تفسير سورة سورة الأعراف من كتاب تفسير المراغي
المعروف بـتفسير المراغي
.
لمؤلفه
أحمد بن مصطفى المراغي
.
المتوفي سنة 1371 هـ
ﰡ
سورة الأعراف
آيها خمس ومائتان، وهى مكية، وقد روى أنها نزلت قبل سورة الأنعام، وأنها نزلت مثلها دفعة واحدة، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان، وهو:
أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها، وهى كالشرح والبيان لما أوجز فى الأنعام، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم، وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق كما قال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» وبيان القرون كما قال: «كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم، وجاءت هذه مفصلة لذلك، فبسطت فيها قصة آدم، وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٣]
تفسير المفردات
(المص) هذه حروف تكتب بصورة كلمة من ذوات الأربعة الأحرف، لكنا نقرؤها بأسماء هذه الأحرف فنقول: ألف. لام. ميم. صاد.
وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهوم غير مسماها الذي تدل عليه- تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شىء فكأنه أداة استفتاح بمنزلة ألا وها التنبيه.
آيها خمس ومائتان، وهى مكية، وقد روى أنها نزلت قبل سورة الأنعام، وأنها نزلت مثلها دفعة واحدة، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان، وهو:
أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها، وهى كالشرح والبيان لما أوجز فى الأنعام، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم، وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق كما قال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» وبيان القرون كما قال: «كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم، وجاءت هذه مفصلة لذلك، فبسطت فيها قصة آدم، وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)تفسير المفردات
(المص) هذه حروف تكتب بصورة كلمة من ذوات الأربعة الأحرف، لكنا نقرؤها بأسماء هذه الأحرف فنقول: ألف. لام. ميم. صاد.
وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهوم غير مسماها الذي تدل عليه- تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شىء فكأنه أداة استفتاح بمنزلة ألا وها التنبيه.
97
وبالاستقراء نرى أن السور التي بدئت بها وبذكر الكتاب، هى التي نزلت بمكة لدعوة المشركين إلى الإسلام وإثبات النبوة والوحى، وما نزل منها بالمدينة كالزهراوين البقرة وآل عمران، فالدعوة فيه موجهة إلى أهل الكتاب، وهكذا الحال فى السور: مريم والعنكبوت والروم وص ون، فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوة والكتاب كالفتنة فى الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة، والإنباء بقصص فارس والروم ونصر الله للمؤمنين على المشركين، وكان هذا من أظهر المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ويرى بعض العلماء أنها أسماء للسور، والأسماء المرتجلة لا تعلّل، كما يرى آخرون أن الحكمة فى ذكرها بيان إعجاز القرآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الأحرف المفردة التي يتألف منها الكلام العربي ومع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، ليؤديهم النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام خالق القوى والقدر والحرج:
الضيق من عاقبة المخالفة، والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وولاية الله لعباده:
تولى أمورهم فبما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته وبيان الحرام والحلال، و (ما) فى قوله قليلا ما- حرف يؤكد معنى القلة، وتذكرون: أصله تتذكرون حذفت منه إحدى التاءين.
الإيضاح
(كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي هذا القرآن كتاب أنزل إليك من عند ربك، ووصفه بالإنزال من عنده تعالى- دال على عظيم قدره وقدر من أنزل إليه.
(فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي لا يضق صدرك من الإنذار به وإبلاغه من أمرت بإبلاغه إليهم، واصبر لأمرى فيما حمّلتك من عبء النبوة كما صبر أولو العزم من الرسل فإن الله معك.
وقد كلف ﷺ هداية الثقلين وكان من المتوقع أن يلقى أشد الإيذاء
ويرى بعض العلماء أنها أسماء للسور، والأسماء المرتجلة لا تعلّل، كما يرى آخرون أن الحكمة فى ذكرها بيان إعجاز القرآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الأحرف المفردة التي يتألف منها الكلام العربي ومع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، ليؤديهم النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام خالق القوى والقدر والحرج:
الضيق من عاقبة المخالفة، والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وولاية الله لعباده:
تولى أمورهم فبما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته وبيان الحرام والحلال، و (ما) فى قوله قليلا ما- حرف يؤكد معنى القلة، وتذكرون: أصله تتذكرون حذفت منه إحدى التاءين.
الإيضاح
(كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي هذا القرآن كتاب أنزل إليك من عند ربك، ووصفه بالإنزال من عنده تعالى- دال على عظيم قدره وقدر من أنزل إليه.
(فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي لا يضق صدرك من الإنذار به وإبلاغه من أمرت بإبلاغه إليهم، واصبر لأمرى فيما حمّلتك من عبء النبوة كما صبر أولو العزم من الرسل فإن الله معك.
وقد كلف ﷺ هداية الثقلين وكان من المتوقع أن يلقى أشد الإيذاء
98
والمقاومة والطعن والإعراض، وتلك أمور توجب ضيق الصدر كما قال فى سورة الحجر:
«وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» وقال فى سورة النحل: «وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» وقال فى سورة هود: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».
ويراد بالنهى عن مثل هذا الأمر الطبيعي- الاجتهاد فى مقاومته والتسلي عنه بوعد الله، والتأسى بمن سبقه من الرسل أولى العزم صلوات الله عليهم أجمعين.
(لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) والمراد بالمؤمنين هنا من كتب الله لهم الإيمان، سواء أكانوا مؤمنين حين نزول هذه السورة أم لا.
والخلاصة- إنه أنزل إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإيمان ذكرى نافعة مؤثرة.
(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قل لهم أيها الرسول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وخالقكم ومدبر أموركم، فهو وحده الذي له الحق فى شرع الدين لكم وفرض العبادات عليكم، وتحليل ما ينفعكم وتحريم ما يضركم، إذ هو العليم بما فيه الفائدة أو الضر لكم.
(وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أي ولا تتخذوا من أنفسكم ولا من الشياطين الذين يوسوسون لكم- أولياء تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يرومون منكم من ضلال التقاليد والابتداع فى الدين، فيضعوا لكم أحكام الحرام والحلال زاعمين أنهم أعلم منكم، فيجب عليكم تقليدهم، ولا أولياء ينجونكم من الجزاء على ذنوبكم وجلب النفع لكم أو رفع الضر عنكم، زاعمين أنهم يقربونكم إلى الله زلفى، أو يشفعون لكم عنده فى الآخرة.
«وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» وقال فى سورة النحل: «وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» وقال فى سورة هود: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».
ويراد بالنهى عن مثل هذا الأمر الطبيعي- الاجتهاد فى مقاومته والتسلي عنه بوعد الله، والتأسى بمن سبقه من الرسل أولى العزم صلوات الله عليهم أجمعين.
(لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) والمراد بالمؤمنين هنا من كتب الله لهم الإيمان، سواء أكانوا مؤمنين حين نزول هذه السورة أم لا.
والخلاصة- إنه أنزل إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإيمان ذكرى نافعة مؤثرة.
(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قل لهم أيها الرسول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وخالقكم ومدبر أموركم، فهو وحده الذي له الحق فى شرع الدين لكم وفرض العبادات عليكم، وتحليل ما ينفعكم وتحريم ما يضركم، إذ هو العليم بما فيه الفائدة أو الضر لكم.
(وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أي ولا تتخذوا من أنفسكم ولا من الشياطين الذين يوسوسون لكم- أولياء تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يرومون منكم من ضلال التقاليد والابتداع فى الدين، فيضعوا لكم أحكام الحرام والحلال زاعمين أنهم أعلم منكم، فيجب عليكم تقليدهم، ولا أولياء ينجونكم من الجزاء على ذنوبكم وجلب النفع لكم أو رفع الضر عنكم، زاعمين أنهم يقربونكم إلى الله زلفى، أو يشفعون لكم عنده فى الآخرة.
99
والخلاصة- إن الله وحده هو الذي يتولى أمر العباد بالتدبير، والخلق والتشريع، وله وحده الخلق والأمر، وبيده النفع والضر.
(قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) أي إنكم تتذكرون قليلا لا كثيرا ما يجب أن يعلم للرب سبحانه، وما يحظر أن يشرك معه فيه غيره، وقد يكون المراد قليلا ما تتعظون بما توعظون به، فترجعون عن تقاليدكم وأهوائكم إلى ما أنزل إليكم من ربكم.
وفى هذا إيماء إلى النهى عن طاعة الخلق فى أمر الدين غير ما أنزل الله من وحيه كما فعل أهل الكتاب فى طاعة أحبارهم ورهبانهم فيما أحلوا لهم وزادوا على الوحى من العبادات، وما حرموا عليهم من المباحات كما جاء فى قوله: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» فكل من أطاع أحدا فى حكم شرعى لم ينزله الله فقد اتخذه ربا.
واتباع الرسول ﷺ فيما صح عنه من بيان الدين- داخل فى عموم ما أنزل إلينا على رسوله، لأنه تعالى أمرنا باتباعه وطاعته وأخبرنا أنه مبين لما نزل إليه كما قال: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» وقد صح
فى الحديث أنه ﷺ قال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشىء من رأيى فإنما أنا بشر» رواه مسلم عن رافع بن خديج
فى مسألة تأبير النخل (تلقيح النخلة بطلع الذكر).
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤ الى ٥]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
تفسير المفردات
(كَمْ) اسم يفيد التكثير، والقرية: تطلق على الموضع الذي يجتمع فيه الناس وعلى الناس معا، وتطلق على كل منهما كما جاء فى قوله: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهل
(قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) أي إنكم تتذكرون قليلا لا كثيرا ما يجب أن يعلم للرب سبحانه، وما يحظر أن يشرك معه فيه غيره، وقد يكون المراد قليلا ما تتعظون بما توعظون به، فترجعون عن تقاليدكم وأهوائكم إلى ما أنزل إليكم من ربكم.
وفى هذا إيماء إلى النهى عن طاعة الخلق فى أمر الدين غير ما أنزل الله من وحيه كما فعل أهل الكتاب فى طاعة أحبارهم ورهبانهم فيما أحلوا لهم وزادوا على الوحى من العبادات، وما حرموا عليهم من المباحات كما جاء فى قوله: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» فكل من أطاع أحدا فى حكم شرعى لم ينزله الله فقد اتخذه ربا.
واتباع الرسول ﷺ فيما صح عنه من بيان الدين- داخل فى عموم ما أنزل إلينا على رسوله، لأنه تعالى أمرنا باتباعه وطاعته وأخبرنا أنه مبين لما نزل إليه كما قال: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» وقد صح
فى الحديث أنه ﷺ قال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشىء من رأيى فإنما أنا بشر» رواه مسلم عن رافع بن خديج
فى مسألة تأبير النخل (تلقيح النخلة بطلع الذكر).
