصب، فقي أن يُجْعَل٢٢ مصدراً يعني الوعد، ويقدِّر مضاف محذوف أي٢٣ : مكان الوعد، ويجعل الضمير في " تُخْلِفُه " للموعد، و " مكاناً " بدل من المكان٢٤ المحذوف. فإن قلت٢٥ : فكيف طابقه٢٦ قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان ؟ قلت٢٧ : هو مطابق معنى وإن لم يطابقه لفظاً، لأنهم لا بدَّ لهم أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك الزمان، فبذكر الزمان علم المكان وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر٢٨ لا غير، والمعنى : إنجاز وَعْدِكم يوم الزينة، وطابق هذا أيضاً من طريق المعنى، ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف ويكون المعنى : اجْعَلْ بينَنَا وبينَك وَعْداً لا نُخْلِفُه٢٩.
وقال أبو البقاء : هو هنا مصدر لقوله :﴿ لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ٣٠ والجعل هنا بمعنى التصير و " مَوْعِداً " مفعول أول، والظرف هو الثاني، والجملة من قوله :﴿ لاَ نُخْلِفُهُ ﴾ صفة لموعد، و " نَحْنُ " توكيدٌ مصحِّحٌ للعطف على الضمير المرفوع٣١ المستتر في " نُخْلِفُه " ٣٢ و٣٣ " مكاناً " بدل من المكان المحذوف كما قدره الزمخشري٣٤. وجوز أبو علي الفارسي وأبو البقاء أن ينتصب " مَكَاناً " على المفعول الثاني ل " اجْعَلْ " قال : و " مَوْعِداً " على هذا مكان أيضاً، ولا ينتصب بموعد لأنه مصدر قد وصف٣٥.
يعني٣٦ أنه يصح " نصبه مفعولاً ثانياً، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى المكان ليطابق المبتدأ الخبر )٣٧ في الأصل. وقوله : ولا ينتصب بالمصدر يعني أنه لا يجوز أن يدعي انتصاب " مَكَاناً " بموعد، والمراد بالموعد المصدر، وإن كان جائزاً من جهة المعنى، لأن الصناعة تأباه ( وهو وصف المصدر. والمصدر شرط إعماله : عدم وصفه قبل العمل عند الجمهور٣٨ )٣٩.
وهذا الذي منعه الفارسي وأبو البقاء جوزه الزمخشري وبدأ به فقال : فإن قلت : فيم ينتصب " مكاناً " ؟ قلت " بالمصدر أو بما٤٠ يدل عليه المصدر. فإن قلت٤١ : كيف يطابقه ( فالجواب )٤٢ : قلت٤٣ : أما على قراءة٤٤ الحسن فظاهر، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير :( وَعْدَكم وَعْدَ يوم زينة٤٥.
قال أبو حيان : وقوله : إنَّ " مكاناً " ينتصب بالمصدر )٤٦ ليس بجائز، لأنه قد وصف٤٧ قبل العمل بقوله :﴿ لاَ نُخْلِفُه ﴾، وهو موصول، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم٤٨. قال شهاب٤٩ الدين : الظروف والمجرورات يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وفي المسألة خلاف مشهور. وأبو القاسم٥٠ نحا إلى جواز ذلك٥١.
وجعل الحوفيُّ انتصاب " مكاناً " على الظرف وانتصابه ب " اجْعَل " ٥٢ فتحصل في نصب " مكاناً " خمسة أوجه :
أحدها : أنه٥٣ بدلٌ من ( مكاناً ) المحذوف.
الثاني : أنَّه مفعول ثانٍ٥٤ للجَعْل.
الثالث : أنّهُ نُصبَ بإضمار فعل.
الرابع : أنَّه منصوبٌ بنفس المصدر.
الخامس : أنَّه منصوبٌ على الظرف بنفس " اجْعِلْ " ٥٥.
وقرأ أبو جعفر وشيبة :" لا نُخْلِفْه " بالجزم على جواب الأمر والعامة بالرفع على الصفة لموعدكم٥٦ كما تقدم٥٧.
وقرأ ابن٥٨ عامر وحمزة وعاصم والحسن٥٩ :" سُوًى " بضم السين منوناً وصلاً.
والباقون : بكسرها٦٠. وهما لغتان مثل : عِدًى وعُدًى وطِوًى وطُوًى٦١، فالكسر٦٢ والضم على أنها صفة بمعنى مكان عدلٍ إلاَّ أنَّ الصفة على فُعَل كثيرة٦٣ نحو لُبَد وحُطَم٦٤ ( وقليلة على فِعَل٦٥.
ولم ينوِّن الحسن " سُوَى " ٦٦ أجرى الوصل مجرى الوقف ولا جائز أن يكون منع صرفه للعدل وعلى فُعَل كعُمَر، لأن ذلك في الأعلام، وأما فُعَل في الصفات فمصروفة نحو حُطَم، ولُبد٦٧ )٦٨.
وقرأ عيسى بن عمر " سِوَى " بالكسر من غير تنوين٦٩ وهي كقراءة الحسن في التأويل٧٠. ( وسوى معناه : عدلاً ونصفة. قال الفارسي : كأنه قال قربهُ منكُم قِرْبَةً منَّا٧١.
قال الأخفش )٧٢ :" سوى " مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها، ثلاث لغات، ويكون فيها جميعاً بمعنى غَيْر٧٣، وبمعنى عدل ووسط بين الفريقين، قال الشاعر :
٣٦٦٣ - وَإنَّ أبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلاَنَ والفِزَرْ
وَإنَّ أبَانَا٧٤ كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلاَنَ والفِزَرْ٧٥
قال : وتقول : مررتُ برجل سِواك وسُواك وسَوائِك٧٦ أي غيرك، ويكون للجميع وأعلى هذه اللغات الكسر. قاله النحاس٧٧.
وزعم بعض أهل اللغة والتفسير أنَّ معنى :" مَكَاناً سوًى " مستوٍ من الأرض ولا وعر فيه ولا جبل٧٨.

فصل


قال مقاتل وقتادة : مكاناً وعدلاً بيننا وبينك٧٩. وعن ابن عباس نصفاً٨٠ أي : يستوي مسافة الفريقين إليه. وقال مجاهد : منصفاً بيننا. قال الكلبي : مكاناً سوى هذا المكان الذي نحن فيه.
وقال٨١ ابن زيد : مستوٍ لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل٨٢ ما يجري٨٣.
وقيل :" سِوَى " أي يستوي حالنا في الرضا به.
١ التبيان ٢/٨٩٣..
٢ هذا: سقط من ب..
٣ في ب: مكتسبين. وهو تحريف..
٤ التبيان ٢/٨٩٣..
٥ [هود: ٨١]..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ في ب: أجاب..
٨ في ب: لا نخلف الموعد المؤقت للاجتماع فيه. وهو تحريف..
٩ في ب: وتأيد. وهو تحريف..
١٠ في ب: والمعنى وهو تحريف..
١١ قوله: سقط من ب..
١٢ في ب: لأن المعنى الذي يصح الحلف وعدمه..
١٣ منهم الزمخشري وأبو البقاء كما هو واضح من النصين المنقولين عنهما الآيتين ومنهم أيضا ابن الخطيب فاختار في تفسيره أن الموعد في هذه الآية مصدر، فبعد أن جوّز أن يكون الموعد مصدرا أو اسما لزمان الوعد، أو اسما لمكان الوعد قال: (والذي في هذه الآية بمعنى المصدر أي اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه، لأن الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف، أما الزمان والمكان فلا يصح وصفهما بذلك، ومما يؤكد ذلك أن الحسن قرأ "يوم الزينة" بالنصب، وذلك لا يطابق الزمان والمكان) الفخر الرازي ٢٢/٧١..
١٤ ا بين القوسين سقط من ب..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ في ب: مطابقا. وهو تحريف..
١٧ ي ب: مختلفا..
١٨ في ب: وأن يفصل. وهو تصحيف..
١٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٠ في ب: ولا يطابق..
٢١ في ب: غير مطابق لزمان ومكان معا..
٢٢ في ب: أن يكون..
٢٣ أي: سقط من ب..
٢٤ في ب: الضمير. وهو تحريف..
٢٥ ي ب: فإن قيل. .
٢٦ في ب: يطابقه..
٢٧ في ب: فالجواب..
٢٨ في ب: فالمصدر فيها موعد..
٢٩ الكشاف ٢/٤٣٧ – ٤٣٨..
٣٠ التبيان ٢/٨٩٣..
٣١ المرفوع: سقط من ب..
٣٢ ١ لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل بارزا كان أو مستتر إلا بعد توكيده بضمير منفصل نحو قوله تعالى: ﴿لقد كنتم أنتم وآباؤكم﴾ [الأنبياء: ٥٤] أو بتوكيد معنوي كقول الشاعر:
ذعرتم أجمعون ومن يليكم برؤيتنا وكنا الظافرينا
أو بعد وجود فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه نحو قوله تعالى: يدخلونها من صلح من آبائهم [الرعد: ٢٣] أو وجد فصل بـ "لا" النافية بين حرف العطف والمعطوف نحو قوله تعالى: ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وفي ذلك يقول ابن مالك:
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما........
انظر شرح التصريح ٢/١٥٠ – ١٥١.
٥ في ب: أو. وهو تحريف..

٣٣ ؟؟؟؟؟.
٣٤ عند اختياره أن "موعدا" مصدر بمعنى الوعد، وقدّر محذوفا أي مكان
الوعد، عندما قال: (فيبقى أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف، أي مكان الوعد، ويجعل الضمير في "نخلفه" للموعد، و"مكانا" بدل من المكان المحذوف) الكشاف ٢/٤٣٨..

٣٥ التبيان ٢/٨٩٣ – ٨٩٤، والبحر المحيط ٦/٢٥٣..
٣٦ ي ب: بمعنى..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ أي أن من شروط إعمال المصدر على الفعل أن يكون غير منعوت قبل
تمام عمله، فلا يجوز أعجبني ضربك المبرِّح زيدا، لأن معمول المصدر بمنزلة الصلة من الموصول فلا يفصل بينهما فإن ورد ما يوهم ذلك قدّر فعل بعد النعت يتعلق به المعمول المتأخر وبقية التوابع كالنعت في ذلك الهمع ٢/٩٣ شرح الأشموني ٢/٢٨٦..

٣٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٠ في الأصل وإنما وهو تحريف..
٤١ في ب: فإن قيل..
٤٢ الجواب: سقط من ب..
٤٣ في ب: فالجواب..
٤٤ في ب: قول. وهو تحريف. .
٤٥ الكشاف ٢/٤٣٨..
٤٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٧ في ب: لأنه وصف..
٤٨ البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٤٩ في ب: فصل قال شهاب الدين..
٥٠ الزمخشري..
٥١ حيث جعل الناصب لـ "مكانا" هو المصدر أو ما يدل عليه المصدر.
انظر قول الزمخشري السابق..

٥٢ البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٥٣ في ب: أنها. وهو تحريف..
٥٤ ي ب: ثاني..
٥٥ الدر المصون ٥/٢٩..
٥٦ ي ب: على صفة. وهو تحريف. .
٥٧ نظر البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٥٨ ي ب: أبو وهو تحريف. .
٥٩ ي ب: والحسن وعاصم والحسن. .
٦٠ السبعة (٤١٨)، الحجة لابن خالويه (٢٤١)، الكشف ٢/٩٨، البحر ٦/٢٥٣، النشر ٢/٣٢٠، الإتحاف (٣٠٤)..
٦١ ي ب: مثل طوى وهدى. وهو تحريف. .
٦٢ ي ب: والكسر. .
٦٣ في ب: كثير..
٦٤ رجل حطم وحطمة: إذا كان قليل الرحمة للماشية يهشم بعضها ببعض. .
٦٥ ٧ قال مكي: (وفعل قليل في الصفات نحو: عدى، وفعل كثير في
نحو قولك لبد وحطم) الكشف ٢/٩٨.
.

٦٦ انظر المختصر (٨٨)، والمحتسب ٢/٥٢، البحر المحيط ٦/٢٥٣.
.

٦٧ قال ابن جني عند توجيهه قراءة الحسن: (ترك صرف "سوى" ها هنا
مشكل، وذلك أنه وصف على فعل، وذلك مصروف عندهم: كما لبد ورجل حطم ودليل ختع وشكع إلا أنه ينبغي أن يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين فإن وصل على ذلك فعلى نحو من قولهم: سبسبا وكلكلا، فجرى في الوصل مجراه في الوقف) المحتسب ٢/٥٢. وانظر التبيان ٢/٨٩٤، وشرح التصريح ٢/٢٢٤..

٦٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٦٩ انظر المختصر (٨٨)، والبحر المحيط ٦/٢٥٣..
٧٠ أي أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وانظر البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٧١ تفسير ابن عطية ١٠/٤٣، البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٧٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٣ في ب: مقصورا إن ضممت سينه أو كسرت وممدودا إن فتحتها وفيها ثلاث لغات ويكون فيها بمعنى عن. وهو تحريف..
٧٤ في ب: وإن كان أبانا. .
٧٥ البيت من بحر الطويل قاله موسى بن جابر الحنفي أحد شعراء بني حنيفة الكثيرين ويقال: كان نصرانيا. الخزانة ١/٣٠٢، وهو في مجاز القرآن ٢/٢٠، الطبري ١٦/١٣٤، الجمهرة ٢/٣٢٣ تفسير ابن عطية ١٠/٤٣، القرطبي ١١/٢١٢، ٢١٣، اللسان (سوا) البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٧٦ سوائك: سقط من ب..
٧٧ انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٤٢، حيث قال (والكسر أشهر وأعرف) .
٧٨ اللسان (سوا)، البحر المحيط ٦/٢٥٣ – ٢٥٤.
البحر المحيط ٦/٢٥٤..

٧٩ انظر البغوي ٥/٤٣٨..
٨٠ في ب: سوى. وهو تحريف..
٨١ في ب: فقال..
٨٢ في ب: من كل. وهو تحريف..
٨٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٧٢..
قوله :﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ العامة على رفع " يَوْمُ الزينة " خبراً ل " مَوْعِدِكُمْ "، فإن جعلت " مَوْعِدُكُم " زماناً لم يحتج إلى حذف مضاف، إذ التقدير : زمانُ الوعدِ١ يَوْمَ الزينة. ( وإنْ جعلتَه مصدراً احتجت إلى حذف مضاف تقديره : وَعْدُكُمْ وَعْدَ يومِ الزينة٢ )٣.
وقرأ الحسن والأعمش وعيسى وعاصم٤ في بعض طرقه٥ وأبو٦ حيوة وابن أبي عبلة وقتادة والجحدري ( وهبيرة٧ )٨ " يَوْمَ " بالنصب٩، وفيه أوجه :
أحدها : أن١٠ يكون خبراً لمَوْعِدُكم أن المراد بالموعد١١ المصدر، أي وَعْدُكُم١٢ كائنٌ في يوم الزِّينَةِ كقولك : القتال يوم كذا والسفر غداً١٣.
الثاني : أن يكون١٤ " مَوْعِدُكم " مبتدأ، والمراد به الزمان، و " ضُحى " خبره على نية التعريف فيه، لأنه ضحى ذلك اليوم١٥ بعينه. قاله الزمخشري١٦ ولم يبين ما الناصب ل " يَوْمَ الزِّيِنَةِ " ولا يجوز أن يكون منصوباً ب " مَوْعِدُكم " على هذا التقدير، لأن مَفْعِلاً مراداً به الزمان أو المكان لا يعمل وإن كان مشتقاً، فيكون الناصب له فعلاً مقدراً.
وواخذه أبو حسان في قوله : على نية التعريف. قال : لأنه وإن كان١٧ ضُحَى ذلك اليوم بعينه فليس على نية التعريف بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه، لأنه ليس معدولاً١٨ عن الألف واللام كسَحَر، ولا هو معرف١٩ بالإضافة، ولو قلت : جئت يوم الجمعة بَكراً٢٠، لم ندع أن بكراً٢١ كعرفة وإن كنت تعلم أنه من يوم بعينه٢٢.
الثالث : أن يكون " مَوْعِدُكُم " مبتدأ، والمراد به المصدر، و " يَوْمَ الزِّينَةِ " ( ظرف له، و " ضُحَى " منصوب على الظرف خبراً للموعد كما أخبر عنه في الوجه الأول ب " يَوْمَ الزِّينَةِ " )٢٣ نحو : القتال يوم كذا٢٤.
قوله :﴿ وَأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ﴾ ٢٥ في محله وجهان :
أحدهما : البحر نسقاً ( على الزينة أي : مَوْعِدُكُم يومَ الزّينةِ ويوم أن يُحْشَرَ ويومَ حَشْر النَّاس ).
والثاني : الرفع نسقاً٢٦ على " يوم ". التقدير : موعدكم يوم كذا وموعدكم أن يُحْشَرَ الناس أي حشرهم٢٧.
وقرأ ابن مسعود والجحدري وأبو نهيك وعمرو بن فائد " وَأنْ تَحْش الناس " بتاء الخطاب في " تَحْشرَ " وروي عنهم " يَحشر " بياء الغيبة، و " الناسَ " نصب في كلتا القراءتين ( على المفعولية٢٨ )٢٩ والضمير في القراءتين٣٠ لفرعون أي وأن٣١ تَحْشرَ أنتَ يا فرعونُ ( أوْ وأنْ يَحْشُرَ فرعون٣٢ )٣٣.
وجوز بعضهم أن يكون الفاعل ضمير اليوم في قراءة الغيبة٣٤، وذلك مجاز لما كان الحشر واقعاً فيه نشب٣٥ إليه نحو : نهاره صائم، وليله قائم.
و " ضُحَى " نصب٣٦ على الظرف العامل فيه " يُحْشَر " ويذكر ويؤنث " والضَّحاء " بالمد وفتح الضاد فوق الضحى، لأن الضُّحى ارتفاع النهار والضَّحاءُ بعد ذلك، وهو مذكر لا غير٣٧.

فصل


قال مجاهد وقتادة والسدي :" يَوْمُ الزِّينَةِ " كان يوم عيد لهم٣٨ يتزيَّنُون فيه، ويجتمعون في كل سنة٣٩. وقيل : هو يوم النيروز، قاله مقاتل٤٠.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : يوم عاشوراء٤١.
واختلفوا في القائل٤٢ ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ فقيل : هو فرعون بيِّن الوقت. قال : القاضي : لأن المطالب بالاجتماع هو فرعون.
والظاهر أنه من كلام موسى٤٣ لأن جواب لقول فرعون ﴿ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾ وأيضاً : إن تعيين يوم الزينة يقتضي٤٤ اطلاع الكل على ما سيقع فيه، فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف٤٥ أن اليد له لا بالمبطل الذي يعرف أنه٤٦ لس معه إلا التلبيس.
وأيضاً : فقوله :" مَوْعِدُكُمْ " خطاب للجميع، فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون٤٧ معهما، أو على أن أقل الجمع اثنان وهو غير جائز، أما لو جعلناه من موسى إلى فرعون وقومه استقام الكلام٤٨.
وإنما أوعدهم٤٩ ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور٥٠ دينه وكبت الكافرين، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام٥١ ليكثر المحدث بذلك الأمر العجيب في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. قال القاضي : إنه٥٢ عين٥٣ اليوم بقوله ﴿ يَوْمَ الزِّينَةِ ﴾، ثم عين من اليوم وقتاً معيناً بقوله :﴿ وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى ﴾٥٤ أي : وقت الضحوة نهاراً جهاراً.
١ ي ب: فإن الموعد. وهو تحريف..
٢ التبيان ٢/٨٩٤..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ في الأصل: أبو عاصم. وهو تحريف..
٥ في ب: طرق. وهو تحريف..
٦ في ب: وأبوا. وهو تحريف..
٧ هو هبيرة بن محمد التمار، أبو عمر الأبرش البغدادي، أخذ عرضا عن حفص بن سليمان عن عاصم، قرأ عليه ممنون بن الهيثم، وأحمد بن علي بن الفضل الجزار، والخضر بن الهيثم الطوسي عرضا وسماعا. طبقات القراء ٢/٣٥٣..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ انظر المحتسب ٢/٥٣، والبحر المحيط ٦/٢٥٤..
١٠ ي ب: على أن. وهو تحريف..
١١ الموعد: سقط من ب..
١٢ في ب: موعدكم. وهو تحريف..
١٣ وذلك لأنه لا يخبر بالزمان إلا عن أسماء المعاني إذا كان الحدث غير
مستمر نحو الصوم اليوم والسفر غدا. التبيان ٢/٨٩٤، المحتسب ٢/٥٤..

١٤ ي ب: أن يكون المراد..
١٥ في الأصل: لليوم. وهو تحريف..
١٦ لكشاف ٢/٤٣٨..
١٧ وإن كان: سقط من ب..
١٨ في ب: فعلا ولا. وهو تحريف..
١٩ في ب: معرفه. وهو تحريف..
٢٠ بكرا: سقط من ب، وفي الأصل: بكر..
٢١ في ب: وإن بكر، وفي الأصل: بكر..
٢٢ البحر المحيط ٦/٢٥٣..
٢٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٤ قال مكي: (وقد قرأ الحسن بنصب "يوم الزينة" على أنه ظرف، مفعول فيه) مشكل إعراب القرآن ٢/٦٧.
انظر المحتسب ٢/٥٣، مشكل إعراب القرآن ٢/٦٨، البيان ٢/١٤٤،.

٢٥ لتبيان ٢/٨٩٤ والبحر المحيط ٦/٢٥٤..
٢٦ ا بين القوسين سقط من ب..
٢٧ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٨، التبيان ٢/٨٩٤، البحر المحيط ٦/٢٥٤، على قراءة نصب (يوم) يجوز أن يكون "وأن يحشر" في موضع نصب عطفا على "يوم". مشكل إعراب القرآن ٢/٦٨..
٢٨ البحر المحيط ٦/٢٥٤..
٢٩ ا بين القوسين سقط من ب. .
٣٠ في ب: في أنت. وهو تحريف..
٣١ في ب: أو أن. .
٣٢ البحر المحيط ٦/٢٥٤..
٣٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٤ منهم الزمخشري في الكشاف ٢/٤٣٨، والفخر الرازي في تفسيره ٢٢/٧٣..
٣٥ ي ب: انتسب..
٣٦ في ب: ينتصب..
٣٧ البحر المحيط ٦/٤٣٨..
٣٨ هم: سقط من ب..
٣٩ انظر : البغوي ٥/٤٣٨..
٤٠ انظر: البغوي ٥/٤٣٨..
٤١ انظر: البغوي ٥/٢٥٤..
٤٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي٢٢/ ٧٢..
٤٣ وقد استظهره أيضا أبو حيان ٦/٢٥٤.
٧ في ب: اقتضى..

٤٤ في ب: إنما يليق بالذي يعرف. ٨.
٤٥ في الأصل: الذي. وهو تحريف..
٤٦ ٠ في ب: وذلك لا يليق به بحال فرعون. وهو تحريف. .
٤٧ ؟؟؟؟؟.
٤٨ خر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٧٢. .
٤٩ ن هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٧٢. .
٥٠ في الأصل: وإظهار..
٥١ في الأصل: الغاص. وفي ب: الخاص. والصواب ما أثبته..
٥٢ أنه: مكرر في ب..
٥٣ في ب: غير. وهو تحريف..
٥٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٧٣..
قوله: ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ التَّولِّي: قد يكون إعراضاً وقد يكون انصرافاً، والظاهر أنه هنا بمعنى الانصراف، وهو مفارقة موسى عن الحق «فَجَمَعَ كَيْدَهُ» مكره، وقومه، وحيله، وسحرتهن وآلاته «ثُمَّ أتَى» الموضع بما جمعه.
قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: اثني عشر ألفاً. وقيل: أكثر من ذلك. ثم ضربت لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليها، وكان طول القبة سبعون ذراعاً. فقال لهم موسى عند ذلك يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ أي: لا تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، وأنكم متمكنون من معارضتي، فَيُسْحِتَكم الله بعذاب أي: فيهلككم، قاله مقاتل والكلبي.
وقال قتادة: فيستأصلكم ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾.
290
الخيبة: الحرمان والخسران.
قوله: «وَيْلَكُمْ» قال الزجاج: يجوز في انتصاب «وَيْلَكُمْ» أن يكون المعنى ألزمهم الله وَيْلاً إن افتروا على الله، ويجوز على النداء كقوله: ﴿ياويلتا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].
قوله: «فَيُسْحِتَكُمْ» قرأ الأخوان وحفص عن (عاصم «فَيُسْحِتَكُم» بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما.
فقراءة الأخوين من أسْحَتَ رباعياً وهي لغة نجد وتميم.
قال) الفرزدق التميمي:
٣٦٦٤ - وعَضَّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مَنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلِّفُ
وقراءة الباقين من سحته ثلاثياً وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة لدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر الذي استقصاه، فلم يترك منه شيئاً، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن في جواب النهي.
ولمَّا أنشد الزمخخشري قول الفرزدق:
............................................. (إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ)
قال بعد ذلك: في بيت لم تزل الرُّكَبُ تصطك في تسوية إعرابه.
291
قال شهاب الدين: يعني: أن هذا البيتَ صعبُ الإعراب، وإذ قد ذكر ذلك فلنذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات، وما قاله الناس في ذلك على حسب ما يليق بهذا الموضوع، فأقول وبالله الحول: روي هذا البيت بثلاث روايات كل واحدة لا تخلو من ضرورة. الأولى: (لَمْ يَدَع) بفتح الياء والدال، ونصب مُسْحَت وفي هذه خمسة أوجه:
الأول: أن معنى (لَمْ يَدْعُ مِنَ المَالِ مُسْحَتاً) لم يبق إلا مُسْحَتٌ، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله: (أو مُجَلَّفُ) (بالرفع)، وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أبَيّ والأعمش ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (برفع قليل) وقد تقدم.
الثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه (لَمْ يَدَع) والتقدير: أو بقي مُجَلَّف.
الثالث: أن (مُجَلَّف) مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: أو مُجَلَّفٌ كذلك وهو تخريج الفراء.
292
الرابع: أنه معطوف على الضمير المستتر في «مُسْحَتاً» وكان من حق هذا أن يفصل بينهما بتأكيد ما إلا أنَّ القائل بذلك وهو الكسائي لا يشترط، وأيضاً «فهو جائز (في الضرورة) عند الكل.
الخامس: أن يكون (مُجَلَّفُ) مصدراً بزنة اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] أي تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق على»
عَضُّ زَمَانٍ «إذ التقدير: رَمَتْ بِنَا هُمُومُ المُنَى وعَضَّ زَمَانٍ أو تجليفٍ فهو فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي، وهو أحسنها.
الرواية الثانية: فتح الياء وكسر الدال ورفع مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع»
مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع «مُسْحَتٌ» بالفاعلية، ويرفع (مُجَلَّفٌ) بالعطف عليه ولا بد حينئذ من ضمير محذوف تقديره: من أجله أو بسببه ليرتبط الكلام.
293
الرواية الثالثة: (يُدَع) بضم الياء وفتح الدال على ما يسمَّ فاعله و (مُسْحضتٌ) بالرفع لقيامه مقام الفاعل و (مُجَلَّف) عطف عليه، وكان من حق الواو أن لا تحذف بل تثبت، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما حذفت حملاً للمبني للمفعول على المبني للفاعل.
وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصاراً، وهذا لبُّه، وقد ذكرته في البقرة، وفسرت معناه ولغته، وصلته بما قبله فعليك بالالتفات إليه.
قوله: ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفاوَضُوا وتشاوَرُوا واستقروا على شيء واحد.
وقال مقاتل: اختلفوا فيما بينهم.
قال محمد بن إسحاق ووهب: لما قال لهم موسى ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾ قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
قال بعض المفسرين إن فرعون وقومه دخلوا مع السحرة وحدهم، أي تناظروا وتشاوروا في أمر موسى سرًّا من فرعون.
قال الكلبي: قالوا سرًّا إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه. وهو قول ابن عباس.
قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ أي المناجاة يكون مصدراً واسماً، أي: أسروا النحوى من فرعون.
قال ابن عباس: إنَّ نجواهُم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وقال قتادة: إنْ كانَ ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء وإن كان من السماء فله أمر.
وقال السدي: نجواهم هو قولهم: ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ [طه: ٦٣].
294
ثم ضربت٧ لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليها، وكان طول القبة٨ سبعون ذراعاً. فقال لهم موسى عند ذلك يعني للسحرة١ الذين٢ جمعهم فرعون ﴿ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ أي : لا تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، وأنكم متمكنون من معارضتي، فَيُسْحِتَكم الله بعذاب أي : فيهلككم، قاله مقاتل والكلبي٣.
وقال قتادة : فيستأصلكم٤ ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى ﴾.
الخيبة : الحرمان والخسران٥ ٦.
قوله :﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ قال الزجاج : يجوز في انتصاب " وَيْلَكُمْ " أن يكون المعنى ألزمهم الله وَيْلاً إن افتروا على الله، ويجوز على٧ النداء كقوله :﴿ يا ويلتا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ ﴾٨ ﴿ قَالُواْ يا ويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾٩ ١٠.
قوله :﴿ فَيُسْحِتَكُمْ ﴾ قرأ الأخوان١١ وحفص عن ( عاصم " فَيُسْحِتَكُم " بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما١٢.
فقراءة الأخوين من أسْحَتَ رباعياً وهي لغة نجد وتميم١٣.
قال )١٤ الفرزدق التميمي١٥ :
وعَضَّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ *** مَنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلِّفُ١٦
وقراءة الباقين من سحته ثلاثياً وهي لغة الحجاز١٧، وأصل هذه المادة لدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر الذي استقصاه، فلم يترك منه شيئاً، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن في جواب النهي١٨.
ولمَّا أنشد الزمخخشري قول الفرزدق :
. . . ***. . . ( إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ )١٩
قال بعد ذلك٢٠ : في بيت لم تزل الرُّكَبُ تصطك٢١ في تسوية إعرابه٢٢.
قال شهاب الدين : يعني٢٣ : أن هذا البيتَ صعبُ الإعراب، وإذ٢٤ قد ذكر ذلك فلنذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات، وما قاله٢٥ الناس في ذلك على حسب ما يليق بهذا الموضوع٢٦، فأقول وبالله الحول٢٧ : روي هذا البيت بثلاث روايات كل واحدة لا تخلو٢٨ من ضرورة. الأولى :( لَمْ يَدَع )٢٩ بفتح الياء والدال، ونصب مُسْحَت وفي هذه خمسة أوجه :
الأول٣٠ : أن معنى ( لَمْ يَدْعُ مِنَ المَالِ مُسْحَتاً ) لم يبق إلا مُسْحَتٌ، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله :( أو مُجَلَّفُ )٣١ ( بالرفع٣٢ )٣٣، وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أبَيّ والأعمش ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾٣٤ ( برفع قليل٣٥ )٣٦ وقد تقدم.
الثاني : أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه ( لَمْ يَدَع ) والتقدير : أو بقي مُجَلَّف٣٧.
الثالث : أن ( مُجَلَّف )٣٨ مبتدأ وخبره مضمر، تقديره : أو مُجَلَّفٌ كذلك وهو تخريج الفراء.
الرابع : أنه معطوف على الضمير المستتر في " مُسْحَتاً " وكان من حق هذا أن يفصل بينهما بتأكيد ما إلا أنَّ القائل٣٩ بذلك وهو الكسائي لا يشترط٤٠، وأيضاً " فهو جائز ( في الضرورة )٤١ عند الكل٤٢.
الخامس : أن يكون ( مُجَلَّفُ )٤٣ مصدراً بزنة اسم المفعول، كقوله تعالى :﴿ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾٤٤ أي تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق على٤٥
( عَضُّ زَمَانٍ ) إذ التقدير : رَمَتْ بِنَا هُمُومُ المُنَى٤٦ وعَضَّ زَمَانٍ أو تجليفٍ فهو فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي، وهو أحسنها٤٧.
الرواية الثانية : فتح الياء وكسر الدال ورفع مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع " مُسْحَت " بالفاعلية، ويرفع ( مُجَلَّفٌ ) بالعطف عليه٤٨ ولا بد حينئذ من ضمير محذوف٤٩ تقديره : من أجله أو بسببه ليرتبط الكلام.
الرواية الثالثة :( يُدَع ) بضم الياء وفتح الدال٥٠ على ما يسمَّ فاعله و ( مُسْحتٌ ) بالرفع لقيامه مقام الفاعل و ( مُجَلَّف )٥١ عطف عليه، وكان من حق الواو أن لا تحذف بل تثبت، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما حذفت حملاً للمبني للمفعول على المبني للفاعل.
وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصاراً، وهذا لبُّه، وقد ذكرته في البقرة، وفسرت معناه ولغته، وصلته٥٢ بما قبله فعليك بالالتفات إليه٥٣.
١ في ب: السحرة. وهو تحريف..
٢ في ب: التي. وهو تحريف..
٣ انظر البغوي ٥/٤٣٩..
٤ نظر البغوي ٥/٤٣٩..
٥ ي ب: الخسران والحرمان..
٦ خر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٧٣. .
٧ على : سقط من ب..
٨ [هود: ٧٢]..
٩ [يس: ٥٢]..
١٠ معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٦٠..
١١ حمزة والكسائي..
١٢ السبعة (٤١٩) الحجة لابن خالويه (٢٤٢)، الكشف ٢/٩٨، النشر
٢/٣٢٠ الاتحاف (٣٠٤)..

١٣ انظر الكشاف ٢/٤٣٨، القرطبي ١١/٢١٥. البحر المحيط ٦/٢٤٤..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ تقدم..
١٦ البيت من الطويل قاله الفرزدق، اللسان (جلف، سحت)..
١٧ انظر الكشاف ٢/٤٣٨، القرطبي ١١/٢١٥. والبحر المحيط ٦/٢٤٤.
.

١٨ وذلك أن الفعل المضارع ينصب بـ (أن) مضمرة وجوبا بعد فاء نفي جواب أو جواب طلب، وهو إما أمر أو نهي أو دعاء أو استفهام، أو عرض أو تحضيض، أو تمن، وفي ذلك يقول ابن مالك:
وبعدها جواب نفي أو طلب *** محضين أن وسترها حتم نصب
انظر شرح الأشموني ٣/٣٠١ – ٣٠٢..

١٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٠ في ب: قال بعده..
٢١ في ب: لم نزل العرب تصطك في الركب. .
٢٢ انظر الكشاف ٢/٤٣٨..
٢٣ يعني: سقط من ب..
٢٤ في ب: وإن..
٢٥ في ب: وما قال..
٢٦ في ب: الموضع..
٢٧ في ب: الحول والقوة..
٢٨ ي ب: لا تخلوا..
٢٩ في ب: الأول: يدع. وهو تحريف..
٣٠ ي ب: الأولى. وهو تحريف..
٣١ ي ب: أو مختلف. وهو تحريف. .
٣٢ هذا الوجه ذكره أبو علي في (إيضاح الشعر) قال: (فمن نصبه كان (يدع) من التّرك. و (مسحت) مفعول، وحمل (مجلّف) بعده على المعنى، لأن معنى (لم يدع من المال إلا مسحتا) تقديره: لم يبق من المال إلا مسحت، فحمل (مجلف) على ذلك) إيضاح الشعر (٥٧٧) ونسبه إلى الخليل حيث قال بعد ذلك: (فكذلك قوله: (لم يدع من المال إلا مسحتا) معناه بقي مسحت، قال أبو عمر: وهذا قول الخليل) إيضاح الشعر (٥٧٨ – ٥٧٩)..
٣٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٤ البقرة: ٢٤٩]..
٣٥ قال الزمخشري: (وقرأ أبيّ والأعمش "إلا قليل" بالرفع، وهذا من ميلهم من المعنى وإعراض عن اللفظ جانبا، وهو باب جليل من علم العربية فلما كان معنى "فشربوا منه" في معنى فلم يطيعوه حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق:
... لم يدع *** من المال إلا مسحت أو مجلف.
كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف) الكشاف ١/١٥٠. انظر اللباب ٢/٨٤- ٨٥..

٣٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٧ وإليه ذهب ابن جني في المحتسب في سورة والضحى ٢/٣٦٥.
وقد ذكر ابن عصفور في شرح جمل الزجاجي هذا الوجه، والوجه الذي بعده، ثم قال بعدهما:
(وكلاهما حسن) ٢/١٨٤.
.

٣٨ ي ب: مخلف. وهو تصحيف. .
٣٩ ي ب: أن يفصل بينهما تأكيدا أو فاصلا إما لأن القائل..
٤٠ وذلك لأن الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المرفوع المتصل بدون فاصل، حكي: مررت برجل سواء والعدم برفع العدم عطفا على الضمير المستتر في سواء، لأنه مؤول بمشتق أي مستو هو والعدم، وليس بينهما فاصل، انظر الهمع ٢/١٣٨، وشرح الأشموني وحاشية الصبان ٣/١١٤..
٤١ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٢ وذلك أن العطف على الضمير المرفوع المتصل بلا فصل كثير في الشعر عند البصريين والكوفيين من ذلك قول جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه *** ما لم يكن وأب له لينالا
وقول الآخر:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى *** كنعاج الفلا تعسفن رملا
وفي ذلك يقول ابن مالك:
وبلا فـــصل يرد *** في النظم فاشيا وضعفه اعتقد
انظر شرح التصريح ٢/١٥١، وشرح الأشموني ٣/١١٤..

٤٣ في ب: مختلفا. وهو تحريف..
٤٤ من قوله: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧]..
٤٥ في ب: كل..
٤٦ في البيت الذي قبله:
إليك أمير المؤمنين رمت بنا *** هموم المنى والهوجل المتعسف
الخزانة ٥/١٥٢..

٤٧ نظر الخزانة ٥/١٤٧..
٤٨ في ب: بالفتح والعطف عليه. وهو تحريف..
٤٩ في ب: من ضمير مرفوع محذوف. وهو تحريف..
٥٠ في ب: الراوية الثالثة فتح الياء وكسر الدال. وهو تحريف..
٥١ في ب: مختلف وهو تحريف..
٥٢ في ب: ووصلته ولغته..
٥٣ الدر المصون : ٥/٣٠..
قوله :﴿ فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾١ أي٢ : تفاوَضُوا وتشاوَرُوا واستقروا على شيء واحد.
وقال مقاتل : اختلفوا فيما بينهم.
قال محمد٣ بن إسحاق ووهب٤ : لما قال لهم موسى ﴿ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً ﴾ قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر.
قال بعض المفسرين إن فرعون وقومه دخلوا مع السحرة٥ في التنازع.
وقال : آخرون : إنما تنازع السحرة وحدهم، أي تناظروا٦ وتشاوروا في أمر موسى سرًّا من فرعون.
قال الكلبي : قالوا سرًّا إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه. وهو قول ابن عباس.
قوله :﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ أي المناجاة يكون مصدراً واسماً، أي : أسروا النجوى من فرعون.
قال ابن عباس : إنَّ نجواهُم٧ إن غلبنا موسى اتبعناه.
وقال قتادة : إنْ كانَ ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء وإن كان من السماء فله أمر.
وقال السدي : نجواهم هو قولهم :﴿ قالوا إِنْ هذان٨ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾٩ ١٠.
١ في الأصل: فتنازعوا بينهم أمرهم..
٢ ن هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٧٣ – ٧٤ بتصرف..
٣ بن: سقط من الأصل..
٤ هب سقط من ب..
٥ ي ب: أن بعض السحرة تعلق مع فرعون وقومه. وهو تحريف. .
٦ في ب: تنازعوا وهو تحريف..
٧ في ب: أن نجواهم قالوا..
٨ ي الأصل: هذين. وهو تحريف..
٩ طه: ٦٣]..
١٠ خر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٧٣ – ٧٤..
قوله: «إنْ هَذَانِ» اختلف القراء في هذه الآية فقرأ بن كثير وحده: «إنْ
294
هَذَانِ» بتخفيف «إنْ» والألف وتشديد النون. وحفص كذلك إلا أنه خفف نون «هذانِ» وقرأ أبو عمر «إنَّ» بالتشديد «هَذَيْنِ» بالياء وتخفيف النون. والباقون كذلك إلا أنهم قرءوا «هذانِ» بالألف.
فأما القراءة الأولى، وهي قراءة ابن كثير وحفص فأوضح القراءات معنًى ولفظاً وخطاً، وذلك أنهما جعلا (إن) المخففة من الثقيلة فأهملت، ولما أهملت كما هو الأفصح من وجهها خيف التباسها بالنافية فجيء باللام فارقةً في الخبر، ف «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، ووافقت خط المصحف، فإن الرسم «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، ووافقت خط المصحف، فإن الرسم «هَذَانِ» دون ألف ولا ياء (وسيأتي بيان ذلك).
وأما تشديد نون «هَذَانِّ» فعلى ما تقدم في سورة النساء متقناً، وأما الكوفيون فيزعمون أنَّ «أنْ» نافية (بمعنى (ما)) واللام (إلآ) وهو خلاف مشهور، وقد وافق تخريجهم هنا قراءة بعضهم ﴿مَا هَذَانِ إلاَّ ساَحِرَانِ﴾.
وأما قراءة أبي عمرو فواضحة من حيث الإعراب والمعنى، أما الإعراب ف «هَذَيْنِ» اسم «إنَّ» وعلامة نصبه الياء، و «لَسَاحِرَانِ» خبرها، ودخلت اللام توكيداً، وأما من حيث المعنى فإنهم أثبتوا لهما السحر بطريق تأكيدي من طرفيه، ولكنهم استشكلوها
295
من حيث خط المصحف، وذلك أنه رسم «هَذَانِ» بدون ألف ولا ياء، فَأتيانه بالياء زيادة على خط المصحف.
قال أبو إسحاق: لا أجيز قراءة أبي عمرو لأنها خلاف المصحف.
وقال أبو عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان «هَذَانِ» ليس فيها ألف وهكذا رأيت رفع الاثنين في ذلك المصحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء ولا يسقطونها.
قال شهاب الدين: وهذا لا ينبغي أن يرد به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نَصُّوا على أنه لا يجوز القراءة بها، فليكن هذا منها أعين: مما خرج عن القياس، فإن قلت ما نقلته عن أبي عبيد مشترك الإلزام بين أبي عمرو وغيره، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادة الياء يعترض عليهم بزيادة الألف، فإن الألف ثابتة في قراءتهم ساقطة من خط المصحف.
فالجواب ما تقدم من قول أبي عبيد أنه رآهم يسقطون الألف من رفع الاثنين فإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء، وذهب جماعة منهم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبو عمرو إلى هذا مما لَحَن فيه الكاتب وأفهم بالصواب يعنون أنه كان من حقه أن يكتبه بالياء فلم يفعل، فلم يقرأه الناس إلا بالياء على الصواب.
وأما قراءة الباقين ففيها أوجه:
أحدها: أنَّ «إنَّ» بمعنى نَعَمْ، و «هَذَانِ» مبتدأ، و «لَسَاحِرَانِ» خبره، وكن ورود «إنَّ» بمعنى نَعَم قوله:
296
أي فقلت: نعم، والهاء للسكت، وقال رجل لابن الزبير: لعن الله ناقةً حَمَلَتْنِي إليك. إنَّ صاحِبَها. أي نَعَم ولعَنَ صاحبَها.
وهذا رأي المبرد وعلي بن سليمان.
وهو مردود من وجهين:
أحدهما: عدم ثبوت «إنَّ» بمعنى «نَعَمْ» وما أوردوه يؤول، أما البيت فإن الهاء اسمها، والخبر محذوف لفهم المعنى تقديره: إنَّه كذلك، وأما قول ابن الزبير فذاك من حذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف، وحذف خبر «إنَّ» للدلالة عليه تقديره: إنها وصاحبها ملعونان وفيه تكلف لا يخفى.
والثاني: دخول اللام على خبر المبتدأ دون المؤكد بأنَّ المكسورة، لأن مثله لا يقع إلا ضرورة، كقوله:
٣٦٦٥ - بَكَرَ العَوَاذِلُ في المَشي بِ يَلُمْنَنِي وَألُومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ
٣٦٦٦ - أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
وقد يجاب عنه بأنَّ «لَسَاحِرَانِ» يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف دخلت عليه هذه اللام تقديره لَهُمَا ساحران، وقد فعل ذلك الزجاج كما سيأتي حكايته عنه.
الثاني: أنَّ اسمها ضمير القصة وهو «ها» التي قبل «ذَان» ِ، وليست ب «ها» التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، والتقدير: إنها القصة ذَانِ لسَاحِرَانِ.
297
وقد ردوا هذا من وجهين:
أحدهما: من جهة الخط (وهو أنه) لو كان كذلك لكان ينبغي أن يكتب إنها، فيصلوا الضمير بالحرف قبله كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فكتبهم إياها مفصولة من «إنَّ» متصلة باسم الإشارة يمنع كونها ضميراً وهو أوضح.
الثاني: أنه يؤدي إلى دخول لام الابتداء في الخبر غير المنسوخ وقد يجاب عنه بما تقدم.
الثالث: أن اسمها ضمير الشأن محذوف والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبر لأن التقدير: إنه أي: الأمر والشأن. وقد ضعف هذا بوجهين:
أحدهما: حذف اسم «إنَّ» وهو غير جائز إلا في شعرٍ بشرط أن لا تباشر «إنَّ» فعلاً، كقوله:
٣٦٦٧ - إنَّ مَنْ يَدْخُل الكَنِيسَةَ يَوْماً يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِبَاءا
والثاني: دخول اللام في الخبر، وقد أجاب الزجاج بأنها داخلة على مبتدأ محذوف تقديره: لَهُمَا سَاحِرَانِ، وهذا قد استحسنه شيخه المبرد أعني جوابه بذلك.
298
الرابع: أنَّ «هَذَانِ» اسمها و «لَسَاحِرَانِ» خبرها.
وقد رد هذا بأنه كان ينبغي أن يكون «هَذَيْنِ» بالياء كقراءة أبي عمرو، وقد أجيب عن ذلك بأنه على لغة بني الحرث وبني الصَّخم وبني العنبر وزبيد وعذرة وسراة وخثعم وكِنَانَة، وحكى هذه اللغة الأئمة الكبار كأبي الخطاب وأبي زيد الأنصاري (والكسائي).
قال أبو زيد: سمعت من العرب من ينقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً، يجعلون المثنى كالمقصور، فيثبتون ألفاً في جميع أحواله، ويقدرون إعرابه بالحركات، وأنشدوا قوله:
٣٦٦٨ - فَأَطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى مَسَاغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا
أي لنابيْه.
وقوله:
٣٦٦٩ - إنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَاهَا
أي غايتيها.
299
قال الفراء: وحكى بعض بني أسد قال: هذا خطُّ يدَا خطُّ أخي أعرفه وقال قطرب: هؤلاء يقولون: رأيتُ رجلاَنِ، واشتريت ثوبَانِ قال: وقال رجل من بني ضبة جاهليّ:
٣٦٧١ - (أعْرِفُ مِنْهَا الأنْفَ وَالعَيْنَانَا وَمَنْخِرَيْنِ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا)
وقال آخر:
٣٦٧١ - كَأنَّ صَرِيفَ نَابَاهُ إذَا مَا أَمَرَّهُمَا قَدِيمَ الخَطْبَانِ
(الخطبان: ذكر الصِّرْدَان).
وروى ابن جني عن قطرب:
٣٦٧٢ - هِيَّاكَ أنْ تَبْكِي بِشَعْشَعَانِ خَبِّ الفُؤَادِ مَائِلِ اليَدَانِ
قال الفراء: وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس. لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً لانفتاح ما قبلها وذكر قطرب أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد ويقولون: كسرتُ يداه، وركبتُ علاه، يعني يديه وعليه، وقال شاعرهم:
300
٣٦٧٣ - تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أذْنَاهُ ضَرْبَةً دَعَتْهُ إلى هَابِي التُّرَابِ عَقِيم
إلى غير ذلك من الشواهد.
واستدل لقراءة أبي عمرو بأنها قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير، روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها سئلت عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ وعن قوله: ﴿والصابئون والنصارى﴾ (في المائدة: ٦٩)، وعن قوله: ﴿لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢] إلى قوله: ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ [النساء: ١٦٢]، فقالت: يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب. وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف، فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.
301
وعن ابن عمرو أنه قال: إنِّي لأَسْتَحي أن أقرأ ﴿أنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾.
وقرأ ابن مسعود: «وَأسَرُّوا النَّجْوَى أنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» بفتح «أن» وإسقاط اللام على أنها وما في خبرها بدل من «النَّجْوَى» كذا قاله الزمخشري، وتبعه أبو حيان ولم ينكره، وفيه نظر، لأن الاعتراض بالجملة القولية مفسرة للنجوى في قراءة العامة. وكذا قاله الزمخشري أولاً فكيف يصح أن يجعل ﴿أنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ بدلاً من النجوى؟
وقرأ حفص عن عاصم بتخخفيف النونين.
وعن الأخفش: ﴿إنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة بمعنى ثقيلة وهي لغة لقوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التني تكون في معنى (ما).
وروي عن ابن أبي كعب ﴿ما هذان إلاَّ لَسَاحِرَانِ﴾، وروي عنه أيضاً ﴿إنْ هذان إلاَّ لَسَاحِرَانِ﴾، وعن الخليل بمثل ذلك.
وعنة أُبَيِّ أيضاً: ﴿إنْ ذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.

فصل


قال المحققون: هذه القراءات لا يجوز صحيحها، لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق
302
الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن، لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندا كل القرآن، لأنه لما اجاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك.
فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآت يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير في القرآن، وذلك يُخرج القرآن عن كونه حجة، ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما قرئ.
واما الطعن في القراءة المشهورة فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يُفضِي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وهو باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.
وأيضاً: فإن المسلمين أجمعوا على أنَّ ما بين الدفتين كرمُ الله، وكلام الله لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً ولذلك ذكر النحويون وجه تصحيح القراءة المشهورة كما تقدم.

فصل


اعلم أنه تعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه بما يدل على التنفير عن متابعة موسى، وهو أمور:
أحدها: قولهم «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ» وهذا طعن منهم في معجزات موسى ومبالغة في التنفير عنه، لأن كل طبع سليم ينفر عن السحر وعن رؤية الساحر لأنَّ الإنسان يعلم أن السِّحْر لا بقاء له، فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه، وهو لا بقاء له ولا لدينه؟
وثانيها: قوله: ﴿يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ وهذا نهاية التنفير، لأن مفارقة الوطن والمنشأ شديدة على القلب. وهذا كقول فرعون: تُرِيدُ أنْ تُخْرِجَنَا مِنْ أرْضِنَا يا مُوسَى، فكأنَّ السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها.
303
وثالثها: قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾، وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب، فإن العدو إذا استولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها كذلك يكون في نهاية المشقة على القلب. قال ابن عباس: يَعْني براءة قومِكم وأشْرَافِهم يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي: أشْرَافُهُمْ.
والمُثْلَى تأنيثُ الأمْثَلِ (وهو الأفضل. وسمي بالأفضل بالأمثل)، لأن الأمثل هو الأشبه بالحق وقيل: الأَمْثَلُ: الأوضح الأظهر وحدث الشعبي عن عليٍّ قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
وقال قتادة: «طَرِيقَتُكُمْ المثْلَى» يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عدداً (وأموالاً)، فقال عدو الله يريد أن يذهبا بهم لأنفسهم.
وقيل: بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه. والمُثْلَى: نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المُثْلَى يعني على الهدى المستقيم.
وقيل: الطريقة المُثْلى الجاه والمنصب والرياسة.
قوله: «بِطَرِيقَتِكُمْ» الياء مُعَدِّية كالهمزة، والمعنى بأهل طريقتكم. قال الزجاج: هذا من باب حذف المضاف. وإذا كانت الطريقة عبارة عن العادة فلا حذف.
304
قوله: «فَأجْمِعُوا» قرأ أبو عمرو «فاجْمَعوا» بوصف الألف وفتح الميم. والباقون: بقطعها مفتوحة وكسر الميم، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة يونس.
304
و «كَيْدَكُم» مفعول به، وقيل: هو على إسقاط الخافض أي: على كَيْدِكم وليس بشيء. فأما قراءة أبي عمرو في من الجمع أي لا تدعوا شيئاً من كَيْدِكُمْ إلا جئتم به بدليل قوله: «فَجَمَعَ كَيْدَهُ».
ومعنى القراءة الباقين قيل: معناه الجمع أيضاً تقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد.
والصحيح أن معناه العزم والإحكام قال الفراء: الإجماع الإحكام والعزيمة على الشيء. أي أجمعُوا كُلكم على كيده مجتمعين له ولا تختلفوا فيختل أمركم.
﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ أي: جميعاً، قاله مقاتل والكلبي.
وقيل: أي: مُصْطَفِّين مجتمعين، ليكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم.
وقال أبو عبيدة، والزجاج: الصَّف موضع الجمع، ويسمى المصلى صفاً، أي: ائتوا المكانَ الموعودَ الذي تجتمعون فيه ليعيدكم.
قوله: «صَفًّا» يجوز أن يكون حالاً من فاعل «ائْتُوا» أي ائْتُوا مصطفين أي ذوي صَفٍّ فهو مصدر في الأصل.
وقيل: هو مفعول به أي: ائْتُوا قوماً صفًّا، وفيه التسمية بالمصدر. أو هو
305
على حذف مضاف أي ذوي صف.
قوله: «وَقَدْ أفْلَحَ» قال الزمخشري: اعتراض بمعنى: وقد فاز من غلب.
يعني بالاعتراض: أنه جيء بهذه الجملة (أجنبية من كلامهم ومقولتهم، لأن من جملة قولهم:
﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ [طه: ٦٥]، وهذه الجملة) أعني: قوله: «وَقَدْْ أَفْلَحَ» من كلام الله تعالى، فهي اعتراض بهذا الاعتبار. وفيه نظر. لأن الظاهر أنها من (مقولاتهم قالوا هذا تحريضاً لقومهم على القتال وحينئذ فلا اعتراض.
قوله
: ﴿قَالُواْ
ياموسى
إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾
الآية: وهنا حذف والتقدير: فحضروا الموضع قالوا السحرة يا موسى.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ فيه أوجه:
أحدها أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: اختر أحد الأمرين. كذا قدره الزمخشري.
قال أبو حيان: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب إما أن تختار الإلقاء.
والثاني: أنه مرفوع على خبر ميتدأ محذوف تقديره: الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا. كذا قدره الزمخشري.
الثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إلقاؤك أول، ويدل عليه قوله: ﴿وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾، واختار أبو حيان، وقال: فتحسن
306
المقابلة من حيث المعنى، وإن لم تحسن المقابلة من حيث التركيب اللفظي. قال: وفي تقدير الزمخشري الأمر إلقاؤك فيه. وتقدم نظير هذا في الأعراف.

فصل


معنى الكلام: إما أن تلقي ما معك قَبْلنا (وإما أنْ نلقي ما معنا قبلك) وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع، فلا جرم رزقهم الله الإيمان ببركته، ثم إن موسى - عليه السلام - قابل أدبهم بأدب فقال: «بَلْ أَلْقُوا».
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى «بَلْ أَلْقُوا» فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى - عليه السلام - كان كفراً؟
فالجواب من وجوه:
الأول: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر، لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهروا، الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة موسى - عليه السلام - (كان ذلك الإلقاء إيماناً إنما الكفر هو القصد إلى تكذيب مويى - عليه السلام -، وهو عليه السلام) إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال.
والثاني: ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] (أي: إن كنتم قادرين).
الثالث: أنه لما تعيَّن ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً، وهذا
307
كالمحق إذا علم في أن قلب واحد شبهة، وأنه لو لم يطالبه وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه ويخرج بسببها عن الدين، فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوهن ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها، ويزيل أثرها عن قلبه، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ههنا.
الرابع: أن لا يكون ذلك أمراً بل معناه: إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسًّا لكي ينكشف الحق.
الخامس: أن موسى - عليه السلام - لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاكم عن ذلك بقوله: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] وإن كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك، لأن الجمع بين كونه ناهياً آمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره، وحينئذ يزول الإشكال.
فإن قيل: لم قدمهم في الألقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على إسماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة يجب أن لا يجوز، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول: إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو - عليه السلام - قابل ذلك بأن قدمهم، لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز.
فالجواب أنه - عليه السلام - كان قد أظهر المعجزة مرةً واحدةً فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم إنما جاءوا لمعارضته، فقال - عليه السلام - لو أظهرت المعجزة أولاًلكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهولا يجوز، ولكنني أفوض المر إليهم باختيارهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز، ولكنني أفوض الأمر باختيارهم يظهرون ذلك السحر، ثم أظهر أنا ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم، فيكون هذا التقديم سبباً لدفع الشبهة فكان أولى.
308
قوله: «فَإِذَا حِبَالُهُمْ» هذه الفاء عاطفة على (جملة محذوفة دل عليها السياق، والتقدير: فَألْقُوا فَإذَا، وإذا هي التي للمفاجأة وفيها ثلاثة أقوال تقدمت:
أحدها: أنها باقية على ظرفية الزمان.
الثاني: أنها ظرف مكان.
الثالث: أنها حرف.
قال الزمخشري: والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها فعلاً مخصوصاً، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ ففَجأ موسى وقتَ تخييل سَعْي حِبَالهم وعصيّهم، وهذا تمثيل، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيّهم مخيِّلةً إليه السعي.
قال أبو حيان: قوله: إنها زمانية قول مرجوح، وهو مذهب الرياشي.
وقوله: الطالبة ناصباً لها صحيح. وقوله: وجملة تضاف إليها ليس صحيحاً عند
309
بعض أصحابنا، لأنها إما أن تكون معمولة لخبر المبتدأ، وإذا كان كذلك استحال أن تضاف إلى الجملة، لأنها إما أن تكون بعض الجملة أو معمولة لبعضها، فلا يمكن الإضافة.
وقوله: خصت في بعض المواضع إلى آخره. قد بيَّنا الناصبَ لها. وقوله: والجملة بعدها ابتدائية لا غير هذا الحصر ليس بصحيح، بل جوَّز الأخفش على أن الجملة الفعلية المقترنة بقد تقع بعدها نحو خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً وبنى على ذلك مسألة الاشتغال نحو: خرجتُ فإذا زيدٌ قد ضربه عمرو، برفع زيد ونصبه على الاشتغال.
وقوله: والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيَّلةً إليه السعي، فهذا عكس ما قدر بل المعنى على مفاجأة حبالهم وعصيِّهم إياه. فإذا قلت: خرجت فإذا السبع، فالمعنى: أنه فاجأني وهجم ظهوره.
انتهى.
قال شهاب الدين: وما ردَّ به غير لازم له، لأنه ردَّ عليه بقول بعض النحاة، وهو يلزم ذلك القول حتى يرد به عليه لا سيما إذا كان المشهور غيره ومقصوده تفسير المعنى. وقال أبو البقاء: الفاء جواب ما حذف وتقديره: فألقوا فإذا، ف «إذا» في هذا ظرف مكان العامل فيه «ألْقُوا». وفي هذا نظر. ، لأن «أَلْقُوا» هذا المقدر لا يطلب جواباً حتى يقول: الفاء جوابه، بل كان ينبغي أن يقول: الفاء عاطفة هذه الجملة الفجائية على جمبة أخرى مقدرة، وقوله: ظرف مكان هذا مذهب المبرد، وظاهر قول سيبويه أيضاً وإن كان المشهور بقاؤها على الزمان وقوله: إن العامل فيها «فَألْقُوا» لا يجوز لأن الفاء تمنع من ذلك. هذا كلام أبي حيان. ثم قال بعده: ولأن «إذا» هذه إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو حبالهم وعصيهم إن لم يجعلها هي في موضع الحال، وهذا نظير: خرجت فإن الأسد رابضٌ ورابضاً، وإذا رفعت رابضاً كانت إذا معمولة له والتقدير: فبالحضرة الأسد رابض، أو في المكان، وإذا نصبت كات «إذا» خبراً، ولذلك
310
يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً نحو خرجت فإذا الأسد.
قوله: «يُخَيَّل إلَيْهِ» قرأ العامة «يُخَيَّل» بضم الياء الأولى وفتح الثانية مبنيًّا للمفعول، و «أنَّهَا تَسْعَى» مرفىع بالفعل قبله لقيامه مقام الفاعل تقديره: يُخَيَّل إليه سعيُهَا.
وجوز أبو البقاء فيه وجهين:
أحدهما: (أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير الجِبضاِ والعِصِيّ وإنما ذكَّر ولم يقل «تُخَيَّلُ» بالتاء من فوق، لأن تأنيث الحبال غير حقيقي.
الثاني: أن القائم مقام الفاعل ضمير يعود على الملقي، فلذلك ذكر. وعلى الوجهين: ففي قوله: «أنَّهَا تَسْعَى» وجهان أحدهما) : أنه بدل اشتمال من ذلك الضمير المستتر أيضاً، والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذات سعي. ولا حاجة إلى هذا، وأيضاً فقد نصوا على أن المصدر المؤول لا يقع موقع الحال، لو قلت: جاء زيد أن رَكَض، تريد ركضاً بمعنى ذا ركض لم يجز.
وقرأ ابن ذكوان: «تُخَيَّلُ» بالتاء من فوق، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الفعل مسند لضمير الجِبَال والعِصِيّ، أي: تُخَيَّل الحبال (والعصي، و) «أنَّهَا تَسْعَى» بدل اشتمال من ذلك الضمير.
311
الثاني: كذلك إلا «أنَّهَا تَسْعَى» حال، أي: ذات سَعْي كما تقدم تقريره قبل ذلك.
الثالث: أن الفعل مسند لقوله: «أنَّهَا تَسْعَى» كقراءة العامة في أحد الأوجه وإنما أنَّثَ الفعل لاكتساب المرفوع التأنيث بالإضافة، إذ التقدير: تُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُهَا، فهو كقوله:
٣٦٧٤ - شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
( «فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» ).
وقرأ أبو السمال: «تَخَيَّلُ» بفتح التاء والياء مبنياً للفاعل، والأصل: تَتَخَيَّلُ، فحذف إحدى التاءين نحو «تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ»، و «أَنَّهَا تَسْعَى» بدل اشتمال أيضاً من ذلك الضمير.
وجوَّز ابن عطية أيضاً أنه مفعول من أجله. ونقل ابن جبارة الهذلي: قراءة أبي السمال: «تُخَيِّل» بضم التاء من فوق وكسر الياء، فالفعل مسند لضمير الحبال، و «أنَّهَا تَسْعَى» مفعول، أي: تُخَيَّل الحبال سعيها.
312
ونسب ابن عطية هذه القراءة للحسن وعيسى الثقفي.
وقرأ أبو حيوة: «نُخَيِّل» بنون العظمة، و «أنَّهَا تَسْعَى» مفعول به أيضاً على هذه القراءة.
وقرأ الحسن والثقفي «عُصيِّهم» بضم العين حيث وقع، وهو الأصل، وإنما كسرت العين إتباعاً (للصاد، وكسرت الصاد إتباعاً) للياء نحو دَلْو ودِلِيّ، وقوس وقِسّيِ، والأصل: عُصُوو، بواوين فأًُعِلَّ كما ترى بقلب الواوين ياءين استثقالاً لهما، فكسرت الصاد لتصح الياء، وكسرت العين إتباعاً.
ونقل صاحب اللوامح: أنَّ قراءة الحسن «عُصِيُهُمْ» بضم العين وسكون الصاد وتخفيف الياء مع الرفع، وهو أيضاً جمع كالعامة إلا أنه على فُعْل، والأول على فُعُول كفُلُوس.
والجملة من «تَخَيَّل» يحتمل أن تكون في محل رفع خبراً لهي على أن «إذا» الفجائية فضلة. وأن تكون في محل نصب على الحال على أن «إذا» الفجائية هي الخبر والضمير في «إِلَيْهِ» الظاهر عوده على موسى. وقيل يعود على (فِرْعَون) (ويدل للأول) قوله تعالى: ﴿﴾ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى.
وفيه إضمار أي: فألقوا فإذا حبالُهُم وعِصِيُّهم، جمع حبل وعصا.

فصل


قال ابن عباس: أَلْقَوا حِبَالَهُمْ وَعِصيَّهُم وأخذوا أعين الناس فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيَّات وكانت أخذت مَيْلاً من كل جانب، وأنها تسعى فخاف،
313
و ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ وأوجَسَ: أضمر في نفسه خوفاً. (وقيل: وجد في نفسه خيفة).
فإن قيل: كيف استشعر الخوف وقد عرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، فجعل العصا حيَّة عظيمة، ثم إنه تعالى أعادها لما كانت، ثم أعطاه الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن وقال له بعد ذلك كله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]، فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟
فالجواب من وجوه: أحدها: قال الحسن: «إن ذلك الخوف إنما كان لطبع البشرية من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره.
والثاني: قال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره، فيظنون أنهم قد ساووا موسى - عليه السلام - ويؤكده قوله تعالى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾.
الثالث: خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه، فيدوموا على اعتقاد باطل.
الرابع: لعلَّه - عليه السلام - كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك الجمع بقي في الخجل.
الخامس: لعل - عليه السلام - خاف من أنه لو أبطل سحرهم، فلعلَّ فرعون قد أعد أقواماً آخرين فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهلم جرَّا، فلا يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود.

فصل


اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، أكرههم فرعون على ذلك مع كل واحد منهم عصا وحبل.
314
وقال ابن جريج: تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب: خمسة عشر ألفاً. وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفاً.
وقال القاسم بن سلام: سبعون ألفاً. وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بقوله: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ أي الغالب: يعني: لك الغلبة والظفر، وذلك يدل على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أنَّ أمره لا يظهر للقوم، فآمنه الله بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾، وفيه أنوع من المبالغة: أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي (إنَّ). وثانيها تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ورابعها: لفظ العلو، وهو الغلبة الظاهرة.
قوله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ وها هنا سؤال، وهو أنه لم لم يقل وألق عصاك؟
والجواب: جاز أن يكون تصغيراً لهما، أي: لا تبالِ بكثرة حِبالِهِمْ وعِصِيهم، وألق العُوَيد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك، فإنَّه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها.
وجاز أن يكون تعظيماً لها أي لا تُخيفك هذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. قوله: «تَلْقَفْ» أي: تَلْقَمْ وتبتلع «مَا صَنَعُوا» بسرعة.
قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء على جواب الأمر، وقد تقدم أن حفصاً يقرأ «تَلْقَفْ» بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ ابن ذكوان هنا «
315
تَلَقَّفُ» بالرفع إما على الحال، وإما على الاستئناف، وأنّث الفعل في «تَلْقَفْ» حملاً على معنى «ما» لأن معناها العصا، ولو ذكَّر ذهاباً إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به.
وقال أبو البقاء: إنه يجوز أن يكون فاعل «تَلْقَفْ» ضمير موسى فعلى هذا يجوز أن يكون «تَلْقَفْ» في قراء الرفع حالاً من موسى، وفيه بُعْد. و ( «صَنَعُوا» ههنا: اختلفوا وزّوَرُوا) والعرب تقول في الكذب: هو كلام مصنوع. قوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ العامة على رفع «كَيْد» على أنه خبر «إنَّ» و «مَا» موصولة، و «صَنَعُوا» صلتها، والعائد محذوف، والموصول هو الاسم، والتقدير: إنَّ الذي صنعوه كَيْدَ سَاحِرٍ.
ويجوز أن تكون «مَا» مصدرية فلا حاجة إلى العائد، والإعراب بحاله والتقدير: (إنَّ صُنْعَهُمْ) كيدُ ساحر.
(وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليّ «كَيْدَ» بالنصب على أنه مفعول به و «مَا» مزيدة مهيئة. وقرأ الأخوان: «كَيْدَ سِحْرٍ» على أن) المعنى: كَيْدُ ذُوِي
316
سِحْرٍ، (أو جعلوا نفس السحر مبالغةً وتبييناً للكيد، أي حيلةَ سحر، لأنه يكون سحراً وغير سحر) كما تميز سائر الأعداد بما يفسره نحو مائة درهم، وألف دينار، ومثله علم فقهٍ وعلمُ نحوٍ. وقال أبو البقاء: «كَيْدُ سَاحِرٍ» إضافة المصدر إلى الفاعل، و «كَيْدُ سِحْرٍ» إضافة الجنس من النوع. والباقون: ( «سَاحِرٍ» ).
وأفرد ساحِراً وإن كان المراد به جماعة، قال الزمخشري: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد (فلو جمع لَخُيِّلَ أنَّ المقصود هو العدد). وقرئ «سَاحِرَاً» بالنصب على أن «مَا» كافة. ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى﴾ من الأرض. قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. وقيل معناه: حيث احتال.
قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾ لما ألْقَى ما في يمينه، وصار حيَّةً، وتلقف ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجداً، لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل موسى - عليه السلام - خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر ألبتّة، روي أن رئيسهم قال: كُنَّا نغلِبُ الناسَ بالسحر، وكانت (الآلات) تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأيْنَ ما ألقيناه؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهوره على يد موسى - عليه السلام - على كونه رسولاً صادقاً من عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود. قال الأخفش: إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري: ما أعجب أمرهم قد
317
ألقوا حبالهم للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سُجَّداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
قال القاضي: هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به قولهم: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا﴾ [طه: ٧٣].
وأجيب: أنه لما جاز لإبراهيم مع قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] فلم لا يجوز في حق السحرة؟
قوله: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ احتج التعليمية بهذه الآية وقالوا: إنَّهم آمَنُوا بالله الذي عرفوه من قِبَل هارون وموسى، وفي الآية فائدتان:
الفائدة الأولى: أنَّ فرعون ادَّعى الربوبية في قوله: «أَنَا رَبُّكُمْ». والإلهية في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فلو قالوا: آمَنَّا بربِّ العالمين، لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه تقديمهم ذكر هارون على مُوسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى (بناء على أنه ربَّاه)، وقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: ١٨] فالقوم لما احترزوا على إيهامات (فرعون قدموا ذكر هارون على موسى قطعاً لهذا الخيال.
الفائدة الثالثة: هي أنهم لما شاهدوا) ما خصهما الله تعالى به من المعجزات
318
العظيمة والدرجات الشريفة قالوا: ﴿رَبِّ هَارُونَ وموسى﴾.
(فصل)
319
ثم إن موسى -عليه السلام٢٠- قابل أدبهم بأدب فقال :" بَلْ أَلْقُوا ".
فإن قيل : كيف يجوز أن يقول موسى " بَلْ أَلْقُوا " فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى -عليه السلام١- كان كفراً ؟
فالجواب من وجوه :
الأول : لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر، لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهروا٢، الفرق بين ذلك٣ الإلقاء وبين معجزة موسى -عليه السلام٤- ( كان ذلك الإلقاء إيماناً إنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى -عليه السلام-، وهو عليه السلام )٥ إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب٦ فزال السؤال.
والثاني : ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله تعالى٧ :﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾٨ ( أي : إن كنتم قادرين )٩.
الثالث : أنه لما تعيَّن ذلك١٠ طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً، وهذا كالمحقق إذا علم في أن قلب واحد شبهة، وأنه لو لم يطالبه١١ وتقريرها١٢ بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه١٣ ويخرج بسببها عن الدين، فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها، ويزيل أثرها عن قلبه، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ههنا.
الرابع : أن لا يكون ذلك أمراً بل معناه : إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسًّا١٤ لكي ينكشف الحق١٥.
الخامس : أن موسى -عليه السلام١٦- لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاكم عن ذلك بقوله :﴿ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾١٧ وإذا كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك، لأن الجمع بين كونه ناهياً آمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره، وحينئذ يزول الإشكال. فإن قيل : لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على إسماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة١٨ يجب أن لا يجوز، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة١٩ ثم لا يتفرغ لإدراك٢٠ الحجة بعده، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول : إن ذلك كان٢١ بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو -عليه السلام٢٢- قابل ذلك بأن قدمهم، لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز.
فالجواب أنه -عليه السلام٢٣- كان قد أظهر المعجزة مرةً واحدةً فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم٢٤ إنما جاءوا لمعارضته، فقال -عليه السلام٢٥- لو أظهرت٢٦ المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز، ولكنني٢٧ أفوض الأمر إليهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر، ثم أظهر أنا٢٨ ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم، فيكون هذا التقديم٢٩ سبباً لدفع الشبهة فكان أولى٣٠.
قوله :﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ ﴾ هذه الفاء عاطفة على ( جملة محذوفة دل عليها السياق، والتقدير : فَألْقُوا فَإذَا٣١، وإذا هي التي للمفاجأة وفيها ثلاثة أقوال تقدمت :
أحدها : أنها باقية على ظرفية الزمان٣٢.
الثاني : أنها ظرف مكان٣٣.
الثالث : أنها حرف٣٤.
قال الزمخشري : والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها فعلاً مخصوصاً، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله :﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ ففَاجأ موسى وقتَ تخييل سَعْي حِبَالهم وعصيّهم، وهذا تمثيل، والمعنى : على مفاجأته حبالهم وعصيّهم مخيِّلةً إليه السعي٣٥.
قال أبو حيان : قوله : إنها زمانية قول مرجوح، وهو مذهب الرياشي.
وقوله : الطالبة ناصباً لها صحيح. وقوله : وجملة تضاف إليها ليس صحيحاً عند بعض أصحابنا، لأنها إما أن تكون معمولة لخبر المبتدأ، وإذا كان كذلك استحال أن تضاف إلى الجملة، لأنها إما أن تكون بعض الجملة أو معمولة لبعضها، فلا يمكن الإضافة.
وقوله : خصت في بعض المواضع إلى آخره. قد بيَّنا الناصبَ لها. وقوله : والجملة بعدها ابتدائية لا غير هذا الحصر ليس بصحيح، بل جوَّز الأخفش على أن الجملة الفعلية المقترنة بقد تقع بعدها نحو خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً وبنى على ذلك مسألة الاشتغال نحو : خرجتُ فإذا زيدٌ قد ضربه عمرو، برفع زيد ونصبه على الاشتغال٣٦.
وقوله : والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيَّلةً إليه السعي، فهذا عكس ما قدر بل المعنى على مفاجأة حبالهم وعصيِّهم إياه. فإذا قلت : خرجت فإذا السبع، فالمعنى : أنه فاجأني وهجم ظهوره٣٧. انتهى.
قال شهاب الدين : وما ردَّ به غير لازم له، لأنه ردَّ عليه بقول بعض النحاة، وهو يلزم ذلك القول حتى يرد به عليه لا سيما إذا كان المشهور غيره ومقصوده تفسير المعنى٣٨. وقال أبو البقاء : الفاء جواب ما حذف وتقديره : فألقوا فإذا، ف " إذا " في هذا ظرف مكان العامل فيه " ألْقُوا " ٣٩. وفي هذا نظر. ، لأن " أَلْقُوا " هذا المقدر لا يطلب جواباً حتى يقول : الفاء جوابه، بل كان ينبغي أن يقول : الفاء عاطفة هذه الجملة الفجائية على جملة أخرى مقدرة، وقوله : ظرف مكان هذا مذهب المبرد، وظاهر قول سيبويه أيضاً وإن كان المشهور بقاؤها على الزمان وقوله : إن العامل فيها " فَألْقُوا " لا يجوز لأن الفاء تمنع من ذلك. هذا كلام أبي حيان٤٠. ثم قال بعده : ولأن " إذا " هذه إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو حبالهم وعصيهم إن لم يجعلها هي في موضع الخبر، لأنه يجوز أن يكون )٤١ الخبر " يخيّل "، ويجوز أن تكون " إذا " و " يخيّل " في موضع الحال، وهذا نظير : خرجت فإن الأسد رابضٌ ورابضاً٤٢، وإذا رفعت رابضاً٤٣ كانت إذا معمولة٤٤ له والتقدير : فبالحضرة الأسد رابض، أو في المكان، وإذا نصبت كان " إذا " خبراً، ولذلك يكتفي بها وبالمرفوع بعدها كلاماً نحو خرجت فإذا الأسد٤٥.
قوله :﴿ يُخَيَّل إلَيْهِ ﴾٤٦ قرأ٤٧ العامة " يُخَيَّل " بضم الياء الأولى وفتح الثانية مبنيًّا للمفعول، و " أنَّهَا تَسْعَى " مرفوع٤٨ بالفعل قبله لقيامه مقام الفاعل تقديره : يُخَيَّل إليه سعيُهَا٤٩.
وجوز أبو البقاء فيه٥٠ وجهين٥١ :
أحدهما٥٢ :( أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير الحباِل والعِصِيّ وإنما ذكَّر ولم يقل " تُخَيَّلُ " بالتاء من فوق، لأن تأنيث الحبال غير حقيقي.
الثاني : أن القائم مقام الفاعل ضمير يعود على الملقي، فلذلك ذكر. وعلى الوجهين : ففي قوله :﴿ أنَّهَا تَسْعَى ﴾ وجهان أحدهما )٥٣ : أنه بدل اشتمال من ذلك الضمير المستتر " يخيّل " والثاني : أنه مصدر في موضع نصب٥٤ على الحال من الضمير المستتر أيضاً، والمعنى : يُخَيَّل إليه هي أنها ذات سعي٥٥. ولا حاجة إلى هذا، وأيضاً فقد نصوا على أن المصدر المؤول لا يقع موقع الحال، لو قلت : جاء زيد أن رَكَض، تريد ركضاً بمعنى ذا ركض لم يجز٥٦.
وقرأ ابن ذكوان :" تُخَيَّلُ " بالتاء من فوق٥٧، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الفعل مسند لضمير الجِبَال والعِصِيّ، أي : تُخَيَّل الحبال ( والعصي، و )٥٨ " أنَّهَا تَسْعَى " بدل اشتمال من ذلك الضمير٥٩.
الثاني : كذلك إلا " أنَّهَا تَسْعَى " ٦٠ حال، أي : ذات سَعْي كما تقدم تقريره قبل ذلك٦١.
الثالث : أن الفعل مسند٦٢ لقوله :﴿ أنَّهَا٦٣ تَسْعَى ﴾ كقراءة العامة في أحد الأوجه٦٤ وإنما أنَّثَ الفعل لاكتساب المرفوع التأنيث٦٥ بالإضافة، إذ التقدير : تُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُهَا، فهو٦٦ كقوله :
شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ٦٧ ***. . .
( " فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " ٦٨ )٦٩.
وقرأ٧٠ أبو السمال٧١ :" تَخَيَّلُ " بفتح التاء والياء مبنياً للفاعل، والأصل : تَتَخَيَّلُ، فحذف إحدى التاءين نحو " تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ " ٧٢، و " أَنَّهَا تَسْعَى " بدل اشتمال أيضاً من ذلك الضمير٧٣.
وجوَّز ابن عطية أيضاً أنه مفعول من أجله٧٤. ونقل ابن جبارة٧٥ الهذلي : قراءة أبي السمال :" تُخَيِّل " ٧٦ بضم التاء من فوق وكسر الياء٧٧، فالفعل مسند لضمير الحبال، و " أنَّهَا تَسْعَى " مفعول، أي : تُخَيَّل الحبال سعيها٧٨.
ونسب ابن عطية هذه القراءة للحسن وعيسى الثقفي٧٩.
وقرأ أبو حيوة :" نُخَيِّل " بنون العظمة، و " أنَّهَا تَسْعَى " مفعول به أيضاً على هذه القراءة٨٠.
وقرأ الحسن والثقفي " عُصيِّهم " بضم العين حيث وقع، وهو الأصل٨١، وإنما كسرت العين إتباعاً ( للصاد، وكسرت الصاد إتباعاً )٨٢ للياء نحو دَلْو ودِلِيّ، وقوس وقِسّيِ، والأصل : عُصُوو، بواوين فأًُعِلَّ كما ترى بقلب٨٣ الواوين ياءين استثقالاً لهما، فكسرت الصاد لتصح٨٤ الياء، وكسرت العين إتباعاً٨٥.
ونقل صاحب اللوامح : أنَّ قراءة الحسن " عُصِيُهُمْ " بضم العين وسكون الصاد وتخفيف الياء مع الرفع٨٦، وهو أيضاً جمع كالعامة إلا أنه على فُعْل، والأول على٨٧ فُعُول كفُلُوس٨٨.
والجملة من " تَخَيَّل " يحتمل أن تكون في محل رفع خبراً لهي٨٩ على أن " إذا " الفجائية فضلة. وأن تكون في محل نصب على الحال على أن " إذا " الفجائية هي الخبر٩٠ والضمير في " إِلَيْهِ " الظاهر عوده على موسى. وقيل يعود على ( فِرْعَون )٩١ ( ويدل للأول )٩٢ قوله تعالى :﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى٩٣ ٩٤.
وفيه إضمار أي : فألقوا فإذا حبالُهُم وعِصِيُّهم، جمع حبل وعصا٩٥.

فصل


قال ابن عباس : أَلْقَوا حِبَالَهُمْ و َعِصيَّهُم وأخذوا أعين الناس فرأى موسى٩٦ والقوم كأن٩٧ الأرض امتلأت حيَّات وكانت أخذت مَيْلاً من كل جانب، وأنها تسعى فخاف، و ﴿ أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ﴾
١ في ب: عليه الصلاة السلام..
٢ في الأصل : يظهر..
٣ ذلك: سقط من ب..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: لا يقصد التكذيب..
٧ تعالى: سقط من ب.
.

٨ [البقرة: ٢٣]..
٩ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه: إن كنتم صادقين..
١٠ ذلك: سقط من ب..
١١ ي ب: فإنه لو لم يطابقه. وهو تحريف..
١٢ في ب: وتقريره. وهو تحريف..
١٣ في ب: بقلبه..
١٤ حسّا: سقط من ب..
١٥ في ب: من الحق. وهو تحريف..
١٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٧ [طه: ٦١]..
١٨ ي ب: أداة الشبهة على أداة الحجة. وهو تحريف..
١٩ في ب: أنه أراد الشبهة. وهو تحريف..
٢٠ إدراك: سقط من ب..
٢١ كان سقط من ب..
٢٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٤ في ب: وإن كان به حاجة إلى مرة أخرى فالقوم. وهو تحريف..
٢٥ في ب: عليه الصلاة والسلام. .
٢٦ في ب: لو كنت أظهرت..
٢٧ في ب: ولكني..
٢٨ في ب: أن. وهو تحريف..
٢٩ في ب: التقدير. وهو تحريف..
٣٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٢..
٣١ اختلف العلماء في (الفاء) الداخلة على (إذا) الفجائية فذهب أبو بكر إلى أنها عاطفة، كأنه حمل ذلك على المعنى، لأن معنى خرجت فإذا زيد: خرجت فقد جاءني زيد، هذا القول هو أقرب الأقوال إلى السداد، لأن الحمل على المعنى كثير في كلامهم. وذهب الزيادي إلى أنها داخلة على جواب شرط مقدر، وهو ضعيف، لأنه لا معنى للشرط هنا، ولو كان فيه معنى الشرط لأغنت (إذا) في الجواب عن الفاء، كما أغنت في قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦]. وذهب أبو عثمان إلى أنها زائدة، وهو ضعيف، لأنه لا يجوز حذفها، فلا يقال: خرجت إذا زيد، لأن الزائد حكمه أن يجوز طرحه ولا يختل الكلام – انظر شرح المفصل ٩/٣، ٤، شرح الكافية ١/١٠٤..
٣٢ هذا قول الزجاج واختاره الزمخشري كما يتضح من النص المنقول عنه من الكشاف، وعلى هذا يجوز أن تكون "إذا" في قولهم خرجت فإذا السبع خبرا عما بعدها بتقدير مضاف أي: ففي ذلك الوقت حصول السبع، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا و"إذا" ظرف لذلك الخبر غير ساد مسده أي: ففي ذلك الوقت السبع بالباب، فحذف بالباب لدلالة قرينة خرجت عليه. ويجوز أن يكون ظرف الزمان مضافا إلى الجملة الاسمية وعامله محذوفا أي ففاجأت وقت وجود السبع بالباب، إلا أنه إخراج لإذا عن الظرفية إذ هو إذن مفعول به لفاجأت، ولا حاجة إلى هذه الكلفة فإن "إذا" الظرفية غير متصرفة. انظر شرح الكافية ١/١٠٣، ١٠٤، المغني ١/٨٧..
٣٣ وهذا قول المبرد حيث قال: (فأما (إذا) التي تقع للمفاجأة فهي تسدّ مسد الخبر، والاسم بعدها مبتدأ، وذلك قولك: جئتك فإذا زيد، وكلمتك فإذا أخوك، وتأويل هذا: جئت ففاجأني زيد، وكلمتك ففاجأني أخوك) المقتضب ٣/١٧٨.
فعلى قوله يجوز أن تكون خبرا للمبتدأ الذي بعدها، ولا يجوز على قوله أن يكون (إذا) مضافا إلى الجملة الاسمية المحذوفة الخبر إذ لا يضاف من ظروف المكان إلى الجمل إلا حيث. انظر شرح الكافية ١/١٠٣، المغني ١/٨٧.
.

٣٤ ذا قول الأخفش وعلى ذلك فالخبر محذوف انظر المغني ١/٨٧..
٣٥ لكشاف ٢/٤٣٩..
٣٦ لأن "إذا" الفجائية على مذهب الأخفش يجوز دخولها على الجملة الفعلية فيجوز رفع الاسم الواقع بعدها ونصبه في المثال المذكور ويكون المثال من باب الاشتغال. وذلك أن صاحب شرح التصريح ذكر أن "إذا" الفجائية فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها تختص بالابتداء على الأصح. والثاني: جواز دخولها على الفعل مطلقا. والثالث التفرقة بين أن يقترن الفعل بقد فيجوز، وأن لا يقترن فيمتنع.
فعلى الرأي الأول يجب الرفع في المثال، ويجوز النصب على الثاني وعلى الثالث أيضا لوجود (قد)، أما إذا كان المثال خاليا من (قد) فيمتنع النصب على الثالث لفقدان (قد) انظر شرح التصريح ١/٣٠٣، ٣٠٢..

٣٧ البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٣٨ الدر المصون ٥/٣٢..
٣٩ البحر المحيط ٦/٢٥٨ .
٤٠ لبحر المحيط ٦/٢٥٨ – ٢٥٩..
٤١ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٢ في ب: وأيضا. وهو تحريف..
٤٣ في ب: فإذا ربعت رابض. وهو تحريف..
٤٤ ي ب: معمولا..
٤٥ لبحر المحيط ٦/٢٥٩..
٤٦ إليه: سقط من ب..
٤٧ في ب: قراءة..
٤٨ في ب: يرفع. وهو تحريف..
٤٩ ٤ معاني القرآن وإعرابه للزجاج٣/٣٦٦، ومشكل إعراب القرآن ٢/٧١، البيان ٢/١٤٧، التبيان ٢/٨٩٦..
٥٠ فيه سقط من ب..
٥١ في ب: وجهين آخرين..
٥٢ ي ب: الأول..
٥٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٤ في ب: النصب..
٥٥ انظر التبيان ٢/٨٩٦..
٥٦ منع سيبويه وقوع المصدر المؤول حالا فإنه قال: (ولا تقع (أم) وصلتها حالا يكون الأول في حال وقوعه، لأنها إنما تذكر لما لم يقع بعده) الكتاب ١/٣٩٠، وجوزه الزمخشري والعكبري في آيات من القرآن الكريم، فقد جوزه الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ودية مسلّمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢] وردّه أبو حيان: انظر الكشاف ١/٢٩٠، البحر المحيط ٣/٣٢٣-٣٢٤. دراسات لأسلوب القرآن الكريم قسم (٣) جـ ٣/٢٥..
٥٧ لكشف ٢/١٠١، النشر ٢/٣٢١، الإتحاف ٣٠٥..
٥٨ ا بين القوسين سقط من ب. .
٥٩ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٦٦، مشكل إعراب القرآن ٢/٧١، الكشف ٢/١٠١ الكشاف ٢/٤٣٩، البيان ٢/١٤٧، التبيان ٢/٩٦، البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٦٠ في ب: كذلك إلا أنها تسعى الثاني: كذلك إلا أنها..
٦١ وذلك في تجويز أبي البقاء في قراءة العامة. انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٦٦، التبيان ٢/٨٩٦..
٦٢ ي ب: مسندا. وهو تحريف..
٦٣ أنها: سقط من ب..
٦٤ في ب: في قراءة العامة كأحد الأوجه. وهو تحريف..
٦٥ التأنيث: سقط من ب..
٦٦ هو: سقط من ب..
٦٧ هذا جزء بيت من الطويل، قاله الأعشى، وتمامه:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته *** كما شرقت صدر القناة من الدم
وقد تقدم..

٦٨ من قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]. والاستشهاد بالآية في قراءة العامة وهي إضافة (عشر) إلى (أمثالها) وحينئذ يكون في حذف التاء من (عشر) وجوه منها: أن (المضاف) المذكر وهو (أمثال) اكتسب التأنيث من المؤنث، وهو (ها) فحذفت التاء من (عشر) لذلك. وهو المطلوب من الاستشهاد بالآية هنا.
وانظر الوجوه في البيان ٢/٣٥٠ -٣٥١..

٦٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٧٠ في الأصل: أبو. وهو تحريف..
٧١ في النسختين: السماك، وكذا في البحر المحيط ولعله السمال. وهو قعنب بن أبي قعنب أبو السمال العدوى البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن الجماعة، رواه عنه أبو زيد سعيد بن أوس. طبقات القراء ٢/٢٧..
٧٢ القدر: ٤]..
٧٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٧٤ تفسير ابن عطية ١٠/٥٣..
٧٥ في ب: أبو حيان. وهو تحريف..
٧٦ تخيل: سقط من ب..
٧٧ المختصر (٨٨)..
٧٨ انظر البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٧٩ قسير ابن عطية ١٠/٥٣..
٨٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٨١ انظر المختصر ٨٨، البحر المحيط ٦/٢٥٩. .
٨٢ ا بين القوسين سقط من ب..
٨٣ في ب: فقلب وهو تحريف..
٨٤ ي ب: لفتح. وهو تحريف. .
٨٥ وذلك أن عصي جمع عصا، والأصل: عصوو، وقعت الواو لام فعول جمعا فقلبت ياء فصارت عصوى، اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وكسرت الصاد لأجل الياء ثم كسرت العين إتباعا لكسرة الصاد. انظر شرح الملوكي ٤٧٧ -٤٧٩، الأشموني ٤/٣٢٧..
٨٦ في ب: بالرفع..
٨٧ على: سقط من ب..
٨٨ انظر البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٨٩ ي : لـ (حبالهم وعصيهم.).
٩٠ نظر التبيان ٢/٨٩٦، البحر المحيط ٦/٢٥٩.
٩١ رعون: تكملة من البحر المحيط..
٩٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٩٣ [طه: ٦٧]..
٩٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٥٩..
٩٥ وعصا: سقط من الأصل. .
٩٦ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٩٧ والقوم كأن: سقط من ب..
و ﴿ أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ﴾ وأوجَسَ١ : أضمر في نفسه خوفاً. ( وقيل : وجد في نفسه خيفة )٢.
فإن قيل : كيف استشعر الخوف وقد٣ عرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، فجعل العصا حيَّة عظيمة، ثم إنه تعالى أعادها لما كانت، ثم أعطاه الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن وقال له بعد ذلك كله :﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى ﴾٤، فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه ؟
فالجواب من وجوه :
أحدها : قال الحسن :" إن ذلك الخوف إنما٥ كان لطبع البشرية من ضعف القلب٦ وإن كان قد علم موسى أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره.
والثاني : قال مقاتل : خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره، فيظنون أنهم قد ساووا موسى - عليه السلام٧ - ويؤكده قوله تعالى :﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾٨.
الثالث : خاف حيث بدأوا٩ وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه، فيدوموا على اعتقاد باطل.
الرابع : لعلَّه - عليه السلام١٠- كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما١١ تأخر نزول الوحي في ذلك الجمع بقي في الخجل.
الخامس : لعل - عليه السلام-١٢ خاف من أنه لو أبطل سحرهم، فلعلَّ فرعون قد أعد١٣ أقواماً آخرين فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهلم جرَّا، فلا يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود١٤.

فصل


اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من القبط، وسبعون١٥ من بني إسرائيل، أكرههم فرعون على ذلك مع كل واحد منهم عصا وحبل.
وقال ابن جريج١٦ : تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب : خمسة عشر ألفاً. وقال السدي : بضعة وثلاثون ألفاً١٧.
وقال القاسم بن سلام : سبعون ألفاً. وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال١٨.
١ أوجس: سقط من ب..
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣ في ب: وهو. وهو تحريف..
٤ [طه: ٤٦]..
٥ في ب: وإنما. وهو تحريف..
٦ لقلب: سقط من الأصل..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ من الآية ٦٨ من السورة نفسها..
٩ في ب: بدأه..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ في الأصل: فلو. وهو تحريف..
١٢ ي ب: عليه الصلاة والسلام..
١٣ ي ب: أوعد. وهو تحريف..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٤. .
١٥ ي الأصل: وسبعين. وهو تحريف. .
١٦ في ب: وقال ابن جريح وعكرمة..
١٧ في ب: عشرون ألفا..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٣..
ثم إنه تعالى١ أزال٢ ذلك الخوف بقوله :﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾٣ أي الغالب : يعني : لك٤ الغلبة والظفر، وذلك٥ يدل على أن خوفه كان لأمر يرجع٦ إلى أنَّ٧ أمره لا يظهر للقوم٨، فآمنه الله بقوله :﴿ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾، وفيه أنوع من المبالغة : أحدها٩ : ذكر كلمة التأكيد وهي ( إنَّ ). وثانيها١٠ تكرير الضمير. وثالثها١١ : لام التعريف. ورابعها١٢ : لفظ العلو، وهو الغلبة الظاهرة١٣.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٨٤..
٢ أزال: سقط من ب..
٣ [طه: ٦٨]..
٤ في ب: أن. وهو تحريف..
٥ في ب: وهذا..
٦ ي ب: راجع..
٧ ن: سقط من ب..
٨ في ب: القوم. وهو تحريف..
٩ ي ب: الأول..
١٠ في ب: الثاني..
١١ في ب: الثالث..
١٢ في ب: الرابع..
١٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٨٤..
قوله :﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ﴾ وها هنا سؤال، وهو أنه لم١ يقل وألق عصاك ؟
والجواب : جاز٢ أن يكون تصغيراً لهما، أي : لا تبالِ بكثرة٣ حِبالِهِمْ وعِصِيهم، وألق العُوَيد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك، فإنَّه بقدرة الله يتلقفها٤ على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها.
وجاز٥ أن يكون تعظيماً لها أي لا تُخيفك هذه٦ الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه٧ على كثرتها أقل شيء عندها، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها٨. قوله :﴿ تَلْقَفْ ﴾ أي : تَلْقَمْ وتبتلع " مَا٩ صَنَعُوا " بسرعة.
قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء١٠ على جواب الأمر١١، وقد تقدم أن حفصاً يقرأ " تَلْقَفْ " بسكون اللام وتخفيف القاف١٢، وقرأ ابن ذكوان هنا " تَلَقَّفُ " بالرفع١٣ إما على الحال١٤، وإما على الاستئناف١٥، وأنّث الفعل في " تَلْقَفْ " حملاً على معنى " ما " لأن معناها العصا١٦، ولو ذكَّر ذهاباً إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به.
وقال أبو البقاء : إنه يجوز أن يكون فاعل " تَلْقَفْ " ضمير موسى١٧ فعلى هذا يجوز أن يكون " تَلْقَفْ " في قراء الرفع حالاً من موسى، وفيه١٨ بُعْد١٩. و ( " صَنَعُوا " ههنا : اختلفوا وزّوَرُوا )٢٠ والعرب تقول في الكذب : هو٢١ كلام مصنوع٢٢. قوله :﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ ﴾٢٣ العامة على رفع " كَيْد " على أنه خبر " إنَّ " و " مَا " موصولة، و " صَنَعُوا " صلتها، والعائد محذوف، والموصول هو الاسم، والتقدير : إنَّ الذي صنعوه كَيْدَ سَاحِرٍ٢٤.
ويجوز أن تكون " مَا " مصدرية فلا٢٥ حاجة إلى العائد، والإعراب بحاله والتقدير :( إنَّ صُنْعَهُمْ )٢٦ كيدُ ساحر٢٧.
( وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليّ " كَيْدَ " بالنصب على أنه مفعول به و " مَا " مزيدة مهيئة٢٨. وقرأ الأخوان :" كَيْدَ سِحْرٍ " ٢٩ على أن )٣٠ المعنى٣١ : كَيْدُ ذُوِي سِحْرٍ٣٢، ( أو جعلوا نفس السحر مبالغةً وتبييناً للكيد، أي حيلةَ سحر، لأنه يكون سحراً وغير سحر )٣٣ كما تميز٣٤ سائر الأعداد بما يفسره٣٥ نحو٣٦ مائة درهم، وألف دينار، ومثله علم فقهٍ وعلمُ نحوٍ٣٧. وقال أبو البقاء :" كَيْدُ سَاحِرٍ " ٣٨ إضافة المصدر إلى الفاعل، و " كَيْدُ سِحْرٍ " إضافة الجنس من النوع٣٩. والباقون :( " سَاحِرٍ " ٤٠ )٤١.
وأفرد٤٢ ساحِراً وإن كان المراد به جماعة، قال الزمخشري : لأن القصد في٤٣ هذا الكلام إلى٤٤ معنى الجنسية لا إلى٤٥ معنى العدد ( فلو جمع لَخُيِّلَ أنَّ المقصود هو العدد٤٦ )٤٧. وقرئ٤٨ " سَاحِرَاً " ٤٩ بالنصب على أن " مَا " كافة٥٠. ثم قال :﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى ﴾ من الأرض. قال ابن عباس : لا يسعد حيث كان. وقيل معناه : حيث احتال٥١.
١ في الأصل: لو وسقط من ب: لم..
٢ في ب: جائز..
٣ في ب: لا تمال لكثرة. وهو تحريف..
٤ في ب: يلتقفها. وهو تحريف..
٥ في ب: وجائز..
٦ في الأصل: بهذه. وهو تحريف..
٧ في ب: وهي..
٨ نظر الكشاف ٢/٤٤٠، الفخر الرازي ٢٢/٨٤..
٩ في ب: لما..
١٠ في ب: الفاعل. وهو تحريف..
١١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٢، البيان ٢/١٤٨، البحر المحيط ٦/٢٦٠..
١٢ في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿فإذا هي تلقف ما يأفكون﴾ [الأعراف: ١٧] وذكر ابن عادل هناك: وقرأ حفص: "تلقف" بتخفيف القاف من لَقِفَ كعلم وركب، يقال: لقفت الشيء ألقفه لقفا ً وتلقفته أتلقفه تلفقا إذا أخذته بسرعة فأكلته أو ابتلعته، ويقال: لقف ولقم بمعنى واحد قاله أبو عبيد. انظر اللباب ٤/٨٣..
١٣ السبعة (٤٢٠- ٤٢١) الحجة لابن خالويه (٢٤٤)، الكشف ٢/١٠١، النشر ٢/٣٢١، الإتحاف (٣٠٥)..
١٤ قال مكي: (قوله: "تلقف" قرأه ابن ذكوان بالرفع، وجزمه الباقون، وخففه حفص وشدده الباقون. وحجة من رفعه أنه جعله حالا من الملقى) الكشف ٢/١٠١، وانظر أيضا مشكل إعراب القرآن ٢/٧٢، الكشاف ٢/٤٤٠..
١٥ انظر الكشاف ٢/٤٤٠..
١٦ انظر البيان ٢/١٤٨، التبيان ٢/٨٩٦، وجوز ابن الأنباري أن تكون التاء للمخاطب، وتقديره: تلقف أنت. وذكر ذلك أبو البقاء حين جوز أن يكون فاعل "تلقف" ضمير موسى، كما سيأتي..
١٧ نظر التبيان ٢/٨٩٦..
١٨ ي الأصل: وبعد..
١٩ لأن المعنى للعصا وليس لموسى..
٢٠ ا بين القوسين سقط من ب..
٢١ هو: سقط من ب..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٤..
٢٣ ساحر: سقط من ب..
٢٤ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٢، البيان ٢/١٤٨، التبيان ٢/٨٩٧ البحر المحيط ٦/٢٦٠..
٢٥ ي ب: ولا..
٢٦ ا بين القوسين في ب: الذين صنعوا. وهو تحريف..
٢٧ انظر التبيان ٢/٨٩٧، البحر المحيط ٦/٢٦٠..
٢٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٣، تفسير ابن عطية ١٠/٥٥، التبيان ٢/٨٩٧، البحر المحيط ٦/٢٦٠..
٢٩ وهما حمزة والكسائي. السبعة (٤٢١)، الكشف ٢/١٠٢ النشر ٢/٣٢١، الإتحاف (٣٠٥)..
٣٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٣١ ي ب: ويجوز أن يكون المعنى..
٣٢ أي: على حذف مضاف..
٣٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٤ في ب: يفسر..
٣٥ في ب: يميزه..
٣٦ في ب: كـ..
٣٧ نظر الكشاف ٢/٤٤٠، البحر المحيط ٦/٢٦٠..
٣٨ ساحر: سقط من الأصل..
٣٩ التبيان ٢/٨٩٧..
٤٠ السبعة (٤٢١)، الكشف ٢/١٠٢، النشر ٢/٣٢١، الإتحاف (٣٠٥)..
٤١ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٢ في ب: أفردوا..
٤٣ في ب: إلى. وهو تحريف..
٤٤ في ب: و. وهو تحريف..
٤٥ إلى : سقط من ب..
٤٦ الكشاف ٢/٤٤٠..
٤٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٨ في ب: و..
٤٩ لم أجد من ذكر هذه القراءة فيمن تيسر لي الرجوع إلى مؤلفاتهم وقرئ "كيد ساحر" بنصب "كيد" وهي قراءة مجاهد وحميد وزيد بن علي كما تقدم..
٥٠ نظر القرطبي ١١/٢٢٤..
٥١ في ب: خان. وهو تحريف..
قوله :﴿ فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً ﴾١ لما ألْقَى ما في يمينه، وصار حيَّةً، وتلقف٢ ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجداً، لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل٣ موسى - عليه السلام٤- خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر ألبتّة، روي أن رئيسهم قال : كُنَّا نغلِبُ الناسَ بالسحر، وكانت ( الآلات )٥ تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأيْنَ ما ألقيناه ؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهوره٦ على يد موسى - عليه السلام٧- على كونه رسولاً صادقاً من عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود. قال الأخفش : إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري : ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم٨ للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة : لما خروا سُجَّداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة٩.
قال القاضي : هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به١٠ قولهم :﴿ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا١١ لِيَغْفِرَ لَنَا ﴾١٢.
وأجيب : أنه١٣ لما جاز لإبراهيم١٤ مع١٥ قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول١٦ :﴿ والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾١٧ فلم لا يجوز في حق السحرة١٨ ؟
قوله :﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى ﴾١٩ احتج التعليمية٢٠ بهذه الآية وقالوا٢١ : إنَّهم آمَنُوا بالله الذي عرفوه من٢٢ قِبَل هارون وموسى، وفي الآية فائدتان :
الفائدة٢٣ الأولى : أنَّ فرعون ادَّعى الربوبية في قوله :﴿ أَنَا رَبُّكُمْ ﴾٢٤. والإلهية في قوله :﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ﴾٢٥ فلو٢٦ قالوا : آمَنَّا بربِّ العالمين، لكان فرعون يقول : إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه تقديمهم ذكر هارون على مُوسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى ( بناء على أنه ربَّاه )٢٧، وقال :﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾٢٨ فالقوم لما احترزوا على إيهامات ( فرعون قدموا ذكر هارون على موسى قطعاً لهذا الخيال.
الفائدة الثالثة : هي أنهم لما شاهدوا )٢٩ ما خصهما الله تعالى به من المعجزات العظيمة٣٠ والدرجات الشريفة قالوا :﴿ رَبِّ هَارُونَ وموسى ﴾٣١.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٨٦..
٢ في ب: وتلقفت. وهو تحريف..
٣ في ب: ألقى..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: وتحويلها وبظهورها..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ ي ب: حبالهم وعصيهم..
٩ لكشاف ٢/٤٤٠ – ٤٤١..
١٠ في ب: لهم. وهو تحريف..
١١ "بربنا": سقط من ب..
١٢ في ب: "لنا خطايانا" [طه: ٧٣]..
١٣ في الأصل: لأنه..
١٤ في ب: لإبراهيم عليه الصلاة والسلام..
١٥ في ب: مع كونه..
١٦ في ب: بقوله. وهو تحريف..
١٧ من قوله تعالى: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ [الشعراء: ٨٢]..
١٨ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢٢/٨٦..
١٩ في ب: قوله: برب العالمين. رب موسى وهارون} [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]..
٢٠ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢/٨٧. ولم أجد فيما رجعت إليه من كتب الفرق والمذاهب من ذكر التعليمية..
٢١ ي ب: وقال. وهو تحريف..
٢٢ من: سقط من ب..
٢٣ الفائدة: سقط من ب..
٢٤ في ب: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]..
٢٥ [القصص: ٣٨]..
٢٦ في ب: فلوا. وهو تحريف..
٢٧ ما بين القوسين في ب: كونه رباه..
٢٨ [الشعراء: ١٨]..
٢٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٠ ي ب: من الوحي والمعجزات العظيمة..
٣١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٨٧..
قوله: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ اعلم أن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أنْ يصير ذلك سبباً لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان بالله وبرسوله ففي الحال ألقى هذه الشبهة في النبي، وهي مشتملة على التنفير من وجهين:
الأول: أن الاعتماد على أول خاطر لا يجوز بل لا بد فيه من البحث، والمناظرة، والاستعانة بخواطر الغير، فلمَّا لم تفعلوا شيئاً من ذلك بل في الحال «آمَنْتُمْ لَهُ» دَلَّ ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة بل لسبب آخر.
والثاني: قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ يعني: أنكم تلامذته في السحر، فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيماً لشأنه. ثم بعد إيراد هذه الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيراً لهم عن الإيمان، وتنفيراً لغيرهم عن الاقتداء بهم، فقال: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾.
قوله: «لأُقَطِّعَنَّ» تقدم نحوه، و «مِنْ خِلاَفٍ» حال أي مختلفة و «مِنْ» لابتداء الغاية، وتقدم تحرير هذا، وما قرئ به وقوله: «فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» يحتمل أن يكون
319
حقيقة، ففي التفسير أنه نَقَّر جذوع النخل حتى جوَّفَها ووضعَهُم فيها فماتوا جوعاً وعطشاً وأن يكون مجازاً، وله وجهان:
أحدهما: أنه وضع (في) مكان (عَلَى)، والأصل: على جذوع النخل، كقول الآخر:
٣٦٧٥ - بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ (بتَوْأَمِ)
والثاني: أنه شبه تمكنهم بتمكن مَنْ حواء الجذع واشتمل عليه، شبه تمكن المصلوب في الجِذْعِ بتمكُّن الشيء الموعَى في وعائه، فلذلك قيل «فِي جُذُوعِ النَّخْلِ». ومِنْ تَعدِّي (صَلَبَ) ب (فِي) قوله:
٣٦٧٦ - وَقَدْ صَلَبُوا العَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلاَ عَطَسَتْ شَيْبَانُ إلاَّ بِأَجْدَعَا
قوله: «أيُّنَا أَشَدُّ» مبتدأ وخبر، وهذه الجملة سادة مسد المفعولين إنْ كانت (علم) على بابها، ومسد واحد إنْ كانت عِرفَانِيَّة. وبجوز على جعلها عِرْفَانِية أن
320
تكون «أيْنَا» موصولة بمعنى (الذي) وينبت لأنها قد أضيفت وحذف صدر صلتها و «أَشَدُّ» خبر مبتدأ محذوف، والجملة من ذلك المبتدأ وهذا الخبر صلة ل «أَيّ»، و «أَيُّ» وما في خبرها في محل نصب مفعولاً به كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن﴾ [مريم: ٦٩] في أحد وجهيه كما تقدم. و «أَشَدُّ عذاباً» أي: أَنَّا عَلى إيمانُكم بهِ أو رَبّ موسى على تلاك الإيمان به، «وَأَبْقَى» أي: أَدْوَمْ.
فإن قيل: إنَّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيَّة عظيمة، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآلَ الأمرُ إلى أنْ استغاثَ بموسى من شر ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزئ بموسى، ويقول: «أيّنا أَشَدُّ عذاباً» ؟
فالجواب: يجوز أن يقال: إنَّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنَّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشيةٌ لِنَامُوسِهِ، وترويجاً لأمره.
ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنَّ العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذابَ الله أشدُّ من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك.
وأيضاً: فقد كان عالماً بكذبه في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ لأنه علم أنْ موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصَّلَ ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك ما ذكرناه، وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء.
321
قوله: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات﴾ أي لن نختارك على ما جاءنا من
321
الدلالات. لمَّا هددهم فرعون أجابوه بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة في أصول الدين، فقالوا: «لَنْ نُؤْثِرَكَ»، وهذا يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلاَّ فَعَل بهم وما وعدهم، (فأجابوه بقولهم) :«لَنْ نُؤْثِرَكَ»، وبيَّنوا العلة، وهي أنَّ الذي جاءهم ببينِّات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا.
وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا: لو كان هذا سحراً فأين حبالُنا وعصيُّنا.
قوله: «والَّذِي فَطَرَنَا» فيه وجهان:
أحدهما: أن الواوَ عاطفة عطفت (هذا الموصول) على «مَا جَاءَنَا» أي: لن نؤثرك على الذي جاءَنا وَلاَ عَلَى الذي فَطَرَنَا، أي على طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته، وإنما أخروا ذكر الباري تعالى لأنَّه من باب الترقي من الأدْنَى إلى الأعلى.
والثاني: أنَّه واو قسم، والموصول مقسم به، وجواب القسم محذوف، أي وحق الذي فطرنا لن نؤثرك على الحق، ولا يجوز أن يكونَ الجواب «لَنْ نُؤَثِرًكَ» عند من يجوز تقديم الجواب، لأنه لا يجاب القسم ب «لَنْ» إلا في شذوذ من الكلام.
قوله: ﴿فَطَرَنَا فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
أظهرهما: أنها موصولة بمعنى الذي، و «أَنْتَ قَاضٍ» صلتها والعائد محذوف، أي
322
قاضية، وجاز حذفه وإن كان مخفوضاً، لأنه منصوب المحل، أي فاقضِ الذي أنت قاضيه.
والثاني: أنها مصدرية ظرفية، والتقدير: فاقْضِ أمرَك مدة ما أنتَ قاضٍ.
ذكر ذلك أبو البقاء. ومنع بعضهم جعلّها مصدرية، قال: لأنَّ «مَا» المصدرية لا توصل بالجمل الاسمية. وهذا المنع ليس مجمعاً عليه بل جوَّز ذلك جماعة كثيرة، ونقل ابن مالك أن ذلك إذا دلَّت (ما) على الظرفية وأنشد:
٣٦٧٧ - وَاصِلْ خَلِيلَكَ مَا التَّوَاصُلُ مُمْكِنٌ فَلاَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ
ويقل إن كانت غيره ظرفية وأنشد:
323
قوله: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾ يجوز في «ما» هذه وجهان:
أحدهما: أن تكون المهيئة لدخول «إنْ» على الفعل، و «الحَيَاةِ الدُّنْيَا» ظرف ل «تَقْضِي»، ومفعوله محذوف، أي: يقضي غرضك وأمرك. ويجوز أن تكون الحياة مفعولاً به على الاتساع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به كقولك صُمْتُ يومَ الجمعة، ويدل لذلك قراءة أبي حَيْوَة: «تُقْضَى هَذِهِ الحَيَاة» ببناء الفعل للمفعول، ورفع «الحَيَاةُ» لقيامها مقام الفاعل، وذلك أنه اتسع فيه فقام مقام الفاعل فرفع.
والثاني: أنْ تكون «مَا» مصدرية هي اسم «إنَّ»، والخبر الظرف والتقدير: إنَّ قَضَاءَك في هذه الحياة الدنيا، يعني: إن لَكَ الدنيا فقط، ولنا الآخرة.
وقال أبو البقاء: فإنْ كانَ قد قُرِئَ بالرفع فهو خبر «إن» يعني لو قرئ برفع «الحَيَاةُ» لكان خبراً ل «إنَّ»، ويكون اسمها حينئذ «مَا» وهي موصولة بمعنى الذي، وعائدُها محذوف تقديره: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا لا غيرها.
قوله: «وَمَا أَكْرَهْتَنَا» يجوز في «مَا» هذه وجهان:
أحدهما: أنها موصولة بمعنى «الَّذِي»، وفي محلها احتمالان:
أحدهما: أنَّها منصوبة المحل نسقاً على «خَطَايَانَا» أي ليغفرَ لنا أيضاً الذي أكرهتنا. والاحتمال الثاني: أنَّها مرفوعة المحل على الابتداء، والخبر محذوف
324
تقديره: والذي أكرهتَنا عليه من السحر محطوط عنا، أو لا يؤاخذ به (ونحوه)
والوجه الثاني: أنَّها نافية، قال أبو البقاء: وفي الكلام تقديم تقديره: ليغفر لنا خَطَايَانَا من السحر ولم تكرهنا عليه. وهذا بعيد عن المعنى، والظاهر هو الأول. و «مِنَ السِّحْرِ» يجوز أن يكون حالاً من الهاء في «عَلَيْه» أو من الموصول. ويجوز ان تكون لبيان الجنس.