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤ الى ٥]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
تفسير المفردات
(كَمْ) اسم يفيد التكثير، والقرية: تطلق على الموضع الذي يجتمع فيه الناس وعلى الناس معا، وتطلق على كل منهما كما جاء فى قوله: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهل
100
القرية، والقرية هنا تصلح لأن يراد بها القوم أنفسهم، وأن يراد بها المكان لأنه يهلك كما يهلك أهله، والبيات: الإغارة على العدو ليلا والإيقاع به على غرّة، والبأس: العذاب والقائلون: هم الذين ينامون استراحة وسط النهار أي حين القائلة يقال: قال يقيل قيلا وقيلولة، والدعوى: ما يدعيه الإنسان، وتطلق على القول أيضا.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف أنه أنزل الكتاب إلى الرسول ﷺ لينذر به الناس ويكون موعظة وذكرى لأهل الإيمان، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس باتباع ما أنزل إليهم من ربهم وألا يتبعوا من دونه أحدا يتولونه فى أمر التشريع- أردف هذا التخويف من عاقبة المخالفة لذلك ولما يتبعه من أصول الدين وفروعه، والتذكير بما حل بالأمم قبلهم بسبب إعراضهم عن الدين وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
الإيضاح
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) أي وكثير من القرى أهلكناها لعصيانها رسلها فيما جاءوها به من عند ربها، وكان هلاكها إما حين البيات ليلا كقوم لوط، وإما حين القائلة وهم آمنون نهارا كقوم شعيب، وكلا الوقتين وقت دعة واستراحة لم تكن تنتظر فيه كل منهما هلاكا ولا عذابا، فلا يجمل بالعاقل أن يأمن غدر الليالى ولا خدع الأيام ولا يغتر بالرخاء فيعدّه علامة على أنه مستحق له فهو مظنة الدوام.
وفى ذلك تعريض بغرور كفار قريش بقوتهم وثروتهم وعزهم وعصبيتهم، وأن ذلك من دلائل رضا الله عنهم كما قال تعالى حكاية عنهم: «وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف أنه أنزل الكتاب إلى الرسول ﷺ لينذر به الناس ويكون موعظة وذكرى لأهل الإيمان، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس باتباع ما أنزل إليهم من ربهم وألا يتبعوا من دونه أحدا يتولونه فى أمر التشريع- أردف هذا التخويف من عاقبة المخالفة لذلك ولما يتبعه من أصول الدين وفروعه، والتذكير بما حل بالأمم قبلهم بسبب إعراضهم عن الدين وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
الإيضاح
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) أي وكثير من القرى أهلكناها لعصيانها رسلها فيما جاءوها به من عند ربها، وكان هلاكها إما حين البيات ليلا كقوم لوط، وإما حين القائلة وهم آمنون نهارا كقوم شعيب، وكلا الوقتين وقت دعة واستراحة لم تكن تنتظر فيه كل منهما هلاكا ولا عذابا، فلا يجمل بالعاقل أن يأمن غدر الليالى ولا خدع الأيام ولا يغتر بالرخاء فيعدّه علامة على أنه مستحق له فهو مظنة الدوام.
وفى ذلك تعريض بغرور كفار قريش بقوتهم وثروتهم وعزهم وعصبيتهم، وأن ذلك من دلائل رضا الله عنهم كما قال تعالى حكاية عنهم: «وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».
101
(فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي فما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم العذاب إلا أن اعترفوا بظلمهم فيما كانوا عليه، وشهدوا ببطلانه، تحسرا وندامة وطمعا فى الخلاص ولكن أنى ينفع الندم، وقد أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة؟.
وفى الآية من العبرة- أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنب فعله فى الدنيا، يعترف بجرمه ويندم على ما قرط منه إذا هو علم أنه سبب العقاب، وقلما يشعر المرء بعقاب فى الدنيا على الذنوب، لأنه يأتى على التراخي غالبا فالأمراض التي تتولد من شرب الخمر كأمراض القلب والكبد والجهاز التناسلى وضعف النسل واستعداده للأمراض إلى نحو ذلك من الأمراض الجسدية والعقلية تحصل ببطء، وقلما يعرفها غير الأطباء ومن ثم لا يشعر بها السكارى وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغثيان يسهل عليهم احتماله وترجيح لذة النشوة عليه.
إلى أنه لو علمها بعد فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة فى السكر حتى تحمله على التوبة، إذ داء الخمار يزمن، وحب السكر يضعف الإرادة.
وعقاب الأفراد على الذنوب فى الدنيا لا يطرد، كما يطرد فى الأمم، فعقابها فى الدنيا على ما تجترح- حتم لا شبهة فيه، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون فى الأفراد، ويختلف باختلاف أحوال الأمة فى القوة والضعف، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان وعدمت الثقة بين أفرادها واختل نظام الأمن فيها وكثر فيها الفسق والفجور- تسوء حالها وتنحلّ قواها وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها وتضعف منعتها، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى، ولا يزال أمرها يأخذ فى التدهور والفساد حتى يستولى عليها العدو القاهر ويمتص ثروتها ويجعل أهلها أذلة مستضعفين، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة، كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها:
يا ويلنا إنا كنا ظالمين. وربما عمها الجهل، وران على قلوبها الفساد، فلا تشعر بأن ما حل بها إنما كان جزاء وفاقا، ونكالا من الله على ما قدمت من عمل، واقترفت من إثم،
وفى الآية من العبرة- أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنب فعله فى الدنيا، يعترف بجرمه ويندم على ما قرط منه إذا هو علم أنه سبب العقاب، وقلما يشعر المرء بعقاب فى الدنيا على الذنوب، لأنه يأتى على التراخي غالبا فالأمراض التي تتولد من شرب الخمر كأمراض القلب والكبد والجهاز التناسلى وضعف النسل واستعداده للأمراض إلى نحو ذلك من الأمراض الجسدية والعقلية تحصل ببطء، وقلما يعرفها غير الأطباء ومن ثم لا يشعر بها السكارى وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغثيان يسهل عليهم احتماله وترجيح لذة النشوة عليه.
إلى أنه لو علمها بعد فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة فى السكر حتى تحمله على التوبة، إذ داء الخمار يزمن، وحب السكر يضعف الإرادة.
وعقاب الأفراد على الذنوب فى الدنيا لا يطرد، كما يطرد فى الأمم، فعقابها فى الدنيا على ما تجترح- حتم لا شبهة فيه، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون فى الأفراد، ويختلف باختلاف أحوال الأمة فى القوة والضعف، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان وعدمت الثقة بين أفرادها واختل نظام الأمن فيها وكثر فيها الفسق والفجور- تسوء حالها وتنحلّ قواها وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها وتضعف منعتها، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى، ولا يزال أمرها يأخذ فى التدهور والفساد حتى يستولى عليها العدو القاهر ويمتص ثروتها ويجعل أهلها أذلة مستضعفين، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة، كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها:
يا ويلنا إنا كنا ظالمين. وربما عمها الجهل، وران على قلوبها الفساد، فلا تشعر بأن ما حل بها إنما كان جزاء وفاقا، ونكالا من الله على ما قدمت من عمل، واقترفت من إثم،
102
فترضى باستذلال الغاصب كما رضيت من قبل بما اجترحت من الآثام والذنوب وقد يكون ذلك سبيلا لا نقراضها بما يعقبه الفسق والفجور من قلة النسل، ولا سيما إذا فشا الزنا والسكر، أو تبقى فيها بقية تدّغم فى الكثرة الغالبة، فلا تعد أمة على سبيل الاستقلال، وربما توالت عليها المصايب والآثام حتى تضيق بها ذرعا فتطلب لها مخرجا وترجع إلى الوراء لتبحث عن أسبابها فلا تجدها إلا فى أنفسها كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ».
وإذا أرادت لها علاجا وتمنت لها دواء من دائها الدوىّ وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم والتوبة الصادقة والعمل الطيب الذي به تصلح القلوب وتستقيم الأمور، وهاكم ما قاله العباس عم النبي ﷺ حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث وعم الجدب: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.
وفى هذا عبرة أيّما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلّت عروشها، وخوت صروح عظمتها، وقد كانت أجدر بهدى القرآن، ولكن أنى لها بذلك، وقد هجره الخاصة وتبعهم العامة، إذ جهلوا أحكامه وحكمه، حتى لقد بلغ الأمر بنابتتها، ألا ترى سببا لركود ريحها إلا اتباع القرآن والعمل بهذا الدين «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦ الى ٩]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
وإذا أرادت لها علاجا وتمنت لها دواء من دائها الدوىّ وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم والتوبة الصادقة والعمل الطيب الذي به تصلح القلوب وتستقيم الأمور، وهاكم ما قاله العباس عم النبي ﷺ حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث وعم الجدب: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.
وفى هذا عبرة أيّما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلّت عروشها، وخوت صروح عظمتها، وقد كانت أجدر بهدى القرآن، ولكن أنى لها بذلك، وقد هجره الخاصة وتبعهم العامة، إذ جهلوا أحكامه وحكمه، حتى لقد بلغ الأمر بنابتتها، ألا ترى سببا لركود ريحها إلا اتباع القرآن والعمل بهذا الدين «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦ الى ٩]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
103
المعنى الجملي
بعد أن أمر سبحانه الرسل فى الآية السالفة بالتبليغ وأمر الأمم بالقبول والمتابعة، وذكّرهم بعذاب الأمم التي عاندت الرسل فى الدنيا- قفّى على ذلك بذكر العذاب الآجل يوم القيامة، وأنه فى ذلك اليوم يسأل كل إنسان عن عمله.
الإيضاح
(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) الذين أرسل إليهم: هم جميع الأمم الذين بلغتهم دعوة الرسل، فيسأل تعالى كل فرد منهم فى الآخرة عن رسوله إليه وعن تبليغه لآياته، ويسأل المرسلين عن تبليغهم وإجابة أقوامهم لهم وعما عملوا من إيمان وكفر؟ وقد فصل هذا الإجمال فى آيات أخرى كقوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟»
وقوله: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ» وقوله فى سورة الحجر:
«فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ».
قال ابن عباس: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلّغوه والمراد بالسؤال حينئذ تقريع الكفار وتوبيخهم.
ولا مخالفة بين هذه الآية التي تثبت السؤال العام وبين قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» وقوله: «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» لأن ليوم القيامة مواقف متعددة والسؤال والجواب والاعتذار يكون فى بعضها دون بعض.