فصل


قال المفسِّرون: لَمَّا علم السحرة أنهم متى أصرُّوا على الإيمان أوقع بهم فرعون ما أوعدهم به فقالوا: «اقْضِ مَا أْنْتَ قَاضٍ» لا على وجه الأمر، لكن أظهروا أنَّ ذلك الوعيد لا يزيلهم عن إيمانهم البتة، ثم بيَّنُوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك، فقالوا: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾ أي قضاؤك وحكمك أن يكون في هذه الحياة (الدنيا). وهي نافية تزول عن قريب، ومطلوبنا سعادة الآخرة، وهي باقية. والعقل يقتضي تحمل الضَّرَر الفاني للتوصل إلى السعادة الباقية. ثم قالوا: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾، ولمَّا كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا: ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾، وفي ذلك الإكراه وجوه:
الأول: قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: إنَّ ملوك ذلك الزمان كانوا يأخذون بعض رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر، فإذا شاخ أحدهم بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقتٍ مَنْ يُحسنه، فقالوا ذلك أي: كُنَّا في التعلم الأول والتعليم ثانياً تكرهُنَا، وهو قول الحسن. وقال مقاتل: كانت السَّحَرةُ اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل كان فرعون أكرههم على تعليم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون أَرِنَا مُوسَى إذا نام، فأراهم نائماً، فوجدوه
325
تحرسه عصان، فقالوا لفرعون: إن هذا ليس بسحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن يعارضوه.
وقال الحسن: إن السحرةَ جَرُوا من المدائن ليعارضوا موسى فأحْضَرُوا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور لقوله: ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٦، ٣٧]
وقال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه. وهذا ضعيف، لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً. ثم قالوا: ﴿والله خَيْرٌ وأبقى﴾ قال محمد بن إسحاق: خَيْرٌ منكَ ثواباً، وأبقَى عقاباً لمن عصاه.
وقال محمد بن كعب: خيرٌ منكَ إن أطيع وأبْقَى عذاباً منك إن عُصِي.
(وهذا جواب لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ ).
326
قوله :﴿ وَمَا أَكْرَهْتَنَا ﴾ يجوز١ في " مَا " هذه وجهان :
أحدهما : أنها موصولة٢ بمعنى " الَّذِي "، وفي محلها احتمالان :
أحدهما : أنَّها منصوبة المحل نسقاً على " خَطَايَانَا " أي ليغفرَ لنا أيضاً الذي أكرهتنا٣. والاحتمال الثاني : أنَّها مرفوعة المحل على الابتداء، والخبر محذوف تقديره : والذي أكرهتَنا عليه من السحر محطوط عنا، أو لا يؤاخذ به ( ونحوه٤ )٥
والوجه الثاني : أنَّها نافية، قال أبو البقاء : وفي الكلام تقديم٦ تقديره : ليغفر لنا خَطَايَانَا من السحر ولم تكرهنا عليه٧. وهذا بعيد عن المعنى، والظاهر هو الأول٨. و " مِنَ السِّحْرِ " يجوز أن يكون حالاً من الهاء في " عَلَيْه " أو من الموصول٩. ويجوز أن تكون لبيان الجنس.

فصل١٠


قال المفسِّرون : لَمَّا علم السحرة أنهم متى أصرُّوا على الإيمان أوقع بهم فرعون ما أوعدهم به فقالوا :" اقْضِ مَا أْنْتَ قَاضٍ " لا على وجه١١ الأمر، لكن أظهروا أنَّ ذلك الوعيد لا يزيلهم عن إيمانهم البتة، ثم بيَّنُوا ما لأجله يسهل١٢ عليهم احتمال ذلك، فقالوا :﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ ﴾ أي قضاؤك وحكمك أن يكون في هذه الحياة ( الدنيا )١٣. وهي نافية تزول عن قريب، ومطلوبنا سعادة الآخرة، وهي باقية. والعقل يقتضي تحمل الضَّرَر الفاني للتوصل إلى السعادة الباقية. ثم قالوا :﴿ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ﴾، ولمَّا كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا :﴿ وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر ﴾، وفي ذلك الإكراه وجوه :
الأول : قال ابن عباس - رضي الله عنهما- : إنَّ ملوك ذلك الزمان كانوا يأخذون بعض رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر، فإذا شاخ أحدهم بعثوا إليه أحداثاً١٤ ليعلمهم ليكون في كل وقتٍ مَنْ يُحسنه، فقالوا ذلك أي : كُنَّا في التعلم الأول والتعليم١٥ ثانياً تكرهُنَا، وهو قول الحسن. وقال مقاتل : كانت السَّحَرةُ اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل كان فرعون أكرههم على تعليم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان١٦ : قالت السحرة لفرعون أَرِنَا مُوسَى إذا نام، فأراهم موسى نائماً، فوجدوه تحرسه عصان، فقالوا لفرعون : إن هذا ليس بسحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن يعارضوه.
وقال الحسن : إن السحرةَ جَرُوا١٧ من المدائن ليعارضوا موسى فأحْضَرُوا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور لقوله :﴿ وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴾١٨
وقال عمرو بن عبيد١٩ : دعوة السلطان إكراه. وهذا ضعيف، لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً. ثم قالوا :﴿ والله خَيْرٌ وأبقى ﴾ قال محمد بن إسحاق : خَيْرٌ منكَ ثواباً، وأبقَى عقاباً لمن عصاه.
وقال محمد بن كعب : خيرٌ منكَ إن أطيع وأبْقَى عذاباً منك إن عُصِي٢٠.
( وهذا جواب لقوله :﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى ﴾٢١ ).
١ يجوز: سقط من ب..
٢ في ب: الأول أن تكون موصولة له. .
٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٣، البيان ٢/١٤٩، التبيان ٢/٨٩٨..
٤ انظر البيان ٢/١٤٩، التبيان ٢/. ٨٩٨..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ ي ب: مقدم. وهو تحريف. .
٧ التبيان ٢/٨٩٨. "ومن السحر" على هذا الوجه بـ"خطايانا" وعلى الوجه الأول بـ "أكرهتنا". انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٣..
٨ في ب: والأول أظهر..
٩ انظر التبيان ٢/٨٩٨..
١٠ ١١ هذا الفصل نقله ابن عادل كاملا ببعض من التصرف من كتابي البغوي (٥/٤٤٤) والفخر الرازي ٢٢/٨٩)..
١١ في ب: سبيل..
١٢ في ب: سهل..
١٣ ما بين القوسين سقط من ب..
١٤ في ب: أحدا ما. وهو تحريف..
١٥ في الأصل: والتعليم..
١٦ هو عبد العزيز بن أبان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاصي أبو خالد السكوني، نزيل بغداد، روى عن فطر بن خليفة، وهارون بن سليمان الفراء وغيرهما، مات سنة ٢٠٧ هـ. تهذيب التهذيب ٦/٣٢٩ – ٣٣١..
١٧ في ب : خرجوا..
١٨ [الشعراء: ٣٦، ٣٧]..
١٩ هو عمرو بن عبيد التميمي، مولاهم أبو عثمان البصري، رأس المعتزلة على زهده، كان المنصور يعتقد صلاحه، أخذ عن أبي العالية، والحسن، وأخذ عنه الحمّادان، والقطّان، مات سنة ١٤٤ هـ. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢/٢٩١..
٢٠ في ب: قال محمد بن كعب: خير منك ثوابا. وقال محمد بن إسحاق خير منك ثوابا وأبقى عقابا لمن عصاه..
٢١ ا بين القوسين سقط من ب..
قوله: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ قيل: هذا ابتداء كلام من الله تعالى وقيل: من تمام قول السحرة ختموا كلامهم بشرح أحوال المجرمين وأحوال المؤمنين في عرصة القيامة. والهاء في «إنَّه» ضمير الشأن، والجملة الشرطية خبرها، و «مُجْرِماً» حال من فاعل «يأت». وقوله: «لاَ يَمُوتُ» يجوز أن يكون حالاً من الهاء في «لَهُ» وأن يكون حالاً
326
من جهنم، لأنَّ في الجملة ضمير كل منهما. والمراد بالمجرم المشرك الذي مات على الشرك ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح «وَلاَ يَحْيَى» حياة ينتفع بها. فَإنْ قيلَ: الجسم الحيُّ لا بد وأن يبقى حيَّاً أو ميتاً فخلوه عن الوصفين محال. فالجواب: أنَّ المعنى يكون في جهنم بأسوأ حال لا يموت موتة مريحة ولا يَحْيَى حياة (ممتعة).
وقال بعضهم: إن لنا حالاً ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أنْ يهدى فلا هو حَيٌّ، أنه قد ذبح ذبحاً لا يبقى الحياة معه، ولا هو ميت، لأن الروح لم تفارقه بعد فهي حالة ثانية.

فصل


استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر: قالوا: صاحب الكبيرة مجرم، وكل مجرم فإنَّ له جَهَنَّم لقوله: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ وكلمةُ (مَنْ) في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل.
وأجيبت بأنه لا نَسَلَّم أن صاحب الكبيرة مجرم، لأنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن لقوله: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾، وقال: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، وأيضاً: فإنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقّه، فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَكُونُ بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح «يَخْرُجُ من النَّار مَنْ كانَ في قلبه مثقال ذرة من الإيمان». قال ابنُ الخطيب: وهذه اعتراضات ضعيفة أما قوله:
327
إنَّ الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فمسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن، فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط. وقوله ثانياً: إنه لا يليق بصاحب الكبيرة (أن يقال في حقه) : إِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى. قلنا: لا نسلم فإنَّ عذاب جهنَّم في غاية الشدة قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وأما الحديث فقالوا: القرآن بخبر الواحد، ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وللخصم أن يجيب بأن ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز الرجوع إليها ههنا.
واعترض آخر فقال: أجمعنا على أن هذه المسألة مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته، والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب، لكن عندنا العفو مُحْبِطٌ للعقاب، وعندنا أنَّ المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لا بد وأن يدخل جهنم.
قال ابن الخطيب: وهذا الاعتراض أيضاً ضعيف. أمَّا شَرْطُ نفي التوبة فلا حاجة إليه، لأنه قال: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾، لأن المجرم اسم ذم، فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن يقول: عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى﴾، وكلامنا فيمن أتى بالإيمان (والأعمال الصالحة) ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر.
فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. قلنا: لِمَ لا يجوز
328
أنْ يقال: ثواب الإيمان يدفع عقابَ المعصية؟ فإن قالوا: فلو كان كذلك لوجب أن لا يجوز إقامة الحد عليه. قلنا: أما اللعن فغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد فقد يكون على سبيل المحنة كما في حق التائب، وقد يكون على سبيل التنكيل. قالت المعتزلة: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله﴾ [المائدة: ٣٨] فالله تعالى نصَّ على أنَّه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذَا لم يبق ذلك لم يبق الثواب على قولنا: إن عذاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة. فقد انتهى كلامهم في مسألة الوعيد.
قلنا: حاصل الكلام يرجع إلى أنَّ هذا النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس، وذلك أن المؤمن كما ينقسم إلى السَّارق وإلى غير السَّارق، فالسَّارق ينقسم إلى المؤمن وغير المؤمن، فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص، وإذا تعارضا تساقطا. ثم نقول: لا نُسَلمُ أنَّ كلمة «مَنْ» في إفادة العموم قطيعة بل ظنية (ومسألتنا قطعيَّة) فلا يجوز التعويل على ما ذكرتموه.

فصل


تمسك المجَسَّمة بقوله: «مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ» فقالوا: الجسم إنما يأتي ربع لو كان الربّ في المكان.
وجوابه أنَّ الله تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتْيَاناً إلى الله مجازاً
329
كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
قوله: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾.
قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر وقالون ويعقوب والآخرون بالإشباع. «مُؤْمِناً» مات على الإيمان «قَدَ عَمِل» أي وقد عمل الصالحات، واعلم أن قوله: ﴿قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات وذلك بالاتفاق غير معتبر ولا ممكن، فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات ثم ذكر أنَّ مَنْ أتى بالإيمان والأعمال الصالحة كانت لهم الدرجات العلا، ثم فسر الدرجات العلا فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأنه تعالى جعل الدرجات العلا من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية ولا بد وأن تكون لغيرهم، وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.
والعلا: جميع العليا، والعليا تأنيث الأعلى.
قوله: «جَنَّاتُ» بدل من الدَّرَجَاتُ «أو بيان، قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون التقدير: هِي جَنَّاتُ، لأن» خَالِدِينَ «على هذا التقدير لا يكون في الكلام ما يعمل في الثاني، وعلى الأول يكون في الحال الاستقرار، أو معنى الإشارة.
قوله: ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾ قال ابن عباس: يريد من قال: لا إله إلا الله ومعنى»
تَزَكَّى «تطهَّر من الذنوب، قال عليه السلام» إنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى لَتَرَوْنَهُمْ مِنْ تَحْتِهِمْ كَمَا تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّي فِي أُفقِ السَّمِاء، وإنَّ أبَا بَكْر وَعُمَر مَنْهُم «واعلم أنَّه ليس في القرآن أنَّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار.
330
قوله :﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً ﴾.
قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر١ وقالون ويعقوب والآخرون بالإشباع٢. " مُؤْمِناً " مات على الإيمان " قَدَ عَمِل " ٣ أي وقد عمل الصالحات، واعلم أن قوله :﴿ قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾ يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات وذلك بالاتفاق غير معتبر ولا ممكن، فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات،
١ في ب: ويحكها وأبو جعفر..
٢ السبعة (٢٠٧ – ٢١٢)..
٣ ي ب: قوله: "قد عمل"..
ثم ذكر أنَّ مَنْ أتى بالإيمان والأعمال الصالحة كانت لهم الدرجات العلا، ثم٤ فسر الدرجات العلا فقال :﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾.﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأنه تعالى جعل الدرجات العلا من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية ولا بد وأن تكون لغيرهم، وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان١.
والعلا : جميع العليا، والعليا تأنيث الأعلى٢.
قوله :﴿ جَنَّاتُ ﴾ بدل من الدَّرَجَاتُ " أو بيان، قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون التقدير : هِي جَنَّاتُ، لأن " خَالِدِينَ " على هذا التقدير لا يكون في الكلام ما يعمل في الثاني، وعلى الأول يكون في الحال الاستقرار، أو معنى الإشارة٣.
قوله :﴿ وذلك جَزَآءُ مَن تزكى ﴾ قال ابن عباس : يريد من قال : لا إله إلا الله٤ ومعنى " تَزَكَّى " تطهَّر من الذنوب، قال عليه السلام٥ " إنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى٦ لَتَرَوْنَهُمْ مِنْ تَحْتِهِمْ كَمَا تَرَوْنَ الكَوْكَبَ٧ الدُّرِّي فِي أُفقِ السَّمِاء، وإنَّ أبَا بَكْر وَعُمَر مَنْهُم " ٨ واعلم أنَّه ليس في القرآن أنَّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين٩ ما أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار١٠.
١ نظر الفخر الرازي ٢٢/٩١..
٢ في لسان العرب (علا): والعلى: جمع العليا أي جمع الصفة العليا والكلمة العليا، ويكون العلى جمع الاسم الأعلى، وصفة الله العليا شهادة أن لا إله إلا الله فهذه أعلى الصفات، ولا يوصف بها غير الله وحده لا شريك له..
٣ لتبيان ٢/٨٩٨..
٤ نظر الفخر الرازي ٢٢/٩١..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ العلى: سقط من ب..
٧ في ب: الكواكب. وهو تحريف..
٨ أخرجه الترمذي (مناقب) ٥/٢٦٨، ابن ماجه (مقدمة) ١/٣٧، أحمد ٣/٢٧..
٩ ي ب: بهؤلاء المؤمنين. .
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩١..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الآية. وفي هذه الآية دلالة على أنَّ موسى - عليه السلام - في تلك (الحال كثرة مستجيبوه) فأراد الله تعالى تمييزهم من طائفة فرعون، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسُّرَى سَيْرُ الليل، والإسراء مثله والحكمة في السُّرَى بهم: لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادهم أو ليكون ذلك عائقاً لفرعون عن طلبه ومتبعيه أو ليكون إذا تقارب العسكران لا يرى عسكرُ موسى عسكرَ فرعون فلا يهابونهم.
قوله: ﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً﴾ في نصب «طريقاً» وجهان:
أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، وذلك في سبيل المجاز، وهو أنَّ الطريقَ متسبِّبٌ عن ضرب البحر، إذ المعنى: اضرب البحرَ لينفلق لهم فيصير طريقاً فبهذا يصح نسبة الضرب إلى الطريق. وقيل: ضرب هنا بمعنى جعل، أي: اجعَلْ لهم طريقاً وأشرعه فيه.
والثاني: أنه منصوب على الظرف، قال أبو البقاء: التقدير موضع طريق فهو مفعول به على الظاهر، ونظيره قوله: أن اضْرِب بِعَصَاكَ البَحْرَ وهو مثل ضَربْتُ زيداً. وقيل: ضرب هنا بمعنى جَعَل وشَرَع مثل قولهم: ضَرَبْتُ له
331
بسهم. انتهى. فقوله على الظَّاهر، يعني أنه لولا التأويل لكان ظرفاً. قوله: «يَبَساً» صفة ل «طريقاً» وصف به لِما يؤول إليه، لأنه لم يكن يَبَساً بعد إنَّما مرَّت عليه الصبا فجففته كما روي في التفسير. وقيل: في الأصل مصدر وصف به مبالغة، (أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم وخَدَم، وصف به الواحد مبالغة) كقوله:
٣٦٧٩ -......................................................... وَمِعًى جِيَاعَا
أي: كجماعة جِياع، وصف به لفرط جوعه.
وقرأ الحسن: «يَبْساً» بالسكون، وهو مصدر أيضاً.
وقيل: المفتوح اسم، (والساكن مصدر). وقرأ أبو حَيْوة: «يَابِساً» اسم فاعل جعله بمعنى الطريق. ومن قرأ «يَبَساً» بتحريك الباء، فالمعنى: طريقاً ذا يبس. ومن قرأ بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس فالمعنى ما كان فيه وحل ولا نداوة فضلاً عن الماء، وذلك أن الله - تعالى - أيْبَسَ لهم الطريق في البحر.
332
قوله: «لاَ تَخَافُ» العامة على «لاَ تَخَافُ» مرفوعاً، وفيه أوجه:
أحدها: أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب.
الثاني: أنه في محل نصب على الحال من فاعل «اضْرِب» غير خائف.
والثالث: أنه صفة ل «طريقاً»، والعائد محذوف، أي: لاَ تَخَافُ فيه وحمزة وحده من السبعة: «لاَ تَخَفْ» بالجزم، وفيه أوجه:
أحدها: أن يكون نهياً مستأنفاً.
الثاني: أنَّه نهيٌ أيضاً في محل نصب على الحال من فاعل «اضْرِب»، أو صفة ل «طَريقاً» كما تقدم في قراءة العامة إلا أن ذلك يحتاج إلى إضمار قول، أي مقولاً لك، أو طريقاً مقولاً فيه: لاَ تَخَفْ كقوله:
333
٣٦٨٠ - جَاءُوا بِمَذْق هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطّ... الثالث: مجزوم على جواب الأمر، أي: إن تَضْرِبْ طريقاً يبساً لاَ تَخَفْ.
قوله: «دَرَكاً» قرأ أبو حَيْوة «دَرْكاً» بسكون الراء. والدَّركُ والدَّرْكُ اسمان من الإدراك، أي: لا يُدْرك فرعونُ وجنودُه وتقدم الكلام عليهما في سورة النساء، وأن الكوفيين قرءوه بالسُّكون كأبي حيوة هنا.
قوله: «وَلاَ تَخْشَى» لم يقرأ بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ «لاَ تَخَفْ» جزماً أن يقرأ «لاَ تَخْشَ» بحذفها كذا قال بعضهم وليس بشيء، لأن القراءة سنة، وفيها أوجه:
أحدها: أن تكون حالاً، وفيه إشكال، وهو أنَّ المضارع المنفي بلا كالمثبت في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ، أي وأنت لا تخشى، كقوله:
334
٣٦٨١ - نَجَوْتَ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا... والثاني: أنه مستأنف أخبره تعالى أنه لا يحصل له خوف.
والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديراً، كقوله:
٣٦٨٢ - إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ... وَلاَ تَرضَّاهَا وَلاَ تَمَلُّقِ
وقوله:
٣٦٨٣ - كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أسِيراً يَمَانِيَا... ومنه «فَلاَ تَنْسَى» في أحد القولين إجراءً لحرف العلة مجرى الحرف الصحيح، وقد تقدم ذلك في سورة يوسف عند قوله تعالى «مَنْ يَتَّقِي».
335
الرابع: أنه مجزوم أيضاً بحذف حرف العلة، وهذه الألف ليست تلك، أعني لام الكلمة، إنما هي ألف إشباع أُتِيَ بها موافقة للفواصل ورؤوس الآي، فهي كالألف في قوله: «الرَّسُولا» و «السَّبِيلا»، و «الظُّنُونَا».
وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها من قراءة جزم «لاَ تَخَفْ»، وأما من قرأه مرفوعاً فهذا معطوف عليه، أي لا تَخَافُ إدْرَاكَ فرعون ولا تخشى الغرقَ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ قال أبُو مسلم: يزعم رواة اللغة أنَّ «أتْبَعَهُمْ وتَبعَهُمْ» واحد، وذلك جائز ويحتمل أن تكون الباء زائدة، أي أتبَعَهُم فرعونُ جنوده كقوله: «لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي» (أسْرَى بِعَبْدِهِ).
وقال غيره: في بَاء «بجنوده» أوجه:
أحدهما: أن تكون الباء للحال، وذلك على أن «أَتْبَعَ» متعد لاثنين حذف ثانيهما، والتقدير: فَأتْبَعَهُمْ فرعونُ عقابَه، وقدَّره أبو حيَّان: رُؤَسَاءَه وحشَمَهُ.
قال شهاب الدين: والأول أحسن.
336
والثاني: أن الباءَ زائدة في المفعول الثاني. والتقدير: فَأتْبَعَهُمْ فِرعون جنوده، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٣٦٨٤ - (................................................... لاَ يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ)
وأتبع قد جئتها متعدياً لاثنين مصرح بهما قال تعالى: وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَاتِهِمْ.
والثالث: أنها معدية على أن «أتْبَعَ»، قد يتعدى لواحد بمعنى تَبع ويجوز على هذا الوجه أن تكون الباء للحال أيضاً، بل هو الأظهر. وقرأ أبو عمرو في رواية والحسن «فأتْبَعَهُمْ» بالتشديد، وكذلك قراءة الحسن في جميع القرآن إلا في قوله:
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] قوله: «مَا غَشِيَهُمْ» فاعل «غَشِيَهُمْ» وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي: ما يقل لفظها ويكثر معناها، أي فَغَشِيَهُمْ مَا لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وقراءة الأعمش «فَغَشَّاهُمْ» مضعَّفاً، وفي الفاعل حينئذ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه «مَا غَشَاهُمْ» كالقراءة قبله، أي غطَّاهم من اليَمِّ ما غطَّاهُم.
والثاني: هو ضمير الباري تعالى. أي: فَغَشَّاهُم الله.
337
والثالث: هو ضمير فرعون، لأنه السبب في إهلاكهم.
وعلى هذين الوجهين: ف «مَا غَشَّاهُمْ» في محل نصب مفعولاً ثانياً.

فصل


قيل: أمرَ فرعونُ جنوده أن يَتْبَعُوا موسى وقومه، وكان هو فيهم «فَغَشِيَهُمْ» أصابهم «مِنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ»، وهو الغرق.
وقيل: «غَشِيَهُمْ»، علاهم وسترهم ﴿مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ يريد بعض ماء اليم لا كلّه.
وقيل: غَشِيَهُم من اليَمِّ ما غشي قوم موسى فغرقوا هم ونَجَا موسى وقومه.
قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ أي بما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون، وتهكم به في قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] احتج القاضي بقوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ وقال: لو كان الضلال من خلق الله لما جاز أن يقال: «وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ» بل وجب أن يقال: «اللهُ أَضَلَّهُمْ»، لأن الله ذمَّه بذلك، فكيف يكون خالقاً للكفر، لأنَّ مَنْ ذمَّ غيره بشيء لا بد وأنْ يكون المذموم هو الذي فعله وإلا استحق الذم.

فصل


قال ابن عبَّاس: لمَّا أمر تعالى موسى أن يقطعَ بقومه البحر، وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحُلِيّ والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم
338
ليلاً. وكان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم فأخذوه، وقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي. فقالت: أكون معك في الجنة. فلما خرجوا تَبِعَهُم فرعون، فلما انتهى موسى إلى البحر، (قال: هنا أُمِرْتُ، فَأوْحَى الله إليه أن اضْرِبْ بِعَصَاكِ البَحْرَ)، فضربه فانفلق، فقال لهم موسى: ادخلوا فيه قالوا: كيف وهي رطبة؟ فدعا ربّه فهبت عليهم الصبا فجفت. فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينَهُم كوًى حتى يرى بعضُهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جازوا، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه: إنَّ موسى قد سَحَر البَحْرَ كما ترى، وكان على فرس حصان فأقبل جبريل عليه السلام (على فرس أنْثَى في ثَلاثَةٍ وثلاثين من الملائكة، فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون). فأبصر الحصانُ الفرسَ فاقتحم بفرعون على أثرها، وصاحت الملائكة في الناس الحقُوا حتى إذا دخل آخرهم، وكان أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادْعُ اللهَ أنْ يخرجهم لنا (حتى ننظر إليهم)، فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سِلاحِهم.
قال ابن عبَّاس: إنَّ جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو رأتني وأنا أدسّ فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب. فهذا معنى ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال ابن الخطيب: وفي القصة أبحاث:
الأول: قال بعض المفسرين: إن موسى لما ضربَ البحرَ انفرق اثنا عشر طريقاً يابساً، وبقي الماء قائماً بين الطريقين طالطود العظيم وهو الجبل، فأخذ كلُّ سبط من بني إسرائيل في طريق، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣]
339
ومنهم من قال: إنَّما حصل طريق واحد لقوله: ﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾ ويمكن حمله على الجنس.
الثاني: أن قول بني إسرائيل بعد أن أظهر لهم الطرق وبينها تعنتوا وقالوا نريدُ أنْ يرى بعضُنا بعضاً فهذا كالبعيد، لأن القومَ لما أبْصَروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء نفسه في التهلكة، فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق البَحْر ليس بأمره، وذكروا عند هذا وجهين:
أحدهما: أنَّ جبريل - عليه السلام - كان على الرَّمْكَة فتبعه فرس فرعون. ولقائلٍ أن يقول: هذا بعيد، لأنه يبعد أن يكون خوضُ الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر. وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوا لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور، وذلك مما يزيده خوفاً، ويحمله عن الإمساك على الدخول. وأيضاً: فأيُّ حاجةٍ لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكنه أن يأخذه مع فرسه ويرميه في الماء ابتداء؟ بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدمة العسكر بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل أغرقهم الله.
الرابع: أن قولهم عن جبريل إنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من أن يؤمن فبعيد، لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء.
الخامس: روي أن موسى عليه السلام كَلَّمَ البحرَ فقال انفلق لي لأعبر، فقال البحر: لا يَمُرُّ عليَّ رجل عاص. وهذا غير ممتنع على أصول أهل السنة، لأن عندهم البنية ليست شرطاً للحياة، وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على المقال.
340
قوله :﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ قال أبُو مسلم : يزعم رواة اللغة أنَّ " أتْبَعَهُمْ وتَبعَهُمْ " واحد، وذلك جائز١ ويحتمل أن تكون الباء زائدة، أي أتبَعَهُم فرعونُ جنوده٢ كقوله :﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ﴾٣ ( أسْرَى بِعَبْدِهِ )٤ ٥ ٦.
وقال غيره٧ : في بَاء " بجنوده " أوجه :
أحدها٨ : أن تكون الباء للحال، وذلك على أن " أَتْبَعَ " متعد٩ لاثنين حذف ثانيهما، والتقدير : فَأتْبَعَهُمْ فرعونُ عقابَه١٠، وقدَّره أبو حيَّان : رُؤَسَاءَه وحشَمَهُ١١.
قال شهاب الدين : والأول أحسن١٢.
والثاني١٣ : أن الباءَ زائدة في المفعول الثاني١٤. والتقدير : فَأتْبَعَهُمْ فِرعون جنوده، كقوله تعالى :﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ ﴾١٥.
(. . . ***. . . لاَ يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ١٦ )١٧
وأتبع قد جئتها متعدياً١٨ لاثنين مصرح بهما قال تعالى : وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَاتِهِمْ١٩.
والثالث٢٠ : أنها معدية٢١ على أن " أتْبَعَ "، قد يتعدى لواحد بمعنى٢٢ تَبع ويجوز على هذا الوجه٢٣ أن تكون الباء للحال أيضاً، بل هو الأظهر. وقرأ أبو عمرو في رواية والحسن " فاتْبَعَهُمْ " بالتشديد، وكذلك قراءة الحسن في جميع القرآن إلا في قوله :﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾٢٤ قوله :﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾٢٥ فاعل " غَشِيَهُمْ " ٢٦ وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي٢٧ : ما يقل لفظها ويكثر معناها، أي فَغَشِيَهُمْ مَا لا يعلم كنهه إلا الله تعالى٢٨ وقراءة الأعمش " فَغَشَّاهُمْ " مضعَّفاً٢٩، وفي الفاعل حينئذ٣٠ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه " مَا غَشَاهُمْ " كالقراءة قبله، أي غطَّاهم من اليَمِّ ما غطَّاهُم.
والثاني٣١ : هو ضمير الباري تعالى. أي : فَغَشَّاهُم٣٢ الله.
والثالث٣٣ : هو ضمير فرعون، لأنه السبب في إهلاكهم٣٤.
وعلى هذين الوجهين : ف " مَا غَشَّاهُمْ " في محل نصب مفعولاً ثانياً٣٥.

فصل


قيل٣٦ : أمرَ فرعونُ جنوده أن يَتْبَعُوا٣٧ موسى وقومه٣٨، وكان هو فيهم " فَغَشِيَهُمْ " أصابهم " مِنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ "، وهو الغرق.
وقيل :" غَشِيَهُمْ "، علاهم وسترهم٣٩ ﴿ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ ﴾ يريد بعض ماء اليم لا كلّه.
وقيل : غَشِيَهُم من اليَمِّ ما غشي٤٠ قوم موسى فغرقوا هم ونَجَا موسى وقومه٤١.
١ فتكون الباء معدية: لأن أتبع مثل تبع يتعدّى إلى واحد، فإذا تعدّى إلى الثاني يكون بواسطة حرف التعدية وهو الباء. وانظر فعلت وأفعلت للزجاج (١٢) الفخر الرازي ٢٢/٩٣..
٢ وهي زائدة في المفعول الثاني، وذلك على أن أتبع يتعدى إلى اثنين. فتكون الهمزة هي المعدية..
٣ من قوله تعالى: ﴿قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ﴾ [طه: ٩٤]..
٤ من قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]..
٥ الفخر الرازي ٢٢/٩٣..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ في ب: وقال بعضهم..
٨ في ب: الأول..
٩ في ب: متعدي..
١٠ انظر التبيان ٢/١٥١، والتبيان ٢/٨٩٩..
١١ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
١٢ الدر المصون ٥/٣٤..
١٣ في ب: الثاني..
١٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
١٥ في ب: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]. لأن الباء زائدة يقال: ألقى يده، وألقى بيده. انظر التبيان ١/١٥٩..
١٦ جزء من بيت من بحر البسيط يروى لشاعرين متعاصرين: أحدهما الراعي النميري، والآخر القتال الكلابي. وتمامه:
هـنّ الحرائر لا ربّات أخمرة *** سود المحاجر لا يقرأن بالسور
والبيت في مجالس ثعلب ١/٣٠١، المخصص ١٤/٥٧٠، ابن يعيش ٨/٢٣، المغني ١/٢٩، ١٠٩، ٢/٦٧٥، وشرح شواهده ١/٩١، ٣٣٦، والخزانة ٩/١٠٧..

١٧ ما بين المعقوفين سقط من ب..
١٨ في ب: وقد أتبع قد يجيء متعديا. وهو تحريف..
١٩ من قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] وأتبعناهم ذرياتهم قراءة أبي عمرو السبعة ٦١٢..
٢٠ في ب: الثالث..
٢١ في ب: متعدية..
٢٢ انظر التبيان ٢/٨٩٩. فيكون تعدى إلى الثاني بواسطة الباء..
٢٣ الوجه: سقط من ب..
٢٤ هي رواية أبي عبيد. انظر السبعة ٤٣٢، تفسير ابن عطية ١٠/٦٣..
٢٥ [الصافات: ١٠]. وانظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
٢٧ في النسختين: إلى. والصواب ما أثبته..
٢٨ انظر الكشاف ٢/٤٤٢..
٢٩ المختصر: ٨٨، والبحر المحيط ٦/٢٦٤..
٣٠ في ب صفة وهو تحريف..
٣١ في ب: وثانيها..
٣٢ في ب وغشاهم..
٣٣ في ب: وثالثها..
٣٤ والأوجه الثلاثة في الفاعل في الكشاف ٣/٤٤٢..
٣٥ لأن الفعل قد استوفى فاعله..
٣٦ من هنا نقله ابن عادل من تفسير البغوي ٥/٤٤٧..
٣٧ في ب: أن يتبعهم. وهو تحريف..
٣٨ في ب: وقوله. وهو تحريف..
٣٩ في ب: وقيل: غشاهم وسترهم..
٤٠ في ب: غشاهم من اليم بل غشى. وهو تحريف..
٤١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٤٧..
قوله١ :﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى ﴾ أي بما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون، وتهكم به في قوله :﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد ﴾٢ احتج القاضي بقوله :﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى ﴾ وقال : لو كان الضلال من خلق الله لما جاز أن يقال :" وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ " بل وجب أن يقال :" اللهُ أَضَلَّهُمْ " ٣، لأن الله ذمَّه بذلك٤، فكيف يكون خالقاً للكفر، لأنَّ مَنْ ذمَّ غيره بشيء لا بد وأنْ يكون المذموم هو الذي فعله وإلا استحق٥ الذم٦.

فصل


قال ابن عبَّاس٧ : لمَّا أمر تعالى موسى أن يقطعَ بقومه٨ البحر، وكان بنو٩ إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحُلِيّ والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلاً. وكان يوسف عليه السلام١٠ عهد إليهم عند موته أن يخرجوا١١ بعظامه١٢ معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم فأخذوه، وقال موسى عليه السلام١٣ للعجوز : احتكمي. فقالت : أكون معك في الجنة. فلما خرجوا تَبِعَهُم فرعون، فلما انتهى موسى إلى البحر، ( قال : هنا أُمِرْتُ، فَأوْحَى الله إليه أن اضْرِبْ بِعَصَاكِ البَحْرَ )١٤، فضربه فانفلق، فقال لهم موسى : ادخلوا فيه قالوا : كيف وهي رطبة ؟ فدعا ربّه فهبت عليهم الصبا فجفت١٥. فقالوا : نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينَهُم كوًى١٦ حتى يرى بعضُهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جازوا١٧، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه : إنَّ موسى قد سَحَر البَحْرَ كما ترى، وكان على فرس حصان فأقبل جبريل عليه السلام ( على فرس أنْثَى في ثَلاثَةٍ وثلاثين من الملائكة، فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون )١٨. فأبصر الحصانُ الفرسَ فاقتحم بفرعون على أثرها، وصاحت الملائكة في الناس الحقُوا حتى إذا دخل آخرهم، وكان أولهم أن يخرج١٩ التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا : يا موسى ادْعُ اللهَ أنْ٢٠ يخرجهم لنا ( حتى ننظر إليهم )٢١، فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سِلاحِهم.
قال ابن عبَّاس : إنَّ جبريل عليه السلام٢٢ قال : يا محمد لو رأيتني وأنا أدسّ فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب. فهذا معنى ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ ﴾٢٣.
قال٢٤ ابن الخطيب : وفي القصة أبحاث :
الأول : قال بعض المفسرين : إن موسى لما ضربَ البحرَ انفرق اثنا عشر طريقاً يابساً، وبقي الماء قائماً بين الطريقين كالطود العظيم وهو الجبل، فأخذ كلُّ سبط٢٥ من بني إسرائيل في طريق، وهو معنى قوله تعالى :﴿ فَكَانَ٢٦ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم ﴾٢٧ ومنهم من قال : إنَّما حصل طريق واحد٢٨ لقوله :﴿ فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً ﴾ ويمكن حمله على الجنس.
الثاني : أن قول بني إسرائيل بعد أن أظهر لهم الطرق وبينها تعنتوا وقالوا نريدُ أنْ يرى بعضُنا بعضاً فهذا كالبعيد، لأن القومَ لما أبْصَروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف٢٩، والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد٣٠.
الثالث : أنّ فرعون كان عاقلا بل كان في نهاية الدهاء٣١ فكيف اختار إلقاء نفسه في التهلكة٣٢، فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق٣٣ البَحْر ليس بأمره، وذكروا٣٤ عند هذا وجهين٣٥ :
أحدهما : أنَّ جبريل -عليه السلام- كان على الرَّمْكَة٣٦ فتبعه فرس فرعون. ولقائلٍ أن يقول : هذا بعيد، لأنه يبعد أن يكون خوضُ الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر. وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوا لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور، وذلك مما يزيده خوفاً، ويحمله عن الإمساك على الدخول. وأيضاً : فأيُّ حاجةٍ لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكنه أن يأخذه مع فرسه ويرميه في الماء ابتداء ؟ بل الأولى أن يقال : إنه أمر مقدمة العسكر بالدخول فدخلوا وما غرقوا٣٧ فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل٣٨ أغرقهم الله.
الرابع : أن قولهم عن جبريل إنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من٣٩ أن يؤمن فبعيد، لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء.
الخامس : روي أن موسى عليه السلام٤٠ كَلَّمَ البحرَ فقال انفلق٤١ لي لأعبر٤٢، فقال البحر : لا يَمُرُّ عليَّ رجل عاص. وهذا٤٣ غير ممتنع على أصول أهل السنة، لأن عندهم البنية ليست شرطاً للحياة، وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على٤٤ لسان المقال٤٥.
١ قوله: سقط من الأصل..
٢ من قوله تعالى: ﴿يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩]. .
٣ في ب: ضلهم..
٤ في ب: وأن الله تعالى ذمهم بذلك أي ذمه بذلك. وهو تحريف..
٥ في ب: يستحق..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٣..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٩٣ – ٩٤..
٨ في ب: بقوله. وهو تحريف..
٩ في النسختين بنوا. والصواب ما أثبته..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ في الأصل: خرجوا. وهو تحريف..
١٢ في ب: لعظامه. وهو تحريف..
١٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ في ب: فجففت. وهو تحريف..
١٦ كوى جمع كوّة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه. اللسان (كوى)..
١٧ في الأصل: جاز. وهو تحريف..
١٨ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي، وفي الأصل: فرعون بين. وفي ب: من يدي فرعون. وهو تحريف..
١٩ في ب: أن يقرب من الخروج..
٢٠ أن: تكملة من الفخر الرازي..
٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ عليه السلام: سقط من ب..
٢٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٩٣-٩٤..
٢٤ في ب: فصل قال..
٢٥ السِّبط: الفرقة..
٢٦ في الأصل: نصار. وهو تحريف. وفي ب: فانفلق فكان......
٢٧ [الشعراء: ٦٣]..
٢٨ في ب: واحد..
٢٩ في ب: شدة..
٣٠ في ب: كيف يتخلص ويتفرغ للتعنف البارد. وهو تحريف..
٣١ في ب: الدعاء. وهو تحريف..
٣٢ في التهلكة: سقط من ب..
٣٣ في ب: انقلاب. وهو تحريف..
٣٤ في ب: ذكروا..
٣٥ في ب: بوجهين. وهو تحريف..
٣٦ الرَّمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرب والجمع رمك وأرماك جمع الجمع الجوهري: الرّمكة: الأنثى من البراذين، والجمع رماك ورمكات وأرماك (عن الفراء) مثل ثمار وأثمار. اللسان (رمك)..
٣٧ في ب: وما عرفوا. وهو تحريف..
٣٨ في ب: فلما دخلوا. وهو تحريف..
٣٩ من: سقط من الأصل..
٤٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤١ في ب: الفرق. وهو تحريف..
٤٢ في ب: لا غيره. وهو تحريف..
٤٣ في ب: وهو..
٤٤ في ب: لا على سبيل..
٤٥ الفخر الرازي ٢٢/٩٤..
قوله تعالى: ﴿يا بني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ الآية.
قرأ الأخوان «قَدْ أَنْجَيْتُكُمْ» و «وَاعَدتُكُمْ» و «رَزَقْتُكُمْ» بتاء المتكلم. والباقون: «أنْجَيْنَاكُمْ» و «وَاعَدْنَاكُمْ» و «رَزَقْنَاكُمْ» بنون العظمة واتفقوا على «ونَزَّلْنَا» وتقدم خلاف أبي عمرو في «وَعَدْنَا» في البقرة.
وقرأ حميد «نَجَِّيْنَاكُم» بالتشديد. وقرئ «الأيْمَنِ» بالجر. قال الزمخشري: خفض على الجوار كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وجعله أبو حيان: شاذاً ضعيفاً، وخرَّجه على أنَّه نعت «الطُّورِ».
قال: وصف به لما فيه من اليُمْنِ، أو لكونه على يَمِينِ من يستقبل الجبل و «جَانِبَ» مفعول ثان على حذف مضاف، أي إتيان جانب. ولا يجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفاًً، وجَانِبَ «ظرف للوعد، والتقدير: وواعدناكم التوراة في هذا المكان، لأنه ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل بنفسه، وكما لو قيل:
341
إنه تُوُسِّع في هذا الظرف فجعل مفعولاً به: أي جعل نفس الموعود نحو: سير عليه فرسخَان وبريدان. قوله:» فَيَحِلُّ «قرأ العامة فَيَحِل بكسر الحاء واللام من» يَحْلُلْ «. والكسائي بضمهما.
وابن عيينة وافق العامة في الحاء، والكسائي في اللام. فالعامة من حَلَّ عليه كذا، أي: وَجَبَ، من حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ، أي: وجب قضاؤه، ومنه قوله: ﴿حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾، ومنه أيضاً: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
وقرأ الكسائي من حَلَّ يَحُلُّ، أي نزل، ومنه ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ والمشهور أن فاعل»
يَحِلُّ «في القراءتين هو» غَضَبِي «وقال صاحب اللوامح: إنه مفعول به وأن الفاعل ترك لشهرته والتقدير: فيحل عليكم طُغْيَانِكُمْ غَضَبِي، ودل على ذلك» وَلاَ تَطْغَوْا «ولا يجوز أن يسند إلى» غَضِبِي «فيصير في موضع رفع بفعله. ثم قال: وقد يجذف المفعول للدليل عليه وهو العذاب ونحوه قال شهاب الدين:
342
فعندَه أنَّ حَلَّ متعد بنفسه، لأنه من الإحلال كما صرح هو به، وإذا كان من الإحلال تعدَّى لواحدِ، وذلك المتعدي إليه إما» غَضَبِي « (على أن الفاعل) ضمير عائد على الطغيان كما قدَّره، وإما محذوفٌ والفاعل» غَضَبِي «، وفي عبارته قلق. وقرأ طلحة» لاَ يَحِلَّنَّ عَلَيْكُمْ «بلا الناهية للطغيان فيحق عليكم غضبي، وهو من باب لا أَرَينَّكَ هاهنا.
وقرأ زيد بن علي»
وَلاَ تَطْغُوْا «بضم الغين من طغى يطغو كغَزَا يَغْزُو.
وقوله:»
فَيَحِلُّ «يجوز أن يكون مجزوماً عطفاً على» لاَ تَطْغَوْا «كذا قل أبو البقاء. وفيه نظر، إذ المعنى ليس على نهي الغضب أن يَحِلَّ بهم.
والثاني: أنه منصوب بإضمار (أَنْ) في جواب النهي، وهو واضح.

فصل


اعلم أن الله تعالى لمَّا أنعم على قوم موسى - عليه السلام - بأنواع النعم ذكرهم، ولا شك أنَّ إزالة الضرر يجب تقديمه على إيصال المنفعة، وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله: {أَنجَيْنَاكُمْ
343
مِّنْ عَدُوِّكُمْ}، فإن فرعون كان يُنْزِل بهم أنواع الظلم، والإذلال، والأعمال الشاقة. ثم ذكر المنفعة الدينية وهي قوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ وذلك أنه أنزل عليهم في ذلك الوقت كتاباً فيه بيان دينهم وشريعتهم، أو لأنهم حصل لهم شرف بسبب ذلك.
قال المفسرون: وليس للجبل يمينٌ ولا يسار بل المراد أنَّ طور سيناء عن يمين السالك من مصر إلى الشام. ثم ثلَّث بذكر المنفعة الدنيوية فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة.
ثم زجرهم عن العصيان فقال: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: لا يظلم بعضُكُم بعضاً فيأخذه مِنْ صَاحِبه. وقال مقاتل والضحاك: لا تظلموا فيه أنفسَكُم بأن تُجَاوِزُوا حدّ الإباحَة وقال الكلبي: لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تُعْرِضوا عن الشكر، ولا تعدِلوا عن الحلال إلى الحرام والمراد بالطَّيِّبات هاهنا اللذائذ، لأن المن والسَّلوى من لذائذ الأطعمة. وقال الكَلْبي ومقاتل: الطَّيِّبات الحلالً، وذلك لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم يمسه يدي الآدميين. روي أنهم كانوا يُصبِحون فيجدونه بين بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى الغد، ومن ادخر لأكثر من ذلك فسد، ومن أخذ منه قليلاً كفاه، أو كثيراً لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو في غاية البياض والحلاوة، فإن كان آخر النهار غشيهم طيْرُ السَّلوى فينقصون منها بلا كلفة ما يكفيهم لعشائهم، وإذات كان الصيف ظلَّل عليهم الغمام يقيهم حر الشمس. ثم قال: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي يجب عليكم غضبي ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى﴾ أي هَلك وقيل: شَقِي. وقيل: وقع في الهاوية: هوى يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى سُفْلٍ.
344
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
واعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفَّاراً، وبأن له غفراناً ومغفرةَ، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر. أما كون وصفه غافراً فقوله: وأما كونه غَفُوراً فقوله: ﴿وَرَبُّكَ ا﴾ [الكهف: ٥٨] (وأما كونه غفَّاراً فقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ) لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وأما الغفران فقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وأما المغفرة فقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ﴾ [الرعد: ٦].
وأما صيغة الماضي فقوله في حق داود: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ [ص: ٢٥].
وأما صيغة المستقبل فقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ النساء: [٤٨، ١١٦] وقوله: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ [الزمر: ١٣] وقوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ [الفتح: ٢] وأما لفظ الاستغفار فقوله: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣، ٥٢، ٩٠، نوح: ١٠]
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ وهاهنا نكتة وهي أنَّ العبد له أسماء ثلاثة: الظالم، والظَّلوم، والظَّلاَّم إذا كثر منه الظلم، ولله في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسماً فكأنه تعالى قال: إن كنتَ ظالماً فأنا غافرٌ، وإن كنت ظلوماً فأنا غَفوٌ، وإن كنت ظلاَّماً فانَا غَفَّارٌ.
قال ابن عباس: «مَنْ تَابَ» عن الشرك «وَآمَنَ» وَحَّدَ الله وصدّقه «وَعَمِلَ صَالِحاً» أدَّى الفرائض «ثُمَّ اعْتَدَى» علم أنَّ ذلك توفيق من الله عَزَّ وَجَلَّ. وقال قتادة وسفيان
345
الثوري: لزم الإسلام حتى مات عليه. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أنَّ لذلك ثواباً. وقال زيد بن أسلم: تعلَّم العلم لتهتدي كيف يعمل. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة.

فصل


قال بعضهم: تجبُ التوبةُ عن الكفر أولاً ثم الإتيان ثانياً، لهذه الآية، فإنه قدم التوبة على الإيمان.
ودلَّت هذه الآية أيضاً على أن العمل الصالح غيرُ داخلٍ في الإيمان، لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف عليه.
346
﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أمر إباحة.
ثم زجرهم عن العصيان فقال :﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ ﴾١ قال ابن عباس : لا يظلم بعضُكُم بعضاً فيأخذه مِنْ صَاحِبه٢. وقال مقاتل والضحاك : لا تظلموا فيه أنفسَكُم بأن تُجَاوِزُوا حدّ الإباحَة وقال الكلبي : لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي٣ على مخالفتي ولا تُعْرِضوا عن الشكر، ولا تعدِلوا عن الحلال إلى الحرام والمراد بالطَّيِّبات هاهنا٤ اللذائذ، لأن المن والسَّلوى من لذائذ الأطعمة. وقال الكَلْبي ومقاتل : الطَّيِّبات الحلال، وذلك لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم يمسه يدي الآدميين٥. روي أنهم كانوا يُصبِحون٦ فيجدونه بين٧ بيوتهم فيأخذون منه٨ قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى الغد، ومن ادخر لأكثر٩ من ذلك فسد، ومن أخذ منه قليلاً كفاه، أو كثيراً لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو١٠ في غاية البياض والحلاوة، فإن كان آخر النهار غشيهم طيْرُ السَّلوى فينقصون منها بلا كلفة ما يكفيهم لعشائهم، وإذا كان الصيف ظلَّل عليهم الغمام يقيهم حر الشمس. ثم قال :﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ أي يجب عليكم غضبي١١ ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى ﴾ أي هَلك وقيل : شَقِي. وقيل : وقع في الهاوية : هوى يهوي هوياً إذا سقط١٢ من علو إلى سُفْلٍ١٣.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٥..
٢ في الأصل: ذكر. وهو تحريف..
٣ في الأصل: نعمتي..
٤ في ب: هنا..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٦٩..
٦ في ب: وروي أنهم كانوا يفتتحون..
٧ في ب: في بين. وهو تحريف..
٨ منه: سقط من ب..
٩ في ب: ومن ادخر منه أكثر..
١٠ في ب: وهي. وهو تحريف..
١١ غضبي: سقط من ب..
١٢ في ب: إذا سقط به..
١٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٦، اللسان (هوى)..
ثم قال :﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ ﴾١.
واعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفَّاراً، وبأن له غفراناً ومغفرةَ، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر. أما كون وصفه غافراً فقوله٢ :﴿ غافر الذنب ﴾٣ وأما كونه غَفُوراً فقوله :﴿ وَرَبُّكَ الغفور ﴾٤ ( وأما كونه غفَّاراً فقوله :﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾٥ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ }٦ وأما الغفران فقوله :﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾٧.
وأما المغفرة فقوله٨ :﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو٩ مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ ﴾١٠.
وأما صيغة الماضي فقوله في حق داود :﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ﴾١١.
وأما صيغة المستقبل فقوله :﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾١٢ وقوله :﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾١٣ وقوله :﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾١٤ وأما لفظ الاستغفار فقوله١٥ :﴿ استغفروا رَبَّكُمْ ﴾١٦ ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ١٧ آمَنُواْ ﴾١٨ وهاهنا نكتة وهي أنَّ العبد له أسماء ثلاثة : الظالم، والظَّلوم، والظَّلاَّم إذا كثر منه الظلم، ولله في مقابلة كل واحد١٩ من هذه الأسماء اسماً فكأنه تعالى قال : إن كنتَ ظالماً فأنا غافرٌ، وإن كنت ظلوماً فأنا غَفوٌ، وإن كنت ظلاَّماً فانَا غَفَّارٌ٢٠.
قال ابن عباس٢١ :" مَنْ تَابَ " عن الشرك " وَآمَنَ " وَحَّدَ الله وصدّقه " وَعَمِلَ صَالِحاً " أدَّى الفرائض " ثُمَّ اهتَدَى " علم أنَّ ذلك توفيق من الله عز وجل. وقال قتادة وسفيان٢٢ الثوري : لزم الإسلام حتى مات عليه. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي : علم أنَّ لذلك ثواباً. وقال زيد بن أسلم : تعلَّم العلم ليهتدي كيف يعمل. وقال سعيد بن جبير : أقام على السنة والجماعة٢٣.

فصل


قال بعضهم : تجبُ التوبةُ عن الكفر أولاً ثم الإتيان بالإيمان ثانياً، لهذه٢٤ الآية، فإنه٢٥ قدم التوبة على الإيمان.
ودلَّت هذه الآية أيضاً٢٦ على أن٢٧ العمل الصالح غيرُ٢٨ داخلٍ في الإيمان، لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف يغاير المعطوف عليه٢٩.
١ في ب: وآمن وعمل صالحا..
٢ في ب: وإنما وصف نفسه بكونه غافرا قوله..
٣ [غافر: ٣]..
٤ في ب: وأما قوله غفور، وقوله: ﴿وربك الغفور﴾. من قوله تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ [الكهف: ٥٨]..
٥ ما بين المعقوفين سقط من ب..
٦ [طه: ٨٢]..
٧ في ب: ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾[البقرة: ٢٨٥]..
٨ في ب: وأما المغفرة فقوله: "وربك الغفور" وقوله. وهو تحريف..
٩ في الأصل: لذوا. وهو تحريف..
١٠ في ب: على الناس. وهو تحريف..
١١ من قوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مئاب﴾ [ص: ٢٥]..
١٢ [النساء: ٤٨، ١١٦]..
١٣ [الزمر: ٥٣]..
١٤ [الفتح: ٢]..
١٥ فقوله: سقط من ب..
١٦ في ب: ﴿واستغفروا ربكم﴾ [هود: ٣، ٥٢، ٩٠] و[نوح: ١٠]..
١٧ [غافر: ٧]..
١٨ انظر الفخرالرازي ٢٢/٩٦..
١٩ في ب: كل اسم..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٧..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٩٤٤..
٢٢ سفيان: سقط من ب..
٢٣ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٤٩..
٢٤ في بك كهذه. وهو تحريف..
٢٥ في ب: لأنه..
٢٦ في ب: ودلت هذه الإيمان. وهو تحريف..
٢٧ أن: سقط من ب..
٢٨ في ب: أنه غير..
٢٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٨..
قوله: «وَمَا أعْجَلَكَ» مبتدأ وخبر. و «مَا» استفهامية عن سبب التقدم على قومه.
قال الزمخشري: فإن قلتَ: «مَا أعْجَلَكَ» سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلبُ زيادة رضَاكَ، أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله: ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ كَمَا تَرَى غير منطبق عليه.
قلت: قد تضمَّن ما واجهه به رب العزة شيئين:
أحدهما: إنكار العجلة في نفسها.
والثاني: السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه فاعتلَّ بأنَّه لم يوجد منِّي إلا تقدمٌ يسير مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا
346
مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾.
وأجاب غيره عن هذا السؤال بأنه - عليه السلام - ورد عليه من هيبة عتاب الله ما أذهله عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.

فصل


في الآية سؤالات:
الأول: قوله: «وَمَا أعْجَلَكَ» استفهام، وهو على الله تعالى محال.
والجواب: أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه.
الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يقال: إنَّه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يَكُنْ ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز.
والجواب: لعله - عليه السلام - ما وجد نصًّا في ذلك إلا أنَّه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب.
الثالث: قوله: «وَعَجِلْتُ» والعجلة مذمومة.
والجواب: أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
الرابع: قوله: «لِتَرْضَى» يدل على أنَّه - عليه السلام - إنَّما فعل ذلك ليحصل الرِّضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين:
أحدهما: يلزم تجدد صفة الله.
والآخر: أنه - تعالى - قبل حصول ذلك الرضا يجب أن يقال: (إنَّه ما) كان راضياً عن موسى، لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولما لَمْ يكن راضياً عنه وجب أن
347
يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء.
والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله: «ثُمَّ اهْتَدَى» المراد دوام الاهتداء.
الخامس: قوله ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عيَّنه الله له وإلا لم يكن تعجيلاً، ثم ظن أنَّ مخالفة أمر الله سبب لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله.
والجواب: أن ذلك كان باجتهادٍ وأخطأ فيه.
السادس: قوله: «إلَيْكَ» يقتضي كون الله في الجهة، لأن «إلى» لانتهاء الغاية.
والجواب: اتفقنا على أنَّ الله - تعالى - لم يكن في الجبل، فالمراد إلى مكان وعدك.

فصل


دلت الآية على أنَّه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال المفسرون: هم السَّبعُون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل، يذهبون معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسلر بهم موسى، ثم عجَّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلق السبعين وأمرهم ان يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ قال مجيباً لربه ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ أي: بالقرب منِّي يأتون من بعدي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ لتزداد رِضًى.
قوله: ﴿هُمْ أولااء على أَثَرِي﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] و ﴿على أَثَرِي﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً وقرأ الجمهور: «أولاَءِ» بهمزة مكسورة.
والحسن وابنُ معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياءً (تخفيفاً).
348
وابن وثاب «أُولى» بالقصر دون همزة.
وقرأت طائفة «أولاَيَ» بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط والجمهور «عَلَى أثَرِي» بفتح الهمزة والثاء.
وأبو عمرة في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي «إثْرِي» بكسر الهمزة وسكون الثاء وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي (لغة).
قوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أي: ابتلينا الذين خَلَّفَتَهُم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فَأُفْتِنُوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً من بعدك انطلاقك إلى الجبل.

فصل


قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المرادُ أنَّ الله - تعالى - خلقَ فيهم الكفر لوجهين:
الأول: الدلائل العقلية (الدالة على) أنه لا يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك.
والثاني: أنَّه قال: «وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ».
وأيضاً: فلأن موسى لمَّا طالبَهُم بذكر سبب الفتنة، فقال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [طه: ٨٦] فلو حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فِينَا لا ما ذكرت، فكان يبطل كلام موسى - عليه السلام -. وأيضاً فقوله: ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [طه: ٨٦] ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضبَ عليهم فيما هو الخالق له، ولما بطل ذلك وجب أن
349
يكون لقوله: «فَتَنَّا» معنًى آخر، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان، يقال: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء، فهاهنا شدَّد الله التكليف عليهم، لأن السَّامِرِيَّ، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنَّ له إلهاً بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف، (والتشديد في التكليف) موجود.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾
[العنكبوت: ٢].
والجواب: ليس في ظهور صوت من عجلٍ متخذٍ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر، والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون العجل إلهاً، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديداً في التكليف ولا يصح حمل الآية عليه، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وقوله: أضاف الإضلال إلى السَّامري. قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله - تعالى - فكذا هاهنا. وأيضاً قرئ «وَأَضَلَّهُم السَّامِرِيّ» أي: وأشد ضلالهم السامري، وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة استدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي. وقوله: «وَأَضَلَّهُم السَّامِرِي» العامة على أنه فعلٌ ماض مسند إلى السامري.
وقرأ أبو معاذ «وَأَضَلَّهُم» مرفوعاً بالابتداء، وهو أفعل تفضيل، و «السَّامِرِيُّ» خبره.
ومعنى «أَضَلَّهُمْ» أي: دَعَاهم وصَرفَهُم إلى عبادة العِجْلِ، وأضاف الإضلال إلى السَّامِرِيُّ، لأنهم ضلوا بسببه. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كان السامري عِلْجاً من أهل كِرْمان وقع إلى مصر، وكان من قوم يعبدون البقر، والأكثرون
350
على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: السَّامرة. قاله الزجاج.
وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجلُ من القبطِ جاراً لموسى وقد آمن رُوِيَ أنهم أقاموا بعد مفارقة موسى عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيَّامِها، وقالوا قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك.
فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾.
فالجواب من وجهين:
الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته كقوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] إلى غير ذلك.
الثاني: أنَّ السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى - عليه السلام - ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة.
351
﴿ هُمْ أولاء على أَثَرِي ﴾ كَمَا تَرَى غير منطبق عليه.
قلت : قد تضمَّن٦ ما واجهه به رب العزة شيئين :
أحدهما : إنكار العجلة في نفسها.
والثاني : السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان٧ أهم الأمرين إلى موسى بسط٨ العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه٩ فاعتلَّ بأنَّه لم يوجد منِّي١٠ إلا تقدمٌ يسير مثله لا يعتد به في العادة، ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته١١ إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ثم١٢ عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال :﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى ﴾.
وأجاب غيره عن هذا السؤال بأنه -عليه السلام١٣- ورد عليه من هيبة عتاب الله ما أذهله١٤ عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام١٥.

فصل١٦



في الآية سؤالات :

الأول : قوله :﴿ وَمَا أعْجَلَكَ ﴾ استفهام، وهو على الله تعالى محال.
والجواب : أنه إنكار١٧ في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه١٨.
الثاني : أنَّ موسى -عليه السلام١٩- إما أن يقال : إنَّه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم٢٠ وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يَكُنْ ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز.
والجواب : لعله -عليه السلام٢١- ما وجد نصًّا في ذلك إلا أنَّه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب.
الثالث : قوله :" وَعَجِلْتُ " والعجلة مذمومة.
والجواب : أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى٢٢ :﴿ وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾٢٣.
الرابع : قوله :﴿ لِتَرْضَى ﴾ يدل على أنَّه -عليه السلام٢٤- إنَّما فعل ذلك ليحصل الرِّضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين :
أحدهما : يلزم تجدد صفة الله.
والآخر : أنه -تعالى- قبل حصول ذلك٢٥ الرضا يجب أن يقال :( إنَّه ما )٢٦ كان راضياً عن موسى، لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولما لَمْ يكن راضياً عنه وجب٢٧ أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء.
والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله :﴿ ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ المراد دوام الاهتداء.
الخامس : قوله ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى ﴾ يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عيَّنه الله له وإلا لم يكن تعجيلاً٢٨، ثم ظن أنَّ٢٩ مخالفة أمر الله سبب٣٠ لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله٣١.
والجواب : أن ذلك كان باجتهادٍ وأخطأ فيه.
السادس : قوله :" إلَيْكَ " يقتضي كون الله في الجهة، لأن " إلى " لانتهاء الغاية.
والجواب : اتفقنا على أنَّ الله -تعالى- لم يكن في الجبل، فالمراد٣٢ إلى مكان وعدك.

فصل


دلت الآية على أنَّه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال المفسرون : هم السَّبعُون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل٣٣، يذهبون معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجَّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلق السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له :﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يا موسى ﴾ قال مجيباً لربه ﴿ هُمْ أولاء على أَثَرِي ﴾ أي : بالقرب منِّي يأتون من بعدي ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى ﴾ لتزداد رِضًى٣٤.
قوله :﴿ هُمْ أولاء على أَثَرِي ﴾ كقوله :﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾١ و ﴿ على أَثَرِي ﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً٢ وقرأ الجمهور :" أولاَءِ " بهمزة مكسورة٣.
والحسن وابنُ٤ معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياءً ( تخفيفاً٥ )٦.
وابن وثاب " أُولى " بالقصر دون همزة٧.
وقرأت طائفة " أولاَيَ " بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط٨ والجمهور " عَلَى أثَرِي " بفتح الهمزة والثاء.
وأبو عمرة في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي " إثْرِي " بكسر الهمزة وسكون الثاء٩ وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي ( لغة )١٠ ١١.
١ [البقرة: ٨٥] أي أن قوله: "هم أولاء على أثري" مثل قوله: "ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم" في الإعراب، فـ"هم" مبتدأ، و"وأولاء" خبره، وعلى أثري" حال من "أولاء". ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون "أولاء" اسما موصولا و"على أثري" صلته. انظر البيان ١/١٠٢ – ١٠٤، التبيان ١/٨٦، ٢/٩٠٠..
٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٧. وذلك على لغة الحجازيين. و"أولاء" اسم إشارة للجمع ممدودا عن الحجازيين، مقصورا عند بني تميم. انظر شرح الأشموني ١/١٣٩..
٤ في ب: ابن، بدون واو العطف..
٥ المختصر (٨٨)، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٦ ما بين القوسين في ب: مخففا..
٧ على لغة بني تميم. المختصر ٨٨، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٨ حكاها الفراء ٢/١٨٨ـ١٨٩، وقال الزجاج (لا وجه لها، لأن الياء لا تكون بعد ألف آخرة إلا للإضافة نحو "هداي" ) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧١..
٩ انظر المختصر (٨٨)، والبحر المحيط ٦/٢٦٧. و"أثري" بفتح الهمزة والثاء، و"إثري" بكسر الهمزة وسكون الثاء بمعن الأثر لغتان. اللسان (أثر)..
١٠ انظر المختصر (٨٨)، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله :﴿ فَإِنَّا١ قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ أي : ابتلينا الذين خَلَّفَتَهُم٢ مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فَأُفْتِنُوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً من بعدك انطلاقك إلى الجبل٣.

فصل٤


قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون المرادُ أنَّ الله -تعالى- خلقَ فيهم الكفر لوجهين :
الأول : الدلائل العقلية ( الدالة على )٥ أنه لا يجوز من الله -تعالى- أن يفعل ذلك.
والثاني٦ : أنَّه قال :" وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ ".
وأيضاً : فلأن موسى لمَّا طالبَهُم بذكر٧ سبب الفتنة، فقال :﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾٨ فلو٩ حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فِينَا لا ما ذكرت، فكان يبطل كلام موسى -عليه السلام١٠-. وأيضاً١١ فقوله :﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ولو كان١٢ ذلك بخلقه لاستحال أن يغضبَ عليهم فيما هو الخالق له١٣، ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله :" فَتَنَّا " معنًى١٤ آخر، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان، يقال : فَتَنْتُ الذَّهَبَ بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء١٥، فهاهنا١٦ شدَّد الله التكليف عليهم، لأن السَّامِرِيَّ، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنَّ له إلهاً بجسم وحينئذ يعرفون١٧ أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف، ( والتشديد في التكليف )١٨ موجود.
قال تعالى :﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾١٩
والجواب : ليس في ظهور صوت من عجلٍ٢٠ متخذٍ٢١ من الذهب شبهة أعظم مما٢٢ في الشمس والقمر، والدليل٢٣ الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون العجل إلهاً، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديداً في التكليف٢٤ ولا يصح حمل الآية عليه، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وقوله٢٥ : أضاف الإضلال إلى السَّامري. قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله -تعالى٢٦- فكذا هاهنا. وأيضاً قرئ " وَأَضَلَّهُم٢٧ السَّامِرِيّ " أي٢٨ : وأشد ضلالهم السامري، وعلى هذا٢٩ لا يبقى للمعتزلة استدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي. قوله :﴿ وَأَضَلَّهُم السَّامِرِي ﴾ العامة على أنه فعلٌ ماض مسند إلى السامري٣٠.
وقرأ أبو معاذ " وَأَضَلُّهُم " مرفوعاً بالابتداء، وهو أفعل تفضيل، و " السَّامِرِيُّ " خبره٣١.
ومعنى " أَضَلَّهُمْ " أي : دَعَاهم وصَرفَهُم إلى عبادة العِجْلِ، وأضاف الإضلال إلى السَّامِرِيُّ، لأنهم ضلوا بسببه٣٢. قال ابن عباس٣٣ في رواية سعيد بن جبير : كان السامري عِلْجاً٣٤ من أهل كِرْمان وقع إلى مصر، وكان من قوم يعبدون البقر، والأكثرون على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها : السَّامرة. قاله الزجاج٣٥.
وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجلُ من القبطِ جاراً لموسى وقد آمن رُوِيَ أنهم أقاموا٣٦ بعد مفارقة موسى عشرين٣٧ ليلة وحسبوها أربعين مع أيَّامِها، وقالوا قد أكملنا العدة، ثم كان٣٨ أمر العجل بعد ذلك.
فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾.
فالجواب٣٩ من وجهين :
الأول٤٠ : أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة٤١ الكائنة على عادته كقوله :﴿ اقتربت الساعة ﴾٤٢ ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾٤٣ إلى غير ذلك.
الثاني : أنَّ السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى -عليه السلام٤٤- ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر٤٥ ذي الحجة٤٦.
١ في ب: "قال فإنّا..."..
٢ في ب: خلفهم. وهو تحريف..
٣ انظر البغوي ٥/٤٥٠..
٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٠ – ١٠١..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: الثاني..
٧ في ب: لم يذكر. وهو تحريف..
٨ [طه: ٦٨]..
٩ في ب: أعني لو..
١٠ عليه السلام: سقط من ب..
١١ في ب: أيضا..
١٢ في ب: فلو حصل..
١٣ في ب: فبما هو خلقه..
١٤ في ب: أمرا. وهو تحريف..
١٥ اللسان (فتن)..
١٦ في ب: فهنا..
١٧ في النسختين: يعرفوا. والصواب ما أثبته..
١٨ ما بين القوسين سقط من ب..
١٩ [العنكبوت: ٢]..
٢٠ من: سقط من ب..
٢١ متخذ: سقط من ب..
٢٢ في ب: ما..
٢٣ الدليل: سقط من ب..
٢٤ في ب: في التشبيه والتكليف..
٢٥ في ب: فإن قيل..
٢٦ تعالى: سقط من ب..
٢٧ في ب: فـأضلهم..
٢٨ أي: سقط من ب..
٢٩ في ب: على..
٣٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٣١ انظر المختصر : ٨٩، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٣٢ انظر البغوي ٥/٤٥٠..
٣٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠١..
٣٤ العلج: الرجل الشديد الغليظ، وقيل: كل ذي لحية، والجمع أعلاج وعلوج. اللسان (علج)..
٣٥ قال الزجاج :"قال بعض أهل التفسير: السّامري علج من أهل كرمان والأكثر في التفسير أنه كان عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين). معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧١..
٣٦ في ب: روي أنه كان. وهو تحريف..
٣٧ في الأصل: عشرون. وهو تحريف..
٣٨ في ب: وقد كان..
٣٩ في ب: فالجواب عن ذلك..
٤٠ في ب: أحدهما..
٤١ في ب: بلفظ القدرة الموجودة..
٤٢ [القمر: ١]..
٤٣ [الأعراف: ٤٤]..
٤٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٥ في ب: وعشرة..
٤٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠١..
قوله: «غَضْبَانَ أَسِفاً» حالان، وقد تقدم في سورة الأعراف قيل: الأسف شدة الغضب، فلا يلزم التكرار، لأنَّ «غَضْبَانَ» يفيد أصل الغضب، و «أَسِفاً» يفيد كماله. وقال الأكثرون: حُزْناً وجَزَعاً، يقال: أسف يأسَف أسَفاً فهو أسِفٌ، إذا
351
حزن. وقيل: الأسف: المغتاط، وفرق بين الاغتياط والغضب، لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويُوصَف من حيث أن الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه، والغيط تغيُّرٌ يلحقُ المُغتاط وذلك لا يصح إلى على الأجسام كالضحك والبكاء، ثم إن موسى - عليه السلام - عاتبهم بعد رجوعه فقال: ﴿ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ قيل: المراد بالوعد الحسن إنزال التوراة. وقيل: الثواب على الطاعات.
وقال مجاهد: العهد. وهو قوله: ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ [طه: ٨١] إلى قوله: ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ [طه: ٨٢] (ويدل عليه قوله بعد ذلك) ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فكأنه قال أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم: «وَلاَ تَطْغوا» وقيل: الوعد الحسن هاهنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا. أما منافع الدين: فهو الوعد بإنزال الكتاب الهادي إلى الشرائع، والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة. وأما منافع الدنيا فإن الله تعالى قد وعدهم قبل إهلاك فرعون أن يورثهم أرضَهُم (ودِيارَهُم).
فإن قيل: قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإلهٍ آخر سوى العجل، وأمَّا لمَّا اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ [طه: ٨٨] كيف يتوجه عليهم هذا الكلام؟
فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبَّاد الأصنام.
قوله: «وَعْداً حَسَناً» يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، والمفعول محذوف
352
تقديره: وعدكم بالكتاب والهداية، أو يترك المفعول الثاني ليعم. ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود فيكون هو المفعول الثاني.
قوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾ أيْ أقصيْتُم ذلك العهد. وقيل: أفَطَالَ عليكم مدة مفارقتي إياكم. وطول العهد يحتمل أموراً:
أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله من إنْجَائكُم من فرعون، وغير ذلك من النعم المذكورة في أول سورة البقرة كقوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
وثانيها: روي أنَّهم عرفوا أنَّ الأجل أربعون ليلةً فجعلوا كلَّ يوم بإزاء ليلة وردُّوه إلى عشرين. قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبهه على أحد.
وثالثها: أنَّ موسى - عليه السلام - وعدهُم ثلاثين ليلةً فلما زاده الله فيها عشرة أخرى طال العهد.
قوله: ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنَّ احداً لا يريد ذلك، ولكن المعضية (لما كانت) توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب، أي أرَدْتُّمْ أن تفعلوا فعلاً يوجب عليكم الغضب من ربكم.
﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾، وهذا يدل على موعد كان فيه - عليه السلام - مع القوم،
353
فقيل: المراد ما وعدوه من اللحاق والمجيء على أثره. وقيل: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور و «مَوْعدي» مصدر يجوز أن يكون مضافاً لفاعله بمعنى أوَجدْتُمُونِي أَخْلَفْتُكُم ما وعْدتُّكُمْْ. وأن يكون مضافاً لمفعوله بمعنى: أنهم وعدوه أن يتمسكوا بدينه وسنته.
قوله: «بِمَلْكِنَا» قرأ الأخوان بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها والباقون بكسرها. فقيل: لغات بمعنى واحد كالنَّقْضِ والنُّقضِ والنِّقْضِ، فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره بينهما، فقال: المضموم معناه: لم يكن مُلْكٌ فتُخْلِفُ موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرُّمة:
٣٦٧٨ - أَحْلاَمُكُمْ لِسَقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مَنَ الكَلَبِ
٣٦٨٥ - لاَ يُشْتَكَى سَقْطَةٌ مِنْهَا وَقَدْ رَقَصَتْ بِهَا المَفَاوِزُ حَتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ
أي لا يقع منها سَقْطَة فَتَشْتَكِي.
وفتح الميم مصدر من مَلَكَ أمره، والمعنى: ما فعلناه بأنَّا ملكنا الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كَثُر فيما تحوزه اليد وتحويهن ولكنه يستعمل في الأمور اليت يرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها.
والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول محذوف أي: بِمَلْكِنَا
354
الصوابَ. قوله: «حُمِّلْنَا» قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. (والباقون بفتحها خفيفة الميم). فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما الفعل إلى غيرهم.
وفي الثالثة نسبوه إلى أنفسهم و «أَوْزَاراً» مفعول ثان غير القراءة الثالثة. و «مِنْ زِينَةِ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «حُمِّلْنَا»، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «أَوْزَاراً».
وقوله: «فَكَذَلِكَ» نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «أوْزَاراً».
وقوله: «فَكَذَلِكَ» نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: إلقاء مثل إلقَائِنَا.

فصل


اختلفوا في القائل ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ على وجهين:
فقيل: القائل هم الذين لم يعبدُوا العجلَ كأنهم قالوا: ما أخلَفْنَا موعدَك بأمرٍ كُنَّا نملكه، وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ [البقرة: ٥٠] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ [البقرة: ٧٢] وإن كان القائل بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم، لأنَّا خفنا أن نصير سبباً لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة.
وقيل: هذا قول عبدة العِجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل
355
السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان لمالكنا لنا.
فإن قيل: كيف يُعْقَل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجلٍ يُعْرَف فسادُها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى - عليه السلام - وحده إليهم؟
فالجواب: هذا غير ممتنع في حق البُلْهِ من الناس.
ثم إنَّ القوم فروا من العذر الحامل لهم على ذلك الفعل فقالوا ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم﴾ فمن قرأ بالتخفيف فالمعنى حملْنَا في أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ بالتشديد فقيل: إن موسى - عليه السلام - أمرهم باستعاره الحُلِيّ والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حُليّ قوم فرعون.
وقيل: جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.
وقيل: إنَّ الله تعالى حَمَّلَهُم ذلك، أي: ألزمهم حكم المغنم.
قيل: أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها لعيدهم.
وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذَ البحر حُليَّهم فأخذوها وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوْزَاراً لذلك، لأنه يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أوزاراً.
وقيل: سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها، والأوزار: الأثقال. وقيل المراد بالأوزار الآثام، والمعنى حُمِّلْنَا آثاماً، روي أن هارون - عليه - قال إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السَّامِريّ إنَّ موسى احتبس عقوبة بالحُلِيّ. فيجوز أن
356
يكونوا أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثمٌ وذنبٌ.
وقيل: إنَّ ذلك الحِليّ كان للقبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر، فلذلك وصف بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي.
وقوله: «فَقَذَفْنَاهَا» أي فَطَرَحْنَاهَا في الحفيرة، وذلك أن هارون قال لهم: إنَّ تلكَ غنيمةٌ لا تَحِلٌُّ فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا.
وقيل: قَذَفُوها في موضعٍ أمرهم السامريُّ بذلك.
وقيل: في موضعٍ جمع فيه النار، ثم قالوا: وكذلك ألقى السامري ما معه من الحُلِيّ فيها.
357
قوله :﴿ بِمَلْكِنَا ﴾ قرأ الأخوان١ بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها والباقون بكسرها٢. فقيل : لغات بمعنى واحد٣ كالنَّقْضِ والنُّقضِ والنِّقْضِ٤، فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره٥ بينهما، فقال٦ : المضموم معناه : لم يكن مُلْكٌ فتُخْلِفُ موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرُّمة :
لاَ يُشْتَكَى سَقْطَةٌ مِنْهَا وَقَدْ رَقَصَتْ بِهَا المَفَاوِزُ حَتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ٧
أي لا يقع منها سَقْطَة فَتَشْتَكِي٨.
وفتح الميم مصدر من مَلَكَ أمره، والمعنى : ما فعلناه بأنَّا ملكنا الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كَثُر فيما تحوزه اليد وتحويه، ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها.
والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول٩ محذوف أي : بِمَلْكِنَا الصوابَ١٠. قوله :﴿ حُمِّلْنَا ﴾ قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. ( والباقون بفتحها خفيفة الميم١١ )١٢. فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما١٣ الفعل إلى غيرهم١٤.
وفي الثالثة١٥ نسبوه إلى أنفسهم١٦ و " أَوْزَاراً " ١٧ مفعول ثان غير القراءة الثالثة١٨. و " مِنْ زِينَةِ " يجوز أن يكون متعلقاً١٩ ب " حُمِّلْنَا "، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل " أَوْزَاراً ".
وقوله :" فَكَذَلِكَ " نعت لمصدر٢٠ أو حال من ضميره عند سيبويه أي : إلقاء مثل إلقَائِنَا.

فصل


اختلفوا في القائل٢١ ﴿ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ على وجهين :
فقيل : القائل هم الذين لم يعبدُوا العجلَ كأنهم قالوا : ما أخلَفْنَا موعدَك بأمرٍ كُنَّا نملكه، وقد يضيف٢٢ الرجل فعل قرينه إلى نفسه، كقوله تعالى :﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾٢٣ ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ﴾٢٤ وإن كان القائل٢٥ بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا : الشبهة قويت٢٦ على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه٢٧ ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم، لأنَّا٢٨ خفنا أن نصير سبباً لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة.
وقيل : هذا قول عبدة العِجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو٢٩ الذي أوقع الشبهة، فإنه٣٠ كان كالمالك لنا.
فإن قيل : كيف يُعْقَل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجلٍ يُعْرَف فسادُها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل٣١ رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك٣٢ الدين بسبب رجوع موسى -عليه السلام٣٣- وحده إليهم ؟
فالجواب٣٤ : هذا غير٣٥ ممتنع في حق البُلْهِ٣٦ من الناس.
ثم إنَّ القوم فروا من العذر٣٧ الحامل لهم٣٨ على ذلك الفعل فقالوا ﴿ ولكنا٣٩ حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فالمعنى حملْنَا٤٠ في٤١ أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ بالتشديد فقيل : إن موسى -عليه السلام٤٢- أمرهم باستعاره الحُلِيّ والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حُليّ قوم فرعون.
وقيل : جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.
وقيل : إنَّ الله تعالى حَمَّلَهُم ذلك، أي : ألزمهم حكم المغنم٤٣.
قيل : أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها لعيدهم٤٤.
وقيل : إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذَ البحر حُليَّهم فأخذوها وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوْزَاراً لذلك٤٥، لأنه يجب عليهم حفظها من غير٤٦ فائدة فكانت أوزاراً٤٧.
وقيل : سميت٤٨ أوزاراً لكثرتها وثقلها، والأوزار : الأثقال. وقيل المراد بالأوزار الآثام، والمعنى حُمِّلْنَا آثاماً، روي٤٩ أن هارون –عليه السلام٥٠ - قال إنها نجسة فتطهروا منها٥١، وقال السَّامِريّ إنَّ موسى احتبس عقوبة بالحُلِيّ. فيجوز أن يكونوا٥٢ أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان للشيء٥٣ الذي يلزمه رده هذا كله إثمٌ وذنبٌ.
وقيل : إنَّ ذلك الحِليّ كان للقبط يتزينون به في مجامع٥٤ لهم يجري فيها الكفر، فلذلك٥٥ وصف بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي٥٦.
وقوله :﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ أي فَطَرَحْنَاهَا٥٧ في الحفيرة، وذلك أن هارون قال لهم : إنَّ تلكَ غنيمةٌ لا تَحِلٌُّ فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا٥٨.
وقيل : قَذَفُوها في موضعٍ أمرهم السامريُّ بذلك٥٩.
وقيل : في موضعٍ جمع فيه النار، ثم قالوا : وكذلك ألقى السامري ما معه من الحُلِيّ فيها٦٠.
١ وهما حمزة والكسائي..
٢ انظر السبعة (٣٣٢، ٤٢٣) الحجة لابن خالويه (٤٤٦)، الكشف ٢/١٠٤ النشر ٢/٣٢١ – ٣٢٢، الإتحاف (٣٠٦)..
٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٥، التبيان ٢/٩٠٠، البحر المحيط ٦/٢٦٨، وانظر أيضا اللسان (ملك)..
٤ في ب: كالبغض والنقض. وهو تحريف. والنقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء. انظر اللسان (نقض)..
٥ وهم مكي، وابن الأنباري، والعكبري. انظر الكشف ٢/١٠٤، ومشكل إعراب القرآن ٢/٧٥، البيان ٢/١٥٢، التبيان ٢/٩٠٠، ٩٠١..
٦ في ب: فقيل..
٧ البيت من بحر البسيط قاله ذو الرُّمة وهو ديوانه (١/٤٤)، تفسير ابن عطية ١٠/٧٤، البحر المحيط ٦/٢٦٨. السَّقطة: السقوط والعثرة. المفاوز: جمع مفازة. وهي الصحراء التي لا ماء فيها. الحَدَب: خروج الظهر، ودخول البطن والصدر..
٨ في ب: فتشكوا. وهو تحريف..
٩ في ب: والمصدر. وهو تحريف..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٨..
١١ انظر السبعة (٤٢٣)، الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٤ النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٦)..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ في ب: فيها..
١٤ أي أنهم بنوا الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٤..
١٥ في الأصل: وفي الثانية، وفي ب: وفي الثالث..
١٦ ببناء الفعل للمعلوم. الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٥..
١٧ في ب: أوزارا..
١٨ "حملنا" عدِّي بالتضعيف إلى مفعولين، وبني للمفعول، فالضمير المتصل نائب فاعل، و"أوزارا" مفعول ثان. أما على القراءة الثالثة فالضمير المتصل فاعل، و"أوزارا" مفعول به، فالفعل متعد إلى مفعول واحد..
١٩ في ب: متعلق. وهو تحريف..
٢٠ محذوف أي إلقاء مثل ذلك، قاله مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/٨٥ وأبو البقاء في التبيان ٢/٩٠١..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٢ -١٠٣..
٢٢ في ب: يضف. وهو تحريف..
٢٣ [البقرة: ٥٠]..
٢٤ [البقرة: ٧٢]..
٢٥ في الفخر الرازي: الفاعل..
٢٦ في ب: قرينة. وهو تحريف..
٢٧ في ب: منه..
٢٨ في ب: لأني. وهو تحريف..
٢٩ هو: سقط من ب..
٣٠ في ب: كأنه. وهو تحريف..
٣١ في ب: يمكن..
٣٢ في ب: هذا..
٣٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٤ في ب: والجواب..
٣٥ غير: سقط من ب..
٣٦ الأبله: هو الذي لا عقل له. اللسان (بَلَهَ)..
٣٧ في ب: الفرار. وهو تحريف..
٣٨ في ب: عليهم ولهم. ولا معنى لها..
٣٩ في ب: إنا. وهو تحريف..
٤٠ حُمّلنا: سقط من الأصل..
٤١ في الأصل: مع..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٢ – ١٠٣..
٤٤ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٤٥ في ب: لغير..
٤٦ في ب: أثقالا..
٤٧ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٤٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٤٩ في ب: فصل روي..
٥٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥١ في الأصل: منه. وهو تحريف..
٥٢ في ب: أن يكون قد. وهو تحريف..
٥٣ في ب: وقد يقال للإنسان. وهو تحريف..
٥٤ في ب: جامع. وهو تحريف..
٥٥ في ب: فكذلك. وهو تحريف..
٥٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٥٧ في ب: أي طرحناها..
٥٨ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٥٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٣.
.

قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾.
قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال: اقذفوا ما معكم فيها فألقوا فيها، ثم ألقى السامريُّ ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل - عليه السلام -.
قال قتادة: كان ذلك الجسد حيًّا أم لا؟
فقيل: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صوًّر صورة على شكل العجل، وجعل فيها منافذ وتخاريق بحيث تدخل فيها الرياح، فيخرج صوت يشبه صوت العِجْل.
وقيل: إنَّه صار حياً، وخار كما يخور العِجْل، لقوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ
357
الرسول} [طه: ٩٦]، ولو لم يصر حيًّا لما بقي لهذا الكلام فائدة، ولأنه تعالى سماه عجلاً، والعِجْل حقيقة هو الحيوان، وسماه جسَداً وهو إنما يتناول الحي.
وأثبت له الخوار.
وأما ظهور خارق العادة على يد الضال فجائز، لأنه لا يحصل الالتباس وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون - عليه السلام - مرَّ بالسَّامريَّ وهو يصنع العجل، فقال ما تصنع؟ فقال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: اللهم أعطه ما سأل، فلما مضى هارون، قال السامريُّ اللهم إني اسألك أن تجعل له خواراً.
وفي رواية: فألقى التراب في فم العجل، وقال: كُنْ عِجْلاً يخور، فكان كذلك يدعوه هارون وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزاً للنبي.
قوله: ﴿فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ وهاهنا إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين، وليسوا مكلفين، ولأن هذا محال على مثل ذلك الجمع العظيم، وإن لم يعتقدوا ذلك، فكيف قالوا: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى﴾ ؟
وجوابه لعلهم كانوا من الحلولية: فجوزوا حلول الإله وحلول صفة من صفاته في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً في غاية البعد، لأن ظهور الخوارق لا يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم في نهاية البلادة.
قوله: «فَنَسِيَ» قرأ العامة بكسر السين. وقرأ الأعمش بسكون السين، وهي لغة فصيحة والضمير في «نَسِيَ» يجوز أن يعود على السَّامِريّ «، وعلى هذا قيل: إنه من كلام
358
الله تعالى، كأنه أخبر عن السامري أنه نَسِيَ الاستدلال على حدوث الأجسام، وإنَّ الإلَه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، ثم إنه تعالى بيَّن المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي: لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر لا يكون إلهاً، ولا يكون للإله تعلق بالحالية (والمحلية).
ويجوز أن يعود على» مُوسَى «وعلى هذا قيل: هذا قول السامري، والكعنى أن هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول الأكثرين.
وقيل: فنسي وقت الموعد في الرجوع.
قوله: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي: أن العجل لا يكلمهم، لا يجيبهم إذا دعوه، ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾. وهذا استدلال على عدم أنه إله بأنه لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر. وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات، وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم - عليه السلام - ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وأن موسى - عليه السلام - في الأكثر لا يعول إلى على دلائل إبراهيم (عليه السلام).
قوله: ﴿أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ العامة على رفع «يَرْجِعُ»
لأنها المخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهو المشددة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
قال الزجاج: الاختيار الرفع بمعنى: أنه لا يرجع كقوله: ﴿وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] بمعنى: أنه لا تكون.
359
وقرأ أبو حيوة والشافعي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) وأبان بنصبه، جعلوها الناصبة.
والرؤية على الأولى يقينية، وعلى الثانية بصرية، وقد تقدم تحقيق هذين القولين (في المائدة).
والسَّامريُّ: منسوب لقبيلة يقال لها سامرة.

فصل


دلَّت الآية على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، وقال في آية أخرى ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وهو قريب من قوله في ذم عبدة الأصنام ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، أي لو كان يكلمهم لكان إلهاً، والشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، وفوات منها يقتضي فوات المشروط، وحصول الواحد منها لا يقتضي حصول المشروط.
قال بعض اليهود لعليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ما دَفَنْتُمْ نَبيَّكُمْ حتَّى اختلفتم.
فقال: اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفَّت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعَلْ لَنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة.
360
قوله :﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً ﴾ أي : أن العجل لا يكلمهم، لا يجيبهم إذا دعوه، ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾. وهذا استدلال على عدم أنه إله بأنه١ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر. وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات، وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم -عليه السلام٢- ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ ﴾٣ وأن موسى -عليه السلام٤- في الأكثر لا يعول٥ إلا على٦ دلائل إبراهيم ( عليه السلام ) ٧.
قوله :﴿ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ﴾ العامة على رفع " يَرْجِعُ " ٨ لأنها المخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهو المشددة في قوله :﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾٩.
قال الزجاج : الاختيار الرفع١٠ بمعنى : أنه لا يرجع كقوله :﴿ وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾١١ بمعنى : أنه لا تكون.
وقرأ أبو حيوة والشافعي ( رضي الله عنه )١٢ وأبان بنصبه١٣، جعلوها١٤ الناصبة.
والرؤية على الأولى يقينية١٥، وعلى الثانية بصرية، وقد تقدم تحقيق هذين القولين ( في المائدة١٦ )١٧.
والسَّامريُّ : منسوب لقبيلة يقال لها سامرة١٨.

فصل١٩


دلَّت الآية على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، وقال في آية أخرى ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾٢٠، وهو قريب من قوله في ذم٢١ عبدة الأصنام ﴿ فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾٢٢، أي لو كان يكلمهم لكان إلهاً، والشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة، وفوات واحد٢٣ منها يقتضي فوات المشروط٢٤، وحصول الواحد منها لا يقتضي حصول المشروط.
قال بعض اليهود لعليٍّ -رضي الله عنه- ما دَفَنْتُمْ نَبيَّكُمْ حتَّى اختلفتم.
فقال٢٥ : اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفَّت أقدامكم من ماء٢٦ البحر حتى قلتم لنبيكم اجعَلْ لَنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة.
١ في ب: وبأنه..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ [مريم: ٤٢]..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ في ب: لا يقول. وهو تحريف..
٦ في ب: إلى. وهو تحريف..
٧ ما بين القوسين سقط من ب. وانظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٤..
٨ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٩..
٩ [الأعراف: ١٤٨]. وذلك أنّ "أنْ" إذا وقعت بعد علم ونحوه من أفعال اليقين فهي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والتقدير: أنه لا يرجع. شرح الأشموني ٣/٢٨٢..
١٠ قال الزجاج: (والاختيار مع رأيت وعلمت وظننت أن لا يفعل، في معنى: قد علمت أنه لا يفعل) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٣. .
١١ [المائدة: ٧١]..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٩..
١٤ في ب: وجعلوها..
١٥ في ب: علمية..
١٦ عند قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ [المائدة: ٧١]..
١٧ ما بين القوسين سقط من ب..
١٨ في معجم البلدان: سامرة قرية بين مكة والمدينة. (سمر)..
١٩ نقل ابن عادل هذا الفصل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٤ – ١٠٥..
٢٠ [الأعراف: ١٤٨]..
٢١ ذم: سقط من ب..
٢٢ [الأنبياء: ٦٣]..
٢٣ في ب: واحدة. وهو تحريف..
٢٤ في ب: الشروط. وهو تحريف..
٢٥ في ب: فقالوا. وهو تحريف..
٢٦ ماء: سقط من ب..
قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق، أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف
360
والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه موسى - عليه السلام - ﴿اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فلو كان يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنى المنكر كان مخالفاً لأمر الله ولأمر موسى وذلك لا يجوز. وأما الشفقة على الخلق فلأن الإنسان يجب أن يكون مشفقاً على خلق الله خصوصاً على أبناء جنسه، وأي شفقة أعظم من أن يرى جَمعاً يتهافتون على النار فيمنعهم منها. ولمَّا ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فيمنعهم منها. ولمَّا ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم بل صرح بالحق فقال: ﴿ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾.
(واعلم أن هارون عليه السلام سَلَكَ في هذا الوعط أحسن الوجوه، لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانياً بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ ) ثم دعا إلى ثالثاً إلى النبوة بقوله: «فَاتَّبِعُونِي» ثم دعاهم رابعاً بقوله «وَأَطِيعُوا أَمْرِي».
وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه. وإنما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ فخص هذا الموضع باسم الرحمن، تنبيهاً على أنهم متى تابوا قَبِلَ الله توبتهم، لأنه هو الرحمن، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون، ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد فقالوا: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول موسى، وهذه عادة المقَلِّدِ.
قوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ﴾.
قرأ العامة: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ﴾ بالكسر فيهما، لأنها بعد القول لا بمعنى الظن وقرأت فرقة بفتحهما، وخُرِّجت على لغة سُلَيْم، وهي أنهم يفتحون «أنَّ» بعد القول مطلقاً.
361
وقرأ أبو عمرو في رواية الحسن وعيسى بن عمر بفتح «أنَّ ربَّكُمْ» فقط، وخرجت على وجهين:
أحدهما: أنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: واللأمر أنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.
والثاني: أنها مجرورة مقدر، أي: لأنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ.
«فَاتَّبِعُونِي» وقد تقدم القول في نظير ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء.

فصل


لمَّا قالوا لهارون ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ أي: مقيمين على عبادة العجل ﴿حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يؤقصون حول العِجْل قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا﴾ أشركوا.
قوله: «إذْ» منصوب ب «مَنَعَكَ»، أي: أي شيء منعك وقت ضلالهم.
و «لاَ» فيها قولان:
أحدهما: أنَّها مزيدة، أي ما منعك من أن تتبعني.
والثاني: أنَّها دخلت حملاً على المعنى، إذ المعنى ما حملك على أن لا تتبعني، وما دَعَاك إلى أن لا تتبعني، ذكره عَلِيُّ بن عِيسَى.
وقد تقدم تحقيق هذين القولين في (سورة الأعراف، والقراءة في)، «يَبْنَؤُمَّ».

فصل


ومعنى تَتَّبِعني تتَّبع أمري ووصيَّتٍي، يعني هلاَّ قاتلتهم، وقد علمت أنِّي لو كنت
362
فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالهم فتكون مفارقتك إياهُم زَجْراً لهم عما أتوا ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.

فصل


تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه:
أحدها: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يكون قد أمر هارون باتباعه أو موسى لهارون معصيةً وذنباً، لأن ملامة غير المجرم معصية.
وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وإن قلنا: إن موسى ما أمره باتباعه كانت ملامته إيَّاه بترك الاتباع معصية، وعلى جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون.
وثانيها: قول موسى ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ استفهام على سبيل الإنكار، فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا كان موسى كاذباً، وهو معصية، وإذا فعل هارون لك فقد فعل المعصية.
ثالثها: قوله: ﴿ياابنأم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] وهذا معصية، لأن هارون - عليه السلام - قد فعل ما قدر عليه، فكان الأخذ بلحيته وبرأسه معصية، وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك معصية.
ورابعها: أن هارون قال: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، فإن كان الأخذ بلحيته ورأسه جائزاً كان قول هارون «لاَ تَأْخُذْ» منعاً له أن يفعله، فيكون ذلك القول معصية. وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى - عليه السلام - فاعلاً للمعصية.
363
والجواب عن الكل: أنَّ حاصَ هذه الوجوه تمسكٌ بظواهر قابلة للتأويل، ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز. وإذا ثبتت هذه المقدمة ففي الجواب وجوه:
أحدهما: أنَّا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم. وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر، أعني: موسى وهارون - عليهما السلام - لعله كان أحدهما أولى، والآخر كان ترك الأولى، فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر.
فإن قيل: هذا التأويل غير جائز، لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً، وفعل المندوب وتركه لا يجزمونه قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فيحمل الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً.
وثانيهما: أن موسى - عليه السلام - أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك الغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، وأما قوله: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] فلا يمتنع أنه معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ [طه: ٩٤].
وثالثها: أنَّ نبي إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى، حتى إن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى: أنت قتلته، فلما وعد الله موسى، وكتب له في الألواح من كل شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، أخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يَسْبِق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً على موسى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك.
364
ورابعها: قال الزمخشري: كان موسى - عليه السلام - رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة، والخشونة، والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى الواح التوراة لما غلب عليه من الدهشة العظيمة غضباً لله وحميّة، وعنَّف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو.
قال ابن الخطيب: وهذا الجواب ساقط، لأنه يقال: هَبْ أنه كان شديد الغضب، ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟
فإن بقي عاقلاً فالأسئلة باقية بتمامها، أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه يغضب شديداً وذلك من جملة المعاصي. فإن قلتم: إنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم البتة، فهذه أجوبة من لم يجوِّز الصغائر، وأما من جوزها فالسؤال ساقط.
وجواب آخر: وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رجع إلى بني إسرائيل كان عالماً بانهم قد فُتِنُوا، وأن السامري قد أضلهم، والدليل عليه قوله تعالى لموسى ( «إِنَّا قَدْ فَتَنَّا) قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ» وإذا كان كذلك فموسى - عليه السلام - إنما جاء وهو عالم بحالهم، فإنكاره على هارون لعلمه بحالهم قبل مجيئه إليهم لا لما أثبتوه في سؤالهم.
وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ يدل على أن تارك المأمور به عاص، والعاصي مستحق للعقاب، لقوله: «وَمَنْ يَعْص اللهَ (وَرَسُولَه فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم» ) فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب.
365

فصل


لمَّا قالوا لهارون
﴿ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ ﴾ أي : مقيمين على عبادة العجل ﴿ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى ﴾ اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون١ حول العِجْل قال للسبعين الذين معه : هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله٢.
١ في ب: يرمضون. وهو تحريف..
٢ انظر البغوي ٥/٤٥٢..
وقال له :﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا ﴾ أشركوا.
قوله :" إذْ " منصوب ب " مَنَعَكَ "، أي : أي شيء منعك وقت ضلالهم١.
و " لاَ " فيها قولان٢ :
أحدهما : أنَّها مزيدة، أي ما منعك من أن تتبعني٣.
والثاني : أنَّها دخلت حملاً٤ على المعنى، إذ المعنى ما حملك على أن لا٥ تتبعني، وما دَعَاك إلى أن لا تتبعني، ذكره عَلِيُّ بن عِيسَى٦.
وقد تقدم تحقيق هذين القولين في ( سورة الأعراف٧، والقراءة في )٨، " يَبْنَؤُمَّ " ٩.

فصل١٠


ومعنى تَتَّبِعني تتَّبع أمري ووصيَّتٍي، يعني هلاَّ قاتلتهم، وقد علمت أنِّي لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل :﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ أي : ما منعك من اللحوق بي وإخباري١١ بضلالهم فتكون مفارقتك إياهُم زَجْراً١٢ لهم عما أتوا ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾١٣.

فصل


تمسك الطاعنون١٤ في عصمة الأنبياء عليهم السلام١٥ بهذه الآية من وجوه :
أحدها١٦ : أنَّ موسى -عليه السلام١٧- إما أن يكون قد أمر١٨ هارون باتباعه١٩ أو لم يأمره، فإن أمره، فإما٢٠ أن يكون هارون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه كان كلام موسى لهارون معصيةً وذنباً، لأن ملامة غير المجرم معصية.
وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان٢١ فاعلاً للمعصية، وإن قلنا : إن موسى ما أمره باتباعه كانت ملامته إيَّاه بترك٢٢ الاتباع معصية، وعلى جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون٢٣.
وثانيها٢٤ : قول موسى ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا كان موسى كاذباً، وهو معصية، وإذا فعل هارون٢٥ لك فقد فعل المعصية.
ثالثها٢٦ : قوله :﴿ يا ابن أم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ وهذا معصية، لأن هارون -عليه السلام٢٧- قد فعل ما قدر عليه، فكان الأخذ بلحيته وبرأسه٢٨ معصية، وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك معصية.
ورابعها٢٩ : أن هارون قال :﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾، فإن٣٠ كان الأخذ بلحيته ورأسه جائزاً٣١ كان قول٣٢ هارون " لاَ تَأْخُذْ " ٣٣ منعاً له عما كان له أن يفعله٣٤، فيكون ذلك القول معصية. وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى -عليه السلام٣٥- فاعلاً للمعصية.
والجواب٣٦ عن الكل : أنَّ حاصل هذه الوجوه تمسكٌ بظواهر قابلة للتأويل، ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز. وإذا ثبتت هذه المقدمة ففي الجواب وجوه :
أحدها٣٧ : أنَّا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم. وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر، أعني : موسى وهارون -عليهما السلام٣٨- لعله كان أحدهما أولى، والآخر كان ترك الأولى، فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر. فإن قيل : هذا التأويل غير جائز، لأن كل واحد منهما كان جازماً٣٩ فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً، وفعل المندوب وتركه لا يجزمونه٤٠ قلنا٤١ : تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فيحمل٤٢ الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً٤٣.
وثانيها٤٤ : أن موسى -عليه السلام٤٥- أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك الغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان٤٦ أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، وأما قوله :﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ فلا يمتنع أن يكون هارون – عليه السلام٤٧ خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل أنه منكر عليه، فبين أنه معاون له، ثم أخذ٤٨ في شرح القصة فقال :﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ ﴾.
وثالثها : أنَّ نبي إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى، حتى إن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى : أنت قتلته، فلما وعد الله موسى، وكتب له في الألواح من كل شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، أخذ٤٩ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يَسْبِق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً٥٠ على موسى :﴿ لاَ تَأْخُذْ٥١ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك٥٢.
ورابعها : قال الزمخشري : كان موسى -عليه السلام٥٣- رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة، والخشونة، والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا٥٤ من الآيات العظام أن ألقى ألواح٥٥ التوراة لما غلب عليه من الدهشة العظيمة غضباً لله وحميّة، وعنَّف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو٥٦ ٥٧.
قال ابن الخطيب٥٨ : وهذا الجواب ساقط، لأنه يقال : هَبْ أنه كان شديد الغضب، ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا ؟
فإن بقي٥٩ عاقلاً فالأسئلة باقية بتمامها، أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه يغضب شديداً٦٠ وذلك من جملة المعاصي. فإن٦١ قلتم : إنه في ذلك الغضب٦٢ لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما٦٣ لا يرتضيه مسلم البتة، فهذه أجوبة من لم يجوِّز الصغائر، وأما من جوزها فالسؤال٦٤ ساقط٦٥.
وجواب آخر : وهو٦٦ أنَّ موسى -عليه السلام٦٧- لمَّا رجع إلى بني إسرائيل كان عالماً بأنهم قد فُتِنُوا، وأن السامري قد أضلهم، والدليل عليه قوله تعالى لموسى٦٨ ( " إِنَّا قَدْ٦٩ ) فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ " وإذا كان كذلك فموسى -عليه السلام٧٠- إنما جاء وهو عالم بحالهم، فإنكاره على هارون لعلمه بحالهم قبل مجيئه إليهم لا لما أثبتوه في سؤالهم.
١ أي أيُّ شيء منعك، وقيل: أيُّ شيء منعك وقت إضلالهم..
٢ في ب: وقيل فيها وجهان..
٣ انظر التبيان ٢/٩٠١، البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٤ حملا: سقط من ب..
٥ لا: سقط من ب..
٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٧ عند قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢] انظر اللباب ٤/١١..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ عند قوله تعالى: ﴿قال ابن أمَّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: ١٥٠]..
١٠ فصل: سقط من ب..
١١ في ب: وأخبارهم. وهو تحريف..
١٢ في ب: وزجرا. وهو تحريف..
١٣ انظر البغوي ٥/٤٥٣..
١٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٧ – ١٠٨..
١٥ عليهم السلام: سقط من ب..
١٦ في ب: الأول..
١٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٨ أمر: سقط من الأصل..
١٩ في ب: باتباعنا. وهو تحريف..
٢٠ في ب: أما..
٢١ في ب: وكان..
٢٢ في ب: بتركه..
٢٣ في ب: فرعون. وهو تحريف..
٢٤ في ب: الثاني..
٢٥ في ب: بهارون. وهو تحريف..
٢٦ في ب: الثالث..
٢٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٨ في ب: برأسه وبلحيته..
٢٩ في ب: الرابع..
٣٠ في ب: وإن..
٣١ في ب: جائز. وهو تحريف..
٣٢ قول: سقط من الأصل..
٣٣ لا تأخذ: سقط من ب..
٣٤ في ب: يفعل..
٣٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٦ في ب: فالجواب..
٣٧ في ب: الأول..
٣٨ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
٣٩ في ب: جارنا وهو تحريف..
٤٠ في ب: لا يخرجونه..
٤١ في ب: فالجواب..
٤٢ في ب: فيحتمل. وهو تحريف..
٤٣ في ب: مقررا..
٤٤ في ب: والجواب عن الثاني..
٤٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٦ كان: سقط من الأصل..
٤٧ عليه السلام: سقط من ب..
٤٨ أخذ: سقط من ب..
٤٩ في ب: وأخذ..
٥٠ في ب: أسفا. وهو تحريف..
٥١ في ب: لا نأخذ. وهو تحريف..
٥٢ في ب: فيرمونك بقتلي كما رموك قبل ذلك..
٥٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٤ في ب: ما أراد. وهو تحريف..
٥٥ في النسختين: الألواح..
٥٦ الكشاف ٢/٤٤٥..
٥٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٧- ١٠٨..
٥٨ في ب: شديد. وهو تحريف..
٥٩ في ب: فإن كان يبقى..
٦٠ في ب: شديد. وهو تحريف..
٦١ في ب: وأن..
٦٢ الغضب: سقط من ب..
٦٣ في ب: ما.
.