بعد أن أمر سبحانه الرسل فى الآية السالفة بالتبليغ وأمر الأمم بالقبول والمتابعة، وذكّرهم بعذاب الأمم التي عاندت الرسل فى الدنيا- قفّى على ذلك بذكر العذاب الآجل يوم القيامة، وأنه فى ذلك اليوم يسأل كل إنسان عن عمله.
الإيضاح
(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) الذين أرسل إليهم: هم جميع الأمم الذين بلغتهم دعوة الرسل، فيسأل تعالى كل فرد منهم فى الآخرة عن رسوله إليه وعن تبليغه لآياته، ويسأل المرسلين عن تبليغهم وإجابة أقوامهم لهم وعما عملوا من إيمان وكفر؟ وقد فصل هذا الإجمال فى آيات أخرى كقوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟»
وقوله: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ» وقوله فى سورة الحجر:
«فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ».
قال ابن عباس: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلّغوه والمراد بالسؤال حينئذ تقريع الكفار وتوبيخهم.
ولا مخالفة بين هذه الآية التي تثبت السؤال العام وبين قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» وقوله: «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» لأن ليوم القيامة مواقف متعددة والسؤال والجواب والاعتذار يكون فى بعضها دون بعض.
104
وقال الرازي: إنهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب قد أحصتها، لكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال وعن الصوارف التي صرفتهم عنها اهـ.
يريد أنهم يسألون عن الموانع التي حالت بينهم وبين عمل ما طلب منهم عمله، أو فعل ما طلب إليهم تركه.
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) القصّ تتبع الأثر إما بالعمل كما فى قوله حكاية عن أم موسى «وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ» وإما بالقول كما فى قوله: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ».
أي فلنقصن على الرسل وعلى أقوامهم الذين أرسلوا إليهم كل ما وقع من الفريقين قصصا بعلم منا محيط بكل ما كان منهم، فلا يعزب عنا مثقال ذرة، وقد روى عن ابن عباس أنه يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون.
(وَما كُنَّا غائِبِينَ) عنهم فى وقت من الأوقات ولا حال من الأحوال، بل كنا معهم نسمع ما يقولون ونبصر ما يعملون، ونحيط علما بما يسرون وما يعلنون، كما قال تعالى: «وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً».
وفى هذا إيماء إلى أن السؤال لم يكن للاستعلام والاستبانة لشىء مجهول عنه تعالى، بل للإعلام والإخبار بما حدث منهم توبيخا لهم وتأنيبا على إهمالهم.
وهذا القصص هو الذي يكون به الحساب ويتلوه الجزاء، وقد دل عليه الكتاب الكريم فى مواضع عدة، ودلت عليه السنة فمن ذلك ما
رواه ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع يسأل عن الناس، والرجل راع يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده»
وما
رواه المقدام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة، بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه، فيسأل عنهم ويسألون عنه»
وما
رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمى مرفوعا:
يريد أنهم يسألون عن الموانع التي حالت بينهم وبين عمل ما طلب منهم عمله، أو فعل ما طلب إليهم تركه.
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) القصّ تتبع الأثر إما بالعمل كما فى قوله حكاية عن أم موسى «وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ» وإما بالقول كما فى قوله: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ».
أي فلنقصن على الرسل وعلى أقوامهم الذين أرسلوا إليهم كل ما وقع من الفريقين قصصا بعلم منا محيط بكل ما كان منهم، فلا يعزب عنا مثقال ذرة، وقد روى عن ابن عباس أنه يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون.
(وَما كُنَّا غائِبِينَ) عنهم فى وقت من الأوقات ولا حال من الأحوال، بل كنا معهم نسمع ما يقولون ونبصر ما يعملون، ونحيط علما بما يسرون وما يعلنون، كما قال تعالى: «وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً».
وفى هذا إيماء إلى أن السؤال لم يكن للاستعلام والاستبانة لشىء مجهول عنه تعالى، بل للإعلام والإخبار بما حدث منهم توبيخا لهم وتأنيبا على إهمالهم.
وهذا القصص هو الذي يكون به الحساب ويتلوه الجزاء، وقد دل عليه الكتاب الكريم فى مواضع عدة، ودلت عليه السنة فمن ذلك ما
رواه ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع يسأل عن الناس، والرجل راع يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده»
وما
رواه المقدام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة، بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه، فيسأل عنهم ويسألون عنه»
وما
رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمى مرفوعا:
105
«لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه؟»
وروى الحاكم وابن ماجه حديث شدّاد بن أوس مرفوعا: «الكيّس من دان- حاسب- نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى».
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) الوزن عمل يراد به تعرف مقدار الشيء بالميزان والقسطاس وقد يطلق كل من الميزان والقسطاس على العدل كقوله: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ» وقوله فى الرسل: «وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».
أي والوزن فى ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم- هو الحق أي الذي تعرف به حقائق الأمور وما يستحقه كل أحد من ثواب وعقاب.
(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرة الحسنات فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب، والحائزون للنعيم فى دار الثواب.
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) أي ومن خفت موازين أعماله بسبب كفره وكثرة ما اجترح من السيئات، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، إذ حرموها السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي وإصرارهم على ذلك إلى نهاية أعمارهم.
والخلاصة- إن المؤمنين على تفاوت درجاتهم فى الأعمال هم المفلحون، فمن مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذّب على بعض ذنوبه بمقدارها، وإن الكافرين على تفاوت دركاتهم هم فى خسران عظيم.
وهناك فريق ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتى ذكرهم بعد.
وروى الحاكم وابن ماجه حديث شدّاد بن أوس مرفوعا: «الكيّس من دان- حاسب- نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانى».
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) الوزن عمل يراد به تعرف مقدار الشيء بالميزان والقسطاس وقد يطلق كل من الميزان والقسطاس على العدل كقوله: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ» وقوله فى الرسل: «وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».
أي والوزن فى ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم- هو الحق أي الذي تعرف به حقائق الأمور وما يستحقه كل أحد من ثواب وعقاب.
(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرة الحسنات فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب، والحائزون للنعيم فى دار الثواب.
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) أي ومن خفت موازين أعماله بسبب كفره وكثرة ما اجترح من السيئات، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، إذ حرموها السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي وإصرارهم على ذلك إلى نهاية أعمارهم.
والخلاصة- إن المؤمنين على تفاوت درجاتهم فى الأعمال هم المفلحون، فمن مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذّب على بعض ذنوبه بمقدارها، وإن الكافرين على تفاوت دركاتهم هم فى خسران عظيم.
وهناك فريق ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتى ذكرهم بعد.
106
وقد اختلف العلماء فى الوزن والموازين، هل المراد بها ظهور العدل التام فى تقدير الجزاء على الأعمال التي تصلح الأنفس وتزكيها أو تفسدها وتدسّيها بذلك قال مجاهد والضحاك والأعمش، أو أن هناك وزنا حقيقيا حكمته إظهار علم الله تعالى بأعمال عباده وعدله فى جزائهم عليها، وبهذا قال الجمهور. قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفّتان ويميل بالأعمال.
وقال القرطبي: التي توزن هى الصحائف التي تكتب فيها الأعمال.
والحق أن التي توزن هى الأعمال
فقد أخرج أبو داود والترمذي عن جابر مرفوعا: «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار، قيل ومن استوت حسناته وسيئاته؟ قال أولئك أصحاب الأعراف».
والذي عليه المعول فى الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره فى الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، فنؤمن به ولا نحكّم رأينا فى كيفيته، فنؤمن بأن فى الآخرة وزنا للأعمال بميزان يليق بعالم الآخرة توزن به الأعمال والإيمان والأخلاق، ولا نبحث عن صورته وكيفيته.
وإذا كان العلم الحديث كشف موازين للحر والبرد واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شىء عن وضع موازين للأعمال النفسية والبدنية التي سماها الدين الحسنات والسيئات، بما تحدثه فى الأنفس من الأخلاق والصفات الثابتة فيها؟
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٠]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
وقال القرطبي: التي توزن هى الصحائف التي تكتب فيها الأعمال.
والحق أن التي توزن هى الأعمال
فقد أخرج أبو داود والترمذي عن جابر مرفوعا: «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار، قيل ومن استوت حسناته وسيئاته؟ قال أولئك أصحاب الأعراف».
والذي عليه المعول فى الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره فى الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، فنؤمن به ولا نحكّم رأينا فى كيفيته، فنؤمن بأن فى الآخرة وزنا للأعمال بميزان يليق بعالم الآخرة توزن به الأعمال والإيمان والأخلاق، ولا نبحث عن صورته وكيفيته.
وإذا كان العلم الحديث كشف موازين للحر والبرد واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شىء عن وضع موازين للأعمال النفسية والبدنية التي سماها الدين الحسنات والسيئات، بما تحدثه فى الأنفس من الأخلاق والصفات الثابتة فيها؟
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٠]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
107
تفسير المفردات
مكناكم فى الأرض، أي جعلنا لكم فيها أمكنة تتبوءونها وتتمكنون من الإقامة فيها، والمعايش واحدها معيشة: وهى ما تكون به العيشة والحياة الجسمانية الحيوانية من المطاعم والمشارب وغيرها، وهى ضربان:
(١) ما يحصل بخلق الله ابتداء كالثمار وغيرها.
(٢) ما يحدث بالا كتساب.
وكلاهما إنما يحصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاما من الله، وذلك مما يوجب طاعته.
المعنى الجملي
بعد أن بين فيما سلف أن واضع الدين هو الله فيجب اتباعه دون ما يأمر به غيره من الأولياء والشفعاء، وقفّى على ذلك بذكر عذاب الدنيا بقوله: وكم من قرية أهلكناها، وذكر عذاب الآخرة بقوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم، وبقوله: والوزن يومئذ الحق.
أردف ذلك بذكر نعمه على عباده بتمكينهم فى الأرض وخلق أنواع المعايش فيها، مع بيان أن كثرة النعم توجب عليهم الطاعة له.
الإيضاح
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) أي ولقد جعلنا لكم فيها أوطانا تتبوءونها وتستقرون فيها وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة منى عليكم، وإحسانا منى إليكم، وأنشأنا لكم فيها ضروبا شتى من المنافع التي تعيشون بها عيشة راضية: من نبات وأنعام وطير وسمك ومياه عذبة وأشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال من جهة إلى أخرى تتقدم بتقدم العلم
مكناكم فى الأرض، أي جعلنا لكم فيها أمكنة تتبوءونها وتتمكنون من الإقامة فيها، والمعايش واحدها معيشة: وهى ما تكون به العيشة والحياة الجسمانية الحيوانية من المطاعم والمشارب وغيرها، وهى ضربان:
(١) ما يحصل بخلق الله ابتداء كالثمار وغيرها.