٦٤ السؤال: سقط من ب..
٦٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٨..
٦٦ في ب: وذلك..
٦٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٨ في ب: لموسى عليه الصلاة والسلام..
٦٩ ما بين القوسين في ب: ولقد وهو تحريف. ونص القرآن "فإنّا"..
٧٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
وقوله :﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ يدل على أن تارك المأمور به عاص، والعاصي مستحق للعقاب، لقوله :﴿ وَمَنْ يَعْص اللهَ١ ( وَرَسُولَه فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم ﴾ ٢ )٣ فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب٤.
١ في ب: ﴿ومن يعص الله ورسوله يدخله نارا﴾ من قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ [النساء: ١٤]..
٢ [الجن: ٣٢]..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٨ – ١٠٩..
قوله: «يا بْنَ أُمِّ» قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه، ويتركه.
وقيل: كان أخاه لأمه.
واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنَّه فَعَلَ ذلك، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١، ٤٨] وإنما في القرآن أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه. ، وهذا القدر لا يدل على الاستحقاق بل قد يفعل لسائر الأغراض على ما بيناه.
قوله: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ الجمهور على كسر اللام من اللحية، وهي الفصحى. وفيها الفتح وبه قرأ عيسى بن سليمان الحجازي، والفتح لغة الحجاز ويجمع على لِحّى كقِرَب. ونقل فيها الضم كما قالوا: صِوَرَ بالكسر وحقها بالضم.
والباء في «بِلِحْيَتِي» ليست زائدة إما لأنَّ المعنى لا يكن منك أخذ وإما لأن المفعول محذوف أي لا تأخُذْنِي. ومن زعم زيادتها كهي في ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] فقد تعسف.
366

فصل


معنى قوله: «بِرَأْسِي» أي بِشَعْر رأسي، وكان قد أخذ بذوابته «إنِّي خَشِيتُ» لو أنكرت عليهم لصاروا حريين بقتل بعضهم بعضاً، فتقول أنت ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: ﴿اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢] لأي ارفق بهم.
قوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ هذه الجملة محلها النصب نسقاً على ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ أي أن تقول: فرقت بينهم وأن تقول: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
وقرأ أبو جعفر «تُرقب» بضم حرف المضارعة من أرقب. فإن قيل: إن قوله موسى - عليه السلام - «وما منعك أن لا تتبع أفعَصَيْتَ أمْرِي» يدل على أنه أمره بشيء، فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول «وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي»، وهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل؟
فالجواب: لعلَّ موسى - عليه السلام - إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد القوم، فلما قال موسى «مَا مَنَعَكَ أَْنْ لاَ تَتَّبِعنِي» قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد، فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لك.
367
قوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري﴾. «مَا خَطْبُكَ» مبتدأ وخبر، وتقدم الكلام على الخَطب في يوسف، ومعناه هنا: ما أمرك وشأنُك، أي ما حملك على ما صنعت.
367
وقال ابن عطيَّة هنا: إنه يقتضي إشهاراً، كأنه قال: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُك.
ورد عليه أبو حيَّان بقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون﴾ [الحجر: ٥٧، الذاريات: ٣١].
قوله: «بَصُرْتُ» يقال: بَصُر الشيء، أي: علمه، وأبصره أي: نظر إليه كذا قال الزجاج.
وقال غيره: بصر بالشيء وأبصره بمعنى: علمه. والعامة علم ضم الصاد في الماضي ومضارعه وقرأ الأعمش وأبو السمال «بَصِرتُ» بالكسر «يَبْصَرُوا» بالفتح وهي لغة.
وعمرو بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين، أي أُعْلِمْتُ بما لم يعلموا به، وقرأ الأخوان «تَبْصَرُوا» خطاباً لموسى وقومه أو تعظيماً له كقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾
٣٦٨٦ - حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ... والباقون بالغيبة من قومه والعامة على فتح القاف من «قَبْضَة» وهي المرة من القبض.
قال الزمخشري: وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر.
قال شهاب الدين: والنحاة يقولون: إن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء تقول:
368
هذه حلةٌ نسجُ اليمن، ولا تقول: نسجة اليمن، ويعترضوون بهذه الآية، ثم يجيبون بأن الممنوع إنما هو التاء الدالّة على التحديد لا على مجرد التأنيث، وهذه التاء دالة على مجرد التأنيث، وكذلك قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقرأ الحسن «قُبْضَةٌ» بضم القاف وهي كالغُرْفَة والمُضْغَة في معنى المغروف والمقبوض. وروي عنه «قُبْصَة» بالصاد المهملة. والقَبْض بالمعجمة بجمع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، وله نظائر كالخضم وهو الكل بجميع الفم والقضم بمقدمه، والقضم قطع بانفصال والفصم بالفاء باتصال، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة. وأدغم ابن محيصن الضاد المعجمة في تاء المتكلم مع إبقائه الإطباق. وأدغم الأخوان وأبو عمرو الذال في التاء من «فَنَبَذْتُهَا».

فصل


لما أجاب هارون أخاه موسى بالجواب المتقدم أقبل موسى على السامريّ وقال له: «مَا خَطْبُكَ» أي: ما حملَكَ على ما فعلتَ؟ فقال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: رأيت
369
ما لم يروا بنو إسرائيل وعرفت ما لم يعرفوا.
قال ابن عباس: علمتُ ما لم يعلموا، ومنه قولهم: رجل بصيرٌ، أي: عالم قاله أبو عبيدة وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضةٌ من تراب، فقال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾.
وقرأ ابن مسعود: «مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ» والمراد بالرسول جبريل - عليه السلام - (عند عامَّة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي) أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر.
وعن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّ جبريل - عليه السلام - لمَّا نزل ليذهب موسى إلى الطور أبصره السَّامريّ من بين الناس.
واختلفُوا في أنه كيف اختص السامريُّ برؤية جبريل ومعرفته بين الناس؟
فقال ابن عبَّاس في رواية الكلبي: إنَّما عرفه، لأنه رآه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولجتْ طرحتْ ولدَها حيث لا يشعر به آل فرعون، فيأخذ الملائكة الولدان ويربونَهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامريُّ ممن أخذه جبريل - عليه السلام -، وجعل كفَّ نفسه في فيه وارتضع منه اللبن والعسل ليربيه - فلما قضي على يديه من الفتنة فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.
قال ابن جريج: فعل هذا قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ يعني رأيت ما لم يروه. ومَنْ فسّر الإبصار بالعلم فهو صحيح، ويكون المعنى علمتُ أن تراب فرس جبريل - عليه السلام - له خاصة الإحياء، وذلك أنه كان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه في مشيه على الطريق اليبس يخرج تحته النبات في الحال.
وقال أبُو مسلم: ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون فهنا وجه آخر، وهو أن يكون المرادُ بالرسول موسى - عليه السلام -، وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل: إنَّ فلاناً يقفُوا أثرَ فلان يقتص أثرَه إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا أقبل على السامريِّ باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه
370
إلى إضلال القوم في العَجْل فقال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي عرفت أن الذي أنتم عليه (ليس بحق)، وقد كنت قبضتُ قبضةٌ من أثرك أيُّها الرسولُ أي: شيئاً من دينك، فنبذته أي: طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى - عليه السلام - بما له من العذاب في الدُّنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: ما يقولُ الأميرُ في كذا، أو بماذا يأمرُ الأمير. وأما ادِّعاؤُه أنَّ موسى - عليه السلام - رسول مع جحده وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله: ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وإن لم يؤمنوا بالإنزال.
قال ابن الخطيب: وهذا الذي ذكره أبو مسلم (ليس فيه إلاَّ أنَّه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه:
أحدها: أن جبريل - عليه السلام - ليس معهوداً باسم الرسول، ولم يجز له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب.
وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول والإضمار خلاف الأصل.
وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أنَّ السامريّ كيف اختصَّ من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، ثم كيف عرف أن تراب حافر دابته يؤثر هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل - عليه السلام - هو الذي ربَّاه فبعيد، لأن الاسمريِّ إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أنَّ موسى - عليه السلام - نبيٌّ صادقٌ، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأنَّى ينفعه كون جبريل - عليه السلام - (مربيّاً له) حال الطفولية في حصول تلك المعرفة.
ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على ترابٍ هذا شأنه لكان لقائل أن
371
قوله :" بَصُرْتُ " يقال : بَصُر الشيء، أي : علمه، وأبصره أي : نظر إليه كذا قال الزجاج١.
وقال غيره : بصر بالشيء وأبصره بمعنى : علمه٢. والعامة علم ضم الصاد في الماضي ومضارعه وقرأ الأعمش وأبو السمال " بَصِرتُ " بالكسر " يَبْصَرُوا " بالفتح٣ وهي لغة٤.
وعمرو٥ بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين٦، أي أُعْلِمْتُ بما لم يعلموا به، وقرأ الأخوان " تَبْصَرُوا " خطاباً لموسى وقومه أو تعظيماً له كقوله :﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾٧.
حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ٨ ***. . .
والباقون بالغيبة من قومه٩ والعامة على فتح القاف من " قَبْضَة " وهي المرة من القبض١٠.
قال الزمخشري : وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر١١.
قال شهاب الدين : والنحاة يقولون : إن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء تقول : هذه حلةٌ نسجُ اليمن، ولا تقول١٢ : نسجة اليمن، ويعترضون بهذه الآية١٣، ثم يجيبون بأن الممنوع إنما هو التاء الدالّة على التحديد لا على مجرد١٤ التأنيث، وكذلك قوله١٥ :﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ ﴾١٦ ١٧.
وقرأ الحسن " قُبْضَةٌ " بضم القاف وهي كالغُرْفَة والمُضْغَة في معنى المغروف والمقبوض١٨. وروي عنه " قُبْصَة " بالصاد المهملة١٩. والقَبْض بالمعجمة بجمع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، وله نظائر كالخضم وهو الكل بجميع الفم٢٠ والقضم٢١ بمقدمه٢٢، والقضم٢٣ قطع بانفصال والفصم بالفاء باتصال٢٤، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة٢٥. وأدغم ابن محيصن الضاد المعجمة في تاء المتكلم مع إبقائه الإطباق٢٦. وأدغم الأخوان٢٧ وأبو عمرو الذال في التاء من " فَنَبَذْتُهَا٢٨ ".

فصل


لما أجاب هارون أخاه موسى بالجواب المتقدم أقبل موسى على السامريّ وقال له :" مَا خَطْبُكَ " أي : ما حملَكَ على ما فعلتَ ؟ فقال :﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ أي : رأيت ما لم يروا بنو إسرائيل٢٩ وعرفت ما لم يعرفوا.
قال ابن عباس : علمتُ ما لم يعلموا، ومنه قولهم : رجل بصيرٌ، أي : عالم قاله أبو عبيدة٣٠ وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضةٌ من تراب، فقال :﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول ﴾٣١.
وقرأ ابن مسعود :" مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ " والمراد بالرسول جبريل - عليه السلام - ( عند عامَّة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي )٣٢ أخذه٣٣ من موضع حافر دابته لما٣٤ رآه يوم فلق البحر. وعن عليٍّ - رضي الله عنه- أنَّ جبريل - عليه السلام - لمَّا نزل ليذهب موسى إلى الطور أبصره السَّامريّ من بين الناس٣٥.
واختلفُوا٣٦ في أنه كيف اختص٣٧ السامريُّ برؤية جبريل ومعرفته بين الناس ؟
فقال ابن عبَّاس في رواية الكلبي : إنَّما عرفه، لأنه رآه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولجتْ طرحتْ ولدَها حيث لا يشعر به آل فرعون، فيأخذ الملائكة الولدان ويربونَهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامريُّ ممن أخذه جبريل - عليه السلام-، وجعل كفَّ نفسه في فيه وارتضع منه اللبن والعسل٣٨ ليربيه- فلما٣٩ قضي على يديه من الفتنة فلم يزل يختلف إليه٤٠ حتى عرفه.
قال ابن جريج : فعل هذا قوله :﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ يعني رأيت ما لم يروه. ومَنْ فسّر الإبصار بالعلم فهو صحيح، ويكون المعنى علمتُ أن تراب فرس جبريل - عليه السلام- له خاصة الإحياء، وذلك أنه كان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه في مشيه على الطريق اليبس يخرج تحته النبات في الحال.
وقال أبُو مسلم : ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون فهنا٤١ وجه آخر، وهو أن يكون المرادُ بالرسول موسى - عليه السلام٤٢-، وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل : إنَّ فلاناً يقفُوا أثرَ فلان يقتص٤٣ أثرَه إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أنَّ موسى - عليه السلام٤٤- لمَّا أقبل على السامريِّ باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العَجْل فقال :﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ أي عرفت أن٤٥ الذي أنتم عليه ( ليس بحق )٤٦، وقد كنت قبضتُ قبضةٌ من أثرك أيُّها الرسولُ أي : شيئاً من دينك، فنبذته أي : طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى - عليه السلام٤٧- بما له من العذاب في الدُّنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار٤٨ عن غائب كما يقول الرجل٤٩ لرئيسه وهو مواجه له : ما يقولُ الأميرُ في كذا، أو٥٠ بماذا يأمرُ الأمير. وأما ادِّعاؤُه أنَّ موسى٥١- عليه السلام٥٢- رسول٥٣ مع جحده وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله :﴿ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾٥٤ وإن لم يؤمنوا بالإنزال٥٥.
قال ابن الخطيب : وهذا٥٦ الذي ذكره أبو مسلم ( ليس فيه إلاَّ أنَّه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه :
أحدها : أن جبريل - عليه السلام٥٧ - ليس معهوداً باسم٥٨ الرسول، ولم يجز له فيما تقدم ذكر حتى تجعل٥٩ لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب.
وثانيها٦٠ : أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول والإضمار خلاف الأصل.
وثالثها٦١ : أنه لا بد من التعسف في بيان أنَّ السامريّ كيف اختصَّ من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، ثم كيف عرف أن تراب حافر دابته يؤثر هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل - عليه السلام- هو الذي ربَّاه فبعيد، لأن السامريِّ إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله٦٢ عرف قطعاً أنَّ موسى - عليه السلام- نبيٌّ صادقٌ، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأنَّى ينفعه كون جبريل - عليه السلام - ( مربيّاً له )٦٣ حال الطفولية في حصول تلك المعرفة.
ورابعها٦٤ : أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على ترابٍ هذا شأنه لكان لقائل٦٥ أن يقول : فلعل٦٦ اطلع أيضاً على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله٦٧ أتى بالمعجزات، فرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول : لِمَ لا يجوز أن يقال : إنَّهم أتوا بهذه المعجزات لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن يفيد حصول تلك المعجزة، وحينئذ يسند باب المعجزات بالكلية٦٨.
ثم قال :﴿ وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ أي زينت، والمعنى : فعلتُ ما دعتني إليه نفسي، وسولت مأخوذة من السؤال٦٩.
١ قال الزجاج: (يقال: قد بصُر الرجل يبصُر: إذا كان عليما بالشيء، وأبصر يبصر: إذا نظر) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٤. وقال: (وبصرت بالشيء صرت بصيرا به عالما، وأبصرته: إذا رأيته) فعلت وأفعلت: (١١)..
٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٣ المختصر (٨٩)، البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٤ قال ابن منظور: (والفعل بصر يبصر، ويقال: بصرت) اللسان (بصر)..
٥ في ب: لعمرو..
٦ انظر المختصر (٨٩)..
٧ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢]..
٨ جزء بيت من بحر الطويل للعرجي وتمامه:
فإن شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وهو في اللسان (برد، نقخ). النقاخ: الماء العذب. البرد: النوم لأنه يبرد العين بأن يقرها. وهو هنا: الريق. والشاهد فيه خطاب المفرد بخطاب الجمع تعظيما. وقد تقدم..

٩ السبعة (٤٢٤)، الحجة لابن خالويه (٢٤٧)، الكشف ٢/١٠٥، النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٧)، الإتحاف (٣٠٧)..
١٠ وذلك لأن اسم المرة من الثلاثي يكون على وزن (فعلة). التبيان في تصريف الأسماء (٥٤)..
١١ الكشاف ٢/٤٤٥..
١٢ في ب: ولا يقال..
١٣ في ب: بهذه الأمور والآية..
١٤ مجرد: سقط من ب..
١٥ في ب: وكذلك التاء في قوله..
١٦ [الزمر: ٦٧]..
١٧ الدر المصون ٥/٣٦..
١٨ انظر الكشاف ٢/٤٤٥..
١٩ المختصر (٨٩)، المحتسب ٢/٤٥٥ البحر المحيط ٦/٢٧٣..
٢٠ الفم: سقط من ب..
٢١ في ب: والعصم..
٢٢ القضم: الأكل بأطراف الأسنان. اللسان (قضم)..
٢٣ في ب: القطم..
٢٤ القصم بالقاف هو أن ينكسر الشيء فيبين يقال منه: قصمت الشيء إذا كسرته حتى يبين. والفصم بالفاء هو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين. اللسان (قصم)..
٢٥ عند قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٥٦] وذكر هناك: والانفصام بالفاء القطع من غير بينونة، والقصم بالقاف – قطع ببينونة، وقد يستعمل ما بالفاء مكان ما بالقاف، والمقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام فبأن لا يكون لها انقطاع أولى. انظر اللباب ٢/١٠٠..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٣، الإتحاف ٣٠٧..
٢٧ حمزة والكسائي..
٢٨ وأظهر الباقون. وحجة من أدغم أن قوة التاء والذال معتدلة، لأن التاء شديدة، والذال مجهورة، والشدة في القوة كالجهر ولأن التاء مهموسة، والذال رخوة، والهمس في الضعف كالرخاوة، فاعتدلا في القوة والضعف، فحسن الإدغام لذلك، على أنهما قد اشتركا في المخرج من الفم، واشتركا في إدغام لام التعريف فيهما، واتصالهما في كلمة. والإظهار أحسن، لأنه الأصل ولأن التاء في تقدير الانفصال لأن الفعل (نبذ) فالتاء داخلة فيه بعد أم لم تكن. انظر الكشف ١/١٥٩ -١٦٠..
٢٩ قوله: ما لم يروا بنو إسرائيل. هذا التعبير ماش على لغة أكلوني البراغيث، وهي إلحاق الفعل علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه..
٣٠ مجاز القرآن ٢/٢٦..
٣١ المختصر: ٨٩، البحر المحيط ٦/٢٧٤..
٣٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٣ في ب: فأخذ. وهو تحريف..
٣٤ في ب: ما. وهو تحريف..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٠..
٣٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١٠ – ١١١..
٣٧ في ب: في كيفية اختصاص..
٣٨ في ب: العسل واللبن..
٣٩ في الأصل: لمّا..
٤٠ في الأصل: عليه..
٤١ في ب: وهنا..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ في الأصل: ويقتص..
٤٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٥ أن: سقط من الأصل..
٤٦ ما بين القوسين سقط من ب، وفيه: أمر..
٤٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٨ في ب: بلفظ الأمر أو الإخبار..
٤٩ الرجل: سقط من الأصل..
٥٠ في الأصل: أي. وهو تحريف..
٥١ أن موسى: مكرر في الأصل..
٥٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٣ رسول: سقط من ب، وفي الأصل: رسولا. والصواب (رسول) لأنه خبر (أنّ)..
٥٤ [الحجر: ٦]..
٥٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٠، ١١١..
٥٦ في ب: وهذا القول..
٥٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٥٨ في ب: يذكر..
٥٩ في ب: جعل. هو تحريف..
٦٠ في ب: وفيه أمور الأول..
٦١ في ب: الثاني..
٦٢ في الأصل: كماله..
٦٣ ما بين القوسين: سقط من ب..
٦٤ في ب: الثالث..
٦٥ في ب: القائل..
٦٦ فلعل: سقط من ب..
٦٧ في ب: ولأجله..
٦٨ الفخر الرازي ٢٢/١١١..
٦٩ أصل السّول مهموز عند العرب، استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فتكلموا به بتخفيف الهمز. اللسان (سول)..
يقول: فلعل أطلع أيضاً على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله أتى بالمعجزات، فرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لِمَ لا يجوز أن يقال: إنَّهم أتوا بهذه المعجزات لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن يفيد حصول تلك المعجزة، وحينئذ يسند باب المعجزات بالكلية.
ثم قال: ﴿وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي زينت، والمعنى: فعلتُ ما دعتني إليه نفسي، وسولت مأخوذة من السؤال.
قوله
: ﴿فاذهب
فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾
قرأ العامة بكسر الميم وفتح السين، وهو مصدر لفاعل كالقِتَال من قَاتَلَ، فهو يقتضي المشاركة، وفي التفسير: لا تَمسَّنِي ولا أمسك وإن مَنْ مَسَّه أصابته الحمَّى. وقرأ الحسن وأبُو حيوة وابن أبي عبلة (وقعنب) بفتح الميم وكسر السين، هكذا عبّر أبُو حيَّان، وتبع فيه أبا البقاء. ومتى أخذنا بظاهر هذه العبارة لزم أن يقرأ «مَسِيس» بقلب الألف ياء لانكسار ما قبلها، ولكن لم يُرْوَ ذلك فينبغي أن يكونوا أرادوا بالكسر الإمالة، ويدل على ذلك ما قاله الزمخشري: وقُرئ «لاَ
372
مَساس» بوزن (فَجَارِ). ونحوه قولهم في الظباء: إنْ وَرَدَتِ المَاءَ فَلاَ عَبَابِ وإنْ فَقَدَتْهُ فَلاَ أَبَابِ (فهي أعلام للمسَّةِ والعبَّة والأبَّةِ وهي المرة من الأبّ وهو) الطلب. ويدل عليه أيضاً قولُ صاحب اللوامح: هو على صورة (نَزَالِ، ونَظَارِ) من أسماء الأفعال بمعنى (انزل، وانظر). فهذا أيضاً تصريح بإقرار الألف على حالها. ثم قال صاحب اللوامح: فهذه الأسماء التي بهذه الصيغة معارف، ولا تدخل عليها (لا) النافية التي تنصب النكرات نحو: لاَ مَالَ لَكَ. لكنه فيه نفي الفعل، فتقديره: لا يكون منك مَسَاسٌ، ومعناه النهي، أي: لا تمسَّني وقال ابن عطيَّة: «لا مَسَاسِ» وهو معدول عن المصدر كفجَارِ ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزَالِ ودَرَاكِ ونحوه، والشبه صحيح من حيث هي معدولات، وفارقه من حيث أن هذه عدلت عن الأمر و «مَسَاسِ» وفَجَارِ عدلت عن المصدر، ومن هذا قول الشاعر:
373
٣٦٨٧ - تَمِيمٌ كَرَهْطِ السَّامِرِيِّ وَقَوْلِهِ أَلاَ لاَ يُرِيدُ السَّامرِيُّ مَسَاسِ
فكلام الزمخشري وابن عطية يعطي أن «مَسَاسِ» على هذه القراءة معدول عن المصدر كفجار عن الفَجَرة. وكلام صاحب اللوامح يقتضي أنَّها معدولة عن فعل الأمر إلا (أن يكون مراده) أنها معدولة كما أنَّ اسم الفعل معدول كما تقدم توجيه ابن عطيَّة لكلام أبي عبيدة.

فصل


معنى الكلام أنَّك ما دُمتَ حيَّا أن تقول: «لاَ مَسَاسَ» أي لا تخالط أحداً ولا يخالط أحد.
أو أمرِ موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقاربوه، قال ابن عباس لا مَسَاسَ لَكَ ولِوَلَدِكَ. والمَسَاس من المماسّة معناه لا يَمَسُّ بعضُنا بعضاً، فصار السامري يهيم في الأرض مع الوحوش والسباع لا يمس أحداً. ولا يمسه أحد، لا تقربني ولا تَمَسَّنِي. وقيل: كان إذا مَسَّ أحداً أو مسَّه أحدٌ حُمَّا جميعاً، حتى إنَّ بقاياهم اليوم يقولون ذلك. وإذَا مسَّ أحدٌ من غيرهم أحداً منهم حُمَّا جميعاً في الوقت. وقال أبو مسلم يجوز أن يريد مسَّ النساء، فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له من يؤنسه، فيخليه الله من زينة الدنيا (التي ذكرها) في قوله تعالى
﴿المال
والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾
[الكهف: ٤٦].
374
قوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «تُخْلِفَهُ» بكسر اللام على البناء للفاعل، أي تجيء إليه ولن تغيب عنه. والباقون بفتحها على البناء للمفعول وقرأ أبُو نُهَيْك فيما حكاه عنه (ابن خالويه) بفتح التاء من فوق وضم اللام، وحكى عنه صاحب اللوامح كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وابن مسعود والحسن بضم نون العظمة وكسر اللام فأما القراءة الأولى فمعناها: لن تَجِدَهُ مخلفاً كقولك: أحْمَدته وأحببته أي وجدته محموداً وحبَّاباً. وقيل المعنى: سيصل إليك ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، قال الزمخشري: وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته مخلفاً. قال الأعشى:
٣٦٨٨ - أثْوَى وَقصَّر لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا
ومعنى الثانية لَنْ يَخْلِفَ الله موعده الَّذِي وَعَدَك. وفتحُ اللام اختيار أبي عبيد، كأنَّه قال موعداً حقاً لا خُلْفَ فيه، ولن يُخلِفَ الله، والمعنى أن الله يكافئك على فعلك ولا تفر منه. وأما قراءتا أبي نُهَيْك فهما من خلفهُ يخلفُهُ إذا جاء بعده أي الموعد الذي لك لا يدفع قولَك الذي تقوله، وهي مشكلة، قال أبو حاتم: لا نعرف لقراءة أبي نُهَيْك مذهباً. وأما قراءة ابن مسعود فأسند الفعل فيها إلى الله
375
تعالى، والمفعول الأول محذوف، أي لن (يخلفكه).
قوله: «ظَلْتَ» العامَّة على فتح الظاء وبعدها لام ساكنة. وابن مسعود وقتادة والأعشى بخلاف عنه وأبو حَيْوَة وابن أبي عبلة ويحيى بن يعمر كسر الظَّاء، وروي عن ابن يَعْمَر ضمها أيضاً. وأبيّ والأعمش في الرواية الأخرى «ظَلِلْتَ» بلامين أولهما مكسورة فأمَّا قراءة العامة ففيها حذف أحد المِثلين وإبقاء الظاء على حالها من حركتها، وإنما حذف تخفيفاً، وعده سيبويه في الشاذ، يعني شذوذ قياس لا شذوذ استعمال، وعدَّ معه ألفاظاً أُخَر نحو مَسْتُ وَأَحَسْتُ. كقوله:
٣٦٨٩ - أَحَسْنَ بِهِ (فَهُنَّ إِلَيْكَ شُوسُ)
وعد (ابن الأنباري) هَمْتُ في هَمَمْتُ، ولا يكون هذا الحذف منقاس في كل مضاعف العين واللام سكنت لمه وذلك في لغة سليم.
376
قال شهاب الدين: والذي أقوله إنه متى التقى التضعيف المذكور والكسرة نحو ظَلِلْتُ ومَسِسْتُ انقاس الحذف. وهل يجري الضم مجرى الكسر في ذلك؟ فالظاهر أنه يجري بل بطريق الأولى، لأن الضم أثقل من الكسر نحو غُصْنَ يا نسوة أي اغضُضْنَ أبصاركنّ ذكره ابن مالك.
وأما الفتح فالحذف فيه ضعيف نحو قَرْن في المنزل، ومنه أحد توجيهي قراءة «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» كما سيلأتي إن شاء الله تعالى. وأما الكسر فوجهه أنه نقل كسرة اللام إلى الفاء بعد سلبها حركتها ليدل عليها.
وأما الضمُّ فيحتمل أن يكون جاء في لغة على فَعَل يَفْعَلُ بقتح العين في الماضي وضمها في المضارع ثم نقلت كما تقدم ذلك في الكسر.
وأما «ظَلِلْتُ» بلامين فهذه هي الأصل، وهي منبهة على غيرها. و «عَاكِفاً» خبر «ظَلَّ؟.
قوله:»
لَنُحَرِّقَنَّهُ «جواب قسم محذوف، أي: والله لنحرُقَنَّهُ، والعامة على ضم النون وكسر الراء مشددو من حرَّقَهُ يحرَّقه بالتشديد. وفيها تأويلان:
أحدهما: أنها من حرقه بالنار.
والثاني: أنه من حرق ناب البعير إذا وقع عضُّ أنيابه على بعض، والصوت المسموع منه يقال له الصَّريف، والمعنى لَنَبْرُدُنَّه بالمِبْرَدِ بَرداً يسحقه به كما يفعل البعير بأنيابه بعضها على بعض. وقرأ الحسنُ وقتادة وأبو جعفر»
لَنَحْرُقَنَّهُ «بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء من أحرق رباعياً. وقرأ ابن عباس وحميد وعيسى وأبو جعفر» لَنُحْرِقَنَّهُ «كذلك إلا أنه بضم الراء، فيجوز أن يكون من حرَّقَ وأحْرَقَ بمعنى
377
كأنزل ونزَّل. وأما القراءة الأخيرة فبمعنى لَنَبرُدَنَّهُ بالمِبْرَدِ.
قوله:» لَنَنْسِفَنَّهُ «العامة على فتح النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين خفيفة. وقرأ عيسى بضم (السين). وقرأ ابن مقسّم بضم النون الولى وفتح الثانية وكسر السين مشدّدة. والنَّسف التفرقة والتذرية، وقيل: قَلْع الشيء من أصله، يقال: نَسَفَهُ ينسِفُه بكسر السين وضمها في المضارع، وعليه القراءتان والتشديد للتكثير.

فصل


معنى إحراقه على قراءة التشديد قال السُّدِّي: أمر موسى بذبح العجل فذبح وسال منه الدم، ثم أُحرق ونُسِفَ رماده. وهذا يدل على أنه صار لحماً ودماً، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار. وفي حرف ابن مسعود:»
لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنَحْرِقنَّهُ «. وعلى قراءة التخفيف أي لَنَبْرُدَنَّه بالمِبْرَد، وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحماً ودماً، فإن ذلك لا يُبْرَدُ بالمِبْرَدِ، ومنه قيل للمبرد: المحرق.
وقال السَّدي: أخذ موسى العجل، ثم ذبحه ثم حرقه، ثم بُرِدت عظامه بالمِبرد، ثم ذرَّاهُ في اليَمِّ. ثم لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامريُّ عاد إلى بيان الدين الحق فقال:»
إنَّما إلهُكُمْ «أي المستحق للعبادة ﴿الله الذي لاا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ قال مقاتل: يعلم من يعبده (ومن لا يعبده) قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ العامة على كسر السين خفيفة و» عِلْماً «على هذه القراءة تمييز منقول من الفاعل، إذ الأصل وسع كُلَّ شيءٍ علمُهُ. وقرأ مجاهد وقتادة بفتح السين مشددة. وفي انتصاب» عِلماً «أوجه:
أحدها: أنه مفعول به، قال الزمخشري: ووجهه أن»
وَسع «متعد إلى
378
مفعول واحد (وهو كُلُّ شيءٍ) وأما» عِلماً «فانتصابه على التمييز فاعلاً في المعنى، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين فنصبهما معاً على المفعولية، لأن المميز فاعل في المعنى كما تقول في خاف زيدٌ عمراً. خَوَّفْتُ زيداً عمراً: فترُدُّ بالنقل ما كان فاعلاً مفعولاً. وقال أبو البقاء: والمعنى: أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ علماً فضمنه معنى (أَعْطَى). وما قاله الزمخشري أولى.
والوجه الثاني: أنه تميز أيضاً كما هو في قراءة التخفيف، قال أبو البقاء وفيه وجه آخر، وهو ان يكون بمعنى عظَّم خلقَ كُلِّ شيءٍ كالأرض والسماء، وهو بمعنى بسط فيكون»
عِلْماً «تمييزاً وقال ابن عطية: وسع خَلْقَ الأشياءِ وكثرها بالاختراع.
379
ثم١ لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامريُّ عاد إلى بيان الدين الحق فقال :
﴿ إنَّما إلهُكُمْ ﴾ أي المستحق للعبادة ﴿ الله الذي لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ قال مقاتل : يعلم من يعبده ( ومن لا يعبده )٢ ٣ قوله :﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ العامة على كسر السين خفيفة و " عِلْماً " على هذه القراءة تمييز منقول من الفاعل٤، إذ الأصل وسع كُلَّ شيءٍ علمُهُ. وقرأ مجاهد وقتادة بفتح السين مشددة٥. وفي انتصاب " عِلماً " أوجه :
أحدها٦ : أنه مفعول به، قال الزمخشري : ووجهه٧ أن " وَسع " متعد إلى مفعول واحد ( وهو كُلُّ شيءٍ )٨ وأما " عِلماً " فانتصابه على التمييز فاعلاً في المعنى، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين فنصبهما معاً على المفعولية، لأن المميز فاعل في المعنى كما تقول في خاف زيدٌ عمراً٩. خَوَّفْتُ زيداً عمراً١٠ : فترُدُّ١١ بالنقل ما كان فاعلاً مفعولاً١٢. وقال أبو البقاء : والمعنى١٣ : أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ علماً١٤ فضمنه معنى ( أَعْطَى ). وما قاله الزمخشري أولى.
والوجه١٥ الثاني : أنه تميز أيضاً كما هو في قراءة التخفيف، قال أبو البقاء وفيه وجه آخر، وهو أن يكون بمعنى عظَّم خلقَ كُلِّ شيءٍ كالأرض والسماء، وهو بمعنى بسط فيكون " عِلْماً " تمييزاً١٦ وقال ابن عطية : وسع خَلْقَ الأشياءِ وكثرها١٧ بالاختراع١٨.
١ في ب: فصل..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٣..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٧..
٥ المختصر ٨٩، الكشاف ٢/٤٤٦، القرطبي ١١/٢٤٣، البحر المحيط ٦/٢٧٧..
٦ في ب: الأول..
٧ في الأصل: وجه..
٨ ما بين القوسين تكملة من الكشاف..
٩ في الأصل: عمروا، وفي ب: عمرو. والصواب ما أثبته..
١٠ في الأصل: عمروا، وفي ب: عمرو. والصواب ما أثبته..
١١ في ب: وترد..
١٢ الكشاف ٢/٤٤٦..
١٣ والمعنى: سقط من ب..
١٤ التبيان ٢/٩٠٣..
١٥ في ب: الوجه..
١٦ التبيان ٢/٩٠٤..
١٧ في ب: وعظمها وكثرها..
١٨ تفسير ابن عطية ١٠/٨٩..
قوله تعالى: «كَذَلِكَ نَقُصُّ» الكاف إما نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير ذلك المصدر المقدر، والتقدير: كقصّنا هذا النبأ الغريب نقص، و «مِن أنْبَاءِ» صفة لمحذوف هو مفعول «نَقُصُّ» أي: نقص نبأ من أنباء.

فصل


لمَّا ذكر قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ثم مع السامري قال: ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ من أخبار سائر الأمم وأحوالهم تكثيراً لشأنك وزيادةً في معجزاتك ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾ يعني القرآن (لقوله تعالى) :{وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ
379
أَنزَلْنَاهُ} [الأنبياء: ٥٠] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ [ص: ١] ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ [الحجر: ٤]. وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه:
أحدها: أنه كتاب فيه ذكرُ ما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم ودنياهم.
وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة.
وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وسمى الله تعالى كل كتاب أنزله ذكراً فقال تعالى: ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] وكما بيَّن نعمته بذلك بيَّنَ وعيده لمن أعرض عنه فقال: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً﴾ أي: من أعرض عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، والوزرُ هو العقوبة الثقيلة، سماها وزراً لثقلها على المعاقب تشبيهاً بالحمل الثقيل. وقيل: حِمْلاً ثقيلاً من الإثم. قوله: «مَنْ أَعَرَضَ» يجوز أن تكون «مَنْ» شرطية أو موصولة، والجملة الشرطية أو الخبرية الشبيهة بها في محل نصب صفة ل «ذِكْراً». قوله: «خَالِدينَ فِيهِ» حال من فاعل «يَحْمِلُ». فإن قيل: كيف يكون الجمع حالاً من مفرد؟
فالجواب: أنه حمل على لفظ «مَنْ» فأفرد الضمير في قوله: «أَعْرَضَ» و «فَإِنَّهُ» و «يَحْمِلُ»، وعلى معناها فجمع في «خَالِدِينَ» و «لَهُمْ»، والمعنى مقيمين في عذاب
380
الوزر. والضمير في «فِيهِ» يعود ل «وِزْراً»، والمراد فيه العقاب المتسبب عن الوزر، وهو الذَّنب، فأقيم السبب مقام المسبب. وقرأ داود (بن رفيع) «ويُحَمَّل» مضعفاً مبنيَّا للمفعول، والقائم مقام فاعله ضمير «مَنْ» و «وِزْراً» مفعول ثان. قوله: «وَسَاءَ» هذه ساء التي بمعنى بِئْس وفاعلها مستتر فيها يعود إلى «حِمْلاً» المنصوب على التمييز، لأن هذا الباب يفسر الضمير فيه بما بعده، والتقدير: وَسَاءَ الحِمْلُ حِمْلاً، (والمخصوص بالذم محذوف تقديره: وَسَاء الحِمْلُ حِمْلاً وِزْرَهُمْ). ولا يجوز أن يكون الفاعل لبئس ضمير الوِزْر، لأن شرط الضمير في هذا الباب أن يعود على نفس التمييز.
فإن قلتَ: ما أنكرت أن يكون في «سَاءَ» ضمير الوزر. قلت: لا يصح أن يكون في «سَاءَ» وحكمه حكم بئس ضمير شيءٍ بعينه غير مبهم. ولا جائز أن يكون «سَاءَ» هنا بمعنى «أَهَمَّ وأحزَنَ) فتكون متصرفة كسائر الأفعال.
قال الزمخشري: كفاك صادَّا عنه أن يَؤُول كلامُ الله تعالى إلى قولك وأحْزَنَ الوِزْرَ لَهُمْ يومَ القيامة حِمْلاً، وذلك بعد أن تخرج عن عُهْدِة هذه اللام وعهدة هذا المنصوب. انتهى. واللام في»
لَهُمْ «متعلقة بمحذوف على سبيل البيان كهي في» هَيْتَ لَك «والمعنى بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفراً
381
بالقرآن. قوله:» يَوْمَ يُنْفَخُ «» يَوْمَ «بدل من» يَوْمَ القِيَامَةِ «، أو بيان له أو منصوب بإضمار فعل، أو خبر مبتدأ مضمر، وبُنِيَ على الفتح على رأي الكوفيين كقراءة» هَذَا يَوْمُ يَنْفَع «وقد تقدَّم. وقرأ أبو عمرو» نَنْفُخُ «مبنيّاً للفاعل بنون العظمة كقوله:» وَنَحْشُر «أسند الفعل إلى الأمر به تعظيماً للمأمور، وهو إسرافيل. والباقُونَ مضمومة مفتوح الفاء على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده. والعامة على إسكان الواو» في الصًّورِ «.
وقرأ الحسن وابن عامر بفتحها جمع صورة كغُرَف جمع غُرْفَة، وقد تقدم القول في الصُّور في الأنعام (وقرئ:»
يَنْفُخَ، وَيَحْشُرُ «بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى أو المَلَك). وقرأ الحسن وحميد» يُنْفَخُ «كالجمهور،» ويَحْشُرُ «بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل، والفاعل كما تقدم ضمير الباري أو ضمير الملك. وروي
382
عن الحسن أيضاً» ويُحْشَرُ «مبنينَّا للمفعول» المُجْرِمُونَ «رفع به و» زُرْقاً «حال من المجرمين، والمراد زرقةُ العُيون، وجاءت الحال هنا بصفة تشبه اللازمة، لأن أصلها على عدم اللزوم، ولو قلتَ في الكلام: جاءَنِي زيدٌ أزرق العينين لم يجز إلا بتأويل.

فصل


قيل: الصور قرن ينفخ فيه بدعائه الناس للحشر. وقيل: إنه جمع صورة، والنَّفخُ نفخ الرُّوح فيه، ويدل عليه قراءة من قرأ»
الصٌّوَر «بفتح الواو.
والأول أولى لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ [المدثر: ٨] والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شُوهِدَ في الدنيا، ومن عادة الناس النفخُ في البوق عند الأسفار وفي العساكر. والمراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لقوله بعد ذلك: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم، فهو كقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ: ١٨]. والزرقة هي الحضرة في سواد العين، فيُحْشَرُون زرق العيون سود الوجوه. فإن قيل: أليس أنَّ الله تعالى أخبر يُحْشَرُونَ عُمْياً فكيف يكون أعمى وأزرق؟
383
فالجواب لعله يكون أعمى في حال: وأزرق في حال.
وقيل: «زُرْقاً» أي عُمْياً، قال الزجاج: يخرجون زُرْقاً في أول الأمر ويُعْمَون في المحشر.
وسوادُ العين إذا ذهب تزرق. فإن قيل: كيف يكون أعمى، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢] وشخوص البصر من الأعمى محال، وأيضاً قد قال في حقهم: ﴿اقرأ كَتَابَكَ﴾ والأَعْمَى كيف يقرأ؟
فالجواب أن أحوالهم قد تختلف. وقيل: المراد بقوله: «زُرْقاً» أي زرق العيون، والعرب تتشاءَمُ بها. وقيل يجتمع مع الزرقة سواد الوجه.
قال أبو مسلم: المراد بالزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص فإنه لضعف بصره يكون محدِّقاً نحو الشيء، وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره، وهي كقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: «زُرْقاً» عِطَاشاً، قال لأنهم من شدة العطش يتغير سوادُ أعينهم حتى تزرَقُّ لقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: «زُرْقاً» طامعين (فيما لا يَنَالُونَه).

فصل


قالت المعتزلة: لفظُ المجرمين يتناول الكفار والعُصاة فيدل على عدم العفو عن
384
العصاة. وقال ابن عباس: يريدُ بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر وتقدم هذا البحث.
قوله: «يَتَخَافَتُونَ» يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً ثانية من «المُجْرِمينَ»، وأن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في «زرقاً» فتكون حالاً متداخلة، إذ هي حال (من حال). ومعنى «يَتَخَافَتُونَ» أي: يتشاوَرُونَ فيما بينهم، ويتكلمون خفية، يقال: خَفَتَ يَخْفِتُ، وخَافَتَ مُخَافَتَة، والتَّخافُت السرار نظيره قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨]، وإنما يتخافتون، لأنه إمتلأت صدورُهُمْ من الرعب والهول، أو لأنهم بسبب الخوفِ صارُوا في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر. وقوله: «إن لَبِثْتُمْ» هو مفعول المارة، وقوله: «إلاَّ عَشْراً» يجوز أن يراد الليالي، وحذف التاء من العدد قياسي. وأن يراد الأيام، فيُسْأَل لِمَ حذفت التاء؟ فقيل: إنه إذا لم يذكر المميز في عدد المذكر جازت التاء وعدمها، سمع من كلامهم: صُمْنَا من الشهر خَمْساً، والصَّوْمُ إنما هو الأيام، دون اللَّيالي. وفي الحديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأتْبَعَهُ بستّ مِنْ شَوَّال»، وحسن الحذف هنا لكونه رأس آية وفاصلة.
385

فصل


قال الحسن وقتادةَ والضحَّاك: أرادوا به اللبث في الدنيا، أي فما مكثتم في الدُّنْيَا إلا عشر ليال، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].
فإن قيل: إما (أن يقال) : إنهم قد نسَوا قدرَ لبثهم في الدنيا أو ما نَسوا ذلك والأول غير جائز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلدة ثم يَنْسَى.
والثاني غير جائز، لأنه كذب، وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيَّما وهذا الكذب لا فائدة فيه.
فالجواب من وجوه:
الأول: لعلَّهم إذا حُشِرُوا في أول الأمر وعاينوا تِلْكَ الأهوال وشدة وقعها ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدُّنيا، ولم يذكروا إلا القليل فقالوا: ليتَنا ما عِشْنَا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نَقَع في هذه الأهوال، والإنسان قد يذهل عند الهول الشديد، وتمام تقريره مذكورة في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [٢٣]. وثانيها: أنهم عالِمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنَّهُم لمّا قَابَلُوا أَعْمَارَهُمْ في الدنيا بأعمارِ الآخرة وجدُوهَا في نهاية القلة، فقال بعضهم: ما لبثْنَا في الدنيا إلا عشرة أيام، وقال أعْقَلُهُمْ: ما لبثنا إلا يوماً واحداً، أي: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خصَّ العشرة والواحد بالذكر، لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.
وثالثها: أنهم لما عايَنُوا الشدائد تذكَّروا أيام النعمة والسرور، وتأسفوا عليها، وصفوها بالقصر، لأن أيام السرور قصار.
386
ورابعها: أن أيامَ الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة، والذاهب وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته، فكيف والأمر بالعكس. ولهذه الوجوه رجَّح الله تعالى قول مَنْ بالغ في التقليل فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾. وقيل: المراد منه اللبث في القبر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث﴾ [الروم: ٥٥، ٥٦].
(فأما من جوَّز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية)، أما من لم يجوزه قال: إن الله تعالى لما أحْيَاهم في الفترة وعذَّبهم، ثم أماتهم ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان؟ فخطر ببال بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام.
وقال آخرون: إنه يوم واحد، فلمَّا وَقَعُوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا زمانَ الموت الذي هو زمان الخلاص لِمَا نالهم من هول العذاب.
وقيل: المراد باللبث بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين، استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا. والأكثرون على أنَّ قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ أي عشرة أيام، فيكون قولُ مَنْ قال ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أقل، وقال مقاتل: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ أي ساعات، لقوله (تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ) يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] وعلى هذا يكون اليوم أكثر.
ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: يَتَشَاوَرُون ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي: أوفاهم عقلاً وأعدَلُهم قولاً ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من الأهوال يوم القيامة. قيل: نَسُوا مقدارَ لبثهم لشدة ما دهمهم. قوله: «إذْ يَقُولُ» منصوب ب «أَعْلَمُ» و «طريقةً» منصوب على التمييز.
387
وكما بيَّن نعمته بذلك بيَّنَ١ وعيده لمن أعرض عنه فقال :
﴿ منْ٢ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً ﴾ أي : من أعرض عن القرآن ولم يؤمن به٣ ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، والوزرُ هو العقوبة الثقيلة٤، سماها٥ وزراً لثقلها على المعاقب تشبيهاً بالحمل الثقيل٦. وقيل : حِمْلاً ثقيلاً من الإثم٧. قوله :﴿ مَنْ أَعَرَضَ ﴾ يجوز أن تكون " مَنْ " شرطية أو موصولة٨، والجملة الشرطية أو الخبرية الشبيهة بها في محل نصب صفة ل " ذِكْراً " ٩.
١ في ب: ولمّا..
٢ في الأصل: ومن. وهو تحريف..
٣ به: سقط من الأصل..
٤ في ب: الشديدة الثقيلة..
٥ في ب: سماها الله تعالى..
٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٣ – ١١٤..
٧ مجاز القرآن ٢/٢٩..
٨ في ب: يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية..
٩ في ب: لذكري. وهو تحريف..
قوله :﴿ خَالِدينَ فِيهِ ﴾ حال من فاعل " يَحْمِلُ " ١. فإن قيل : كيف يكون الجمع٢ حالاً من مفرد ؟
فالجواب : أنه حمل على لفظ " مَنْ " ٣ فأفرد الضمير في قوله :" أَعْرَضَ " و " فَإِنَّهُ " و " يَحْمِلُ "، وعلى معناها فجمع في " خَالِدِينَ " و " لَهُمْ " ٤، والمعنى مقيمين في عذاب الوزر. والضمير في " فِيهِ " يعود ل " وِزْراً "، والمراد فيه٥ العقاب المتسبب عن الوزر، وهو الذَّنب، فأقيم السبب مقام المسبب. وقرأ داود ( بن رفيع٦ )٧ " ويُحَمَّل " مضعفاً مبنيَّا للمفعول٨، والقائم مقام فاعله ضمير " مَنْ " و٩ " وِزْراً " مفعول ثان١٠. قوله :﴿ وَسَاءَ ﴾ هذه ساء التي بمعنى بِئْس١١ وفاعلها مستتر فيها يعود إلى " حِمْلاً " المنصوب على التمييز، لأن هذا الباب يفسر الضمير فيه بما بعده، والتقدير : وَسَاءَ الحِمْلُ حِمْلاً، ( والمخصوص بالذم محذوف تقديره : وَسَاء الحِمْلُ حِمْلاً وِزْرَهُمْ )١٢. ولا يجوز أن يكون الفاعل لبئس ضمير الوِزْر، لأن شرط الضمير في هذا الباب أن يعود على نفس١٣ التمييز١٤. فإن قلتَ١٥ : ما أنكرت أن يكون في " سَاءَ " ضمير الوزر. قلت : لا يصح أن يكون في " سَاءَ " وحكمه حكم بئس ضمير شيءٍ بعينه غير مبهم١٦. ولا جائز١٧ أن يكون " سَاءَ " هنا بمعنى " أَهَمَّ وأحزَنَ ) فتكون متصرفة كسائر الأفعال١٨.
قال الزمخشري : كفاك١٩ صادَّا عنه أن٢٠ يَؤُول كلامُ الله تعالى إلى قولك٢١ وأحْزَنَ٢٢ الوِزْرَ لَهُمْ يومَ القيامة حِمْلاً، وذلك بعد٢٣ أن تخرج عن عُهْدِة هذه اللام وعهدة هذا٢٤ المنصوب٢٥. انتهى. واللام في " لَهُمْ " متعلقة بمحذوف على سبيل البيان كهي في " هَيْتَ لَك " ٢٦ والمعنى بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفراً بالقرآن.
١ في الآية السابقة: (١٠٠) وانظر البيان ٢/١٥٤ التبيان ٢/٩٠٤..
٢ في ب: الجمع يكون..
٣ من: سقط من ب..
٤ البيان ٢/١٥٤، التبيان ٢/٩٠٤..
٥ في ب: والضمير في ذلك هو. وهو تحريف..
٦ لم أجد له ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ المختصر ٩٨، ٩٠، القرطبي ١١/٢٤٤، البحر المحيط ٦/٢٧٨..
٩ و: سقط من ب..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١١ في لزوم إنشاء الذم، ولها حينئذ نفس الأحكام الثانية لبئس من كون الفاعل مقرونا بأل نحو ساء الرجل أبو جهل، أو مضافا لما فيه أل نحو ساء حطب النار أبو لهب. أو مفسرا بتمييز كما هنا. وانظر ذلك في شرح الأشموني ٣/٦٣-٤٣ (باب نعم وبئس)..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ نفس: سقط من ب..
١٤ وهو من المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة. انظر الكشاف ٢/٤٤٦، التبيان ٢/٩٠٤. المغني ٢/٤٨٩..
١٥ في ب: فإن قيل..
١٦ الكشاف ٢/٤٤٦..
١٧ في ب: ولا يجوز..
١٨ لأن "ساء" لما ضمن معن "بئس" صار جامدا ولزمه إنشاء الذم مبالغة. الأشموني ٣/٣٩..
١٩ في ب: لفي. وهو تحريف..
٢٠ في ب: أنه..
٢١ قولك: تكملة من الكشاف..
٢٢ في ب: أهم وأحزن..
٢٣ في الأصل: بعيد. وهو تحر يف..
٢٤ في ب: هذه. وهو تحريف..
٢٥ الكشاف ٢/٤٤٦..
٢٦ من قوله تعالى: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله﴾ [يوسف: ٣٢] فيمن قرأ "هيت" بهاء مفتوحة وياء ساكنة وتاء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة فهي اسم فعل، ويكون مسماه فعل أمر بمعنى أقبل أو تعال، فاللام للتبيين أي إرادتي لك أو أقول لك. واللام في الآية التي معنا للبيان وهي متعلقة بمحذوف، لأن الجار والمجرور لا يتعلق بالجامد. انظر المغني ١/٢٢٢..
قوله :﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ ﴾١ " يَوْمَ " بدل من " يَوْمَ القِيَامَةِ " ٢، أو بيان له أو منصوب بإضمار فعل، أو خبر مبتدأ مضمر، وبُنِيَ٣ على الفتح على رأي الكوفيين كقراءة " هَذَا يَوْمُ يَنْفَع " ٤ وقد تقدَّم. وقرأ أبو عمرو " نَنْفُخُ " مبنيّاً للفاعل بنون العظمة كقوله :﴿ وَنَحْشُر ﴾ أسند الفعل إلى٥ الأمر به تعظيماً للمأمور، وهو إسرافيل. والباقُونَ مضمومة مفتوح الفاء على البناء للمفعول٦، والقائم٧ مقام الفاعل الجار والمجرور٨ بعده. والعامة على إسكان الواو " في الصًّورِ ".
وقرأ الحسن وابن عامر٩ بفتحها جمع صورة كغُرَف جمع غُرْفَة، وقد تقدم القول في الصُّور في الأنعام١٠ ( وقرئ :" يَنْفُخَ، وَيَحْشُرُ " بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل١١، وهو الله تعالى أو المَلَك )١٢. وقرأ الحسن وحميد " يُنْفَخُ " كالجمهور١٣، " ويَحْشُرُ " بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل١٤، والفاعل١٥ كما تقدم ضمير الباري أو ضمير الملك. وروي عن الحسن أيضاً " ويُحْشَرُ " مبينَّا للمفعول " المُجْرِمُونَ " ١٦ رفع به١٧ و " زُرْقاً " حال من المجرمين١٨، والمراد زرقةُ العُيون، وجاءت الحال هنا بصفة تشبه اللازمة١٩، لأن أصلها على عدم اللزوم، ولو قلتَ في الكلام : جاءَنِي زيدٌ أزرق العينين لم يجز٢٠ إلا بتأويل٢١.

فصل


قيل : الصور قرن ينفخ فيه بدعائه الناس للحشر. وقيل : إنه جمع٢٢ صورة، والنَّفخُ نفخ الرُّوح فيه، ويدل عليه قراءة من قرأ " الصٌّوَر " بفتح الواو٢٣.
والأول أولى لقوله تعالى :﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ﴾٢٤ والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شُوهِدَ في الدنيا، ومن عادة الناس النفخُ في البوق عند الأسفار وفي العساكر٢٥. والمراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لقوله بعد ذلك :﴿ وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً ﴾ فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم، فهو كقوله :﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾٢٦ ٢٧. والزرقة هي الحضرة في سواد العين، فيُحْشَرُون زرق العيون سود الوجوه٢٨. فإن قيل : أليس أنَّ الله تعالى٢٩ أخبر يُحْشَرُونَ عُمْياً٣٠ فكيف يكون أعمى وأزرق٣١ ؟
فالجواب لعله يكون أعمى في حال : وأزرق في حال٣٢.
وقيل :" زُرْقاً " أي عُمْياً٣٣، قال الزجاج : يخرجون زُرْقاً في أول الأمر ويُعْمَون في المحشر٣٤.
وسوادُ العين إذا ذهب تزرق٣٥. فإن قيل : كيف يكون أعمى، وقد٣٦ قال الله تعالى :﴿ لِيَوْمٍ٣٧ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار ﴾٣٨ وشخوص البصر٣٩ من الأعمى محال، وأيضاً قد٤٠ قال في حقهم :﴿ اقرأ كَتَابَكَ ﴾٤١ والأَعْمَى كيف يقرأ ؟
فالجواب أن أحوالهم قد تختلف٤٢. وقيل : المراد بقوله :﴿ زُرْقاً ﴾ أي زرق العيون، والعرب تتشاءَمُ بها. وقيل يجتمع مع الزرقة سواد٤٣ الوجه.
قال أبو مسلم : المراد بالزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص فإنه لضعف بصره يكون محدِّقاً نحو الشيء، وهذه حال٤٤ الخائف المتوقع لما يكره، وهي كقوله :﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار٤٥٤٦.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي :" زُرْقاً " عِطَاشاً٤٧، قال لأنهم من شدة العطش يتغير سوادُ أعينهم حتى تزرَقُّ لقوله٤٨ تعالى :﴿ وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾٤٩ ٥٠ وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي٥١ :" زُرْقاً " طامعين ( فيما لا يَنَالُونَه٥٢ )٥٣.

فصل


قالت المعتزلة : لفظُ المجرمين يتناول الكفار والعُصاة فيدل على عدم العفو عن٥٤ العصاة. وقال٥٥ ابن عباس : يريدُ بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر وتقدم هذا البحث٥٦.
١ في ب: يوم ينفخ في الصور..
٢ في الآية السابقة: (١٠٠). البحر المحيط ٦/٢٧٨..
٣ في ب: وهو. وهو تحريف..
٤ من قوله تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ [المائدة: ١١٩] وذكر ابن عادل هناك: الجمهور على رفعه من غير تنوين ونافع على نصبه من غير تنوين، فأما قراءة الجمهور فواضحة على المبتدأ والخبر، فالجملة في محل نصب بالقول، وجملة "ينفع الصادقين" في محل جر بالإضافة، وأما قراءة نافع فـ "هذا" مبتدأ، و"يوم" خبره كالقراءة الأولى، وإنما بني الظرف لإضافته إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربة وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا عليه بهذه القراءة وأما البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدّرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض وخرّجوا هذه القراءة على أنّ "يوم" منصوب على الظرف، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ، أي: هذا واقع أو يقع في يوم ينفع، و"ينفع" في محل خفض بالإضافة..
٥ في ب: في. وهو تحريف..
٦ السبعة (٤٢٤)، الحجة لابن خالويه (٢٤٧)، الكشف ٢/١٠٦، النشر ٢/٣٣٢، الإتحاف (٣٠٧)..
٧ في ب: وهو قائم. وهو تحريف..
٨ في ب: على الجار والمجرور. وهو تحريف..
٩ في ب: وابن عامر في رواية..
١٠ عند قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور﴾ [الأنعام: ٧٣]..
١١ البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ في ب: وقرأ "ينفخ" و"يحشر" كالجمهور. وهو تحريف..
١٤ البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٥ والفاعل: سقط من ب..
١٦ المختصر :(٩٠) البحر المحيط ٦/٢٧٨..
١٧ في ب: مفعول به. وهو تحريف..
١٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٧، القرطبي ١١/٢٤٤..
١٩ في ب: ها هنا من الملازمة. وهو تحريف..
٢٠ في ب: لم يجز به. وهو تحريف..
٢١ الأصل في الحال أن تكون منتقلة، وتأتي لازمة في:
أ – أن تكون مؤكدة لمضمون جملة قبلها نحو زيد أبوك عطوفا، أو لعاملها نحو قوله تعالى: ﴿ويوم أبعث حيا﴾ [مريم: ٣٣] أو لصاحبها نحو قوله تعالى: ﴿لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ [يونس: ٩٩].
ب- أن يدل عاملها على تجدّد صاحبها وحدوثه نحو خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، فـ (أطول) حال ملازمة من (يديها).
ج – أن مرجعها إلى السماع نحو قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨] إذا أعرب (قائما) حالا من فاعل (شهد). والآية التي بين أيدينا من النوع الثاني، وفي المثال لا يمكن حمله على التجدد لعدم دلالة ذلك في العامل. انظر شرح التصريح ١/٣٦٧ – ٣٦٨..

٢٢ في ب: اسم. وهو تحريف..
٢٣ وهي قراءة الحسن وابن عامر..
٢٤ [المدثر: ٨]..
٢٥ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٦ [النبأ: ١٧]..
٢٧ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٨ وهو قول الضحاك ومقاتل. وانظر البغوي ٥/٤٥٧، والفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٢٩ تعالى: سقط من ب..
٣٠ قال الله تعالى: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ [الإسراء: ٩٧]..
٣١ في ب: أعمى وأزرق العيون..
٣٢ الفخر الرازي ٢٢/٤١١..
٣٣ قاله الكلبي. انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٣٤ قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء كما خلقوا أول مرة ويعمون في المحشر) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٦..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٣٦ قد: سقط من ب..
٣٧ في ب: يوم. وهو تحريف..
٣٨ [إبراهيم: ٤٢]..
٣٩ في ب: الأبصار..
٤٠ قد: سقط من ب..
٤١ من قوله تعالى: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤]..
٤٢ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٤٣ في ب: وقيل يجتمع بين الزرقة وسواد الوجه..
٤٤ في ب: حالة..
٤٥ [إبراهيم: ٤٢]..
٤٦ الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
٤٧ مجالس ثعلب ١/٣٢٥..
٤٨ في الأصل: كقوله..
٤٩ [مريم: ٨٦]..
٥٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٥١ في ب: عن ابن الأعرابي أيضا..
٥٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٥٣ ما بين القوسين في الأصل: على ما لا ينالوه، وفي ب: على مما ينالوه..
٥٤ في الأصل: عنهم..
٥٥ في الأصل: قال..
٥٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٤..
قوله :﴿ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً ثانية من " المُجْرِمينَ " ١، وأن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في " زرقاً " ٢ فتكون حالاً متداخلة٣، إذ هي حال ( من حال )٤. ومعنى " يَتَخَافَتُونَ " أي : يتشاوَرُونَ فيما بينهم، ويتكلمون خفية٥، يقال : خَفَتَ يَخْفِتُ، وخَافَتَ مُخَافَتَة٦، والتَّخافُت السرار نظيره قوله تعالى٧ :﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾٨، وإنما يتخافتون، لأنه امتلأت صدورُهُمْ من الرعب والهول، أو لأنهم بسبب٩ الخوفِ صارُوا في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر١٠. وقوله :﴿ إن لَبِثْتُمْ ﴾١١ هو مفعول المارة١٢، وقوله :﴿ إلاَّ عَشْراً ﴾ يجوز أن يراد الليالي، وحذف التاء من العدد قياسي١٣. وأن يراد الأيام، فيُسْأَل لِمَ حذفت التاء ؟ فقيل١٤ : إنه إذا لم يذكر المميز في عدد المذكر جازت التاء وعدمها١٥، سمع من كلامهم : صُمْنَا من الشهر خَمْساً١٦، والصَّوْمُ إنما هو الأيام١٧، دون اللَّيالي. وفي الحديث " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأتْبَعَهُ بستّ مِنْ شَوَّال " ١٨، وحسن الحذف هنا لكونه رأس آية وفاصلة١٩.

فصل٢٠


قال الحسن وقتادةَ والضحَّاك : أرادوا به٢١ اللبث في الدنيا، أي فما مكثتم في الدُّنْيَا إلا عشر ليال، واحتجُّوا بقوله تعالى :﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾٢٢ ٢٣
فإن قيل٢٤ : إما ( أن يقال )٢٥ : إنهم قد٢٦ نسَوا قدرَ لبثهم في الدنيا أو٢٧ ما نَسوا ذلك والأول غير جائز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلدة ثم يَنْسَى.
والثاني غير جائز، لأنه كذب، وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيَّما وهذا الكذب لا فائدة فيه.
فالجواب من وجوه :
الأول : لعلَّهم إذا حُشِرُوا في أول الأمر وعاينوا تِلْكَ الأهوال وشدة وقعها ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدُّنيا، ولم٢٨ يذكروا إلا القليل فقالوا : ليتَنا ما عِشْنَا إلا٢٩ تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نَقَع في هذه الأهوال، والإنسان قد يذهل عند الهول الشديد، وتمام تقريره مذكورة في سورة الأنعام في قوله تعالى٣٠ :﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾٣١.
وثانيها٣٢ : أنهم عالِمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنَّهُم لمّا قَابَلُوا أَعْمَارَهُمْ في الدنيا بأعمارِ الآخرة وجدُوهَا في نهاية القلة، فقال بعضهم : ما لبثْنَا في الدنيا إلا عشرة أيام، وقال أعْقَلُهُمْ : ما لبثنا إلا يوماً واحداً، أي : قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خصَّ العشرة والواحد٣٣ بالذكر، لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.
وثالثها٣٤ : أنهم لما عايَنُوا الشدائد تذكَّروا أيام النعمة٣٥ والسرور، وتأسفوا عليها، وصفوها بالقصر، لأن أيام السرور قصار.
ورابعها٣٦ : أن أيامَ الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة، والذاهب وإن طالت مدته قليل٣٧ بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته، فكيف والأمر بالعكس. ولهذه٣٨ الوجوه رجَّح الله تعالى قول مَنْ بالغ في التقليل٣٩ فقال :﴿ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾. وقيل : المراد منه اللبث في القبر، ويؤيده قوله تعالى :﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ٤٠ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان٤١ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث ﴾٤٢.
( فأما من جوَّز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية )٤٣، أما من لم يجوزه قال : إن٤٤ الله تعالى لما أحْيَاهم في الفترة وعذَّبهم، ثم أماتهم ثم بعثهم٤٥ يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان ؟ فخطر ببال بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام.
وقال آخرون : إنه يوم واحد، فلمَّا وَقَعُوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا زمانَ الموت الذي هو زمان الخلاص لِمَا نالهم من هول العذاب٤٦.
وقيل : المراد باللبث بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين، استقصروا مدة لبثهم لهول٤٧ ما عاينوا٤٨. والأكثرون على أنَّ قوله٤٩ :﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ أي عشرة أيام، فيكون قولُ مَنْ قال ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ أقل، وقال مقاتل :﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ أي ساعات، لقوله ( تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ )٥٠ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾٥١ وعلى هذا يكون اليوم أكثر٥٢.
١ انظر التبيان ٢/٩٠٤..
٢ انظر التبيان ٢/٩٠٤..
٣ الحال المتداخلة: هي التي يكون صاحبها ضميرا في الحال الأولى..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ في اللسان (خفت): وتخافت القوم إذا تشاوروا سرا، وفي التنزيل العزيز: ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾..
٦ في ب: يقال: خفت وخافة مخافة ومخفت. وهو تحريف..
٧ تعالى: سقط من ب..
٨ [طه: ١٠٨]..
٩ في ب: السبب..
١٠ انظر الرازي ٢٢/١١٥..
١١ في الأصل: "إن لبثتم إلا"..
١٢ في ب: المسارعة. وهو تحريف..
١٣ لأن العدد من ثلاثة إلى عشرة يذكر مع المؤنث، ويؤنث مع المذكر..
١٤ في ب: مذكر..
١٥ يؤنث العدد إذا كان المعدود مذكرا نحو: أربعة أيام وعشرة رجال. وإن كان المعدود محذوفا يجوز على الأفصح تأنيث العدد نحو: صمت خمسة، أي خمسة أيام. وترك التأنيث. وعلى قوله تعالى: ﴿أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وحديث: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال" الهمع ٢/١٤٨..
١٦ حكاه الكسائي عن أبي الجراح. البحر المحيط ٦/٢٧٩، الهمع ٢/١٤٨، وهذا شاهد على جواز حذف التاء من العدد إذا كان المعدود مذكرا محذوفا..
١٧ في ب: وإنما الصوم للأيام..
١٨ أخرجه مسلم (صيام) ٢/٨٢٢، والترمذي (صوم) ٢/١٢٩ – ١٣٠، وابن ماجه (صيام) ١/٥٤٧، وأحمد ٥/٤١٧، ٤١٩..
١٩ البحر المحيط ٦/٢٧٩..
٢٠ فصل: سقط من ب..
٢١ في ب: إن أراد به. وهو تحريف..
٢٢ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣]..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٢٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١٥ – ١١٦..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ قد: سقط من ب..
٢٧ في ب: و. وهو تحريف..
٢٨ في ب: وما. وهو تحريف..
٢٩ إلا: تكملة من الفخر الرازي..
٣٠ تعالى: سقط من ب..
٣١ [الأنعام: ٣٢]..
٣٢ في ب: الثاني..
٣٣ في ب: الواحد والعشرة..
٣٤ في الأصل: وثانيها. وفي ب: الثالث..
٣٥ في ب: تذكروا أعمال ذلك وأيام النعمة. وهو تحريف..
٣٦ في ب: الرابع..
٣٧ في ب: قليلة. وهو تحريف..
٣٨ في ب: وبهذه..
٣٩ في ب: التعليل..
٤٠ [الروم: ٥٥]..
٤١ "الإيمان": سقط من الأصل، وفي ب: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان﴾..
٤٢ [الروم: ٥٦]..
٤٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٤ في ب: أما لمن لم يجوزه فإن..
٤٥ في ب: ثم أحياهم أعني ثم بعثهم..
٤٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٥- ١١٦..
٤٧ في ب: طلبوا. وهو تحريف..
٤٨ انظر البغوي ٥/٤٥٧..
٤٩ في ب: طلبوا. وهو تحريف..
٥٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٥١ [النازعات: ٤٦]..
٥٢ الفخر الرازي ٢٢/١١٦..
ثم قال تعالى :﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ أي : يَتَشَاوَرُون ﴿ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ﴾ أي : أوفاهم عقلاً وأعدَلُهم قولاً١ ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من الأهوال يوم القيامة. قيل : نَسُوا مقدارَ لبثهم لشدة ما دهمهم٢. قوله :﴿ إذْ يَقُولُ ﴾ منصوب ب " أَعْلَمُ " و " طريقةً " منصوب على التمييز٣.
١ في ب: عقلا..
٢ انظر البغوي ٥/٤٥٧. .
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ الآية، (لما وَصَفَ لهم يومَ القيامة) حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر. قال ابن عباس: سأل رجلٌ من ثقيف رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: كيفَ تكون الجبالُ يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في مشركي مكة، قالوا يا محمد كيف تكون الجبالُ يوم القيامة؟ على سبيل الاستهزاء.
﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ وأجاب بفاء التعقيب، لأن مقصودَهم من هذا السؤال الطعنُ في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بحرف التعقيب، لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك بغير حرف التعقيب. والضمير في «يَنْسِفُهَا» عائد إلى الجبال، والنسف التذريَة. وقيل: القَلْع الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباءً منثوراً.
قال الخليل: «يَنْسِفُهَا» يُذْهِبُهَا ويطيُّرُهَا.
قوله: «فَيَذَرُها» في هذا الضمير وجهان:
أحدهما: أنه ضمير الأرض، أضمرت للدلالة عليها كقوله: ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي فيذر مراكزها ومقارها
388
و «يَذَرُ» يجوز أن يكون بمعنى يُخْلِها، فيكون «قَاعَاً» حالاً، وأن يكون بمعنى يترك التصييرية فيتعدى لاثنين ف «قَاعاً» ثانيهما.
وفي القاع أقوال: فقيل: هو مقتنع الماء ولا يليق معناه هنا.
وقيل: إنه المنكشف من الأرض قاله مكي.
وقيل: إنه المكان المستوي، ومنه قوله ضرار بن الخطاب:
٣٦٩٠ - لَتَكُونَنَّ بَالبِطَاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَة القَاعِ فِي أَكُفِّ الإمَاءِ
وقيل: إنه الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء.
والصَّفْصَفُ: الأرض الملساء، وقيل: المستوية، فهما قريبان من المترادف وجمع القاع أقْوُعٌ وأقْوَاعٌ وقِيعَانٌ.
قوله: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً من الجبال، ويجوز أن تكون صفة للحال المتقدمة وهي «قَاعاً» على أحد التأويلين، أو صفة للمفعول الثاني على التأويل الآخر.
وتقدم الكلام على العِوَج. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: قد فرَّقوا بين
389
العَوَج والعِوَج، قالوا: العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان، والأرض عَيْن، فكيف صح فيها كسر العين. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون وذلك أنه لو عَمَدت إلى قطعةِ أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينيك وعيون البصراء، واتفقتم على أنَّه لم يبقى فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي دقَّ وَلطُفَ عن الإدراك اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير الهندسي، وذلك الاعوجاجُ لمَّا لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس أُلحق بالمعاني، فقيل فيه عِوَجٌ بالكسر.
والأَمْتُ النتوُّ اليسير يقال: مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما فيه أمْتٌ. وقيل: الأمت التل، وهو قريب من الأول.
وقيل: الشُّقُوقُ في الأرض. وقيل: الإكام.
وقال الحسن: العوَج ما انخفض من الأرض، والأمْتُ ما نشز من الرَّوابي. والمقصود من وصف الأرض بهذه الأوصَاف أنها تكون في ذلك اليوم ملساءَ خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج. قوله: «يَوْمَئِذٍ» منصوب ب «يَتَّبِعُونَ» وقيل: بدل من «يَوْمَ القِيَامَةِ» قاله الزمخشري. وفيه نظر، للفصل الكثير وأيضاً يبقى «يَتَّبِعُونَ» غير مرتبط بما قبله، وبه يفوت المعنى والتقدير: يوم إذا نُسِفَت الجِبَالُ.
390

فصل


«الدَّاعِي» إسرافيل، والدُّعَاءُ هو النفخ في الصور، أي يتبعون صوتَ الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة. وقوله: «لاَ عِوَجَ لَهُ» أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكُلُّ. وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي لا عوج لهم من دعاء الدَّاعِي لا يعوجونَ عنه يميناً ولا شَمالاً.
وقيل: إنه مَلَكٌ قائِمٌ على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيَّتُهَا العِظَام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة قُومي إلى عَرْض الرَّحمن.
قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن﴾ أي: سَكَنَتْ وذلَّت وخضَعَتْ. وصف الأصوات بالخشوع والمرادُ أهلُهَا.
قوله: ﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ الاستثناء مفعول به، وهو استثناء مفرغ. والهَمْسُ: الصوت الخفي، قيل: هو تَحْرِيكُ الشفتيْن دون النطق قال الزمخشري: وهو الذكر، الخفي، ومنه الحروف المهموسَة.
وقال ابن عباس والحسن وعكرمة: الهَمْسُ: وَطْءُ الأقدام أي: لا تسمع إلا خَفْقَ الأرض بأقدامهم، ومنه هَمَست الإبل (إذا سمع ذلك من وقع) أخافها على الأرض، قال:
٣٦٩١ - وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا...
391
قوله: «يَوْمَئِذٍ» بدلٌ مما تقدم، أو منصوبٌ بما بعده «لاَ» عند من يجيز ذلك والتقدير: يومَ إذ يَتَّبِعُونَ لا تنفَعُ الشَّفَاعَةُ.
قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له «تَنْفَعُ» و «مَنْ» حينئذ واقعة على المَشْفُوعِ له.
الثاني: أنَّه في محل رفع بدلاً من «الشَّفاعة»، ولا بدَّ من حذف مضاف تقديره: إلا شَفَعَةُ مَنْ أذِنَ لَه.
الثالث: أنه منصوب على الاستثناء من «الشفاعة» بتقدير المضاف المحذوف وهو استثناء متصل على هذا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً إذا لم نقدر شيئاً وحينئذ يجوز أن يكون منصوباً وهي لغة الحجاز، أو مرفوعاً وهي لغة تميم، وكل هذه الأوجه واضحة.
«لَهُ» ) في الموضعين للتعليل كقوله: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ [مريم: ٧٣] أي لأجله ولأجلهم.
392

فصل


المعنى: ﴿لاَّ تَنفَعُ الشفاعة﴾ أحداً من الناس ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ أي: إلا من أذن له الله أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي رضي قوله.
قال ابن عباس: يعني قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ الله. وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين. وقالت المعتزلة: الفاسق غير مرضيٍّ عند الله، فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه. وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، (لأن قوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ يكفي صدقه أن يكون الله تعالى قد رَضِيَ له قولاً واحداً من أقواله)، والفاسق قد ارتضى الله من قوله شهادة أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له، لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل: إنَّه تعالى استثنى من ذلك النفي بشرطين: أحدهما حصول الإذن. والثاني: أن يكون رَضِيَ له قولاً. فهب أنَّ الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين، وهو أنه تعالى رضِيَ له قولاً، فلم قلتم: إنه أذن فيه؟
فالجواب أنَّ هذا القيد كافٍ في حصول الاستثناء لقوله تعالى: ﴿لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] فاكتفى هناك بهذا القيد. ودلَّت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن، فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولاً يحصل الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود.
قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضمير في قوله: «بَيْنَ أيْدِيهِمْ» عائد إلى الذين يتبعون الداعي.
ومن قال: إن قوله: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ المراد به الشافع (قال: الضمير عائد إليه)، والمعنى: لا تَنْفع شفاعة الملائِكة والأنبياء إلا لِمَن أذِنَ له الرحمن في أن
393
يشفع من الملائكة. ثم قال ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يعني ما بين أيدي الملائكة كقوله في آية الكرسي، قاله الكلبي ومقاتل.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفَعُوا له. قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ومن قال: الضمير عائد إلى الذين يتبعون الداعي قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما قدموا «وَمَا خَلْفَهُمْ» من أمر الدنيا قاله الكلبي. وقال مجاهد: «مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ» من أمر الدنيا والأعمال «وَمَا خَلْفَهُمْ» من أمر الآخرة. وقال الضحاك: يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة. ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ قيل: الكناية راجعة إلى «مَا» أي: هو يعلمُ ما بيْنَ أيديهم وما خلفهم، (ولا يعلمونه أي العباد لا يعلمون بما بين أيديهم وما خلفهم).
وقيل: الكناية راجعة إلى الله، أي عباده لا يحيطُون به علماً.
قوله: وَعَنَتِ الوُجُوهُ «يقال: عَنَا يَعْنُو إذا ذلَّ وخضع وأعناه غيره أي: أذلَّهن ومنه العُنَاة جمع عانٍ وهو الأسير، قال:
٣٦٩٢ - فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عظَنْهُ فَقَدْ أَبَى
وقال أمية بن أبي الصلت:
٣٦٩٣ - مَليكٍ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ
وفي الحديث «فَإنَّهُنَّ عَوَان»
. والمعنى: أنَّ ذلك اليوم تُذَلُّ الوجوه أي:
394
المكلِّفين أنفسهم، ذكرَ «الوجوه» وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله «وَعَنَتْ» من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨، ٩] وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر. وتقدم تفسير «الحَيُّ القَيُّومُ» وروى أبو أمامة الباهليّ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «اطلبوا اسمَ الله الأعظم في هذه السُّور الثلاث البَقَرة وآل عمران، وطه» قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥، آل عمران: ٢].
قوله: «وَقَدْ خَابَ» يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، ويجوز أن يكون اعتراضاً. قال الزمخشري: «وَقَدْ خَابَ» وما بعده اعتراض كقولك خَابُوا وخَسِرُوا، وكل من ظلم فهو خائِبٌ خَاسِر.
ومراده بالاعتراض هنا أنَّه خصَّ الوجوه بوجوه العصاة حتى تكون الجملة قد دخلت بين العُصَاة وبين ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ فَهذَا عنده قسيم «وَعَنَتْ الوُجُوهُ» فلهذا كان اعتراضاً. وأما ابن عطية فجعل «الوُجُوهُ» عامة، فلذلك جعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ معادلاً بقوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ إلى آخره.

فصل


قال ابن عباس: «خَابَ» خَسِر من أشْرَكَ بالله. والظُّلمُ: الشِّرك قال الله تعالى ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والمراد بالخيبة: الحِرمان، أي: حُرِم الثواب مَنْ حَمَل ظُلْماً، أي ظلم ولم يتب. ثم قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات (وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ) أي: ومَنْ يَعمل شيئاً مِنَ الصَّالِحَاتِ، والمراد به الفرائض وكان عمله مقروناً
395
بالإيمان، نظيره قوله: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ [طه: ٧٥]. قوله: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حالية.
«فَلاَ يَخَافُ» قرأ بن كثير (بجزمه) على النهي، والمعنى: أَمِنَ، والنهي عن الخوف أمر بالأمن.
والباقون: برفعه على النفي والاستئناف، أي: فهو لا يخاف.
والهضم: النقصُ تقول العرب: هَضَمَتْ لزيدٍ مِنْ حَقِّي أي: نقصتُ منه، ومنه: هَضِيمُ الكَشْحَيْن أي: ضامُرُها، ومن ذلك أيضاً، «طَلْعُهَا هَضِيمٌ» أي: دقيق متراكب كأنَّ بعضه يظلم بعضاً فينتقصه حقه.
ورَجلٌ هضيمٌ أي مظلوم.
وهضمته واهتضمته وتَهَّضمتُه عليه بمعنى، قال المتوكل الليثي:
٣٦٩٤ - إنَّ الأذلَّةَ واللِّئَامَ لمِعْشَرٍ مَوْلاَهُم المُتَهَضَّم المَظْلُومُ
قيل: والظلم والهضم متقاربتان وفرَّق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم من جميع الحق، والهضم منع بعضه. والظلمُ هنا هو أن يعاقب لا على جريمةٍ
396
أو يمنع من الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه.
وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه.
397
قوله :﴿ فَيَذَرُها ﴾ في هذا الضمير وجهان١ :
أحدهما : أنه ضمير الأرض، أضمرت للدلالة عليها كقوله :﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾٢ ٣.
والثاني : ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي فيذر مراكزها ومقارها٤ و " يَذَرُ " يجوز أن يكون بمعنى يُخْلِها، فيكون " قَاعَاً " ٥ حالاً٦، وأن٧ يكون بمعنى يترك التصييرية٨ فيتعدى لاثنين ف " قَاعاً " ثانيهما٩.
وفي القاع أقوال : فقيل : هو مقتنع١٠ الماء ولا يليق١١ معناه هنا.
وقيل : إنه١٢ المنكشف من الأرض قاله مكي١٣.
وقيل : إنه١٤ المكان المستوي، ومنه قوله ضرار بن الخطاب١٥ :
لَتَكُونَنَّ بَالبِطَاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَة١٦ القَاعِ فِي أَكُفِّ الإمَاءِ١٧
وقيل : إنه١٨ الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء١٩.
والصَّفْصَفُ : الأرض الملساء، وقيل : المستوية، فهما قريبان من المترادف٢٠ وجمع القاع أقْوُعٌ وأقْوَاعٌ وقِيعَانٌ٢١.
١ في ب: قولان..
٢ [فاطر: ٤٥]..
٣ انظر التبيان ٢/٩٠٤..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٧٩..
٥ "قاعا": سقط من ب..
٦ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٧، التبيان ٢/٩٠٤..
٧ في ب: أو..
٨ في ب: التفسيرية..
٩ في ب: بينهما. وهو تحريف..
١٠ في ب: منقع..
١١ في ب: فما أليق. وهو تحريف..
١٢ في ب: هو..
١٣ البحر المحيط ٦/٢٧١..
١٤ في ب: هو..
١٥ هو ضرار بن الخطاب بن كثير الفهري، كان فارسا شاعرا، ويعد من أشعر شعراء قريش. انظر الإصابة في تمييز الصحابة ٥/١٩٠-١٩١...
١٦ في النسختين: تعقعة..
١٧ البيت من بحر الخفيف قاله ضرار بن الخطاب، وهو في تفسير ابن عطية ١٠/٩٣ البحر المحيط ٦/٢٧٠..
١٨ في ب: هي..
١٩ قاله ابن الأعرابي. البحر المحيط ٦/٢٧٠..
٢٠ اللسان (صفف)..
٢١ في ب: الترادف..
قوله :﴿ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً من الجبال، ويجوز أن تكون صفة للحال١ المتقدمة وهي " قَاعاً " على أحد التأويلين، أو صفة للمفعول الثاني على التأويل الآخر٢.
وتقدم الكلام على العِوَج٣. وقال٤ الزمخشري هنا : فإن قلت : قد فرَّقوا بين العَوَج والعِوَج، قالوا : العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان٥، والأرض عَيْن، فكيف صح فيها٦ كسر العين. قلت : اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة٧، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون وذلك أنه لو عَمَدت إلى قطعةِ أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينيك وعيون٨ البصراء، واتفقتم على أنَّه لم يبقى فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي٩ المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية١٠ لعثر١١ فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن١٢ بالقياس الهندسي، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي دقَّ وَلطُفَ عن الإدراك اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه١٣ صاحب التقدير الهندسي، وذلك الاعوجاجُ لمَّا لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس أُلحق بالمعاني، فقيل فيه عِوَجٌ بالكسر١٤.
والأَمْتُ١٥ النتوُّ اليسير يقال : مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما فيه أمْتٌ١٦. وقيل : الأمت التل١٧، وهو قريب من الأول.
وقيل : الشُّقُوقُ في الأرض. وقيل : الإكام١٨.
وقال الحسن : العوَج ما انخفض من الأرض، والأمْتُ ما نشز من الرَّوابي. والمقصود من وصف الأرض بهذه الأوصَاف أنها تكون في ذلك اليوم ملساءَ خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج١٩.
١ انظر الصحاح (قَوَع)..
٢ في ب: الجبال. وهو تحريف..
٣ تقدم أنه يجوز إعراب "قاعا" حالا إذا كانت "يذر" بمعنى يخل ومفعولا ثانيا إذا كانت بمعنى يترك التصييرية. انظر البيان ٢/٩٠٤.
عند قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ [الكهف: ١] وذكر هناك: قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان فالمراد منه نفي التناقض، وقيل معناه لم يجعله مخلوفا. انظر اللباب ٥/٣٢٧..

٤ في ب: فقال..
٥ وفي اللسان (عَوََََضجَ): والعوج: وهو بفتح العين مختص بكل شخص مرئي كالأجسام وبالكسر بما ليس بمرئي كالرأي والقول. وقيل: الكسر يقال فيهما معا والأول أكثر..
٦ في ب: فكيف يصح فيهما. وهو تحريف..
٧ في ب: والملامسة. وهو تحريف..
٨ في ب: وعين..
٩ في ب: أمر..
١٠ الهندسية: سقط من ب..
١١ في ب: يعثر..
١٢ في الأصل: لكن..
١٣ في ب: الذي يصرفه أي يعرفه. وهو تحريف..
١٤ الكشاف ٢/٤٤٧..
١٥ في ب: فصل معنى الأمت..
١٦ الكشاف ٢/٤٤٧..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٧١..
١٨ اللسان (أمَتَ)..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٨..
قوله :" يَوْمَئِذٍ " منصوب ب " يَتَّبِعُونَ " وقيل : بدل من " يَوْمَ القِيَامَةِ " قاله١ الزمخشري٢. وفيه نظر، للفصل الكثير٣ وأيضاً يبقى " يَتَّبِعُونَ " غير مرتبط بما قبله، وبه٤ يفوت المعنى٥ والتقدير : يوم إذا نُسِفَت الجِبَالُ٦.

فصل٧


" الدَّاعِي " إسرافيل، والدُّعَاءُ هو النفخ في الصور، أي يتبعون صوتَ الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة٨. وقوله :﴿ لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكُلُّ٩. وقيل : لا عوج لدعائه، وهو١٠ من المقلوب، أي لا عوج لهم من دعاء الدَّاعِي لا يعوجونَ عنه يميناً ولا شَمالاً١١.
وقيل : إنه مَلَكٌ قائِمٌ على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول : أيَّتُهَا العِظَام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة قُومي إلى عَرْض الرَّحمن١٢.
قوله :﴿ وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن ﴾ أي : سَكَنَتْ وذلَّت وخضَعَتْ. وصف الأصوات١٣ بالخشوع والمرادُ أهلُهَا١٤.
قوله :﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ الاستثناء١٥ مفعول به، وهو استثناء مفرغ. والهَمْسُ : الصوت الخفي١٦، قيل : هو تَحْرِيكُ الشفتيْن دون النطق١٧ قال١٨ الزمخشري : وهو١٩ الذكر٢٠، الخفي، ومنه الحروف المهموسَة٢١.
وقال ابن عباس والحسن وعكرمة : الهَمْسُ : وَطْءُ الأقدام٢٢ أي : لا تسمع إلا خَفْقَ٢٣ الأرض بأقدامهم، ومنه هَمَست الإبل ( إذا سمع ذلك من وقع٢٤ ) أخافها على الأرض، قال٢٥ :
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا٢٦ هَمِيسَا٢٧***. . .
١ في ب: قال..
٢ قال الزمخشري :(ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من يوم القيامة) الكشاف ٢/٤٤٨..
٣ أي: لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه، فقوله "يوم القيامة" في الآية (١٠٠) و"يومئذ" في الآية (١٠٨)..
٤ في ب: وفيه. وهو تحريف..
٥ حيث يكون قوله "يتبعون" كلاما مستأنفا..
٦ الكشاف ٢/٤٤٨..
٧ في ب: قوله..
٨ انظر القرطبي ١١/٢٤٦ -٢٤٧..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٨..
١٠ في ب: وهذا..
١١ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٠..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٨..
١٣ في ب: للأصوات. وهو تحريف..
١٤ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه..
١٥ عبر بالمصدر عن اسم المفعول إذ المقام للمستثنى..
١٦ قاله أبو عبيدة. مجاز القرآن ٢/٣٠..
١٧ وهذا المعنى عن ابن عباس. البحر المحيط ٦/٢٨٠..
١٨ في ب: فصل قال..
١٩ في الأصل: هو..
٢٠ في النسختين: الذكر. وما أثبته من الكشاف. والركز: الصوت الخفي..
٢١ الكشاف ٣/٤٤٧. والحروف المهموسة عشرة أحرف يجمعها قولك: "حثه شخص فسكت". والمهموس حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه، وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فردّدت الحرف مع جري النفس، ولو أردت ذلك في المجهورة لم تقدر عليه. الكتاب ٤/٤٣٤..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٨..
٢٣ في ب: خفف. وهو تحريف..
٢٤ ما بين القوسين في ب: فاسمع ذلك من وطء. وهو تحريف..
٢٥ في ب: قال الشاعر..
٢٦ في ب: بها..
٢٧ رجز لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/١٩٢، الحجة لأبي علي ٢/٢٢٠، الحيوان: ٣/٤٠، القرطبي ١١/٢٤٧، العمدة ١/١١ ابن كثير ١/٢٣٧، اللسان (رفث – همس) الهميس: صوت وطء أخفاف الإبل. وهو الشاهد..
قوله :﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بدلٌ مما تقدم١، أو منصوبٌ بما بعده " لاَ " عند من يجيز ذلك٢ والتقدير : يومَ إذ يَتَّبِعُونَ لا تنفَعُ الشَّفَاعَةُ٣.
قوله :﴿ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ ﴾ فيه أوجه :
أحدها : أنه منصوب على المفعول به، والناصب له " تَنْفَعُ " ٤ و " مَنْ " حينئذ واقعة على المَشْفُوعِ له٥.
الثاني : أنَّه في محل رفع بدلاً من " الشَّفاعة " ٦، ولا بدَّ من حذف مضاف تقديره : إلا شَفَعَةُ مَنْ أذِنَ لَه٧.
الثالث : أنه منصوب على الاستثناء من " الشفاعة " بتقدير المضاف المحذوف وهو استثناء متصل على٨ هذا٩، ويجوز١٠ أن يكون استثناء منقطعاً إذا لم نقدر شيئاً١١ وحينئذ يجوز أن يكون منصوباً وهي لغة الحجاز، أو مرفوعاً وهي١٢ لغة تميم١٣، وكل هذه الأوجه واضحة.
( و " لَهُ " )١٤ في الموضعين١٥ للتعليل١٦ كقوله :﴿ قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا ﴾١٧ أي لأجله ولأجلهم.

فصل


المعنى :﴿ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة ﴾ أحداً من الناس ﴿ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ أي : إلا من أذن له الله أن يشفع له١٨ ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ أي رضي قوله١٩.
قال ابن عباس : يعني قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ الله. وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين٢٠. وقالت المعتزلة٢١ : الفاسق غير مرضيٍّ عند الله٢٢، فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه. وهذه الآية من أقوى٢٣ الدلائل على ثبوت٢٤ الشفاعة في حق الفساق، ( لأن قوله :﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ يكفي صدقه أن يكون الله تعالى قد رَضِيَ له قولاً واحداً من أقواله )٢٥، والفاسق قد ارتضى الله من قوله٢٦ شهادة أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له، لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن٢٧ قيل : إنَّه تعالى استثنى من ذلك النفي بشرطين : أحدهما حصول الإذن. والثاني : أن يكون رَضِيَ له قولاً. فهب أنَّ الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين، وهو أنه تعالى٢٨ رضِيَ٢٩ له قولاً، فلم قلتم : إنه٣٠ أذن فيه ؟
فالجواب أنَّ هذا القيد كافٍ في حصول الاستثناء لقوله تعالى :﴿ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾٣١ فاكتفى هناك بهذا القيد. ودلَّت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن، فظهر من مجموعهما أنه٣٢ إذا رضي له قولاً يحصل٣٣ الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود٣٤.
١ أي: من "يومئذ يتبعون الدّاعي". البحر المحيط ٦/٢٨٠..
٢ قيل: إن "لا" ليس لها الصدر بخلاف "ما" وتقدم معمول ما بعدها عليها في نحو قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾ [الأنعام: ١٥٨] دليل على ذلك. اللهم إلا أن تقع في جواب القسم، فإن الحروف التي يتلقى بها القسم كلها لها المصدر. وقيل: لها الصدر مطلقا. وقيل: لا مطلقا. المغني ١/٢٤٥..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٠..
٤ في ب: يقع. وهو تحريف..
٥ انظر التبيان ٢/٩٠٤، البحر المحيط ٦/٢٨٠. على أن الاستثناء مفرغ..
٦ في ب: من الشفاعة ذا. وهو تحريف..
٧ انظر التبيان ٢/٩٠٥، البحر المحيط ٦/٢٨٠. على أن الاستثناء متصل، وإعراب المستثنى بدلا من المستثنى منه مذهب البصريين، وعند الكوفيين عطف نسق لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في الاستثناء خاصة. الأشموني ٢/١٤٥..
٨ في ب: وعلى..
٩ لأنه بهذا التقدير يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه..
١٠ في ب: يجوز..
١١ لأنه بدون تقدير المضاف يكون المستثنى غير المستثنى منه..
١٢ في الأصل: وهو. وهو تحريف..
١٣ لأن المستثنى في الاستثناء المنقطع التام المنفي يجب نصبه عند الحجازيين وعند بني تميم يجيزون أن يتبع المستثنى المستثنى منه على أنه بدل. فقوله: "من أذن" منصوب على الاستثناء عند الحجازيين ومرفوع على البدل عند بني تميم. انظر الأشموني ٢/١٤٦ – ١٤٧..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ والوضعان هما: "من أذن له" و"رضي له" البحر المحيط ٦/٢٨٠..
١٦ للتعليل: سقط من ب..
١٧ [مريم: ٧٣]..
١٨ في ب: عنده. وهو تحريف..
١٩ في ب: أي ورضي قولا..
٢٠ انظر البغوي ٥/٤٥٩..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١٨ – ١١٩..
٢٢ في ب: الله تعالى..
٢٣ في ب: وهذا من أقوى..
٢٤ في ب: قبول..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ في ب: أقواله. وهو تحريف..
٢٧ في ب: فإنه. وهو تحريف..
٢٨ في ب: وهو أن الله..
٢٩ قد: سقط من الأصل..
٣٠ أنه: سقط من الأصل..
٣١ [الأنبياء: ٢٨]..
٣٢ في الأصل: على أنه..
٣٣ في النسختين لا يحصل..
٣٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٨ – ١١٩..
قوله :﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الضمير في قوله :﴿ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ عائد إلى١ الذين يتبعون الداعي٢.
ومن قال : إن قوله :﴿ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ المراد به الشافع ( قال : الضمير عائد إليه )٣، والمعنى : لا تَنْفع شفاعة الملائِكة والأنبياء إلا لِمَن٤ أذِنَ له الرحمن في أن يشفع من الملائكة. ثم قال٥ ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ يعني ما بين أيدي٦ الملائكة كقوله في آية الكرسي٧، قاله٨ الكلبي ومقاتل.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفَعُوا له. قال مقاتل : يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، وما كان بعد خلقهم٩. ومن قال : الضمير عائد إلى الذين يتبعون الداعي قال :﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ما قدموا " وَمَا خَلْفَهُمْ " من أمر الدنيا قاله الكلبي. وقال مجاهد :" مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ " من أمر الدنيا والأعمال " وَمَا خَلْفَهُمْ " من أمر الآخرة. وقال الضحاك : يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة١٠. ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ قيل : الكناية راجعة إلى " مَا " أي : هو يعلمُ ما بيْنَ أيديهم وما خلفهم، ( ولا يعلمونه أي العباد لا يعلمون بما بين أيديهم وما خلفهم١١ )١٢.
وقيل : الكناية راجعة إلى الله، أي عباده لا يحيطُون به علماً١٣.
١ في ب: على..
٢ أي إلى المشفوع..
٣ ما بين القوسين سقط من ب. الضمير عائد إلى الشافع..
٤ في ب: على..
٥ ثم: سقط من ب..
٦ أيدي: سقط من ب..
٧ قال تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]..
٨ في الأصل: قال..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٩..
١٠ ينظر هذه الأقوال في الفخر الرازي ٢٢/١١٩..
١١ البحر المحيط ٦/٢٨٠..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ انظر البغوي ٥/٤٥٩. وقد رجّح ابن الخطيب عود الضمير إلى "ما" فإنه قال: (والأول أولى لوجهين: أحدهما أنّ الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا قوله: ﴿ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ وثانيهما أنه تعالى أورد ذلك مورد الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله تعالى) الفخر الرازي ٢٢/١١٩..
قوله : وَعَنَتِ الوُجُوهُ " يقال : عَنَا يَعْنُو إذا ذلَّ وخضع وأعناه غيره أي : أذلَّه، ومنه العُنَاة جمع عانٍ وهو الأسير، قال :
فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عنْهُ فَقَدْ أَبَى١
وقال أمية بن أبي الصلت٢ :
مَليكٍ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ٣
وفي الحديث " فَإنَّهُنَّ٤ عَوَان " ٥. والمعنى : أنَّ ذلك اليوم تُذَلُّ الوجوه أي : المكلِّفين أنفسهم، ذكرَ " الوجوه " ٦ وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله ﴿ وَعَنَتْ ﴾ من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه كقوله :﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾٧ وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر٨. وتقدم تفسير " الحَيُّ القَيُّومُ " ٩ وروى١٠ أبو أمامة الباهليّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" اطلبوا اسمَ الله الأعظم في هذه السُّور الثلاث البَقَرة وآل عمران، وطه " قال الراوي١١ : فوجدنا المشترك في السور الثلاث ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ﴾١٢.
قوله :﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً١٣، ويجوز أن يكون اعتراضاً. قال الزمخشري١٤ :" وَقَدْ خَابَ " وما بعده اعتراض كقولك خَابُوا وخَسِرُوا، وكل من ظلم فهو خائِبٌ خَاسِر١٥.
ومراده١٦ بالاعتراض هنا أنَّه خصَّ الوجوه بوجوه العصاة١٧ حتى تكون الجملة قد دخلت بين العُصَاة وبين ﴿ وَمَن١٨ يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ فَهذَا١٩ عنده قسيم " وَعَنَتْ الوُجُوهُ " فلهذا كان٢٠ اعتراضاً٢١. وأما ابن عطية فجعل " الوُجُوهُ " عامة، فلذلك جعل ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ معادلاً بقوله ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ إلى آخره٢٢.