(٢) ما يحدث بالا كتساب.
وكلاهما إنما يحصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاما من الله، وذلك مما يوجب طاعته.
المعنى الجملي
بعد أن بين فيما سلف أن واضع الدين هو الله فيجب اتباعه دون ما يأمر به غيره من الأولياء والشفعاء، وقفّى على ذلك بذكر عذاب الدنيا بقوله: وكم من قرية أهلكناها، وذكر عذاب الآخرة بقوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم، وبقوله: والوزن يومئذ الحق.
أردف ذلك بذكر نعمه على عباده بتمكينهم فى الأرض وخلق أنواع المعايش فيها، مع بيان أن كثرة النعم توجب عليهم الطاعة له.
الإيضاح
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) أي ولقد جعلنا لكم فيها أوطانا تتبوءونها وتستقرون فيها وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة منى عليكم، وإحسانا منى إليكم، وأنشأنا لكم فيها ضروبا شتى من المنافع التي تعيشون بها عيشة راضية: من نبات وأنعام وطير وسمك ومياه عذبة وأشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال من جهة إلى أخرى تتقدم بتقدم العلم
108
ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ
ﰊ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ
ﰋ
ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ
ﰌ
ﭲﭳﭴﭵﭶ
ﰍ
ﭸﭹﭺﭻ
ﰎ
ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ
ﰏ
ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ
ﰐ
ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ
ﰑ
والاختراع من طيارات وسيارات وقطر ريّة وسفن بحرية، وسبل متعددة لمداواة المرضى بالعقاقير المختلفة على يد نطس الأطباء إلى نحو ذلك.
وكل ذلك يقتضى منكم الشكر الكثير ولكن الشكر من العباد قليل كما قال:
«وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» ومن ثم عقّب هذا بقوله:
(قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) أي وأنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم، لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها فقد عبدتم سواى، واتخذتم الأولياء والشفعاء من دونى.
وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه، وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها.
فهذه النعم المعيشية ما خلقت إلا لحفظ الحياة الجسمانية للأفراد والجماعات، والاستعانة بذلك على حفظ الحياة الروحية التي بها تزكو الأنفس، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم والسعادة المستقرة إلى غير نهاية.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١ الى ١٨]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
وكل ذلك يقتضى منكم الشكر الكثير ولكن الشكر من العباد قليل كما قال:
«وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» ومن ثم عقّب هذا بقوله:
(قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) أي وأنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم، لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها فقد عبدتم سواى، واتخذتم الأولياء والشفعاء من دونى.
وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه، وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها.
فهذه النعم المعيشية ما خلقت إلا لحفظ الحياة الجسمانية للأفراد والجماعات، والاستعانة بذلك على حفظ الحياة الروحية التي بها تزكو الأنفس، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم والسعادة المستقرة إلى غير نهاية.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١ الى ١٨]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
109
تفسير المفردات
الخلق: التقدير، يقال خلق الخياط الثوب: أي قدّره قبل قطعه، وخلق الله الخلق: أوجدهم على تقدير أوجبته الحكمة، والهبوط: الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه أو من منزلة إلى ما دونها، فهو إما حسى وإما معنوى، والتكبر: جعل الإنسان نفسه أكبر مما هى عليه، والصغار: الذلة والهوان، وأنظره: أخره، والإغواء:
الإيقاع فى الغواية: وهى ضد الرشاد، وذأم الشيء: عابه، ودحر الجند العدو، طرده وأبعده.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه عباده فى الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين فى الأرض وخلق أنواع المعايش فيها- قفّى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنسانى مستعدا للكمال وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
الإيضاح
(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) الخطاب لبنى آدم أي ولقد خلقنا مادة هذا النوع من الصلصال والحمأ المسنون أي من الماء والطين اللازب، فمنه خلق الإنسان الأول، ثم جعلنا من تلك المادة صورة بشر سوىّ قابل للحياة.
وقد يكون المعنى- إنا قدرنا إيجادكم تقديرا ثم صورنا مادتكم تصويرا، وذلك شامل لخلق آدم وخلق مجموع الناس، إذ أن كل فرد يقدر الله خلقه ثم يصور المادة التي يخلقه منها فى بطن أمه.
(ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أي وبعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا
الخلق: التقدير، يقال خلق الخياط الثوب: أي قدّره قبل قطعه، وخلق الله الخلق: أوجدهم على تقدير أوجبته الحكمة، والهبوط: الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه أو من منزلة إلى ما دونها، فهو إما حسى وإما معنوى، والتكبر: جعل الإنسان نفسه أكبر مما هى عليه، والصغار: الذلة والهوان، وأنظره: أخره، والإغواء:
الإيقاع فى الغواية: وهى ضد الرشاد، وذأم الشيء: عابه، ودحر الجند العدو، طرده وأبعده.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه عباده فى الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين فى الأرض وخلق أنواع المعايش فيها- قفّى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنسانى مستعدا للكمال وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
الإيضاح
(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) الخطاب لبنى آدم أي ولقد خلقنا مادة هذا النوع من الصلصال والحمأ المسنون أي من الماء والطين اللازب، فمنه خلق الإنسان الأول، ثم جعلنا من تلك المادة صورة بشر سوىّ قابل للحياة.
وقد يكون المعنى- إنا قدرنا إيجادكم تقديرا ثم صورنا مادتكم تصويرا، وذلك شامل لخلق آدم وخلق مجموع الناس، إذ أن كل فرد يقدر الله خلقه ثم يصور المادة التي يخلقه منها فى بطن أمه.
(ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أي وبعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا
110
وصار مستعدا لأن يكون خليفة فى الأرض، وعلمناه الأسماء كلها، قلنا لجماعة الملائكة اسجدوا لآدم.
(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي فسجد الملائكة جميعا إلا إبليس فإنه أبي واستكبر، وهو من الجن لا منهم.
وهذا السجود سجود تكريم وتعظيم من الله لآدم لا سجود عبادة، فقد قامت الدلائل القاطعة على أنه لا معبود إلا الله وحده.
(قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) لا هنا مزيدة للتأكيد بدليل قوله فى آية أخرى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ» أي قال له تعالى: ما منعك من امتثال أمرى، فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين.
وقد تكون (لا) غير زائدة والمنع بمعنى الحمل والاضطرار، وعليه فالمعنى- ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد.
وخلاصة ذلك- أي شىء عرض لك فحملك على ألا تكون مع الملائكة فى امتثال أمرى بالسجود؟.
ثم ذكر سببا يبرر به امتناعه عن السجود.
(قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أي إن الذي حملنى على ذلك أنى خير منه إذ أنك خلقتنى من النار وخلقته من الطين، والنار خير من الطين وأشرف، والشريف لا يعظّم من دونه ولو أمره بذلك ربه.
ولا شك أن فى هذا ضروبا من الجهالة وأنواعا من الفسوق والعصيان تتجلى لك فيما يلى:
(ا) اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
(ب) احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمرر به يعلم أن لله الحجة البالغة، والحكمة الكاملة، فيما يفعل ويأمر وينهى.
(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي فسجد الملائكة جميعا إلا إبليس فإنه أبي واستكبر، وهو من الجن لا منهم.
وهذا السجود سجود تكريم وتعظيم من الله لآدم لا سجود عبادة، فقد قامت الدلائل القاطعة على أنه لا معبود إلا الله وحده.
(قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) لا هنا مزيدة للتأكيد بدليل قوله فى آية أخرى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ» أي قال له تعالى: ما منعك من امتثال أمرى، فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين.
وقد تكون (لا) غير زائدة والمنع بمعنى الحمل والاضطرار، وعليه فالمعنى- ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد.
وخلاصة ذلك- أي شىء عرض لك فحملك على ألا تكون مع الملائكة فى امتثال أمرى بالسجود؟.
ثم ذكر سببا يبرر به امتناعه عن السجود.
(قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أي إن الذي حملنى على ذلك أنى خير منه إذ أنك خلقتنى من النار وخلقته من الطين، والنار خير من الطين وأشرف، والشريف لا يعظّم من دونه ولو أمره بذلك ربه.
ولا شك أن فى هذا ضروبا من الجهالة وأنواعا من الفسوق والعصيان تتجلى لك فيما يلى:
(ا) اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
(ب) احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمرر به يعلم أن لله الحجة البالغة، والحكمة الكاملة، فيما يفعل ويأمر وينهى.
111
(ح) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية، والمرءوس فى الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه، صار الأمر فوضى والعاقبة وخيمة، فلا يصلح عمل ولا يتم الفوز والنجاح.
وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن جعفر الصادق أن رسول الله ﷺ قال: «أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس.
(د) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية الموادّ بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ولا تثبت بالبرهان، إلى أن كثيرا من الموادّ النفسية خسيسة الأصل، ألا ترى أن أصل المسك الدم، والماس من (الكربون) الذي هو أصل الفحم، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
(هـ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي فى هذه الأرض إما من الطين مباشرة أو بالواسطة وهى خير ما فيها، وليس للنار شىء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
(ز) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم.
وكل ما قدمنا مبنى على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حوار بين الله وإبليس.
ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم- مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فالانتفاع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذلك ظهرت
وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن جعفر الصادق أن رسول الله ﷺ قال: «أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس.
(د) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية الموادّ بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ولا تثبت بالبرهان، إلى أن كثيرا من الموادّ النفسية خسيسة الأصل، ألا ترى أن أصل المسك الدم، والماس من (الكربون) الذي هو أصل الفحم، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
(هـ) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي فى هذه الأرض إما من الطين مباشرة أو بالواسطة وهى خير ما فيها، وليس للنار شىء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
(ز) إنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم.
وكل ما قدمنا مبنى على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حوار بين الله وإبليس.
ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم- مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فالانتفاع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذلك ظهرت
112
حكمة الله تعالى وآياته فيها كما اصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين بدينه وهديه، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوا له وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله تعالى وإقامة سننه فى صلاح الخلق، وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم (وهم الشياطين) التمرد والعصيان.
كما أنه تعالى آتى الإنسان إرادة واختيارا إن شاء صعد إلى أفق الملائكة، وإن أراد هبط إلى أفق الشياطين.
(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها) أي اهبط من الجنة التي خلقك الله فيها وكانت على مرتفع من الأرض حين كانت قريبة العهد بالظهور فى وسط الماء، فخير ما يصلح منها لسكنى الإنسان مرتفعاتها.
وقيل هى جنة الجزاء التي أسكنه الله فيها بعد خلقه فى الأرض، ويرشد إلى هذا ما جاء فى سورتى البقرة وطه من أمره بالهبوط وأمر آدم وزوجه بذلك بعد قوله:
«اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ».
(فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) أي فما ينبغى لك أن تتكبر فى هذا المكان المعدّ للكرامة والتعظيم.
(فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أي فاخرج من هذا المكان، فإنك من ذوى الذلة والهوان، وقد أظهر حقيقتك الامتحان، ودل على أنك من الأشرار لا الأخيار.
وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى جازاه بضد ما أراد، فقد أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها فجوزى بالهبوط منها إلى ما دونها،
وجاء فى بعض الآثار: «إن الله تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة فى أحقر الصور، إذ يطؤهم الناس بأرجلهم، كما أنه يبغّضهم إلى الناس فى الدنيا، فيحتقرونهم ولو فى أنفسهم».
(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي قال رب أمهلنى إلى يوم يبعث آدم وذريته فأكون أنا وذريتى أحياء ما داموا أحياء، وأشهد انقراضهم وبعثهم.
كما أنه تعالى آتى الإنسان إرادة واختيارا إن شاء صعد إلى أفق الملائكة، وإن أراد هبط إلى أفق الشياطين.
(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها) أي اهبط من الجنة التي خلقك الله فيها وكانت على مرتفع من الأرض حين كانت قريبة العهد بالظهور فى وسط الماء، فخير ما يصلح منها لسكنى الإنسان مرتفعاتها.
وقيل هى جنة الجزاء التي أسكنه الله فيها بعد خلقه فى الأرض، ويرشد إلى هذا ما جاء فى سورتى البقرة وطه من أمره بالهبوط وأمر آدم وزوجه بذلك بعد قوله:
«اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ».
(فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) أي فما ينبغى لك أن تتكبر فى هذا المكان المعدّ للكرامة والتعظيم.
(فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أي فاخرج من هذا المكان، فإنك من ذوى الذلة والهوان، وقد أظهر حقيقتك الامتحان، ودل على أنك من الأشرار لا الأخيار.
وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى جازاه بضد ما أراد، فقد أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها فجوزى بالهبوط منها إلى ما دونها،
وجاء فى بعض الآثار: «إن الله تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة فى أحقر الصور، إذ يطؤهم الناس بأرجلهم، كما أنه يبغّضهم إلى الناس فى الدنيا، فيحتقرونهم ولو فى أنفسهم».
(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي قال رب أمهلنى إلى يوم يبعث آدم وذريته فأكون أنا وذريتى أحياء ما داموا أحياء، وأشهد انقراضهم وبعثهم.
113
وقد أراد بذلك أن يجد فسحة فى الإغواء فيأخذ بالثأر، ثم هو مع ذلك ينجو من الموت إذ لا موت بعد البعث.
(قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أي قال سبحانه: إنى أجبتك إلى ما طلبت، لما فى ذلك من الحكمة التي أنا بها عليم.
وظاهر الآية يدل على أنه تعالى جعله من المنظرين إلى يوم يبعثون، لكن جاء فى سورة الحجر: «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» فهذا يدل على أن النظرة إلى وقت النفخة الأولى بالصور، وهى النفخة التي يموت فيها أهل الأرض جميعا دفعة واحدة، لا إلى وقت النفخة الثانية وهى التي بها يبعثون، وورد أن بينهما أربعين سنة.
والنفخة الأولى تسمى نفخة الفزع لقوله تعالى فى سورة النمل: «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» ونفخة الصعق لقوله فى سورة الزمر: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ».
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ سأل جبريل عن هذه الآية:
من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله عز وجل،
أي هم حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم فى الدنيا وهم يشهدون فى الآخرة بضلال كل من خالف هديهم وسنتهم، ويدخل فى هؤلاء النبيون والصديقون، فكل نبى شهيد على قومه كما قال تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» وكذلك كل صدّيق شهيد.
والخلاصة- إن إبليس يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها حراب هذه الأرض كما قال فى سورة الحاقة: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً».
(قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أي قال سبحانه: إنى أجبتك إلى ما طلبت، لما فى ذلك من الحكمة التي أنا بها عليم.
وظاهر الآية يدل على أنه تعالى جعله من المنظرين إلى يوم يبعثون، لكن جاء فى سورة الحجر: «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» فهذا يدل على أن النظرة إلى وقت النفخة الأولى بالصور، وهى النفخة التي يموت فيها أهل الأرض جميعا دفعة واحدة، لا إلى وقت النفخة الثانية وهى التي بها يبعثون، وورد أن بينهما أربعين سنة.
والنفخة الأولى تسمى نفخة الفزع لقوله تعالى فى سورة النمل: «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» ونفخة الصعق لقوله فى سورة الزمر: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ».
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ سأل جبريل عن هذه الآية:
من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله عز وجل،
أي هم حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم فى الدنيا وهم يشهدون فى الآخرة بضلال كل من خالف هديهم وسنتهم، ويدخل فى هؤلاء النبيون والصديقون، فكل نبى شهيد على قومه كما قال تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» وكذلك كل صدّيق شهيد.
والخلاصة- إن إبليس يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها حراب هذه الأرض كما قال فى سورة الحاقة: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً».
114
ولا يبقى إلى يوم البعث، إلا إذا قلنا إن يوم البعث ويوم القيامة يطلقان تارة على ما يشمل زمن مقدماتهما، وتارة أخرى على زمن الغاية وحدها.
(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) صراط الله المستقيم: هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن زكّى نفسه بهدى الدين الحق الذي يكمّل الفطرة كما
جاء فى الخبر: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه».
أي قال إبليس: فبإغوائك إياى من أجل آدم وذريته، أقسم لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فأصدنهم عنه وأقطعنّه عليهم بأن أزيّن لهم طرقا أخرى أشرعها لهم من جوانب هذا الطريق حتى يضلّوا عنه، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أي ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا هاجمتهم منها مترصّدا لهم كما يقعد قطّاع الطريق للسابلة.
وخلاصة ذلك- لأسوّلنّ لهم ولأصلنهم قدر المستطاع، وقد ضرب لذلك المثل بحال العدو يأتى عدوه من أي جهة أمكنته ويفترص الفرصة إذا سنحت له.
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أي ولا تجد أكثرهم مطيعين لك، شاكرين لنعمك عليهم، فى عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفى كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن فأصاب لقوله تعالى: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
وروى عن ابن عباس فى تفسير الجهات الأربع: من بين أيديهم أي أشككهم فى آخرتهم، ومن خلفهم أي أرغبهم فى دنياهم، وعن أيمانهم أي أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أي أستنّ لهم المعاصي، ولا تجد أكثرهم شاكرين أي موحدين وفى رواية أخرى عنه من بين أيديهم- أي من قبل الدنيا، ومن خلفهم أي من قبل الآخرة، وعن أيمانهم أي من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم أي من قبل سيئاتهم.
(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) صراط الله المستقيم: هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن زكّى نفسه بهدى الدين الحق الذي يكمّل الفطرة كما
جاء فى الخبر: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه».
أي قال إبليس: فبإغوائك إياى من أجل آدم وذريته، أقسم لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فأصدنهم عنه وأقطعنّه عليهم بأن أزيّن لهم طرقا أخرى أشرعها لهم من جوانب هذا الطريق حتى يضلّوا عنه، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أي ثم لا أدع جهة من الجهات الأربع إلا هاجمتهم منها مترصّدا لهم كما يقعد قطّاع الطريق للسابلة.
وخلاصة ذلك- لأسوّلنّ لهم ولأصلنهم قدر المستطاع، وقد ضرب لذلك المثل بحال العدو يأتى عدوه من أي جهة أمكنته ويفترص الفرصة إذا سنحت له.
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أي ولا تجد أكثرهم مطيعين لك، شاكرين لنعمك عليهم، فى عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفى كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن فأصاب لقوله تعالى: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
وروى عن ابن عباس فى تفسير الجهات الأربع: من بين أيديهم أي أشككهم فى آخرتهم، ومن خلفهم أي أرغبهم فى دنياهم، وعن أيمانهم أي أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أي أستنّ لهم المعاصي، ولا تجد أكثرهم شاكرين أي موحدين وفى رواية أخرى عنه من بين أيديهم- أي من قبل الدنيا، ومن خلفهم أي من قبل الآخرة، وعن أيمانهم أي من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم أي من قبل سيئاتهم.
115
والرواية الثانية تخالف الأولى فى تفسير ما بين الأيدى: هل المراد منه ما هو حاضر أو ما هو مستقبل، وفى تفسير الخلف: هل المراد منه ما يتركه المرء ويتخلف عنه وهو الدنيا، أو هو ما وراء حياته الحاضرة وهو الآخرة، واللفظ محتمل لكلا التأويلين.
روى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات: «اللهم احفظني من بين يدىّ ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بك أن أغتال من تحتى».
(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً) أي قال اخرج من الجنة وأنت مذموم مهان من الله وملائكته ومطرود من جنته.
(لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) أي أقسم إن من يتبعك من بنى آدم فيما تزيّنه له من الشرك والفجور، ويصدق ظنك عليه ليكونن معك فى جهنم دار العذاب، ولأملأنها منك وممن تبعك منهم أجمعين.
وفى قوله منهم إشارة إلى أن الملء يكون من بعضهم، فإن بعض من يتبعه فى بعض المعاصي من المؤمنين الموحدين يغفر الله لهم ويعفو عنهم.
ونحو الآية قوله فى سورة ص: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ».
وقد استثنى فى سورتى الحجر وص من إغوائه عباده المخلصين، فقال فى الأولى:
«إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ» وقال فى الثانية: «قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ».
وقد علمت أن المراد من هذا بيان طبيعة البشر وطبيعة الشيطان واستعدادهما واختيارهما فى أعمالهما كما هو رأى بعض العلماء، وأيد ذلك الحافظ ابن كثير.
روى أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات: «اللهم احفظني من بين يدىّ ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بك أن أغتال من تحتى».
(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً) أي قال اخرج من الجنة وأنت مذموم مهان من الله وملائكته ومطرود من جنته.
(لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) أي أقسم إن من يتبعك من بنى آدم فيما تزيّنه له من الشرك والفجور، ويصدق ظنك عليه ليكونن معك فى جهنم دار العذاب، ولأملأنها منك وممن تبعك منهم أجمعين.
وفى قوله منهم إشارة إلى أن الملء يكون من بعضهم، فإن بعض من يتبعه فى بعض المعاصي من المؤمنين الموحدين يغفر الله لهم ويعفو عنهم.