فصل


قال ابن عباس :" خَابَ " خَسِر من أشْرَكَ بالله. والظُّلمُ : الشِّرك٢٣ قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾٢٤ والمراد بالخيبة : الحِرمان، أي : حُرِم الثواب مَنْ حَمَل ظُلْماً، أي ظلم ولم يتب٢٥.
١ البيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، ولم أجده فيما رجعت إليه من راجع. الغُلّ: جامعة توضع في العنق أو اليد. والشاهد فيه أن (عان) هو الأسير..
٢ واسمه عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة، وقد صدقه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض شعره، ولما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه" مات سنة ٩ هـ كافرا. الخزانة ١/٢٤٧ – ٢٥٣..
٣ البيت من بحر الطويل قاله أمية بن أبي الصلت. مليك: ذو الملك. المهين: اسم من أسماء الله في الكتب القديمة، ومعناه الشاهد، وهو من آمن غيره من الخوف. تعنو: تخضع وتستأسر. وهو الشاهد..
٤ في ب: "إنهن"..
٥ أخرجه ابن ماجه (نكاح) ١/٥٩٤، وهو في غريب الحديث لابن الأثير ٣/٣١٤ وعوان جمع عانية، وهي الأسيرة..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ [الغاشية: ٨، ٩]..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
٩ وتقدم ذلك في [البقرة: ٢٥٥] ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ انظر اللباب ٢/٩٥..
١٠ في ب: فصل روى..
١١ في ب: الرازي. وهو تحريف..
١٢ [البقرة: ٢٥٥] و[آل عمران: ٢] انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
١٣ انظر التبيان ٢/٩٠٥..
١٤ في ب: قال الزمخشري وغيره. وهو تحريف..
١٥ الكشاف ٢/٤٤٨..
١٦ في ب: ومراد به. وهو تحريف..
١٧ الكشاف ٢/٤٤٧..
١٨ في ب: "من"..
١٩ في ب: وهذا..
٢٠ في ب: فكان هذا..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٢٨١..
٢٢ انظر تفسير ابن عطية ١٠/٩٧..
٢٣ انظر البغوي ٥/٤٥٩ – ٤٦٠..
٢٤ [لقمان: ١٣]..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
ثم قال :﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ) ١ أي : ومَنْ يَعمل شيئاً٢ مِنَ الصَّالِحَاتِ، والمراد به الفرائض وكان عمله مقروناً بالإيمان، نظيره قوله٣ :﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً٤ قَدْ عَمِلَ الصالحات ﴾٥. قوله :﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ جملة حالية.
" فَلاَ يَخَافُ " قرأ بن كثير ( بجزمه )٦ على النهي٧، والمعنى : أَمِنَ، والنهي عن الخوف أمر بالأمن.
والباقون : برفعه٨ على النفي والاستئناف، أي : فهو لا يخاف٩.
والهضم : النقصُ١٠ تقول العرب : هَضَمَتْ لزيدٍ مِنْ حَقِّي أي : نقصتُ منه١١، ومنه : هَضِيمُ الكَشْحَيْن أي : ضامُرُهما١٢، ومن ذلك أيضاً، " طَلْعُهَا هَضِيمٌ " ١٣ أي : دقيق متراكب كأنَّ١٤ بعضه يظلم بعضاً فينتقصه حقه.
ورَجلٌ هضيمٌ أي مظلوم١٥.
وهضمته واهتضمته وتَهَّضمتُه عليه١٦ بمعنى، قال المتوكل الليثي١٧ :
إنَّ الأذلَّةَ واللِّئَامَ لمِعْشَرٍ١٨ مَوْلاَهُم المُتَهَضَّم المَظْلُومُ١٩
قيل٢٠ : والظلم٢١ والهضم متقاربان٢٢ وفرَّق القاضي الماوردي بينهما فقال : الظلم من جميع الحق، والهضم منع بعضه٢٣. والظلمُ هنا هو أن يعاقب لا على جريمةٍ أو يمنع من٢٤ الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه٢٥.
وقال أبو مسلم : الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه٢٦.
١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢ في ب: منا. وهو تحريف..
٣ قوله: سقط من ب..
٤ مؤمنا: سقط من الأصل واستدرك بالهامش..
٥ [طه: ٧٥]..
٦ بجزمه: سقط من ب..
٧ وهو جواب الشرط "ومن يعمل من الصّالحات"..
٨ السبعة (٤٢٤)، الحجة لابن خالويه (٢٤٧ – ٢٤٨) والكشف ٢/١٠٧، النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٧)..
٩ في ب: لا يخاف ظلما ولا هضما..
١٠ في اللسان (هضم): وهضمه حقه هضما: نقصه..
١١ انظر معاني القرآن للفراء ٢/١٩٣..
١٢ أي ضامر الجنبين كأنهما هضما. تفسير غريب القرآن ٢٨٣..
١٣ من قوله تعالى: ﴿وزروع ونخل طلعها هضيم﴾ [الشعراء: ١٤٨]..
١٤ في ب: كأنه..
١٥ اللسان (هضم)..
١٦ عليه: سقط من ب..
١٧ هو المتوكل بن عبد الله بن نهشل بن وهب... من شعراء الإسلام، وهو من أهل الكوفة، وكان في عصر معاوية ويزيد ومدحهما. الخزانة ٨/٥٦٥ – ٥٦٩..
١٨ في ب: والليالي والحشر..
١٩ البيت من بحر الكامل قاله المتوكل الليثي، وهو في القرطبي ١١/٢٤٩، والبحر المحيط ٦/٢٧١. الأذلة: جمع ذليل اللئام: جمع لئيم، وهو الدنيء الأصل الشنحيح النفس. المعشر: كل جماعة أمرهم واحد، وهو الجمع، لا واحد له من لفظه للرجال دون النساء. المتهضم: المظلوم، وهو الشاهد..
٢٠ قيل: سقط من ب..
٢١ في ب: الظلم..
٢٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٨١. على أن الظلم أن يأخذ من صاحبه فوق حقه والهضم أن يكسر من حق أخيه فلا يوفيه..
٢٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٨١..
٢٤ في الأصل: عن..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٠..
قوله: «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» نسق على «كَذَلِكَ نَقُصُّ» قال الزمخشري «ومثل ذلك الإنزال وكما أَنْزَلْنَا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا القرآن كلَّه على هذه الوتيرة.
وقال غيره: والمَعْنَى كما قدَّرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذَّرْنَا هؤلاء أمرها، ﴿أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه، وخروفه عن الكلام البشري.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾ أي: كرَّرْنَاهُ وفصَّلْنَاهُ.
قوله:»
مِنَ الوَعِيدِ «صفة لمَفْعُولٍ محذوف، أي: صرَّفنا في القرآن وعيداً من الوعيد، والمراد به الجنس.
ويجوز أن تكون»
مِنَ «مزيدة على رأي الأخفش في المفعول به، والتقدير: وصرَّفنا فيه الوعيد» لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون «أي يجتنبون الشرك. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ أي: يجدد لهم القرآن عبرة وعظة.
وقرأ الحسن:»
أَوْ يُحْدِثْ «كالجماعة إلا أنه سكَّن لام الفعل وعبد الله والحسن أيضاً في رواية ومجاهد وأبو حيوة» نُحْدِثْ «بالنون، وتسكين اللام أيضاً.
(وخُرِّجَ علَى) إجراء الوصل مجرى الوقف، أو على تسكين الفعل استثقالاً للحركة، كقول امرئ القيس:
397
٣٦٩٥ - فَاليَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ... وقول جرير:
٣٦٩٦ - أَوْ نَهْرُ تِيرَى فَلاَ تَعْرِفُكُمُ العَربُ وقد فعله كما تقدم أبو عمر في الراء خاصة نحو» يَنْصُرُكُم «.
وقرئ:» تُحدث «بتاء (الخطاب) أي: تُحدث أنتَ.
(قوله:»
أَوْ يُحْدِثُ «) فيه سؤالات:
الأول: كيف يكون محدثاً للذكر؟ والجواب: لمّا حصل الذكر عند قراءته أضيفَ إليه.
الثاني: لِمَ أضيفَ الذكر إلى القرآن، وما أضيفت التقوى إليه؟
والجواب: أنَّ التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي، فلم يجز إسناده إلى القرآن، وأمَّا حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن.
الثالث: كلمة»
أو «للمنافاة بين التقوى وحدوث الذكر، ولا يصح الاتقاء إلا مع الذكر، فما معناه؟
والجواب: هذا كقول»
جَالِس الحسن أو ابنَ سِيرين، أي: (لا تكن خالياً منهما)، فكذا ههنا.
398
وقيل: معنى الكلام أنا أنزلنا القرآن ليتَّقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، وعلى التقديرين يكون إنزاله تقوى.
قوله تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ لما عظم أمر القرآن أردفه بأن عظم نفسه وذلك تنبيه على أنَّه يجب على خلقه تعظيمه، وإنما وصف مُلكَه بالحَقِّ، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا وصف بذلك. و «تَعَالَى» تفاعل من العُلُوّ، وقد ثبت أن علوه وعظمته لا تكيّفه الأوهام ولا تقدره العقول.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
قال أبو مسلم: إن من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: ١٠٥] إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ (خطاب مستأنف كأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ... وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ [طه: ١٠٥ - ١١٤]
وقال غيره: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان إذا أنزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة المَلَك، يقرأ بعد فراغه من (القراءة). فكأنه تعالى ما شرح نفع القرآن للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان (في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان) فلا تعجل بالقرآن فقوله: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن عباس: أن يكون أخذُك القرآن على تثبيت وسكون. ويحتمل لا تعجل في تأديته إلى غيرك، قال مجاهد وقتادة: لا تقرأ به أصحابك ولا تُمْله عليهم حتى يتبين لك معانيه. ويحتمل في اعتقاد ظاهرهن ويحتمل في تعريفه الغير ما يقتضيه ظاهرهن أي: حتى يتبين لك بالوحي
399
تمامه أبو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقبيه استثناء أو شرط، أو غيرهما من المخصصات.
فإن قيل: الاستعجال لذي نُهِي عنه إن كان فعلُه فكيف نهي عنه؟
فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نهِي عنه.
قوله: ﴿قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ العامة على بناء «يُقْضَى» للمفعول ورفع «وَحْيُه» لقيامه مقام الفاعل.
والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله «تَقْضِي» بنون العظمة مبنيًّا للفاعل، «وَحْيَه» مفعول به.
وقرا الأعمش كذلك إلاَّ أنَّه سكن (لام الفعل)، استثقل الحركة وإن كانت خفيفة على حرف العلة، وقد تقدم شواهد عند قراءة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهالِيكُمْ﴾.
قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: «عِلماً» أي ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال: اللهم زدْنِي إيماناً ويقيناً.
400
قوله تعالى :﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ لما عظم١ أمر٢ القرآن أردفه بأن٣ عظم نفسه وذلك تنبيه على أنَّه يجب على خلقه تعظيمه، وإنما وصف مُلكَه بالحَقِّ، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا٤ وصف بذلك. و " تَعَالَى " تفاعل٥ من العُلُوّ، وقد ثبت أن علوه وعظمته٦ لا تكيّفه الأوهام٧ ولا تقدره العقول٨.
ثم قال :﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾.
قال أبو مسلم : إن من قوله :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾٩ إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله :﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن ﴾ ( خطاب مستأنف كأنه قال :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ *** وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن١٠١١.
وقال غيره : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أنزل عليه جبريل -عليه السلام١٢- بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة المَلَك، يقرأ بعد فراغه من ( القراءة١٣ )١٤. فكأنه تعالى ما شرح نفع القرآن للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان ( في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان )١٥ فلا تعجل بالقرآن١٦ فقوله :﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن ﴾ يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن عباس : أن يكون أخذُك القرآن على تثبيت وسكون١٧. ويحتمل لا تعجل في تأديته إلى غيرك، قال مجاهد١٨ وقتادة : لا تقرأ به أصحابك ولا تُمْله عليهم حتى يتبين لك معانيه١٩. ويحتمل في اعتقاد ظاهره٢٠ ويحتمل في تعريفه٢١ الغير ما يقتضيه ظاهره أي : حتى يتبين لك بالوحي تمامه أبو بيانه أو هما٢٢ جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقبيه استثناء أو شرط، أو غيرهما من المخصصات٢٣.
فإن قيل : الاستعجال لذي نُهِي عنه إن كان فعلُه فكيف نهي عنه ؟
فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نهِي عنه٢٤.
قوله :﴿ قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ العامة على بناء " يُقْضَى " للمفعول ورفع " وَحْيُه " لقيامه مقام الفاعل٢٥.
والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله " تَقْضِي " بنون العظمة مبنيًّا للفاعل، " وَحْيَه " مفعول به٢٦.
وقرا الأعمش كذلك إلاَّ أنَّه سكن ( لام الفعل٢٧ )٢٨، استثقل الحركة وإن كانت خفيفة على حرف العلة، وقد٢٩ تقدم شواهد عند قراءة ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهالِيكُمْ ﴾٣٠.
قوله :﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ أي : بالقرآن ومعانيه، وقيل :" عِلماً " أي٣١ ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال٣٢ : اللهم زدْنِي إيماناً ويقيناً.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢ في ب: ذكر..
٣ في الأصل: بأنه..
٤ في ب: فلذلك. وهو تحريف..
٥ تفاعل: سقط من ب..
٦ في ب: إن عظمه وعلوه. وهو تحريف..
٧ في ب: الأفهام..
٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٢١ بتصرف..
٩ من الآية: (١٠٥)..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢١ – ١٢٢..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..
١٢ عليه السلام: سقط من ب..
١٣ انظر البغوي ٥/٤٦٠..
١٤ في الأصل: القرآن. وهو تحريف..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٢..
١٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٢..
١٨ في ب: فصل قال مجاهد..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٢..
٢٠ في ب: ظواهره..
٢١ في ب: معرفة..
٢٢ في ب: أو بهما. وهو تحريف..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٢..
٢٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٢..
٢٥ انظر التبيان ٢/٩٠٥، البحر المحيط ٦/٢٨٢، الإتحاف (٣٠٨)..
٢٦ المختصر (٩٠). وانظر أيضا المراجع السابقة..
٢٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٢. وفيه: وقال صاحب اللوامح: (وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفا)..
٢٨ ما بين القوسين في ب: لا التعليل والفعل. وهو تحريف..
٢٩ قد: سقط من ب..
٣٠ [المائدة: ٨٩] وذكر هناك: وقرأ جعفر الصادق "من أوسط ما تطعمون أهاليكم" بسكون الياء، وفيه تخريجان، أحدهما: أن أهالي جمع تكسير لأهل فهو شاذ في القياس كليلة وليال، قال ابن جني: أهال بمنزلة ليال واحدها أهالة وليلاة، والعرب تقول أهل كاملة، قال الشاعر: وأهلة ودّ قد سررت بودهم. وقياس قول أبي زيد أنه يجعله جمع لواحد مقدر نحو أحاديث وأعاريض. وإليه يشير قول ابن جني أهال بمنزلة ليال واحدها أهلاة وليلاة، فهو يحتمل أن يكون بطريق الاتساع ويحتمل أن يكون بطريق القياس كما تقول أرض. وكان قياس قراءة جعفر تحريك الياء بالفتحة لخفتها ولكن تشبه الياء بالألف فقدر فيها الحركة، وهو كثير في النظم. انظر اللباب ٣/٣١٦ – ٣١٧..
٣١ في ب: إلى. وهو تحريف..
٣٢ في ب: هذه الآية يقول..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ الآية. في تعليق هذه الآية بما قبلها وجوه:
400
الأول: أنه تعالى لما قال ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثم إنه عظَّم أمر القرآن ذكر القصة إنجازاً للوعد في قوله: ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩].
الثاني: أنه لما قال: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنَّه قال: إنَّ طاعة بني آدم للشياطين، وتركهم التحفظ من الوساوِسِ أمر قديم، فإنَّا عهدنا إلى آدم من قبل، أي: من قبل هؤلاء الذين صرَّفنا لهم الوعيد، (وبالغنا في تنبيهه)، فقلنا له: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾، ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم.
الثالث: أنه لمَّا قال لِمُحمَّد ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] ذكر بعده قصة آدم، فإنه عهد إليه وبالغ في تحذيره من العود، فدل ذلك على ضعف البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوقفه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان.
الرابع: أن محمداً - عليه السلام - لما قيل له: «وَلاَ تَعْجَلْ» دل على أنه كان في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط، وصف آدم بالتفريط في ذلك، فإنه تساهَلَ ولم يتحفظ حتى نسي، فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط، ليعلمه أن البشر لا ينفك عن نوع زلة.
الخامس أن محمداً لما قيل به: «وَلاَ تَعْجَلْ» ضاق قلبه، وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي، وإلا لما نهيت عنه، فقيل له: يا محمد إن كنت فعلتَ ما نُهِيتَ عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي لتساهله، وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره. والمراد بالعهد هنا أمر الله، أي: أمرنا وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن فتركوا الإيمان.
وقال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عَهِدْنَا إليه أن لا يأكل
401
منها. وقال الحسن: من قل محمد والقرآن.
قوله: «فَنَسِيَ» قرأ اليماني بضم النون وتشديد السين بمعنى نَسَّاه الشيطان. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل، وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل.
وعلى القراءة المشهورة يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نقيض الذكر، وإنما عوقب على ترك التحفظ، والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، ويحتمل أن يكون المراد بالنسيان الترك، وأنه ترك ما عهد إليه من ترك أكل ثمرتها.
قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾
يجوز أن تكون (وجد) علمية، فتتعدى لاثنين، وهما «لَهُ عَزْمًا».
وأن تكون بمعنى الإصابة فتتعدى لواحد، وهو «عَزْمًا»«لَهُ» ) متعلق بالوجدان، أو بمحذوف على أنه حال من «عَزْمًا» إذ هم في الأصل صفة له قدمت عليه.
والعازم: هو المصمم، فقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ يحتمل: ولم نجد له عزماً على ترك المعصية، أو على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه - عليه السلام - إنما أخطأ بالاجتهاد.
وقال الحسن: ولم نجدْ له صبراً عما نُهي عنه.
وقال عطية: حفظاً لما أمر به. وقال ابن قتيبة: رأياً معزوماً.
حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد لهز والعزم في اللغة: هو توطين النفس على الفعل.
قال أبو أمامة الباهليّ: لو وُزِنَ حلمُ آدم بحلم ولده لرجح عليه وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة. قيل: يجوز أن يكون نَسِي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت
402
مرفوعاً عن الإنسان بل كان مؤاخذاً به، وإنما رفع عنا.
وقيل: نَسِيَ عقوبة الله، وظن أنَّه نَهي تنزيه. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصَّلاً في سورة البقرة.
وقوله: «أَبَى» جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر، أي: ما منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبَى واستكبر.
ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرَّح به في الآية الأخرى في قوله: ﴿أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ [الحجر: ٣١] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ألبتة، وأن المعنى: أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو.
قوله: ﴿فَقُلْنَا ياآدم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ وسبب تلك العداوة من وجوه:
الأول: أن إبليس كان حسوداً، فلمَّا رأة آثار نِعَم الله تعالى في حق آدم حسده فصار عدواً له. الثاني: أن آدم - عليه السلام - كان شاباً عالماً لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وإبليس كان شيخاً جاهلاً، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل والشيخ أبداً يكون عدواً للشَّاب العالم.
الثالث: أن إبليس مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فبقيت تلك العداوة.
403
فإن قيل: لم قال: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة﴾ مع أن المخرج لهم من الجنة هو الله تعالى؟
فالجواب لما كان بوسوسته هوة الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. قوله: «فَتَشْقَى» منصوب بإضمار (أنْ) في جواب النهي، والنهي في الصورة لإبليس والمراد به هما، أي لا تَتَعَاطَيَا أسباب الخروج (فيحصل لكما الشقاء)، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة.
ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، أيك فأنت تشقى، كذا قدره أبو حيان.
وهو بعيد أو ممتنع، إذ ليس المقصود الإخبار بأنه يشقى بل إن وقع الإخراج لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء إليه دونها، لأن الأمور معدوقة برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنَّه إن أريد بالشقاء التعب في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة.
قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ﴾ خبر «إنَّ»، و «ألاَّ تَجُوعَ» في محل نصب اسماً لها، (والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع والعُرْي) و «تَعْرَى» منصوب تقديراً نسقاً على «تَجُوع» (والعُرْيُ تجرد الجلد عن شيء يقيه، يقال منه: عَرِيَ يَعْرَى عَرْياً) قل الشاعر:
٣٦٩٧ - فَإنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوَارِي فتَنْبُو العينُ عَنْ كَرَم عِجَافِ
«وأنَّكَ لاَ تَظْمَأ» قرأ نافع وأبو بكر «وإنَّك بكسر الهمزة. والباقون بفتحها.
404
فمن كسر يجوز أن يكون ذلك استئنافاً، وأن يكون نسقاُ على» إنَّ «الأولى. ومن فتح فلأنه عطف مصدراً مؤولاً على اسم» إنَّ «الأولى، والخبر» لَكَ «المتقدم. والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع، وعدم العري، وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون» أنَّ «بالفتح اسماً ل» إنَّ «بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت: إنَّ أنَّ زيداَ حق لم يجز، فلما وصل بينهما جاز.
وتقول: إنَّ عندِي أنَّ زيداً قائمٌ، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أنَّ وَمَا في تأويلها لكونه ظرفاً، والآية من هذا القبيل إذ التقدير: فإن لك أنَّك لا تَظْمَأ وقال الزمخشري: فإن قلت:»
إنَّ «لا تدخل على» أنَّ «، فلا يقال: إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ، والواو نائبة عن» إنَّ «وقائمة مقامها، فلم دخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن» إنَّ «إنما هي نائبة عن كل عاما، فلمَّا لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع» إنَّ «و» أنَّ «وضَحِيَ يَضْحَى أي: برز للشمس، قال عمر بن أبي ربيعة:
405
وذكر الزمخشري هنا معنى حسَناً في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول: إنَّ لَكَ الشبع والكسوة والري والاكتنان في الظل، فقال: وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرِي، والظمأ، والصّحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.
406
قوله تعالى :﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ ﴾ تقدَّم الكلام على ذلك مفصَّلاً في سورة البقرة١.
وقوله :﴿ أَبَى ﴾ جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر٢، أي : ما منعه من السجود ؟ فأجيب بأنه أبَى واستكبر.
ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً٣، وقد صرَّح به في الآية الأخرى في قوله :﴿ أبى٤ أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾٥، وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ألبتة، وأن المعنى : أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو٦.
١ عند قوله تعالى: ﴿وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]..
٢ انظر الكشاف ٢/٤٤٩..
٣ في ب: مراد. وهو تحريف..
٤ في ب: وصرح به في آية أخرى فأبى. وهو تحريف..
٥ [الحجر: ٣١]..
٦ وقد رجحه الزمخشري حيث قال: (والوجه أن لا يقدر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله: "فسجدوا"، وأن يكون معناه: أظهر الإباء وتوفق وتثبط). الكشاف ٢/٤٤٩..
قوله١ :﴿ فَقُلْنَا يا آدم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾ وسبب٢ تلك العداوة من وجوه٣ :
الأول : أن إبليس كان حسوداً، فلمَّا رأى آثار نِعَم الله تعالى في حق آدم حسده فصار٤ عدواً له.
الثاني : أن آدم -عليه السلام٥- كان شاباً عالماً لقوله تعالى ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾٦، وإبليس كان شيخاً جاهلاً، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل والشيخ أبداً يكون عدواً للشَّاب العالم.
الثالث : أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب، فبين أصليهما٧ عداوة، فبقيت تلك العداوة٨.
فإن قيل : لم قال :﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة ﴾ مع أن المخرج لهما من الجنة هو الله تعالى٩ ؟
فالجواب لما كان بوسوسته١٠ هوة الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح١١ ذلك١٢. قوله :﴿ فَتَشْقَى ﴾ منصوب بإضمار ( أنْ ) في جواب النهي١٣، والنهي في الصورة لإبليس والمراد به هما، أي لا تَتَعَاطَيَا أسباب الخروج ( فيحصل لكما الشقاء )١٤، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة. ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، أي : فأنت تشقى، كذا قدره أبو حيان١٥.
وهو١٦ بعيد أو ممتنع، إذ ليس المقصود١٧ الإخبار بأنه يشقى بل١٨ إن وقع الإخراج لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء١٩ إليه دونها، لأن الأمور معدوقة برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنَّه إن٢٠ أريد بالشقاء التعب في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة.
١ قوله: سقط من ب..
٢ في ب: فصل سبب..
٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٢٤ – ١٢٥..
٤ في ب: وصار..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ [البقرة: ٣١]..
٧ في ب: أصلهما..
٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٢٤ – ١٢٥..
٩ تعالى: سقط من ب..
١٠ في ب: لما كان بوسوستهما أعني بوسوسته. وهو تحريف..
١١ في ب: فصح..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٥..
١٣ وذلك أنّ "أنْ" تنصب الفعل مضمرة بعد فاء جواب نهي، والنهي هنا قوله: "فلا يخرجنكما". وانظر البحر المحيط ٦/٢٨٤..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٤..
١٦ في ب: وهذا..
١٧ المقصود: سقط من ب..
١٨ في ب: بعد..
١٩ في الأصل: الشقاوة. وهو تحريف..
٢٠ أن: سقط من ب..
قوله :﴿ إِنَّ لَكَ١ أَلاَّ تَجُوعَ ﴾ خبر " إنَّ "، و " ألاَّ تَجُوعَ " في محل نصب اسماً لها٢، ( والتقدير : إنَّ لَكَ عدم الجوع والعُرْي )٣ و " تَعْرَى " منصوب تقديراً نسقاً على " تَجُوع " ٤ ( والعُرْيُ تجرد الجلد عن شيء يقيه، يقال منه : عَرِيَ يَعْرَى عَرْياً )٥ قال الشاعر :
٣٦٩٨ - رَأَتْ رَجُلاً أمَّا إذَا الشَّمْسَ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَمَّا بالعَشِيَّ فَيَخْصَرُ
فَإنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوَارِي فتَنْبُو العينُ عَنْ كَرَم عِجَافِ٦
١ لك: سقط من ب..
٢ انظر البيان ٢/١٥٤..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ في ب: منصوب تقديرا على تجوع نسقا لها..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ البيت من بحر الوافر لسعيد بن مسحوج الشيباني، أو لأبي خالد القناني وهو في الكامل ٣/١٠٨٢، الخصائص ٢/٢٩٢، ٣٤٢، أمالي ابن الشجري ١/٢٣٣، اللسان (كرم – كسا) المغني ٢/٥٢٧، وشرح شواهده ٢/٨٨٦..
" وأنَّكَ لاَ تَظْمَأ " قرأ نافع وأبو بكر " وإنَّك بكسر الهمزة. والباقون بفتحها١.
فمن كسر يجوز أن يكون ذلك استئنافاً٢، وأن يكون نسقاُ على " إنَّ " الأولى٣. ومن فتح فلأنه٤ عطف مصدراً٥ مؤولاً على اسم " إنَّ " الأولى، والخبر " لَكَ " المتقدم. والتقدير : إنَّ لَكَ عدم الجوع، وعدم العري، وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون " أنَّ " بالفتح اسماً ل " إنَّ " بالكسر للفصل بينهما٦، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت : إنَّ أنَّ زيداَ قائم حق٧ لم يجز، فلما فصل بينهما جاز٨.
وتقول : إنَّ عندِي أنَّ زيداً قائمٌ، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أنَّ وَمَا في تأويلها لكونه ظرفاً، والآية من هذا القبيل إذ التقدير : فإن لك أنَّك لا تَظْمَأ٩ وقال الزمخشري : فإن قلت :" إنَّ " لا تدخل على " أنَّ "، فلا يقال : إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ، والواو نائبة عن " إنَّ " وقائمة مقامها، فلم دخلت عليها ؟ قلت : الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن " إنَّ " إنما هي نائبة عن كل عامل، فلمَّا لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع " إنَّ " و " أنَّ " ١٠ وضَحِيَ يَضْحَى١١ أي : برز للشمس، قال عمر١٢ بن أبي ربيعة :
رَأَتْ رَجُلاً أمَّا إذَا١٣ الشَّمْسَ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَمَّا بالعَشِيَّ فَيَخْصَرُ١٤
وذكر الزمخشري هنا معنى حسَناً في كونه تعالى١٥ ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول : إنَّ لَكَ١٦ الشبع والكسوة والري والاكتنان في الظل، فقال١٧ : وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرِي، والظمأ، والصّحو ليطرق سمعه بأسامي١٨ أصناف١٩ الشقوة التي حذره منها حتى يتحامى السبب٢٠ الموقع فيها كراهة لها٢١.
١ السبعة ٤٢٤، الحجة لابن خالويه (٢٤٧)، الكشف ٢/١٠٧، الإتحاف (٣٠٨)..
٢ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٧٨، مشكل إعراب القرآن ٢/٧٧، البيان ٢/١٥٤. التبيان ٢/٩٠٦..
٣ انظر التبيان: ٢/٩٠٦..
٤ في ب: كلامه. وهو تحريف..
٥ في ب: مصدر..
٦ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٧٨، مشكل إعراب القرآن ٢/٧٧، البيان ٢/١٥٤، التبيان ٢/٩٠٦. وذكر الزجاج وابن الأنباري وجها آخر، وهو أن يكون موضعها الرفع بالعطف على الموضع، كما تقول: إن زيدا قائم وعمرو. بالعطف على موضع "إنّ"..
٧ في ب: إن زيدا قائم حق..
٨ وذلك لأن (إنّ وأنّ) للتأكيد، كرهوا الجمع بين حرفين لمعنى واحد..
٩ وذلك أنّ خبر (إنّ) إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا يجوز تقديمه على اسمها للتوسع في الظروف والمجرورات. انظر شرح الأشموني ١/٢٧٢..
١٠ الكشاف ٢/٤٤٩..
١١ في ب: قوله: "تضحى"..
١٢ في الأصل: عمرو، وفي ب: قال علي. وهو تحريف..
١٣ في ب: واب رجل أما أذى. وهو تحريف..
١٤ البيت من بحر الطويل قاله عمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه (٦٤)، ومعاني القرآن للفراء ٢/١٩٤، ومجاز القرآن ٢/٣٢، الكامل ١/٩٨، ٢٨٤، ٣/١١٥٣، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٧٨، المحتسب ١/٢٨٤، القرطبي ١١/٢٥٤، اللسان (ضحا)، المغني ١/٥٦، شرح شواهده ١/١٧٤، الهمع ٢/٦٧، شرح الأشموني ٤/٤٩. والخزانة ١١/٣٦٧، الدرر ٢/٨٤. ورواية الديوان:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر
ورواية (أيما) يستدل بها النحاة على قلب ميم (أما) الأولى ياء استثقالا للتضعيف. انظر شرح الأشموني ٤/٤٩..

١٥ في الأصل: تعال. وهو تحريف..
١٦ لك: سقط من الأصل..
١٧ في ب: فقال أنواع. وهو تحريف..
١٨ في النسختين: بأشياء من..
١٩ في ب: أنواع..
٢٠ في ب: الشبع. وهو تحريف..
٢١ الكشاف ٢/٤٤٩ – ٤٥٠..
قوله: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ» أي: أنهى إليه الوسوسة، وأمَّا وَسوَسَ له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدّى وَسْوَسَ باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠] وأخرى بإلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطان كَوَلْوَلَةِ الثكلى ووَقْوَقَة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمُها حكمُ صوت أو جرس، ومنه: وسوسة المُبْرسَم وهو مُوَسْوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن الأعرابي:
٣٦٩٩ - وَسْوَسَ يدعُو مُخْلصاً رَبَّ الفَلَقْ... فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله:
٣٧٠٠ - أجْرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أبِي كِبَاشِ...
406
ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه.
وقال أبو البقاء: عُدّي «وَسْوَسَ» ب «إلى» لأنه بمعنى أسرَّ، وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذَكَرَ له، أو تكون بمعنى لأجله.
قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ يعني على شجرة إن أكلتَ منها بَقيتَ مخلداً، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ أي مَنْ أكل هذه الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩] ورغَّبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ وفي انتظام المعيشة بقوله: ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ فكان الشيء الذي رغَّب (الله تعالى آدم) فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم - عليه السلام - مع كمال عقله وعلمه (بان الله تعالى مولاه وناصره ومريبه، وأعلمه) بأن عدوه حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أنّ هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره.
407
روى البخاريُّ ومسلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتك وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ ؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فحَجَّ آدمُ مُوسَى».
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «كَتَبَ الله مَقَادِير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعَرْشُهُ على الماء» وقال: «كل شيء خلقه بقدر حتى العَجْز والكَيْسُ» قوله: «فَأكَلاَ مِنْهَا» يعني آدم وحواء. ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾.
قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. وإنما جمع «سَوْآتِهِمَا» كما قال «» صَغَتْ قُلُوبُكُمَا «.
﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ قال الزمخشري: طَفِقَ بفعل كذا مثل
408
جعل يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرئ» يُخَصِّفان «للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة» فَغَوى «أي» فعل (ما لم يكن له فعله). وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده.
وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده).
قوله: «فَغَوَى» الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها.
وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى.
409
قال الزمخشري: زعم بعضهم «فَغَوى» فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ: فَنَا وَبَقَا، وهم بنو طيئ تفسير خبيث.
قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرئ بكسر الواو، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم - عليه السلام - إلى الغي.

فصل


تمسك بعضهم بقوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين:
أحدهما: أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ﴾ [الجن: ٢٣] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه.
الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه.
وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب.
فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد.
410
قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا: لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم - عليه السلام - إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في «غَوَى».
وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وأما التمسك بقوله: «فَغَوَى» فأجابوا عنه من وجوه:
أحدها: أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل: إنَّه غَوَى.
وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً.
وثانيها: قال بعضهم غَوَى أي: بَشَم من كثرة الأكل.
قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور:
411
أحدها: قال العُتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة.
وهذه الزلة لم تصدر عن آدم أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ فكذا هنا.
وثالثها: أن قولنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، (وغاوياً عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرأن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا.
ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره.
قوله: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ﴾ أي: اختاره واصطفاه، «فَتَابَ عَلَيْه» بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
قال عليه السلام: لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر.
قال وهب: لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: «لاَ إلَه إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ» فقالها آدم، ثم قال: قل «سُبْحَانَكَ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ عِمِلْتُ سوءاً وظلَمْتُ نلَفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ».
قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.
412
قوله :﴿ فَأكَلاَ مِنْهَا ﴾ يعني آدم وحواء. ﴿ فَبَدَتْ١ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ﴾.
قال ابن عباس : عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما٢. وإنما جمع " سَوْآتِهِمَا " كما قال " " صَغَتْ قُلُوبُكُمَا " ٣.
﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ قال الزمخشري : طَفِقَ بفعل كذا مثل جعل٤ يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ٥، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه٦ مسافة قصيرة٧. وقرئ " يُخَصِّفان " ٨ للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي : يلزقان الورق بسوآتهما٩ للتستر، وهو ورق التين١٠. قوله :﴿ وعصى آدَمُ رَبَّهُ ﴾ بأكل الشجرة " فَغَوى " أي " فعل ( ما لم يكن له فعله )١١. وقيل : أخطأ طريق الجنة وضلَّ١٢ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده١٣.
وقال ابن الأعرابي : أي : فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب١٤. قال ابن قتيبة : يجوز أن يقال : عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال : آدم عاصٍ١٥ ولا يقال : هو خياط ( حتى يعاوده ويعتاده١٦ )١٧.
قوله :﴿ فَغَوَى ﴾ الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها.
وقيل : معناه بشم من قولهم : غوي البعير١٨ بكسر الواو والياء إذا١٩ أصابه ذلك٢٠. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى٢١.
قال الزمخشري : زعم بعضهم " فَغَوى " ٢٢ فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا٢٣ وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها٢٤ ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ : فَنَا وَبَقَا٢٥، وهم بنو طيئ تفسير خبيث٢٦.
قال شهاب الدين : كأنه لم يطلع على أنه قرئ٢٧ بكسر الواو٢٨، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم -عليه السلام٢٩- إلى الغي٣٠.

فصل٣١


تمسك بعضهم٣٢ بقوله :﴿ وعصى آدَمُ رَبَّهُ فغوى ﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين :
أحدهما٣٣ : أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق٣٤ إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى٣٥ :﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ٣٦ خَالِدِينَ٣٧ فيها ﴾٣٨ ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه.
الثاني : أن الغواية والضلالة٣٩ اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه.
وأجيب٤٠ عن الأول : بأن المعصية مخالفة الأمر٤١، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول : أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع٤٢ إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم٤٣ ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب.
فإن قيل : وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز٤٤ والمجاز لا يطرد.
قلنا٤٥ : لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله٤٦ : يقال٤٧ أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا٤٨ : لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي٤٩ عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل٥٠. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز٥١ إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى٥٢ يقتضي الوجوب٥٣، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم -عليه السلام- إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف٥٤، لأنا٥٥ بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم : بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في " غَوَى ".
وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال :﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾٥٦.
وأما التمسك بقوله :" فَغَوَى " فأجابوا عنه من وجوه :
أحدها : أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل : إنَّه غَوَى.
وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً.
وثانيها : قال بعضهم غَوَى أي : بَشَم من كثرة الأكل٥٧.
قال ابن الخطيب : والأولى عندي في هذا الباب أن يقال : هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى٥٨، ولكن ليس لأحد أن يقول : إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور :
أحدها : قال العُتبي٥٩ : يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال : هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة.
وهذه الزلة لم تصدر عن آدم إلا مرة واحدة، فوجب أن لا يجوز إطلاق الاسم عليه.
وثانيها : أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن٦٠ أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ٦١ فكذا هنا.
وثالثها : أن قولنا : عاصٍ وغاوٍ٦٢ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، ( وغاوياً عن معرفة الله تعالى )٦٣ ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال : عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا.
ورابعها : أنه يجوز٦٤ من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره٦٥.
١ في ب: قوله: فبدت..
٢ الفخر الرازي: ٢٢/١٢٧..
٣ من قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤]. قال: "سوآتكما"، "قلوبكما" بالجمع، لأن كل عضو ليس في البدن منهما إلا عضو واحد فإن تثنيته بلفظ جمعه، والسوأة، والقلب ليس في البدن منهما إلا عضو واحد. انظر البيان ٢/٤٤٦، التبيان ٢/١٢٢٩..
٤ في الأصل: جعل كذا، وفي ب: مثل فعل. وهو تحريف..
٥ في ب: يفعل كذا، وهو تحريف..
٦ وبينه: سقط من الأصل. وفي ب: وبينهما..
٧ الكشاف ٢/٤٥٠. طفق، جعل، أخذ، أنشأ، من أفعال المقاربة وهذه الأفعال تدخل على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ اسما لها وتنصب الخبر خبرا لها، ولا يكون الخبر إلا جملة فعلية فعلها مضارع ويمتنع اقترانها بـ "أن" من المنافاة لأن المقصود بها الحال لأن معناها الشروع في الفعل، و"أن" لاستقبال. انظر شرح المفصل ٧/١٢٦ – ١٢٧..
٨ بكسر الخاء وتشديد الصاد – قراءة الحسن. المختصر ٩٠، والإتحاف ٣٠٨. جعلها من "يختصفان) فأدغم التاء في الصاد، وحرك الخاء بالكسر، لاجتماع الساكنين. انظر معاني القرآن للأخفش ٢/٥١٥..
٩ في ب: لسوآتهما. وهو تحريف..
١٠ انظر الكشاف ٢/٤٥٠..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..
١٢ وضل: سقط من ب..
١٣ انظر البغوي ٦/٤٦٣..
١٤ انظر البغوي ٦/٤٦٣..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ انظر تأويل مشكل القرآن ( ٤٠٣)..
١٧ ما بين القوسين في ب: حتى يعاونه ويعتاده. وهو تحريف..
١٨ غوى الفصيل: بشم من اللبن وفسد جوفه. والبشم: التخمة، وقيل هو أن يكثر من الطعام حتى يكربه. اللسان (غوى، بشم)..
١٩ في ب: بكسر الراء وإذا. وهو تحريف..
٢٠ انظر تأويل مشكل القرآن (٤٠٢)..
٢١ قال أبو البقاء: (وقرئ شاذا بالياء وكسر الواو، وهو من غوى الفصيل إذا بشم على اللبن، وليست بشيء) البيان ٢/٩٠٦..
٢٢ في ب: قال الزمخشري. وغوى غيره فغوى. وهو تحريف..
٢٣ في ب: هذا..
٢٤ في ب: ما بعدها. وهو تحريف..
٢٥ في ب: فيقول في نفي معنا. وهو تحريف..
٢٦ الكشاف ٢/٤٥٠..
٢٧ في ب: قرأ. وهو تحريف..
٢٨ وهي القراءة الذي حكاها أبو البقاء..
٢٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٠ الدر المصون : ٢/٤٠..
٣١ في ب: فإن قيل..
٣٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٢٧..
٣٣ في الأصل: الأولى..
٣٤ في الأصل: ينطلق. وهو تحريف..
٣٥ تعالى: سقط من ب..
٣٦ نار: سقط من الأصل..
٣٧ في النسختين خالدا. وهو تحريف..
٣٨ [الجن: ٢٣]..
٣٩ في ب: والضلال..
٤٠ في ب: والجواب..
٤١ في ب: والأمر. وهو تحريف..
٤٢ في ب: لم يمنع..
٤٣ اسم: سقط من ب..
٤٤ في ب: مجازا. وهو تحريف..
٤٥ في ب: فالجواب..
٤٦ في ب: قولك..
٤٧ يقال: سقط من ب..
٤٨ قلنا: سقط من ب..
٤٩ في الأصل: يروى..
٥٠ في ب: بالعقل. وهو تحريف..
٥١ في ب: لا يتحقق أي لا يجوز..
٥٢ تعالى: سقط من ب..
٥٣ من هنا سقط من ب، وأشرت إليه من بدايته لكثرته..
٥٤ في الأصل: ضعيفا..
٥٥ في الأصل: لا..
٥٦ من الآية: (٢٢) من سورة الأعراف..
٥٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٢٧ – ١٢٨..
٥٨ في النسختين : وإن دل على قوله: وعصى وغوى. وهو تحريف..
٥٩ هو محمد بن عبيد. من ولد عتبة بن أبي سفيان بن حرب، والأغلب عليه الأخبار وأكثر أخباره عن بني أمية وأيامهم، وكان العتبي شاعرا، وأصيب ببنين له فكان يرثيهم، وكان مستهترا بالشراب، مات سنة ٢٢٨ هـ. المعارف ٥٣٨..
٦٠ في النسختين: لم. والصواب ما أثبته..
٦١ في الأصل: زاني..
٦٢ في النسختين: عاصي وغاوي..
٦٣ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٦٤ في النسختين: أنه لا يجوز..
٦٥ الفخر الرازي ٢٢/١٢٨..
قوله :﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ ﴾ أي : اختاره واصطفاه، " فَتَابَ عَلَيْه " بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال :﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾١.
قال عليه السلام : لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر٢.
قال وهب : لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول :" لاَ إلَه إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ " فقالها آدم، ثم قال : قل " سُبْحَانَكَ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ عِمِلْتُ سوءاً وظلَمْتُ نفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ " ٣.
قال ابن عباس : هذه٤ الكلمات التي تلقاها آدم من ربه٥.
١ من قوله تعالى: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٩..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٩..
٤ في النسختين: هن..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٢٩..
قوله: ﴿قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ هنا سؤال وهو أن قوله: «اهْبِطَا» إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال بعده: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ وهو خطاب الجمع؟ وإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال: «اهْبِطَا» ؟ وأجاب أبو مسلك: بأن الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس ومعه ذريته، ولكونهما جنسين صح قوله: «اهْبِطَا» ولأجل اشتكال كل من الجنسين على الكثرة صح قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
وقال الزمخشري: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصل البشر اللذين منهما تفرعوا أنفسُهُما، فخوطِبَا مخاطبتهم، فقيل: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ على لفظ الجماعة.
ومن قال: بأنَّ أقَلَّ الجمع اثنان، أو بأنه يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فلا يحتاج إلىلتأويل.
قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ تقدم تفسيره.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ﴾ وهذا يدل على أن المراد الذرية والمراد بالهدى الرسل، وقيل: الآيات والأدلة، وقيل: القرآن.
«فَلاَ يَضِلُّ» في الدُّنيا، «وَلاَ يشقى» في الآخرة، لأنه تعالى يهديه إلى الجنة.
413
وقيل: لا يَضِلُّ ولا يَشْقَى في الدُّنْيَا. فإن قيل: المتبع لهدى الله قَدْ يَشْقَى في الدنيا.
فالجواب: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب آخر فلا بأس. ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتبق الله تعالى على ما تقدم.
قوله: «ضَنْكاً» صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور «ضَنْكاً» بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات.
وقرأت فرقة «ضنكى» بالف كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان:
أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسياتي منها بقية إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على (فَعَلَى) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة، يقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به.

فصل


قال جماعة من المفسرين: الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ [البقرة: ٦١] وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ
414
لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: ٦٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم) -: المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر.
وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع والزقوم، وشرابُهُم الحميم والغِسْلِين، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُون. وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هو ان يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها. وعن عطاء: المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير موقِنٍ بالثواب والعقاب.
وروي عنه - عليه السلام - أنَّه قال: عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ النعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله (تعالى).
قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى﴾
قرأ العامة «وَنَحْشُرُهُ» بالنون ورفع الفعل على الاستئناف.
وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء، وهي محتملة لوجهين:
أحدهما: أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله: «فَإنَّ لَهٌ مَعِيشَةً» فإنَّ محلها الجزم، فهي كقراءة: «مَنْ يُضْلِل اللهُ
415
فَلاَ هَادِي لَهُ وَيَذَرْهُم» بتسكين الراء.
والثاني: أنْ يكون السكون سكون تخفيف (نحو «يَأْمُرْكُم» وبابه).
وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك. وأبان بن تغلب في رواية «وَنَحْشُرُهْ» بسكون الهاء وصلاً، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف. و «أعْمَى» نصب على الحال.

فصل


قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: أعمى عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال القاضي: وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم اله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً،
416
ولا يليق بهذا قوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً»، ولم يكن كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر.
قوله: ﴿لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ اعلم أنَّ الله - تعالى - جعل هذا العمى جزاءً على تركه اتباع الهدى.
وقوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً» جملة حالية من مفعول «حَشَرْتَنِي». وفتح الياءَ من «حَشَرْتَنِي» قبل الهمزة نافع وابن كثير.
قوله: «كذلك أَتَتْكَ» قال أبو البقاء: «كَذَلِكَ» في موضع نصب أي: حَشَرْنَا مثل ذلك أو فَعَلْنَا مثل ذلك أو إتياناً مثل ذلك أو جزاءً مثل إعراضِك أو نسياناً وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها نصباً (على المصدر، وفي بعضها نصباً) على المفعول به.
ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال: أي: مثل ذلك فعلتَ أنْتَ، ثم فُسِّر بأنَّ آياتنَا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، فتركتَها وأعرضتَ عنها. ﴿وكذلك اليوم تنسى﴾ تُتْرَك في النار.
قوله: ﴿وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء نجزي «مَنْ أسْرَفَ» أي: أشرك، ﴿وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى﴾ مما يعذبهم في الدنيا (والقبر، «وَأبْقَى» وأدْوَمُ).
417
ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال :
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم١.
قوله :" ضَنْكاً " صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال : معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد٢. وقرأ الجمهور " ضَنْكاً " بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات٣.
وقرأت فرقة " ضنكى " بألف كسكرى٤. وفي هذه الألف احتمالان :
أحدهما : أنها بدل من التنوين٥، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسيأتي منها بقية إن شاء الله تعالى.
والثاني : أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على ( فَعَلَى ) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة٦، يقال منه : ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به٧.

فصل


قال جماعة من المفسرين : الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى :﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة ﴾٨ وقال :﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾٩، وقال :﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ١٠ بَرَكَاتٍ منَ السمآء والأرض ﴾١١ ١٢ وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو١٣ سعيد الخدري - ( رضي الله عنهم )١٤ - : المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر١٥.
وقال الحسن وقتادة والكلبي : هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع١٦ والزقوم١٧، وشرابُهُم الحميم١٨ والغِسْلِين١٩، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُون٢٠. وقال ابن عباس٢١ : المعيشة الضنك هو أن يضيق عليه أبواب٢٢ الخير فلا يهتدي لشيء منها٢٣. وعن عطاء : المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير٢٤ موقِنٍ بالثواب والعقاب٢٥.
وروي عنه -عليه السلام٢٦- أنَّه قال : عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ المعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله ( تعالى٢٧ )٢٨.
قوله :﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾
قرأ العامة " وَنَحْشُرُهُ " بالنون ورفع الفعل على الاستئناف.
وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء٢٩، وهي محتملة لوجهين :
أحدهما : أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل٣٠ جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله٣١ :" فَإنَّ٣٢ لَهٌ مَعِيشَةً " فإنَّ محلها الجزم٣٣، فهي كقراءة :" مَنْ يُضْلِل اللهُ فَلاَ هَادِي لَهُ وَيَذَرْهُم " ٣٤ بتسكين الراء٣٥.
والثاني : أنْ يكون السكون سكون تخفيف ( نحو " يَأْمُرْكُم " ٣٦ وبابه )٣٧.
وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك٣٨. وأبان بن تغلب في رواية " وَنَحْشُرُهْ " بسكون الهاء وصلاً٣٩، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب٤٠ وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف٤١. و " أعْمَى " نصب على الحال٤٢.

فصل


قال ابن عباس : أعمى البصر٤٣. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل : أعمى٤٤ عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس٤٥.
قال القاضي : وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم الله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز٤٦ لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، ولا يليق بهذا قوله :﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾، ولم يكن٤٧ كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر٤٨.
١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٠. بتصرف..
٢ يقع المصدر نعتا كثيرا، وكان حقه أن لا ينعت به لجموده، ولكن وقوعه نعتا قصدا للمبالغة أو توسعا بحذف مضاف، وهو عند الكوفيين على التأويل بالمشتق، ويلزم حينئذ الإفراد والتذكير، نحو رجل عدل، وامرأة عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل. قال ابن مالك:
ونـعـتوا بمـصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا
انظر شرح الأشموني ٣/٦٤..

٣ وذلك لأن الوقف على النون المنصوب غير المؤنث بالتاء يكون بإبدال التنوين ألفا. انظر التبيان ٢/٩٠٧، البحر المحيط ٦/٢٨٧، شرح التصريح ٢/٣٣٨..
٤ وهي قراءة الحسن. المختصر: (٩٠)، البحر المحيط ٦/٢٨٦..
٥ كقراءة الجمهور في حال الوقف، وهنا بالألف وصلا ووقفا إجراء للوصل مجرى الوقف كما بين ابن عادل..
٦ قال الزجاج: (الضنك أصله في اللغة الضيق والشدة، ومعناه – والله أعلم – أن هذه المعيشة الضنك في نار جهنم. وأكثر ما جاء في التفسير أنه عذاب القبر) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٨..
٧ انظر اللسان (ضنك)..
٨ [البقرة: ٦١]..
٩ [المائدة: ٦٦]..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ [الأعراف: ٩٦]..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠..
١٣ في الأصل: وأبي. وهو تحريف..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠..
١٦ الضريع: نبت يقال له الشبرق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس. اللسان (ضرع)..
١٧ الزقوم: شجرة غبراء صغيرة الورق مدورتها لا شوك لها، لها كعابر في سوقها كثيرة، ولها وريد ضعيف جدا يجرسه النحل. ونورتها بيضاء، ورأس ورقها قبيح جدا، اللسان (زقم)..
١٨ الحميم: الماء الحار. اللسان (حمم)..
١٩ الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار كالقيح وغيره كأنه يغسل عنهم. اللسان (غسل)..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠- ١٣١..
٢١ في ب: وقال الضحاك وابن عباس..
٢٢ في ب: أسباب..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٤ في ب: عز وهو تحريف..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٩ المختصر ٩٠، المحتسب ٢/٦٠، البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٣٠ في ب: على نسق. وهو تحريف..
٣١ في ب: من له. وهو تحريف..
٣٢ فإن: سقط من ب..
٣٣ لأنها جواب الشرط الذي في قوله: "ومن أعرض عن ذكري" وكأنه قال: ومن أعرض عن ذكري يعش عيشة ضنكا ونحشره. والعطف على المحل. والعطف على المحل يجوز كما يجوز العطف على اللفظ نحو ليس زيد بقائم ولا قاعدا بالنصب، وله عند المحققين ثلاثة شروط: أحدها إمكان ظهوره في الفصيح، ألا ترى أنه يجوز في المثال السابق أن تسقط الباء فتنصب، فعلى هذا لا يجوز مررت بزيد وعمرا خلافا لابن جني، لأنه لا يجوز مررت زيدا. ولا تختص مراعاة الموضع بأن يكون العامل في اللفظ زائدا كما مثلنا، بدليل قوله: فإن لم نجد من دون عدنان والدا... ودون معد فلتزعك العواذل فـ (دون معد) منصوب، وهو معطوف على محل (من دون عدنان) وظهر النصب في المعطوف، لأن العامل وهو (وجد) كما يتعدى إلى ثاني مفعوليه بـ (من) يتعدى إليه بنفسه.
الثاني أن يكون الموضع بحق الأصالة، فلا يجوز هذا ضارب زيدا وأخيه، لأن الوصف المستوفي لشروط العمل الأصل إعماله لا إضافته لالتحاقه بالفعل.
الثالث وجود المحرز، أي الطالب لذلك المحل، وهذا الشرط اشترطه بعض البصريين، ولم يشترطه الكوفيون. وانظر المحتسب ٢/٢٨٧، المغني ٢/٤٧٣ – ٤٧٦..

٣٤ [الأعراف: ١٨٦]..
٣٥ وهي قراءة حمزة والكسائي. "ويذرهم" على هذه القراءة معطوف على محل قوله: "فلا هادي له" فهو في محل جزم لأنه جواب الشرط. انظر السبعة (٢٩٩) الكشف ١/٣٨٠..
٣٦ من قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] وذلك لأنهم كرهوا أن يتوالى في كلامهم في كلمة واحدة أربع متحركات أو خمس ليس فيهن ساكن. وقرأ بالتخفيف أبو عمرو. وانظر الكتاب ٤/٢٠٢، السبعة ١٥٥..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٣٩ المختصر (٩٠) الكشاف ٢/٤٥١، البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٤٠ فإنهم يسكنون مثل هذه الهاء. البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٤١ انظر الكشاف ٢/٤٥١..
٤٢ من الهاء في "نحشره" التبيان ٢/٩٠٧..
٤٣ انظر البغوي ٥/٤٦٦..
٤٤ أعمى: سقط من ب..
٤٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٤٦ في الأصل: يميز..
٤٧ في ب: إن لم يكن. وهو تحريف..
٤٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
قوله :﴿ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ اعلم أنَّ الله -تعالى١- جعل هذا العمى جزاءً على تركه اتباع الهدى.
وقوله :﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ جملة حالية من مفعول " حَشَرْتَنِي ". وفتح الياءَ من " حَشَرْتَنِي " قبل الهمزة نافع وابن كثير٢.
١ في ب: اعلم أنه تعالى..
٢ الكشف ٢/١٠٩، الإتحاف (٣٠٨)..
قوله :﴿ كذلك أَتَتْكَ ﴾ قال أبو البقاء :" كَذَلِكَ " في موضع نصب أي : حَشَرْنَا١ مثل ذلك أو فَعَلْنَا مثل ذلك أو إتياناً مثل ذلك أو جزاءً مثل إعراضِك أو نسياناً٢ وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها نصباً ( على المصدر، وفي بعضها نصباً )٣ على المفعول به.
ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال : أي : مثل ذلك فعلتَ أنْتَ، ثم فُسِّر بأنَّ آياتنَا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، فتركتَها وأعرضتَ عنها٤. ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تُتْرَك في النار.
١ في النسختين: حشرا..
٢ التبيان ٢/٩٠٧..
٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤ الكشاف ٣/٤٥١..
قوله :﴿ وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء نجزي١ " مَنْ أسْرَفَ " أي : أشرك، ﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ مما يعذبهم في الدنيا ( والقبر، " وَأبْقَى " وأدْوَمُ )٢.
١ فالكاف في "وكذلك" في موضع نصب على المفعول به..
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ في فاعل (يَهْدِ) أوجه:
أحدها: أنه ضمير الباري تعالى، ومعنى (يَهْدِي) يُبَيِن، ومفعول (يَهْدِي)
417
محذوف تقدره: أفلم يُبَيِّن اللهُ لهم العبرَ وفعله بالأمم المكذبة.
قال أبو البقاء: وفي فاعله وجهان:
أحدهما: ضمير اسم الله تعالى وعلَّق (بَيَّن) هنا، إذا كانت بمعنى أعلم كما علقه في قوله تعالى ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥].
قال أبو حيَّان: و «كَمْ» هنا خبرية، والخبرية لا تعلِّق العامل (عنها).
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون فيه ضمير الله، أو الرسول، ويدل عليه القرءان بالنون.
الوجه الثاني: أنَّ الفاعل مضمر يفسره ما دلَّ عليه من الكلام بعده، قال الحوفي: «كَمْ أهْلَكْنَا» قد دَلَِّ على هلاك القرون التقدير: أَفَلَمْ نُبَيِّن لَهُمْ هَلاَكَ من أهلكنا من القرون ومَحْونا آثارَهم فيتعِظُوا بذَلِك.
وقال أبو البقاء: الفاعل ما دَلَّ عليه «اهْلَكْنا» أي إهْلاَكنا والجملة مفسرة له.
الوجه الثالث: أنَّ الفاعل نفس الجملة بعده.
قال الزمخشري: فاعل «لَمْ يَهْدِ» الجملة بعد يريد: أَلَمْ يَهْدِ لَهُم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ [الصافات: ٧٨، ٧٩] أي: تركنا عليه هذا الكلام.
قال أبو حيَّان: وكونُ الجملة فاعل «يَهْدِ» هو مذهب كوفيّ، وأما تشبيهه وتنظيره بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ [الصافات: ٧٨، ٧٩] فإن «تَرَكْنَا» معناه هذا القول فحكيتْ به الجملة، فكأنه قيل: وقُلْنَا عليه، وأطلقنا عليه هذا اللفظ، (والجملة تُحكَى بمعنى القول كما تُحْكَى بالقول).
418
الوجه الرابع: أنه ضمير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه هو المبيّن لهم بما يوحى إليه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، وهذا الوجه تقدم نقلُه عن الزمخشري.
الوجه الخامس: أنَّ الفاعلَ محذوف، نقل ابن عطية عن بعضهم: أنَّ الفاعل مقدر تقديره: الهُدَى أو الأمرُ أو النَّظَرُ والاعتبارُ.
قال ابن عطيَّة: وهذا عندي أحسن التقادير.
قال أبو حيان: وهو قول المبرِّد، وليس بجيد إذ فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينه أن يقال: الفاعل مضمرٌ تقديره: يَهْدِ هُوَ أي: الهُدَى قال شهاب الدين: ليسَ في هذا القول أن الفاعل محذوف بل فيه أنه مقدر، ولفظ مقدَّر كثيراً ما يستعمل في المضمر. وأما مفعول «يَهْدِ» ففيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف.
والثاني: أن يكون الجملة من «كَمْ» وما في خبرها، لأنها معلقة له، فهي سادة مسد مفعوله.
419
الوجه السادس: أن الفاعل «كَمْ» - قاله الحوفي، وأنكره على قائله لأن «كَمْ» استفهام لا يعمل فيها ما قبلها.
قال أبو حيَّان: وليست «كَمْ» هنا استفهامية بل هي خبرية.
واختار أن يكونَ الفاعل ضمير الله تعالى، فقال: وأحسَنُ التخاريج أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى، كأنَّه قال أَفَلَمْ يبيَّن الله، ومفعول يبين محذوف، أي العبرَ بإهلاك القرون السابقة، ثم قال: «كَمْ اهْلَكْنَا» أي: كثيراً أهلكنَا، ف «كَمْ» مفعولة ب «أهْلَكْنَا» والجملة كأنها للمفعول المحذوف ل «يَهْدِ».
قال القفَّال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيِّناً لهم كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً. وقرأ ابنُ عباس وأبو عبد الرحمن السلمي «أَفَلَمْ نَهْدِ» بالنون المؤذنة بالتعظيم. قال الزجاج: يعني أفَلَمْ نبيَِّن لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا.
وقوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» فالمراد به المبالغة في كثرة مَنْ أهلكه الله تعالى من القرون الماضية. قوله: «مِنَ القُرونِ» في مجحل نصب (نعت ل «كَمْ» ) لأنَّها نكرة ويضعف جعلُه حالاً من النكرة، ولا يجوز أن يكون تمييزاً على قواعد البصريين
420
و «مِن» داخلة عليه على حد دخولها على غيره من التمييزات لتعريفه.
قوله: «يَمْشُونَ» حال من «القُرونِ»، أو من مفعول «أَهْلَكْنَا» والضمير على هذين عائد على القرون المهلكة، ومعناه: إنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ وَهُمْ في حال أمنٍ وَمَشْيٍ وتقلُّب في حاجاتهم كقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «لَهُمْ»، والضمير في «يَمْشُونَ» على هذا عائد على مَنْ عادَ عليه الضمير في «لَهُمْ» وهم المشركون المعاصرون لرسول الله - صلى الله عيله وسلم - والعامل فيها «يَهْدِ». والمعنى: إنَّكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفة وتتصرفون في بلادهم فينبغي أن تعتبروا لئلا يحلّ بكُم ما حلَّ بهم.
وقرأ ابن السميفع «يُمَشَّوْنَ» مبنيًّا للمفعول مضعفاً، لأنه لما تعدَّى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول.