ونحو الآية قوله فى سورة ص: «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ».
وقد استثنى فى سورتى الحجر وص من إغوائه عباده المخلصين، فقال فى الأولى:
«إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ» وقال فى الثانية: «قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ».
وقد علمت أن المراد من هذا بيان طبيعة البشر وطبيعة الشيطان واستعدادهما واختيارهما فى أعمالهما كما هو رأى بعض العلماء، وأيد ذلك الحافظ ابن كثير.
116
ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ
ﰒ
ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ
ﰓ
ﯰﯱﯲﯳﯴ
ﰔ
ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ
ﰕ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ
ﰖ
ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ
ﰗ
ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ
ﰘ
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩ الى ٢٥]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
تفسير المفردات
أصل الوسوسة: الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي وسوسة، ووسوسة الشيطان للبشر: ما يجدونه فى أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزيّن لهم ما يضرهم فى أبدانهم أو أرواحهم، وروى الشيء: غطّى وستر، والسوءة: ما يسوء الإنسان أن يراه غيره من أمر شائن وعمل قبيح؟ وإذا أضيفت إلى الإنسان أريد بها عورته الفاحشة، لأنه يسوءه ظهورها بمقتضى الحياء الفطري. من الخالدين: أي الذين
117
لا يموتون أبدا، وقاسمهما: أي أقسم وحلف لهما، ودلّى الشيء تدلية: أرسله إلى أسفل رويدا رويدا، والغرور: الخداع بالباطل، طفقا: أي أخذا وشرعا، يخصفان:
أي يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة من قولهم: خصف الإسكافي النعل: إذا وضع عليها مثلها.
المعنى الجملي
لا يزال الحديث متصلا فى الكلام فى النشأة الأولى للبشر وفى شياطين الجن، وقد ذكرت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات فى وعظ بنى آدم وإرشادهم إلى ما به تكمل فطرتهم، وفى ذلك امتنان عليهم وذكر لكرامة أبيهم.
الإيضاح
(وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الجنة: هى التي خلق فيها آدم، فآدم خلق من الأرض فى الأرض.
وقد تكررت هذه القصة فى سبعة مواضع من الكتاب العزيز، ولم يرد فى موضع منها أن الله رفعه إلى الجنة التي هى دار الجزاء، وإن كان الجمهور على أنها جنة الجزاء على الأعمال. ويردّه أنه كلّف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولا تكليف فى دار الجزاء، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس، ولا نوم فى الجنة، ولا خروج بعد الدخول، ولا يمكن دخول الشيطان فيها بعد الطرد والإخراج.
والآية تدل على أن آدم كان له زوج فى الجنة، وفى التوراة (إن الله ألقى على آدم سباتا انتزع فى أثنائه ضلعا من أضلاعه، فخلق منه حواء امرأته، وأنها سميت امرأت لأنها من امرئ أخذت) وليس فى القرآن ما يدل على هذا، وما روى من ذلك مأخوذ من الإسرائيليات، وما
روى فى الصحيحين عن أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم
أي يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة من قولهم: خصف الإسكافي النعل: إذا وضع عليها مثلها.
المعنى الجملي
لا يزال الحديث متصلا فى الكلام فى النشأة الأولى للبشر وفى شياطين الجن، وقد ذكرت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات فى وعظ بنى آدم وإرشادهم إلى ما به تكمل فطرتهم، وفى ذلك امتنان عليهم وذكر لكرامة أبيهم.
الإيضاح
(وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الجنة: هى التي خلق فيها آدم، فآدم خلق من الأرض فى الأرض.
وقد تكررت هذه القصة فى سبعة مواضع من الكتاب العزيز، ولم يرد فى موضع منها أن الله رفعه إلى الجنة التي هى دار الجزاء، وإن كان الجمهور على أنها جنة الجزاء على الأعمال. ويردّه أنه كلّف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولا تكليف فى دار الجزاء، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس، ولا نوم فى الجنة، ولا خروج بعد الدخول، ولا يمكن دخول الشيطان فيها بعد الطرد والإخراج.
والآية تدل على أن آدم كان له زوج فى الجنة، وفى التوراة (إن الله ألقى على آدم سباتا انتزع فى أثنائه ضلعا من أضلاعه، فخلق منه حواء امرأته، وأنها سميت امرأت لأنها من امرئ أخذت) وليس فى القرآن ما يدل على هذا، وما روى من ذلك مأخوذ من الإسرائيليات، وما
روى فى الصحيحين عن أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم
118
«فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج»
فهو من باب التمثيل على حد قوله: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» والدليل على ذلك قوله بعد:
«فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم بزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا»
فإنه لا شك أن المراد منه- لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة والغلظة فى المعاملة.
(فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) أي فكلا من ثمارها من أي مكان أردتما.
(وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) النهى عن قرب الشيء أبلغ أثرا من النهى عن الشيء نفسه، إذ أنه يقتضى البعد عن موارد الشبهات التي تغرى به كما
جاء فى الحديث: «ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
وقد أبهم سبحانه هذه الشجرة، ولو كان فى تعيينها خير لنا لعيّنها، وقد علل القرآن النهى عنها، بأنهما إذا اقتربا منها كانا من الظالمين لأنفسهما بفعلهما ما يعاقبان عليه ولو بالحرمان من رغد العيش وما يعقبه من التعب والمشقة.
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) أي زين لهما ما يضرهما ويسوءهما إذا هما رأيا ما يؤثران ستره وألا يرى مكشوفا، والأرجح أن هذه الوسوسة كانت بأن تمثل الشيطان لآدم وزوجه وكلمهما.
(وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) أي وقال لهما فيم وسوس به: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأحد أمرين كراهة أن تكونا بالأكل منها كالملكين فيما أوتى الملائكة من الخصائص والمزايا: كالقوة وطول البقاء وعدم التأثر بتأثيرات الكون المؤلمة المتعبة، أو كراهة أن تكونا من الخالدين فى الجنة، أي الذين لا يموتون البتة والخلاصة- إنه أوهمهما أن الأكل من هذه الشجرة إما أن يعطى الآكل صفات الملائكة وغرائزهم، أو يقتضى الخلود فى الحياة وفى الآية إيماء إلى تفضيل الملائكة على آدم، وخصصه بعضهم بملائكة السماء
فهو من باب التمثيل على حد قوله: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» والدليل على ذلك قوله بعد:
«فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم بزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا»
فإنه لا شك أن المراد منه- لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة والغلظة فى المعاملة.
(فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) أي فكلا من ثمارها من أي مكان أردتما.
(وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) النهى عن قرب الشيء أبلغ أثرا من النهى عن الشيء نفسه، إذ أنه يقتضى البعد عن موارد الشبهات التي تغرى به كما
جاء فى الحديث: «ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
وقد أبهم سبحانه هذه الشجرة، ولو كان فى تعيينها خير لنا لعيّنها، وقد علل القرآن النهى عنها، بأنهما إذا اقتربا منها كانا من الظالمين لأنفسهما بفعلهما ما يعاقبان عليه ولو بالحرمان من رغد العيش وما يعقبه من التعب والمشقة.
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) أي زين لهما ما يضرهما ويسوءهما إذا هما رأيا ما يؤثران ستره وألا يرى مكشوفا، والأرجح أن هذه الوسوسة كانت بأن تمثل الشيطان لآدم وزوجه وكلمهما.
(وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) أي وقال لهما فيم وسوس به: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأحد أمرين كراهة أن تكونا بالأكل منها كالملكين فيما أوتى الملائكة من الخصائص والمزايا: كالقوة وطول البقاء وعدم التأثر بتأثيرات الكون المؤلمة المتعبة، أو كراهة أن تكونا من الخالدين فى الجنة، أي الذين لا يموتون البتة والخلاصة- إنه أوهمهما أن الأكل من هذه الشجرة إما أن يعطى الآكل صفات الملائكة وغرائزهم، أو يقتضى الخلود فى الحياة وفى الآية إيماء إلى تفضيل الملائكة على آدم، وخصصه بعضهم بملائكة السماء
119
والعرش والكرسي من العالين والمقرّبين، دون ملائكة الأرض المسخرين لتدبير أمورها وإحكام نظامها.
(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي وأقسم إنه ناصح لهما فيما رغبهما فيه من الأكل من الشجرة، وأكد ذلك بأشد المؤكدات وأغلظها، إذ كان عندهما محل الظّنة فى نصحه، لأن الله أخبرهما أنه عدو لهما.
(فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) أي فما زال يخدعهما بالترغيب فى الأكل من هذه الشجرة والقسم على أنه ناصح لهما حتى أسقطهما وحطهما عما كانا عليه من سلامة الفطرة وطاعة البارئ لهما بما غرهما به وزين لهما، وقد اغترا به وانخدعا بفسمه وصدّقا قوله اعتقادا منهما أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا.
ويرى بعض العلماء أن الغرور كان بتزيين الشهوة، فإن من غرائز الشر وطبائعهم كشف المجهول والرغبة فى الممنوع، فقد نفخ الشيطان فى نار هذه الشهوات الغريزية وأثار النفس إلى مخالفة النهى حتى نسى آدم عهد ربه، ولم يكن له من قوة العزم ما يكفه عن متابعة امرأته، ويعتصم به من تأثير شيطانه كما قال فى سورة طه، «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»
وجاء فى الصحيح عن أبي هريرة: «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها»
أي لأنها هى التي زينت له الأكل من الشجرة، وقد فطرت المرأة على تزيين ما تشتهيه للرجل ولو بالخيانة له.
(فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أي فلما ذاقا ثمرة الشجرة ظهرت لكل منهما سوءته وسوءة صاحبه وكانت مستورة عنهما، فدبت فيها شهوة التناسل بتأثير الأكل من الشجرة، فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من أمرها، فخجلا من ظهورها وشعرا بالحاجة إلى سترها، وشرعا يلزقان ويربطان على أبدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها.
(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي وأقسم إنه ناصح لهما فيما رغبهما فيه من الأكل من الشجرة، وأكد ذلك بأشد المؤكدات وأغلظها، إذ كان عندهما محل الظّنة فى نصحه، لأن الله أخبرهما أنه عدو لهما.
(فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) أي فما زال يخدعهما بالترغيب فى الأكل من هذه الشجرة والقسم على أنه ناصح لهما حتى أسقطهما وحطهما عما كانا عليه من سلامة الفطرة وطاعة البارئ لهما بما غرهما به وزين لهما، وقد اغترا به وانخدعا بفسمه وصدّقا قوله اعتقادا منهما أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا.
ويرى بعض العلماء أن الغرور كان بتزيين الشهوة، فإن من غرائز الشر وطبائعهم كشف المجهول والرغبة فى الممنوع، فقد نفخ الشيطان فى نار هذه الشهوات الغريزية وأثار النفس إلى مخالفة النهى حتى نسى آدم عهد ربه، ولم يكن له من قوة العزم ما يكفه عن متابعة امرأته، ويعتصم به من تأثير شيطانه كما قال فى سورة طه، «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»
وجاء فى الصحيح عن أبي هريرة: «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها»
أي لأنها هى التي زينت له الأكل من الشجرة، وقد فطرت المرأة على تزيين ما تشتهيه للرجل ولو بالخيانة له.
(فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أي فلما ذاقا ثمرة الشجرة ظهرت لكل منهما سوءته وسوءة صاحبه وكانت مستورة عنهما، فدبت فيها شهوة التناسل بتأثير الأكل من الشجرة، فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من أمرها، فخجلا من ظهورها وشعرا بالحاجة إلى سترها، وشرعا يلزقان ويربطان على أبدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها.
120
والخلاصة- إن الشيطان لما وسوس لهما بقوله: ما نهاكما ربكما إلخ ولم يقبلا منه ما قال- لجأ إلى اليمين كما دل على ذلك قوله: وقاسمهما، فلم يصدقاه أيضا، فعدل بعد ذلك إلى الخداع كما أشار إلى ذلك بقوله: فدلاهما بغرور أي إنه شغلهما بتحصيل اللذات فجعلاها نصب أعينهما ونسيا النهى كما يدل على ذلك قوله: «فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً».
وقد عاتبه الله على تركه التحفظ والحيطة والتدبر فى عواقب الأمور فقال:
(وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ؟) أي وناداهما ربهما معاتبا لهما وموبّخا لهما وقال: ألم أنهكما عن أن تقربا هذه الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة حيث العيش الرغد إلى حيث الشقاء فى العيش والتعب والنصب فى الحياة.
ونحو الآية قوله فى سورة طه: «فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى».
(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أي قالا ربنا إننا ظلمنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان ومعصيتنا لأمرك وقد أنذرتنا، وإن لم تغفر لنا ما ظلمنا به أنفسنا وترحمنا بالرضا عنا وتوفيقنا إلى الهداية وترك الظلم، وبقبول توبتنا إذا نحن أنبنا إليك، وإعطائنا من فضلك فوق ما نستحق- لنكونن من الخاسرين لأنفسنا وللفوز والفلاح بتزكيتها.
والخلاصة- إن الظفر بالمقصود والفوز بالسعادة لا ينالهما بمغفرتك ورحمتك إلا من ينيب إليك ويتبع سبيلك، ولا ينالهما من يصرّ على ذنبه ويحتج على ربه كما فعل الذي أبي واستكبر فكان من الخاسرين.
ونحو الآية قوله فى سورة البقرة: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
وقد عاتبه الله على تركه التحفظ والحيطة والتدبر فى عواقب الأمور فقال:
(وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ؟) أي وناداهما ربهما معاتبا لهما وموبّخا لهما وقال: ألم أنهكما عن أن تقربا هذه الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ظاهر العداوة لكما، فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة حيث العيش الرغد إلى حيث الشقاء فى العيش والتعب والنصب فى الحياة.
ونحو الآية قوله فى سورة طه: «فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى».
(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أي قالا ربنا إننا ظلمنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان ومعصيتنا لأمرك وقد أنذرتنا، وإن لم تغفر لنا ما ظلمنا به أنفسنا وترحمنا بالرضا عنا وتوفيقنا إلى الهداية وترك الظلم، وبقبول توبتنا إذا نحن أنبنا إليك، وإعطائنا من فضلك فوق ما نستحق- لنكونن من الخاسرين لأنفسنا وللفوز والفلاح بتزكيتها.
والخلاصة- إن الظفر بالمقصود والفوز بالسعادة لا ينالهما بمغفرتك ورحمتك إلا من ينيب إليك ويتبع سبيلك، ولا ينالهما من يصرّ على ذنبه ويحتج على ربه كما فعل الذي أبي واستكبر فكان من الخاسرين.
ونحو الآية قوله فى سورة البقرة: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
121
(قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) يرى كثير من سلف الأمة أن هذا الخطاب لآدم وحواء، وإبليس عليه اللعنة، أي اهبطوا من هذه الجنة بعضكم عدو لبعض أي إن الشيطان عدو للإنسان، فعلى الإنسان ألا يغفل عن عداوته ولا يأمن وسوسته وإغواءه كما جاء فى قوله: «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ».
وهذا الإخراج من ذلك النعيم عقاب على تلك المعصية التي بها ظلما أنفسهما، وقد قضت به سنة الله فى الخلق، إذ جعله أثرا طبيعيا للعمل السيء مترتبا عليه، أما العقاب الأخروى على عصيان الرب فقد غفره الله له بالتوبة التي أذهبت أثره من النفس وجعلتها محلا لاصطفائه كما قال فى سورة طه: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى».
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) أي ولكم فى الأرض استقرار وبقاء إلى زمن مقدر فى علم الله وهو الأجل الذي به تنتهى فيه أعماركم وتقوم فيه القيامة، كما أن لكم فيها متاعا تنتفعون به فى معيشتكم.
ونحو الآية قوله: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ».
ثم فصل هذا القول المجمل:
(قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ) أي فى هذه الأرض التي خلقتم منها تحيون مدة العمر المقدّر لكل منكم وللنوع بأسره، وفيها تموتون حين انتهائه، ومنها تخرجون بعد موتكم كلكم، وحين ما يريد المولى أن يبعثكم من مرقدكم للنشأة الآخرة.
ونحو الآية قوله تعالى فى سورة طه: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى».
وهذا الإخراج من ذلك النعيم عقاب على تلك المعصية التي بها ظلما أنفسهما، وقد قضت به سنة الله فى الخلق، إذ جعله أثرا طبيعيا للعمل السيء مترتبا عليه، أما العقاب الأخروى على عصيان الرب فقد غفره الله له بالتوبة التي أذهبت أثره من النفس وجعلتها محلا لاصطفائه كما قال فى سورة طه: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى. ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى».
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) أي ولكم فى الأرض استقرار وبقاء إلى زمن مقدر فى علم الله وهو الأجل الذي به تنتهى فيه أعماركم وتقوم فيه القيامة، كما أن لكم فيها متاعا تنتفعون به فى معيشتكم.
ونحو الآية قوله: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ».
ثم فصل هذا القول المجمل:
(قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ) أي فى هذه الأرض التي خلقتم منها تحيون مدة العمر المقدّر لكل منكم وللنوع بأسره، وفيها تموتون حين انتهائه، ومنها تخرجون بعد موتكم كلكم، وحين ما يريد المولى أن يبعثكم من مرقدكم للنشأة الآخرة.
ونحو الآية قوله تعالى فى سورة طه: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى».
122
مغزى هذا القصص
قص الله سبحانه علينا خبر النشأة الأولى ليرشدنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكره وطاعته، ويبين لنا أنه خلق الإنسان ليكون خليفة فى الأرض، وجعله مستعدا لعلم كل شىء فيها وتسخير ما فيها من القوى لمنافعه وليهدينا إلى أنه كان فى نشأته الأولى فى جنة النعيم وراحة البال، وقد جعله مستعدا للتأثر بالأرواح الملكية التي تجذبه إلى الحق والخير، والأرواح الشيطانية التي تجذبه إلى الباطل والشر، وعاقبة التأثر الأول سعادة الدارين، ونتيجة الثاني الشقاء فيهما، وهو أيضا محتاج إلى الوحى لإرشاده وهدايته.
فعلينا أن نعرف غرائزنا ونربّى أنفسنا على أن نتذكر عهد الله إلينا بأن نعبده وحده ولا نعبد معه أحدا سواه، ولا ننساه فنسى أنفسنا ونغفل عن تزكيتها ونتركها كالريشة فى مهابّ أهواء الشهوات ووساوس شياطين الضلالات.
وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ورسولا عند بدء خلقه ولا موضعا للرسالة فى ذلك الحين، بل أنكر بعضهم أن يكون رسولا مطلقا، وقال إن أول الرسل نوح عليه السلام كما تدل على ذلك الآيات الواردة فى الرسل والأحاديث الصحيحة، وما ورد فى هذه القصة من التفسير بالمأثور فأكثره مدخول مأخوذ من الإسرائيليات عن زنادقة اليهود الذين دخلوا فى الإسلام للكيد له، وكان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره من الإسرائيليات فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد له من أصل مرفوع إلى النبي ﷺ لأنه لا يعرف بالرأى.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
قص الله سبحانه علينا خبر النشأة الأولى ليرشدنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكره وطاعته، ويبين لنا أنه خلق الإنسان ليكون خليفة فى الأرض، وجعله مستعدا لعلم كل شىء فيها وتسخير ما فيها من القوى لمنافعه وليهدينا إلى أنه كان فى نشأته الأولى فى جنة النعيم وراحة البال، وقد جعله مستعدا للتأثر بالأرواح الملكية التي تجذبه إلى الحق والخير، والأرواح الشيطانية التي تجذبه إلى الباطل والشر، وعاقبة التأثر الأول سعادة الدارين، ونتيجة الثاني الشقاء فيهما، وهو أيضا محتاج إلى الوحى لإرشاده وهدايته.
فعلينا أن نعرف غرائزنا ونربّى أنفسنا على أن نتذكر عهد الله إلينا بأن نعبده وحده ولا نعبد معه أحدا سواه، ولا ننساه فنسى أنفسنا ونغفل عن تزكيتها ونتركها كالريشة فى مهابّ أهواء الشهوات ووساوس شياطين الضلالات.
وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ورسولا عند بدء خلقه ولا موضعا للرسالة فى ذلك الحين، بل أنكر بعضهم أن يكون رسولا مطلقا، وقال إن أول الرسل نوح عليه السلام كما تدل على ذلك الآيات الواردة فى الرسل والأحاديث الصحيحة، وما ورد فى هذه القصة من التفسير بالمأثور فأكثره مدخول مأخوذ من الإسرائيليات عن زنادقة اليهود الذين دخلوا فى الإسلام للكيد له، وكان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره من الإسرائيليات فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد له من أصل مرفوع إلى النبي ﷺ لأنه لا يعرف بالرأى.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
123
تفسير المفردات
الريش: لباس الحاجة والزينة، ولباس التقوى: ما يلبس من الدروع والجواش والمغافر وغيرها مما يتّقى به فى الحرب، والفتنة: الابتلاء والاختبار، من قولهم: فتن الصائغ الذهب أو الفضة إذا عرضهما على النار ليعرف الزّيف من النّضار، والقبيل:
الجماعة كالقبيلة، وقيل القبيلة: من كان لهم أب واحد، والقبيل أعم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أنه أمر سبحانه آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعل الأرض مستقر لهما، وذكر أن الشيطان عدو لهما- ذكر هنا أنه أنزل له ولبنيه كل ما يحتاجون إليه فى دينهم ودنياهم كاللباس الذي يسترون به عوراتهم ويتخذونه للزينة، واللباس الذي يستعملون فى الحرب كالمغافر والجواشن ونحوها فعليكم أن تشكروه تعالى على هذه المنن العظام، وتعبدوه وحده لا شريك له.