فصل


المعنى: أَو لَمْ نبيِّن القرآن أو مَا تقدم من المقادير لكفَّار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديارهم إذا سافَرُوا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام، فيروْنَ ديار المهلكين من أصحاب الحِجْر، وثَمُود، وقرى لوط ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾ لذوي العقول. ثم بيَّن تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كفر بمحمد - عليه السلام - فقال: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (وفيه تقديم وتأخير)، والتقدير: ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجل مسمى لكانَ لزاماً.
والكلمة في الحكم بتأخير العذاب عنهم أي: وَلَوْلاَ حكمٌ سبقت بتأخير العذاب عنهم «وَأَجَلٌ مًسَمًّى» هو القيامة، (وقيل: يَوْمَ بَدْر). قوله: «وَأَجَلٌ مُسَمًّى» في رفعه وجهان:
421
أظهرهما: عطفه على «كَلِمَةٌ»، أي: ولوْلاَ أجلٌ مُسَمًّى لكان العذاب لزاماً لهم.
والثاني: جوَّزه الزمخشري، وهو أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق، وقام الفصل بالخبر مقام التأكيد، والتقدير: ولوْلاَ كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعادٍ وثمود، ولم ينفرد الجل المسمى دون الأخذ العاجل، فقد جعل اسم «كَانَ» عائداً على ما دلَّ عليه السياق، إلا أنَّه قد يشكل عليه مسألة وهي أنه قد جوَّز في (لزاماً) وجهين:
أحدهما: أن يكونَ مصدرَ (لازم) كالخصام، ولا إشكال على هذا.
والثاني: أن يكون وصفاً على (فِعَال) بمعنى مُفْعِل أي: ملزم، كأنه ىلة اللزوم، لفرط لزومه، كما قالوا: لِزَازٌ خَصِمٌ، وعلى هذا فيقال: كان ينبغي أن يطابق في التثنية، فيقال: لزامين بخلاف كونه مصدراً فإنه يفرد على كل حال. وجوَّز أبو البقاء أن يكون «لِزَاماً» جمع «لاَزِم» كقيام جمع قائِم.
422

فصل


والمراد انَّ أمة محمد - عليه السلام - وإن كذَّبُوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما فعل بغيرهم من الاستئصال، وذلك لأنَّه عَلِم أن فيهم من يؤمن. وقيل: علم أنَّ في نسلِهِم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب لعمهم الهلاك. وقيل: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا الله تعالى.
وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص مَنْ يشاء بفضله ومَن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدوم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ثم إنَّه تعالى لما أخبر نبيَّه بأنه لا يُهْلِكُ أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر فقال: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أي من تكذيبهم النبوة، وقيل: تركهم القبول.
قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صَلِّ بأمر ربك. وقيل: صَلِّ لله بالحمْدِ له، والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥].
قوله: «بِحَمْدِ رَبِّك» حال أي: وأنتَ حامدٌ لربِّك على أنه وفقك للتسبيح وأعانك عليه. واختلفوا في التسبيح على قوليْن، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس فيه، ف ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ هو الفجر، وقيل؛ «غروبها» الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ﴾ يعني المغرب والعتمة، ويكون قوله: «
423
وَأطْرَافَ النَّهَار» كالتوكيد للصَّلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما اختصت الوسطى بالتوكيد.
الثاني: أنَّ المرادَ الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخليْن في هاتيْن العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار﴾ للنوافل.
الثالث: أن المراد أربع صلوات، فقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ للفجر «وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» للعصر، ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجاً.
وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن المراد بالصَّلاة الوُسْطى صلاة الظهر، لأن قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس أوْلَى من التأكيد، والأول أولى. هذا إذا حَمَلْنَا التسبيح على الصلاة.
وقال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: «وَأَطْرَافَ النهار» ؟ بل الأولى أن يقول كما قال: ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار﴾ [هود: ١١٤].
فالجواب: من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال: إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود. وقوله: ﴿مِنْ آنَآءِ الليل﴾ متعلق ب «سَبِّحْ» الثانية. قوله: «وَأَطْرَافَ» العامة على نصبه، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على محل ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾.
والثاني: انه عطف على «قَبْل».
وقرأ السحن وعيسى بن عمر «وأطرافِ» بالجر عطفاً على «آناءِ اللَّيل» وقوله هنا «أطْرَافَ» وفي هود «طَرَفَيْ النَّهَارِ»، فقيل: هو من وضع الجمع موضع التثنية كقوله:
424
٣٧٠١ - ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن... وقيل: هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات.
قوله: «تَرْضَى» قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم «تُرْضَى» مبنيًّا للمفعول.
والباقون مبنيًّا للفاعل، وعليه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] والمعنى: ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من الثواب على ضم التاء كقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم: ٥٥].
425
- ثم بيَّن تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كفر بمحمد -عليه السلام-note text-primary mx-٢" href="#foonote-١">١.
فقال :﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ ( وفيه تقديم وتأخير )٢، والتقدير : ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجل مسمى لكانَ لزاماً٣.
والكلمة في الحكم بتأخير العذاب عنهم أي : وَلَوْلاَ حكمٌ سبقت بتأخير العذاب عنهم " وَأَجَلٌ مًسَمًّى " هو القيامة، ( وقيل : يَوْمَ بَدْر )٤ ٥. قوله :﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾ في رفعه وجهان :
أظهرهما٦ : عطفه على " كَلِمَةٌ "، أي : ولوْلاَ أجلٌ مُسَمًّى لكان العذاب لزاماً لهم٧.
والثاني : جوَّزه الزمخشري، وهو أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق٨، وقام الفصل٩ بالخبر مقام التأكيد، والتقدير : ولوْلاَ كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعادٍ وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل١٠، فقد جعل اسم " كَانَ " عائداً على ما دلَّ عليه السياق، إلا أنَّه قد يشكل عليه مسألة وهي أنه قد جوَّز في ( لزاماً )١١ وجهين :
أحدهما١٢ : أن يكونَ مصدرَ ( لازم )١٣ كالخصام، ولا إشكال على هذا١٤.
والثاني : أن يكون وصفاً على ( فِعَال )١٥ بمعنى مُفْعِل أي : ملزم١٦، كأنه آلة اللزوم، لفرط لزومه، كما قالوا : لِزَازٌ١٧ خَصِمٌ١٨، وعلى هذا فيقال١٩ : كان٢٠ ينبغي أن يطابق في التثنية، فيقال : لزامين بخلاف كونه مصدراً فإنه يفرد على كل حال. وجوَّز أبو البقاء٢١ أن يكون " لِزَاماً " جمع " لاَزِم " كقيام جمع قائِم٢٢.

فصل


والمراد أن أمة محمد٢٣ -عليه السلام٢٤- وإن كذَّبُوا فسيؤخرون ولا يفعل٢٥ بهم ما فعل بغيرهم من الاستئصال، وذلك لأنَّه عَلِم أن فيهم٢٦ من يؤمن. وقيل : علم أنَّ في نسلِهِم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب لعمهم الهلاك. وقيل : المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا الله تعالى٢٧.
وقال أهل السنة : له بحكم المالكية٢٨ أن يخص مَنْ يشاء بفضله ومَن شاء٢٩ بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة٣٠ لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدوم٣١ الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل٣٢.
١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه: والكلمة هي الحد..
٣ في الأصل كررت الآية بدون تقدير التقديم والتأخير انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٢ – ١٣٣..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: الأول..
٧ فيكون فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب (لولا)، وهو كان واسمها وخبرها، لمراعاة الفواصل ورؤوس الآي. انظر الكشاف ٢/٤٥١، البيان ٢/١٥٥، التبيان ٢/٩٠٨، والبحر المحيط ٦/٢٨٩..
٨ في ب: بالحسبان. وهو تحريف. وهذا الضمير اسم (كان)..
٩ في ب: الفعل. وهو تحريف، وفي الأصل: الفعل. ثم استدرك في الهامش (الفصل)..
١٠ أشار بهذا إلى أنه كان من حق العطف على الضمير المستتر أن يؤكد بالضمير المنفصل، فكان يقال: لكان هو لزاما وأجل مسمى، لكن الفصل بخبر كان قام مقام التأكيد بالضمير المنفصل، قال ابن مالك:
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما، فالفصل بالخبر هنا من قبيل قوله: أو فاصلي ما. انظر شرح الأشموني ٣/١١٣ – ١١٤.
قال الزمخشري: (أو على الضمير في (كان) أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل) الكشاف ٢/٤٥١..

١١ في الأصل: لزامه..
١٢ في ب: الأول..
١٣ في ب: مصدرا لازما..
١٤ لأن المصدر يخبر به عن المثنى والجمع بلفظ المفرد. انظر الكشاف ٢/٤٥١، والتبيان ٢/٩٠٨، البحر المحيط ٦/٢٨٩..
١٥ في الأصل: فعلان. وهو تحريف..
١٦ في ب: بمعنى يفعل أي يلزم. وهو تحريف..
١٧ في ب: لزام. وهو تحريف..
١٨ الّلزّ: لزوم الشيء بالشيء، ولزاز خصم أي: لازم. الكشاف ٢/٤٥١، البحر المحيط ٦/٢٨٩..
١٩ في الأصل فقال..
٢٠ في ب: لكان..
٢١ أبو البقاء: سقط من ب..
٢٢ في ب: قاله أبو البقاء. التبيان ٢/٩٠٨. وبهذا يخرج من الإشكال الموجود في الوجه الثاني..
٢٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
٢٤ في ب: صلى الله عليه..
٢٥ في ب: ولم يفعل..
٢٦ أن: سقط من الأصل..
٢٧ تعالى: سقط من ب..
٢٨ في ب: الملائكة. وهو تحريف..
٢٩ في ب: يشاء..
٣٠ في ب: إذ لو كان بعلة..
٣١ في ب: قدم..
٣٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
ثم إنَّه تعالى لما أخبر نبيَّه بأنه لا يُهْلِكُ أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر فقال :
﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ أي من تكذيبهم النبوة، وقيل : تركهم القبول١.
قال الكلبي ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية القتال٢. ثم قال :﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي : صَلِّ بأمر ربك. وقيل : صَلِّ لله بالحمْدِ له، والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى :﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾٣.
قوله :﴿ بِحَمْدِ رَبِّك ﴾ حال أي : وأنتَ حامدٌ لربِّك على أنه وفقك للتسبيح وأعانك عليه٤. واختلفوا٥ في التسبيح٦ على قوليْن، فالأكثرون٧ على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه :
الأول : أنَّ٨ المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس : دخلت الصلوات الخمس فيه، ف ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس ﴾ هو الفجر٩، وقيل ؛ " غروبها " الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب ﴿ وَمِنْ آنَآءِ١٠ الليل فَسَبِّحْ ﴾ يعني١١ المغرب والعتمة، ويكون قوله :﴿ وَأطْرَافَ النَّهَار ﴾ كالتوكيد للصَّلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما اختصت الوسطى بالتوكيد.
الثاني : أنَّ١٢ المرادَ الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخليْن في هاتيْن العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله :﴿ وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار ﴾ للنوافل.
الثالث : أن المراد أربع صلوات، فقوله :﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس ﴾ للفجر " وَقَبْلَ غُرُوبِهَا " للعصر، ﴿ وَمِنْ آنَآءِ الليل ﴾ المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجاً.
وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل١٣ بهذه الآية على أن المراد بالصَّلاة الوُسْطى صلاة الظهر، لأن قوله :﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصلوات ﴾١٤ المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس أوْلَى من التأكيد، والأول أولى١٥. هذا إذا١٦ حَمَلْنَا التسبيح على الصلاة.
وقال أبو مسلم : لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل١٧ : النهار له طرفان، فكيف قال :" وَأَطْرَافَ النهار " ؟ بل الأولى أن يقول١٨ كما قال :﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار ﴾١٩.
فالجواب : من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال : إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود٢٠. وقوله :﴿ مِنْ آنَآءِ٢١ الليل ﴾ متعلق ب " سَبِّحْ " الثانية. قوله :" وَأَطْرَافَ " العامة على نصبه، وفيه وجهان :
أحدهما٢٢ : أنه عطف على محل ﴿ وَمِنْ آنَاء الليل ﴾.
والثاني : انه عطف على " قَبْل " ٢٣.
وقرأ السحن وعيسى بن عمر " وأطرافِ " بالجر عطفاً على " آناءِ اللَّيل " ٢٤ وقوله هنا " أطْرَافَ " وفي هود " طَرَفَيْ النَّهَارِ " ٢٥، فقيل٢٦ : هو من وضع الجمع٢٧ موضع التثنية كقوله :
ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن٢٨ ***. . .
وقيل : هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات٢٩.
قوله :" تَرْضَى " قرأ الكسائي٣٠ وأبو بكر عن عاصم " تُرْضَى " مبنيًّا للمفعول٣١.
والباقون مبنيًّا للفاعل٣٢، وعليه ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾٣٣ والمعنى : ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من الثواب على ضم التاء كقوله :﴿ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾٣٤.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
٢ المرجع السابق..
٣ [البقرة: ٤٥]. وانظر المرجع السابق..
٤ انظر المرجع السابق والبحر المحيط ٦/٢٩٠..
٥ في ب: فصب اختلفوا..
٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣..
٧ في ب: والأكثرون..
٨ أنّ: سقط من ب..
٩ في ب: فقيل طلوع وهي الفجر. وهو تحريف..
١٠ آناء: سقط من ب..
١١ يعني: سقط من ب..
١٢ أن: سقط من ب..
١٣ في ب: يستدلوا..
١٤ من قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]..
١٥ في ب: أقوى..
١٦ في ب: إن..
١٧ في ب: فإن قلت..
١٨ في ب: يقال..
١٩ من قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤]..
٢٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٣- ١٣٤..
٢١ في ب: ومن..
٢٢ في ب: الأول..
٢٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٠..
٢٤ المختصر: (٩٠)، البحر المحيط ٦/٢٩٠، الإتحاف: ٣٨٠..
٢٥ [هود: ١١٤]..
٢٦ في ب: وقيل..
٢٧ في النسختين: الجمل. والصواب ما أثبته..
٢٨ من السريع، قاله خطام المجاشعي أو هميان بن قحافة، وهو في الكتاب ٢/٨٤، ٣/٦٢٢، إعراب القرآن المنسوب للزجاج ٣/٧٨٧ المخصص ٩/٧، ابن يعيش ٤/١٥٥، ١٥٦، المقاصد النحوية ٤/٧٩ الأشموني ٣/٧٤، حاشية يس ٢/١٢٢، الخزانة ٧/٥٤٤ شواهد الشافية ٤/٩٤. الترس: بالضم ما يتقى به الضرب من السلاح. وصف فلاتين لا نبت فيهما. والشاهد فيه جواز إطلاق لفظ الجمع على المثنى، قال سيبويه (وسألت الخليل – رحمة الله – عن ما أحسن وجوهما؟ فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا ذاك) الكتاب ٢/٤٨..
٢٩ انظر التبيان ٢/٩٠٨..
٣٠ في ب: قرأ الكسائي وأبو عمرو. وهو تحريف..
٣١ والذي قام مقام الفاعل هو النبي – صلى الله عليه وسلم – والفاعل هو الله جل ذكره تقديره: لعل الله يرضيك بما يعطيك يوم القيامة، ولعل من الله واجبة. انظر الكشف ٢/١٠٧..
٣٢ السبعة (٤٢٥)، الحجة لابن خالويه (٢٤٨)، الكشف ٢/١٠٧، النشر ٢/٢٢ الإتحاف (٣٠٨). جعلوا الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: لعلك ترضى بما يعطيك..
٣٣ الآية (٥) من سورة الضحى..
٣٤ من قوله تعالى: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا﴾ [مريم: ٥٥]..
قوله: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ قيل: المراد منه نظر العين، وهؤلاء قالوا: مَدَّ النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور وإعجاباً به، كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: ﴿ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] حتى واجههم أولو العِلْم والإيمان فقالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [القصص: ٨٠] وفيه أن النظر غير الممدود يعفى عنه كنظر الإنسان إلى الشيء مرةً ثم
425
يغض. ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطبائع قيل: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد المتقون في وجوب غضِّ البصر عن ابنية الظلمة، ولباس الفسقة، ومراكبهم وغير ذلك، لأنهم اتَّخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغرى لهم على اتخاذها. قال أبو مسلم: ليس المنهي عنه هنا هو النظر بل هو الأسف، أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا.
قال أبو رافع: نزل ضيفٌ بالرسول - عليه السلام - فبعثني إلى يهوديٍّ، فقال قل له: إن رسول الله يقول: يعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى هلال رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: والله لا ابيعه ولا أسلفه إلا بهن، فأتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأخبرته بقوله فقال: «والله لَئِنْ باعَنِي وأسْلَفَنِي لقضيتُهُ، وَإنِّي لأَمشينٌ فِي السَّمَاءِ وَآمِينٌ فِي الأَرْضِ اذْهَبْ بِدِرْعِي الحديد إليه» فنزلت هذه الآية. وقال عليه السلام: «إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلاَ إلَى أَمْوَالِكُمْ ولكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ».
وقال أبو الدرداء: الدنيا دارُ مَنْ لا دارَ له، ومالُ مَنْ لا مالَ له، ولها يجمع من لا عقلَ له. وعن الحسن: لَوْلاَ حمقُ الناس لخربت الدُّنيا.
وعن عيسى ابن مريم - عليه السلام - لا تَتَّخِذُوا داراً فتتخذكم لها عبيداً.
426
وعن عروة بن الزبير كان إذَا رَأى ما عِنْدَ السلطان يتلو هذه الآية، وقال: الصلاة يرحمكم الله قوله: «أزواجاً» في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوبٌ على المفعول به. والثاني: أنَّه منصوب على الحال من الهاء في «بِهِ».
راعى لفظ «مَا» مرده فأفرد، ومعناها أخرى فلذلك جمع.
قال الزمخشري: ويكون الفعل واقعاً على «مِنْهُم» كأنه قال: إلى الذين متَّعْنا به وهو أصناف منهم. قال ابن عباس: أناساً منهم. قال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم. قوله: «زَهْرَة» في نصبه تسعة أوجه:
أحدها: أنَّه مفعول ثانٍ، لأنه ضَمَّن «مَتَّعْنَا» معنى أعطينا، ف «أزْوَاجاً» مفعول أول، و «زَهْرَةَ» هو الثاني.
الثاني: أن يكون بدلاً من «أزواجاً»، وذلك إما على حذف مضاف أي ذوي زهرة، وإمَّا على المبالغة جعلوا نفس الزهرة.
الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مضمرٍ دلَّ عليه «مَتَّعْنَا» تقديره: جَعَلنَا لهم زهرة
الرابع: نصبه على الذم، قال الزمخشري: وهو النصب على الاختصاص.
الخامس: أن يكون بدلاً من موضع الموصول، قال أبو البقاء: واختاره
427
بعضهم، وقال آخرون: لا يجوز، لأن قوله: لِنَفْتِنَهُمْ «من صلة» مَتَّعْنَا «فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي. وهو اعتراض حسن.
السادس: أن ينتصب على البدل من محل»
بِهِ «.
السابع: أن ينتصب على الحال من»
مَا «الموصولة.
الثامن: أنه حالٌ من الهاء في»
بِهِ «، وهو ضمير الموصول، فهو كالذي قبله في المعنى.
فإن قيل: كيف يقع الحال معرفة؟
فالجواب: أن تجعل»
زَهْرَة «منونة نكرة، وإنما حذف التنوين للالتقاء الساكنين نحو:
٣٧٠٢ - وَلاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّ قَلِيلا... وعلى هذا: فبم (جُرَّت»
الحَيَاةِ «؟ فقيل: على البدل من» مَا «الموصولة).
التاسع: أنه تمييز ل»
مَا «أو الهاء في» بِهِ «وقد ردوه عليه بأنه
428
معرفة والمميز لا يكون معرفة، وهذا غير لازم، لأنه يجوز تعريف التمييز على أصول الكوفيين.
والعاشر: أنه صفة ل» أزْوَاجاً «بالتأويلين المذكورين في نصبه حالاً وقد منعه أبو البقاء يكون الموصوف نكرة والوصف معرفة، وهذا يجاب عنه بما أجيب في تسويغ نصبه حالاً أعني حذف التنوين للالتقاء الساكنين. والعامة على تسكين الهاء، وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حَيْوة بفتحها، فقيل: بمعنى كَجَهْرَة وجَهْرَة. وأجاز الزمخشري أن يكونَ جمع زاهر كفَاجِر وفَجَرة وبَارّ وبَرَرَة وروى الأصمعي عن نافع» لِنُفْتِنهُمْ «بضم النون من أقتنه إذا اوقعه في الفتنة والزَّهْرة بفتح الحاء وسكونها كَنَهر ونهْر ما يروق من النور وسراج زاهر لبريقه ورجل أزهر وامرأة زهراء من ذلك والأنجم الزهرُ هي المضيئة.

فصل


معنى»
مَتَّعْنَا «ألذَذَْنَا به، والإمتاع: الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من
429
الأصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال: أَمْتَعَه ومتَّعه تمتيعاً، والتفعيل يقتضي التكثير. ومعنى الزهرة فيمن حرَّك الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة قرئ» أَرِنَا الله جَهْرَةً}. وقيل: جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زَهْرَة هذه الحياة الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلُّلِ وجوههم بخلاف ما عليه الصُّلحاء من شُحُوب الألوان والتقشف في الثياب. ومعنى «نَفْتِنَهُمْ» نُعَذِّبَهُم كقوله: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال ابن عباس: لنجعل ذلك فتنةً لهم بأن أزيد لهم في النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً. ثم قال: «وَرِزْقُ رَبِّك» في المعاد يعني في الجنة «خَيْرٌ وَأَبْقَى» أي: خير من مطلبوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع، وليس كذلك حال ما أتوه في الدنيا.
ويحتمل أن ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة، ورضيت به، وصبرت عليه كانت عاقبته خيراً لك. ويحتمل أن يكون المراد ما أعطي من النبوة والدرجات الرفيعة. قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ أي: قَوْمك.
وقيل: مَنْ كان على دينك كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥] وحمله بعضهم على أقاربه.
«واصْطَبِرْ عليها» أي: اصبِرْ على الصلاة وحافظ عليها فإنها تَنْهى عن الفحشاء والمنكر. وكان رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعدَ نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ - عليهما السلام - في كلِّ صباحٍ ويقول: «الصَّلاة». ثم بيَّن تعالى أنَّما أمرهم بذلك لنفعهم وأنه متعال عن المنافع، فقال: ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا، ولا أن ترزق نفسَك، وإنما نكلفُكَ عَمَلاً فَفَرِّغْ بالَك لأمر الآخرة،
430
كما قال بعضهم: مَنْ كان في عمل الله كان الله في عمله. وقال أبو مسلم: معناه إنما يُريدُ منه أن يرزقه كما يريد السادة من العبيد الخراج، ونظيره ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. وقيل: المعنى إنما أمرناك بالصَّلاة لا لأنا ننتفع بصلاتك. «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ» في الدنيا بوجود النعم، وفي الآخرة بالثواب قال عبد الله بن سلام: كان النبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذا نزل بأهلِهِ ضِيقٌ أو شِدَّةٌ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.
«وَالعَاقِبَةُ» الجميلة المحموجة «لِلتَّقْوَى» أي: لأهل التقوى. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: (الذين صدَّقوك واتَّبعوك واتقون)، ويؤيده قوله في موضع آخر، ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، القصص: ٨٣]. وقرأ ابنُ وثاب: «نَرْزُقكَ» بإدغام القاف في الكاف، والمشهور عنه أنه لا يدغم إلا إذا كانت الكاف متصلة بميم جمع نحو: خَلَقَكُمْ، كما تقدم. قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه﴾ واعلم أن هذا من لازم قوله تعالى: " فاصبر على ما يقولون " وهو قولهم: " لولا يأتينا بآية " (أي: هلا يأتينا بآية.
وقال في موضع آخر: " فليأتنا بآية) كما أرسل الأولون ". ثم أجاب عنه
431
بقوله: " أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " أي: بيان ما فيها وهو القرآن إذا وافق ما في كتبهم مع أن الرسول - عليه السلام - لم يشتغل بالدراسة والتعلم فكان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. و" بينة ما في الصحف الأولى " ما فيها من البشائر بمحمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونبوته وبعثته. وقال ابن جرير والقفال: " بينة ما في الصحف الأولى " من أنباء الأمم الذين أهلكنا لما جاءتهم الآيات فكفروا بها، واقترحوا الآيات، فلما جاءتهم لم يؤمنوا بها، فأخذناهم بالعقوبة والهلاك، فما يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك.
قوله: " أولم تأتهم بينة " قرأ نافع وأبو عمرو وحفص " تأتهم " بالتأنيث والباقون بالياء من تحت، لأن التأنيث مجازي.
وقرأ العامة " بينة " بإضافة " بينة " إلى " ما " مرفوعة وهي واضحة وقرأ أبو عمرو فيما رواه أو زيد بتنوين " بينة " مرفوعة، وعلى هذه القراءة ففي " ما " أوجه:
أحدها: أنها بدل من " بينة " بدل كل من كل.
الثاني: أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هي ما في الصحف الأولى.
الثالث: أن تكون " ما " نافية، قال صاحب اللوامح: وأريد بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب، وقرأت جماعة " بينة " بالتنوين والنصب.
ووجهها: أن تكون " ما " فاعلة، و" بينة " نصب على الحال، وأنث على معنى " ما ". ومن قرأ بتاء التأنث فحملا على معنى " ما " ومن قرأ بياء الغيبة فعلى لفظها. وقرأ ابن عباس بسكون الحاء من " الصحف ".
432
قوله: " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله " الهاء في " قبله " يجوز أن تعود للرسول لقوله: " لولا أرسلت إلينا رسولا.
وجوز الزمخشري وغيره في قوله: أنه يعود على " بينة " باعتبار أنها في معنى البرهان والدليل. والمعنى: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبل إرسال الرسول، أو من قبل مجيء البرهان " لقالوا " يوم القيامة " لولا " هلا " أرسلت إلينا رسولا " يدعونا " فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى " (بالعذاب. والذل: الهوان. والخزي: الافتضاح). أي: لكان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم، فأما الآن فقد أرسلناك وبينا على لسانك ما عليهم وما لهم فلم تبق لهم حجة ألبتة.
روى أبو سعيد الخدري: قال - عليه السلام -: " يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة، يقول: لم يأتني رسول، وتلا " لولا أرسلت إلينا رسولا " والمغلوب على عقله يقول: لم تجعل لي عقلا انتفع به، ويقول الصغير: كنت صغيرا لا أعقل، فترتفع لهم النار، ويقال ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله أنه شقي، ويبقى من كان في علم الله أنه سعيد، فيقول: إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتوكم ".
(فصل)
قال الجبائي: هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده، ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك؟ وإن كان في المعلوم أنهم لا يؤمنون، وإن
433
بعث إليهم الرسول لم يكن لهم في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه.
(فصل)
قال الكلبي: قوله: " لولا أرسلت إلينا رسولا " أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله: " لا يسأل عما يفعل " كما ظنه أهل الجبرية من أن ما هو جور منا يكون عدلا منه، بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل، قال: وإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة، فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
(فصل)
دلت الآية على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل الشرع. قوله: " فنتبع " نصب بإضمار " أن " في جواب التحضيض. وفي إعراب أبي البقاء: في جواب الاستفهام، وهو سهو. وقرأ ابن عباس وابن الحنفية والحسن وجماعة كثيرة: " نذل ونخزي " مبنيين للمفعول. قوله: "
434
قل كل متربص " " كل " مبتدأ، و" متربص " خبره، أفرد حملا على لفظ " كل ".
والمعنى: كل منا ومنكم متربص منتظر عاقبة أمره، وذلك أن المشركين قالوا: نتبرص بمحمد حوادث الدهر فإذا مات تخلصنا. قال الله تعالى: " فتربصوا " فانتظروا " فستعلمون " إذا جاء أمر الله، وقامت القيامة، وظهر أمر الثواب والعقاب، فإنه يتميز المحق من المبطل.
ويحتمل أن يكون المراد قبل الموت إما بسبب الجهاد وإما بسبب ظهور الدولة والقوة.
قوله: " فستعلمون من أصحاب ". يجوز في " من " وجهان:
أظهرهما: أن تكون استفهامية مبتدأة، و" أصحاب " خبره، والجملة في محل نصب سادة مسد المفعولين.
والثاني: ويعزى للفراء: أن تكون موصولة بمعنى الذين، و" أصحاب " خبر مبتدأ مضمر، أي هم أصحاب. وهذا على مقتضى مذهبهم، يحذفون مثل هذا العائد وإن لم تطل الصلة. ثم (علم) يجوز أن تكون عرفانية فتكتفي بهذا
435
المفعول وأن تكون على بابها فلا بد من تقدير ثانيهما.
قوله " الصراط السوي " قرأ العامة: " السوي " على وزن فعيل بمعنى المستوي وقرأ أبو مجلز وعمران بن (حدير) " السواء " بفتح السين والمد بمعنى الوسط الجيد.
وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري " السوا " على فعلى باعتبار أن " الصراط " يذكر ويؤنث. وقرأ ابن عباس: " السوء " بفتح السين بمعنى الشر. وروي عنهما " السوي " بضم السين وتشديد الواو، ويحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أن يكون قلب الهمزة واوا وأدغم الواو في الواو، وأن يكون فعلى من (السواء)، واصله (السويا)، فقلبت الياء واوا، وأدغم أيضا، وكان قياس هذه (السيا) لأنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما السكون قلبت الواو ياء، وهنا فعل بالعكس. وقرئ " السوي " بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء تصغير (سوء). قاله الزمخشري.
436
قال أبو حيان: وليس بجيد إذ لو كان كذلك أثبت همزة (سوء)، والأجود أن يكون تصغير (سواء) كقولهم عطي في عطاء.
قال شهاب الدين: وقد جعله أبو البقاء أيضا تصغير (السوء) بفتح الهمزة ويرد عليه ما تقدم إيراده على الزمخشري. وإبدال مثل هذه الهمزة جائز فلا إيراد.
قوله: " ومن اهتدى " فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون استفهامية، وحكمها كالتي قبلها إلا في حذف العائد.
الثاني: أنها في محل رفع على ما تقدم في الاستفهامية.
الثالث: أنها في محل جر نسقا على " الصراط " أي: وأصحاب من اهتدى. وعلى هذين الوجهين تكون موصولة.
قال أبو البقاء في الوجه الثاني: وفيه عطف الخبر على الاستفهام، وفيه تقوية قول الفراء يعني: أنه إذا جعلها موصولة كانت خبرية.
ومعنى الكلام: فستعلمون إذا جاء أمر الله وقامت القيامة من أصحاب الصراط المستقيم ومن اهتدى من الضلالة نحن أم أنتم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الله - عز وجل - قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا ".
وعن الحسن أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا يس وطه ". والله تعالى أعلم.
437
قال أبو حيان: وليس بجيد إذ لو كان كذلك أثبت همزة (سوء)، والأجود أن يكون تصغير (سواء) كقولهم عطي في عطاء.
قال شهاب الدين: وقد جعله أبو البقاء أيضا تصغير (السوء) بفتح الهمزة ويرد عليه ما تقدم إيراده على الزمخشري. وإبدال مثل هذه الهمزة جائز فلا إيراد.
قوله: " ومن اهتدى " فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون استفهامية، وحكمها كالتي قبلها إلا في حذف العائد.
الثاني: أنها في محل رفع على ما تقدم في الاستفهامية.
الثالث: أنها في محل جر نسقا على " الصراط " أي: وأصحاب من اهتدى. وعلى هذين الوجهين تكون موصولة.
قال أبو البقاء في الوجه الثاني: وفيه عطف الخبر على الاستفهام، وفيه تقوية قول الفراء يعني: أنه إذا جعلها موصولة كانت خبرية.
ومعنى الكلام: فستعلمون إذا جاء أمر الله وقامت القيامة من أصحاب الصراط المستقيم ومن اهتدى من الضلالة نحن أم أنتم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الله - عز وجل - قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا ".
وعن الحسن أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا يس وطه ". والله تعالى أعلم.
438
سورة الأنبياء
439
قوله :﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة ﴾ أي : قَوْمك.
وقيل : مَنْ كان على دينك كقوله تعالى١ :﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة ﴾٢ وحمله بعضهم على أقاربه٣.
" واصْطَبِرْ عليها " أي : اصبِرْ على الصلاة وحافظ عليها فإنها تَنْهى عن الفحشاء والمنكر. وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ -عليهما السلام٤- في٥ كلِّ صباحٍ ويقول :" الصَّلاة " ٦. ثم بيَّن تعالى أنَّما أمرهم بذلك لنفعهم وأنه٧ متعال٨ عن المنافع، فقال :﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ أي : لا نكلفك أن٩ ترزق أحداً من خلقنا، ولا أن ترزق نفسَك، وإنما نكلفُكَ عَمَلاً فَفَرِّغْ بالَك لأمر الآخرة، كما قال بعضهم : مَنْ كان في عمل الله كان الله في عمله١٠. وقال أبو مسلم : معناه إنما يُريدُ منه١١ أن يرزقه كما يريد السادة من العبيد الخراج، ونظيره ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾١٢ ١٣. وقيل : المعنى١٤ إنما أمرناك بالصَّلاة لا لأنا ننتفع١٥ بصلاتك١٦. " نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ " في الدنيا بوجود النعم، وفي الآخرة بالثواب قال عبد الله بن سلام : كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل بأهلِهِ ضِيقٌ أو شِدَّةٌ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية١٧.
" وَالعَاقِبَةُ " الجميلة المحمودة " لِلتَّقْوَى " ١٨ أي : لأهل التقوى. قال ابن عباس -رضي الله عنهما- :( الذين صدَّقوك واتَّبعوك واتقون )١٩ ٢٠، ويؤيده قوله في موضع آخر، ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾٢١. وقرأ ابنُ وثاب :" نَرْزُقكَ " بإدغام القاف في الكاف٢٢، والمشهور عنه أنه لا يدغم إلا إذا كانت الكاف متصلة بميم جمع٢٣ نحو : خَلَقَكُمْ، كما تقدم.
١ تعالى: سقط من ب..
٢ من قوله تعالى: ﴿وكان يـأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا﴾ [مريم: ٥٥]..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٦. بتصرف..
٤ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
٥ في : سقط من ب..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٦ – ١٣٧..
٧ في ب: لتنفعهم وأنهم ينتفعون بذلك وأنه تعالى..
٨ في الأصل: متعالي..
٩ في ب: على أن..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٧..
١١ في ب: حينئذ. وهو تحريف..
١٢ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]..
١٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٧..
١٤ في ب: المراد..
١٥ في ب: بالصلاة لنفعك لا لأن انتفع..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٧..
١٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٧..
١٨ في الأصل: التقوى. وهو تحريف..
١٩ انظر البغوي ٥/٤٧٠..
٢٠ ما بين القوسين في ب: الذين صدّقوا واتبعوني..
٢١ [الأعراف: ١٢٨]، [القصص: ٨٣]..
٢٢ البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٣ جمع: سقط من ب..
قوله تعالى١ :( وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ) واعلم٢ أن هذا من لازم قوله تعالى٣ :( فاصبر٤ على ما يقولون )٥ وهو قولهم٦ ( لولا يأتينا بآية )٧ أي : هلا يأتينا بآية.
وقال في موضع آخر ﴿ فليأتنا٨ بآية )٩ كما أرسل الأولون ﴾١٠. ثم أجاب عنه بقوله :﴿ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ أي : بيان ما فيها وهو القرآن إذا وافق ما في كتبهم مع أن الرسول –عليه السلام١١- لم يشتغل بالدراسة والتعلم فكان ذلك إخبارا١٢ عن الغيب فيكون معجزا. و ﴿ بينة١٣ ما في الصحف الأولى ﴾ ما فيها من البشائر بمحمد –صلى الله عليه وسلم- ونبوته وبعتثه١٤. وقال ابن جرير والقفال :﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ من أنباء الأمم الذين أهلكنا لما جاءتهم١٥ الآيات فكفروا بها، واقترحوا الآيات، فلما جاءتهم لم يؤمنوا بها، فأخذناهم بالعقوبة والهلاك، فما يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك١٦.
قوله ﴿ أو لم تأتهم بينة ﴾ قرأ نافع وأبو عمر وحفص ﴿ تأتهم١٧ بالتأنيث١٨ والباقون بالياء من تحت١٩ لأن التأنيث مجازي٢٠.
وقرأ٢١ العامة ﴿ بينة ﴾٢٢ بإضافة ﴿ بينة ﴾ إلى ﴿ ما ﴾ مرفوعة٢٣ وهي واضحة وقرأ أبو عمر في ما رواه أو زيد بتنوين ﴿ بينةٌ ﴾ مرفوعة٢٤، وعلى هذه القراءة ففي ﴿ ما ﴾ أوجه :
أحدها : أنها بدل من ﴿ بينة ﴾ بدل كل من كل٢٥.
الثاني : أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي هي ما في الصحف الأولى.
الثالث : أن تكون ﴿ ما ﴾ نافية، قال صاحب اللوامح : وأريد بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب٢٦، وقرأت جماعة﴿ ( بينة ﴾ بالتنوين والنصب.
ووجهها : أن تكون ﴿ ما ﴾ فاعلة، و ﴿ بينة ﴾ نصب على الحال، وأنث على معنى ﴿ ما ﴾٢٧. ومن قرأ بتاء التأنيث فحملا على معنى ﴿ ما ﴾٢٨ ومن قرأ بياء الغيبة فعلى لفظها٢٩ وقرأ ابن عباس بسكون الحاء من ﴿ الصحف ﴾٣٠.
١ تعالى: سقط من ب..
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٧. بتصرف..
٣ تعالى: سقط من ب..
٤ في ب: واصبر. وهو تحريف..
٥ [طه: ١٣٠]..
٦ في ب: قوله..
٧ في ب: "بآية من ربه"..
٨ في الأًصل: لولا يأتينا. وهو تحريف..
٩ ما بين القوسين سقط من ب..
١٠ من قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ [الأنبياء: ٥]..
١١ عليه السلام: سقط من ب..
١٢ في ب: إخبار..
١٣ في ب: وقد بينه. وهو تحريف..
١٤ في النسختين: ونعته..
١٥ في ب: آتتهم..
١٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٣٧، بتصرف..
١٧ "تأتهم" سقط من ب..
١٨ السبعة (٤٣٥)، الحجة لابن خالويه (٢٨٤)، الكشف ٢/١٠٨، النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٨)..
١٩ وذلك لأن تأنيث البينة غير حقيقي، وأيضا فقد فرق بين المؤنث وفعله..
٢٠ قرأ: سقط من ب..
٢١ في ب: "بينة ما"..
٢٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٤ انظر التبيان ٢/٩٠٩، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٥ انظر التبيان ٢/٩٠٩..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٧ انظر التبيان ٢/٩٠٩، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٨ ما: سقط من ب..
٢٩ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٣٠ المختصر: (٩١)، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
قوله :﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ الهاء في ﴿ قبله ﴾ يجوز أن تعود للرسول لقوله١ : لولا أرسلت إلينا رسولا٢.
وجوز الزمخشري وغيره في قوله٣ : أنه٤ يعود على ﴿ بينة ﴾ باعتبار أنها في معنى البرهان والدليل٥. والمعنى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبل إرسال الرسول أو من قبل مجيء البرهان ﴿ لقالوا ﴾ يوم القيامة ﴿ لولا ﴾ هلا ﴿ أرسلت إلينا رسولا ﴾ يدعونا ﴿ فنتبع٦ آياتك من قبل أن ندل ونخزى ﴾ ( بالعذاب والذل : الهوان. والخزي : الافتضاح )٧ لكان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم، فأما الآن فقد أرسلناك وبينا على لسانك ما عليهم وما لهم فلم تبق لهم حجة البتة.
روى أبو سعيد الخدري٨ : قال :-عليه السلام٩- " يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة، يقول : لم يأتني رسول١٠، وتلا ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولا ﴾ والمغلوب على الله يقول : لم تجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الصغير : كنت صغيرا لا أعقل، فترتفع لهم النار١١ ويقال١٢ ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله أنه شقي، ويبقى من كان في علم الله أنه سعيد، فيقول١٣ : إياي عصيتم فكيف برسلي١٤ لو أتوكم " ١٥.

فصل


قال الجبائي : هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب١٦ أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده، ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا : هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ؟ وإن كان في المعلوم أنهم لا يؤمنون، وإن بعث إليهم الرسول لم يكن لهم في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم١٧ إذا كان في المعلوم أنه يؤمنون عنده إذا أطاعوه١٨.

فصل


قال الكلبي : قوله :﴿ لولا أرسلت إلينا رسولا ﴾ أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده١٩، وأنه ليس قوله :﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾٢٠ كما ظنه أهل٢١ الجبرية من أن ما هو جور منا٢٢ يكون عدلا منه، بل تأويله : أته لا يقع منه إلا٢٣ العدل، قال : وإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة، فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة٢٤.

فصل


دلت الآية٢٥ على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق٢٦ العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل الشرع٢٧.
قوله :﴿ فنتبع ﴾٢٨ نصب بإضمار " أن " في جواب التحضيض٢٩.
وفي إعراب أبي البقاء في جواب الاستفهام٣٠، وهو سهو. وقرأ ابن عباس وابن الحنفية٣١ والحسن وجماعة كثيرة٣٢ :{ نُذَلُّ ونُخزى ) مبنيين٣٣ للمفعول٣٤.
١ في الأصل: كقوله وهو تحريف..
٢ واستظهره أبو حيان البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٣ في ب: وجوزه الزمخشري وقوله. وهو تحريف..
٤ في ب: أنّ..
٥ قال الزمخشري: (ذكّر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل) الكشاف ٢/٤٥٣..
٦ في ب: قوله فنتبع..
٧ ما بين القوسين في ب: بالذل والهوان والعذاب والافتضاح..
٨ هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري أبو سعيد الخدري، له ولأبيه صحبة استصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير مات بالمدينة ٧٤ هـ تقريبا. تهذيب التهذيب ١٢/٢٨٩..
٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٠ في ب: رسولا..
١١ في ب: فترتفع النار لهم..
١٢ في ب: ويقال لهم..
١٣ في ب: فتقول..
١٤ في ب: برسل..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٧ – ١٣٨، والقرطبي ١١/٢٦٥..
١٦ يجب: سقط من ب..
١٧ في ب: حجة لهم إلا إذا صح في المعلوم عنده، وقيل إنه إنما يكون حجة لهم..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٨٣١..
١٩ في ب: قوله. وهو تحريف..
٢٠ من قوله تعالى: ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]..
٢١ في ب: كما كان. وهو تحريف..
٢٢ في الأصل: ما جوه منا. وهو تحريف..
٢٣ إلا: زيادة من الفخر الرازي يقتضيها السياق..
٢٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٨..
٢٥ في ب: قال بعضهم دلت الآية. وفي الفخر الرازي: قال أصحابنا الآية تدل..
٢٦ في ب: إذ لم يتحقق. وهو تحريف..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٨..
٢٨ في ب: فتتبع آياتك..
٢٩ وذلك لأن الفعل المضارع يجب نصبه بـ (أن) مضمرة بعد الفاء الواقعة في جواب التحضيض، فالفاء واقعة في جواب "لولا أرسلت إلينا رسولا".
انظر شرح الأشموني ٣/٣٠١ – ٣٠٣..

٣٠ التبيان ٢/٩١٠..
٣١ هو محمد بن علي بن أبي طالب أبو القاسم ابن الحنفية، وردت الرواية عنه في حروف القرآن روى عن عمر، وروى عن أبيه وعثمان وغيرهم روى عنه بنوه إبراهيم وعبد الله والحسن وغيرهم ومات سنة ٨١ هـ تقريبا. طبقات القراء ٢/٢٠٤..
٣٢ زيد بن علي والحسن في رواية عباد والعمري وداود والفزاري وأبو حاتم ويعقوب. البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٣٣ مبنيين: سقط من ب..
٣٤ المختصر: (٩١)..
قوله :﴿ قل١ كل متربص ﴾ ﴿ كل ﴾ مبتدأ، و ﴿ متربص ﴾ خبره، أفرد حملا على لفظ ﴿ كل ﴾٢.
والمعنى كل منا ومنكم متربص منتظر عاقبة أمره، وذلك أن٣ المشركين قالوا : لنتربص بمحمد حوادث الدهر فإذا مات٤ تخلصنا. قال الله تعالى٥ :﴿ فتربصوا ﴾ فانتظروا ﴿ فستعلمون ﴾ إذا جاء أمر الله، وقامت القيامة، وظهر٦ أمر الثواب والعقاب فإنه يتميز المحق من المبطل.
ويحتمل أن يكون المراد قبل الموت إما٧ بسبب الجهاد وإما بسبب ظهور الدولة والقوة٨.
قوله :﴿ فستعلمون من أصحاب ﴾ يجوز في٩ ﴿ من ﴾١٠ وجهان :
أظهرهما١١ : أن تكون استفهامية مبتدأة١٢، و ﴿ أصحاب ﴾ خبره، والجملة في محل نصب سادة مسد المفعولين١٣.
والثاني : ويعزى للفراء : أن تكون موصولة بمعنى الذين، و ( أصحاب ) خبر مبتدأ مضمر، أي هم١٤ أصحاب١٥. وهذا على مقتضى مذهبهم، يحذفون مثل هذا العائد وإن لم تطل الصلة١٦. ثم ( علم ) يجوز أن تكون عرفانية فتكتفي بهذا المفعول وأن تكون على بابها فلا بد من تقدير ثانيهما.
قوله :﴿ الصراط السّويّ ﴾ قرأ العامة " السّويّ " على وزن فعيل بمعنى المستوي١٧ وقرأ أبو مجلز١٨ وعمران بن ( حدير )١٩ ٢٠ " السَّوَاء " بفتح السين والمد بمعنى٢١ الوسط الجيد٢٢.
وقرأ يحيى بن يعمر٢٣ والجحدري " السُّوَا " على فُعلى٢٤ باعتبار أن " الصراط " يذكر ويؤنث٢٥. وقرأ ابن عباس :" السَّوْءَ " بفتح السين بمعنى٢٦ الشر٢٧. وروي عنهما ( السُّوَّى )٢٨ بضم السين وتشديد الواو٢٩، ويحتمل ذلك وجهين :
أحدهما٣٠ : أن يكون قلب الهمزة واوا وأدغم الواو في الواو٣١، وأن يكون فُعلَى من ( السواء ) وأصله ( السِّوْيَا ) فقلبت الياء واوا، وأدغم أيضا، وكان قياس هذه ( السِّيَّا )، لأنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء٣٢، وهنا فعل بالعكس٣٣ ٣٤ وقرئ " السُّوَيّ " بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء تصغير ( سَوء ) قاله الزمخشري.
قال أبو حيان : وليس بجيد إذ لو كان كذلك أثبت٣٥ همزة ( سَوْء )٣٦، والأجود أن يكون تصغير ( سواء ) كقولهم عطي في عطاء٣٧.
قال شهاب الدين : وقد جعله أبو البقاء أيضا تصغير ( السَّوْء ) بفتح الهمزة٣٨ ويرد عليه ما تقدم إيراده على الزمخشري٣٩. وإبدال مثل هذه الهمزة جائز فلا إيراد٤٠ ٤١.
قوله ﴿ ومن اهتدى ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون استفهامية، وحكمها كالتي قبلها إلا في حذف العائد٤٢.
الثاني : أن في محل رفع على ما تقدم في الاستفهامية٤٣.
الثالث : أن في محل جر نسقا على " الصراط " أي وأصحاب من اهتدى٤٤. وعلى هذين الوجهين تكون موصولة.
قال أبو البقاء في الوجه الثاني : وفيه عطف الخبر على الاستفهام، وفيه تقوية قول الفراء٤٥ يعني أنه إذا جعلها موصولة كانت خبرية.
ومعنى الكلام : فستعلمون إذا جاء أمر الله وقامت القيامة من أصحاب الصراط المستقيم ومن اهتدى من الضلالة نحن أم أنتم.
١ قل: سقط من ب..
٢ "كل" إذا قطعت عن الإضافة لفظا يجوز مراعاة اللفظ، وهو الإفراد، لأن لفظها مفرد، نحو قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] وقوله تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠] ومراعاة المعنى، لأن معناها جمع نحو قوله تعالى: ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ [الأنفال: ٥٤] قاله أبو حيان. انظر المغني ١/٢٠٠..
٣ في ب: لأن..
٤ في ب: فإذا جاء أي إذا مات..
٥ تعالى: سقط من ب..
٦ في ب: أظهر..
٧ في ب: أو..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٨..
٩ في ب: أن. وهو تحريف..
١٠ في ب: هذه..
١١ في ب: أحدهما..
١٢ في ب: خبرية مبتدأ. وهو تحريف..
١٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٠، البيان ٢/١٥٦، التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
١٤ في ب: فهم..
١٥ حيث قال في معاني القرآن: (وقوله: "فستعلمون من أصحاب الصراط السويّ" الذين لم يضلّوا) ٢/١٩٧. وابن الأنباري وأبو البقاء لم يجوّزوا هذا الوجه لأن فيه حذف العائد المرفوع في صلة غير (أي)، وهذا لا يجوز عند البصريين إلا إن طالت الصلة. انظر البيان ٢/١٥٦، التبيان ٢/٩١٠..
١٦ أي أن الكوفيين يجوّزون حذف العائد المرفوع في صلة الموصول وإن لم تستطل الصلة. يقيسون على ذلك قراءة يحيى بن يعمر "تماما على الذي أحسن" بالرفع [الأنعام: ١٥٤]. وقراءة مالك بن دينار وابن السماك "ما بعوضة" بالرفع [البقرة: ٢٦].
وقول الشاعر:
من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه ** * ولا يحد عن سبيل المجد والكرم
وتبعهم ابن مالك إلا أنه جعله قليلا فقال:
وإن لم يستطل فالحذف نزر***...
انظر شرح الأشموني ١/١٦٨ – ١٦٩..

١٧ انظر التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
١٨ هو لاحق بن حميد بن سدوس بن شيبان، وكان ينزل خراسان وعقبه بها وكان عمر بن عبد العزيز بعث إليه فأشخصه ليسأله عنها، وكان أبو مجلز عاملا على بيت المال وعلى ضرب السكة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز قبل وفاة الحسن البصري. المعارف ٤٦٦..
١٩ هو عمران بن حدير أبو عبيدة السدوسي البصري ثقة. روى الحروف عن لاحق بن حميد وعكرمة، روى عنه الحروف عباس بن الفضل الأنصاري، مات سنة ١٤٩ هـ. طبقات القراء ١/٦٠٤..
٢٠ ما بين القوسين في ب: حصين. وهو تحريف..
٢١ في ب: يعني..
٢٢ التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٣ في ب: وقرأ أبو يعمر. وهو تحريف..
٢٤ في ب: على يفعل. وهو تحريف..
٢٥ الصراط مذكر، وأنثه يحيى بن يعمر بدليل قراءته هذه، قال ابن الأنباري: (ولا نعلم أحدا من العلماء باللغة حكى تأنيث الصراط، فإن صحت هذه القراءة عن ابن يعمر، ففيه أعظم الحجج، وهو من أجلاء أهل اللغة والنحو وكتاب الله جل ثناؤه نزل بتذكير الصراط، وكذلك هو في أشعار العرب) المذكر والمؤنث ١/٤٢٢. وانظر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٦ بمعنى: سقط من ب..
٢٧ انظر التبيان ٢/٩١٠، البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٢٨ السُّوّى: سقط من ب..
٢٩ البحر المحيط ٦/٢٩٢..
٣٠ في ب: الأول..
٣١ فيكون أصل (السٌوّى) (السّوأى) فتبدل الهمزة واوا لأنها مفتوحة وقبلها ضمة، والساكن الذي بينهما ليس بحاجز حصين وأدغمت الواو في الواو فصارت (السوّى) انظر الكتاب ٣/٥٤٣، شرح الملوكي ٢٦٥..
٣٢ انظر شرح الملوكي ٤٦١..
٣٣ في ب: بالكسر. وهو تحريف..
٣٤ الكشاف ٢/٤٥٣..
٣٥ في الأصل: كتبت..
٣٦ فتقول: "سؤى"..
٣٧ البحر المحيط ٦/٢٩٣..
٣٨ التبيان ٢/٩١٠..
٣٩ من أنه لو كان كذلك لثبتت همزة (سوء)..
٤٠ لأن الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها إذا أردت تخفيفها أبدلتها..
٤١ الدر المصون ٥/٤٣..
٤٢ انظر التبيان ٢/٩١٠..
٤٣ أي تكون موصولة بمعنى الذي. التبيان ٢/٩١٠..
٤٤ فتكون موصولة أيضا. التبيان ٢/٩١٠..
٤٥ في جعله "من" في قوله: "من أصحاب" موصولة، فيكون عطف الخبر على الخبر. التبيان ٢/٩١٠..
Icon