الإيضاح
(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) نادى الله بنى آدم وامتن عليهم بما أنعم عليهم من اللباس على اختلاف درجاته وتعدد أنواعه، من الأدنى الذي يستر العورة عن أعين الناس إلى الأعلى من أنواع الحلل التي تشبه ريش الطير فى وقاية البدن من الحر والبرد، إلى ما فيها من الزينة والجمال.
الريش: لباس الحاجة والزينة، ولباس التقوى: ما يلبس من الدروع والجواش والمغافر وغيرها مما يتّقى به فى الحرب، والفتنة: الابتلاء والاختبار، من قولهم: فتن الصائغ الذهب أو الفضة إذا عرضهما على النار ليعرف الزّيف من النّضار، والقبيل:
الجماعة كالقبيلة، وقيل القبيلة: من كان لهم أب واحد، والقبيل أعم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أنه أمر سبحانه آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعل الأرض مستقر لهما، وذكر أن الشيطان عدو لهما- ذكر هنا أنه أنزل له ولبنيه كل ما يحتاجون إليه فى دينهم ودنياهم كاللباس الذي يسترون به عوراتهم ويتخذونه للزينة، واللباس الذي يستعملون فى الحرب كالمغافر والجواشن ونحوها فعليكم أن تشكروه تعالى على هذه المنن العظام، وتعبدوه وحده لا شريك له.
الإيضاح
(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) نادى الله بنى آدم وامتن عليهم بما أنعم عليهم من اللباس على اختلاف درجاته وتعدد أنواعه، من الأدنى الذي يستر العورة عن أعين الناس إلى الأعلى من أنواع الحلل التي تشبه ريش الطير فى وقاية البدن من الحر والبرد، إلى ما فيها من الزينة والجمال.
124
والخلاصة- إنه يقول: يا بنى آدم، بقدرتنا قد أنزلنا عليكم من سمائنا لتدبير أموركم لباسا يوارى سوءاتكم، وريشا تتزينون به فى المجالس والمجتمعات، وهو أعلى اللباس وأكمله، وما دون ذلك وهو ما يقى الحر والبرد.
ومعنى إنزال ما ذكر من السماء- إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة وافتنّ الناس فى استعماله، بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد، ولا سيما فى هذا العهد الذي رقيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية.
ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة فى استعمالها، فالإسلام دين الفطرة وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة.
وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله فى الخليقة.
(وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) المشهور من كلام التابعين أن لباس التقوى لباس معنوى لاحسى، فقد قال ابن زيد: لباس هو التقوى وعن ابن عباس: إنه الإيمان والعمل الصالح، فإنهما خير من الريش واللباس. وروى عن زيد بن على بن الحسين: أنه لباس الحرب كالدّرع والمغفر والآلات التي يتّقي بها العدو، واختاره أبو مسلم الأصفهانى، ويدل عليه قوله تعالى: «سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ».
(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي ذلك الذي تقدم ذكره من النعم بإنزال الملابس من آيات قدرته ودلائل إحسانه وفضله على بنى آدم.
وهذه النعم تؤهلهم لتذكّر ذلك الفضل والقيام بما يجب عليهم من الشكر، والابتعاد من فتنة الشيطان وإبداء العورات أو الإسراف فى استعمال الزينة إلى نحو ذلك.
ومعنى إنزال ما ذكر من السماء- إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة وافتنّ الناس فى استعماله، بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد، ولا سيما فى هذا العهد الذي رقيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية.
ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة فى استعمالها، فالإسلام دين الفطرة وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة.
وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله فى الخليقة.
(وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) المشهور من كلام التابعين أن لباس التقوى لباس معنوى لاحسى، فقد قال ابن زيد: لباس هو التقوى وعن ابن عباس: إنه الإيمان والعمل الصالح، فإنهما خير من الريش واللباس. وروى عن زيد بن على بن الحسين: أنه لباس الحرب كالدّرع والمغفر والآلات التي يتّقي بها العدو، واختاره أبو مسلم الأصفهانى، ويدل عليه قوله تعالى: «سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ».
(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي ذلك الذي تقدم ذكره من النعم بإنزال الملابس من آيات قدرته ودلائل إحسانه وفضله على بنى آدم.
وهذه النعم تؤهلهم لتذكّر ذلك الفضل والقيام بما يجب عليهم من الشكر، والابتعاد من فتنة الشيطان وإبداء العورات أو الإسراف فى استعمال الزينة إلى نحو ذلك.
125
(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) من سنن العربية تكرار النداء فى مقام التذكير والوعظ: أي لا تغفلوا يا بنى آدم عن أنفسكم فتمكنوا الشيطان من وسوسته لكم والتحيل فى خداعكم وإيقاعكم فى المعاصي، كما وسوس لأبويكم آدم وحواء فزّين لهما معصية ربهما فأكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، وكان ذلك سببا فى خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها، ودخولهما فى طور آخر يكابدان فيه شقاء المعيشة وهمومها.
(يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) أي إنه أخرجهما من الجنة وكان سببا فى نزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة لأجل أن يريهما سوءاتهما.
وفى ذلك إيماء إلى أنهما كانا يعيشان عريانين، لأنه ليس فى الأرض ثياب تصنع، وليس هناك إلا أوراق الأشجار، وعلماء الماديّات والآثار يحكمون حكما جازما بأن البشر قبل اهتدائهم إلى الصناعات كانوا يعيشون عراة، ثم اكتسوا بورق الشجر وجلود الحيوان التي يصطادونها، ولا يزال المتوحشون منهم إلى الآن يعيشون كذلك.
(إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) أي إن إبليس وجنوده من شياطين الجن يرونكم ولا ترونهم، والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان خطره أشد، ووجوب العناية باتقائه أعظم، كما يرى ذلك فى بعض الأوبئة التي ثبت وجودها فى هذا العصر بالمجهر (التليسكوب) فإنها تنفذ إلى الأجسام بنقل الذباب أو البعوض أو مع الطعام أو الشراب أو الهواء، فتتوالد وتنمو بسرعة، وقد تسبّب للإنسان أمراضا مستعصية العلاج كالحمى الصفراء (الملاريا) والتيفود والتيفوس والسل والسرطان إلى نحو أولئك.
وفعل جنة الشياطين فى أرواح البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء (الميكروبات) فى الأجسام، فكلاهما يؤثر من حيث لا يرى فيتقّى، والثانية تتقى بالأخذ بنصائح الأطباء واستعمال الوسائل العلاجية الواقية.
(يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) أي إنه أخرجهما من الجنة وكان سببا فى نزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة لأجل أن يريهما سوءاتهما.
وفى ذلك إيماء إلى أنهما كانا يعيشان عريانين، لأنه ليس فى الأرض ثياب تصنع، وليس هناك إلا أوراق الأشجار، وعلماء الماديّات والآثار يحكمون حكما جازما بأن البشر قبل اهتدائهم إلى الصناعات كانوا يعيشون عراة، ثم اكتسوا بورق الشجر وجلود الحيوان التي يصطادونها، ولا يزال المتوحشون منهم إلى الآن يعيشون كذلك.
(إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) أي إن إبليس وجنوده من شياطين الجن يرونكم ولا ترونهم، والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان خطره أشد، ووجوب العناية باتقائه أعظم، كما يرى ذلك فى بعض الأوبئة التي ثبت وجودها فى هذا العصر بالمجهر (التليسكوب) فإنها تنفذ إلى الأجسام بنقل الذباب أو البعوض أو مع الطعام أو الشراب أو الهواء، فتتوالد وتنمو بسرعة، وقد تسبّب للإنسان أمراضا مستعصية العلاج كالحمى الصفراء (الملاريا) والتيفود والتيفوس والسل والسرطان إلى نحو أولئك.
وفعل جنة الشياطين فى أرواح البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء (الميكروبات) فى الأجسام، فكلاهما يؤثر من حيث لا يرى فيتقّى، والثانية تتقى بالأخذ بنصائح الأطباء واستعمال الوسائل العلاجية الواقية.
126
والوقاية منها ضربان:
(١) اتخاذ الأسباب التي تمنع مجيئها من الخارج كالذى تفعله الحكومات فى المحاجر الصحية فى الثغور ومداخل البلاد.
(٢) تقوية الأبدان بالأغذية الجيدة والنظافة التامة لتقوى على مقاومة هذه الجنّة والفتك بها إذا وصلت إليها، كما يتقى وصول العثّ إلى الصوف بمنع وصول الغبار إليه أو بوضع الدواء الذي يسمى (النفتالين) إذ يقتله برائحته.
والأولى تتقى أيضا بإرشاد طب الأنفس والأرواح الذي يهدى إلى الوقاية من فتك جنة الشياطين فيها بالوسوسة وتزيين الأباطيل والشرور المحرمة فى هذا الطب لضررها، فمداخلها فى أنفسهم وتأثيرها فى خواطرهم كدخول تلك الجنّة فى أجسادهم وتأثيرها فى أعضائهم من حيث لا ترى.
والوقاية منها على ضربين:
(١) بتقوية الأرواح بالإيمان بالله وصفاته وإخلاص العبادة له والتخلق بالأخلاق الكريمة وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فتبتعد تلك الأرواح الشيطانية عنها ولا تستطيع القرب منها.
(٢) بمعالجة هذا الوسواس بعد طروئه كما يعالج المرض بعد حدوثه بالأدوية التي تقتله وتمنع امتداد ضرره.
والخلاصة- إن هذه الجملة (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) جاءت تعليلا للنهى عن تمكين الشيطان مما يبغى من الفتنة، وتأكيدا للتحذير منه وتذكيرا بشديد عداوته وضرره (والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان شديد الأثر عظيم الخطر).
ثم زاد فى التحذير من الشيطان وبين شديد عداوته للانسان فقال:
(إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي إن سنتنا جرت بأن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الإنس وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى وملائكته إيمان إذعان تزكو به نفوسهم، لما بينهما من التناسب والتشاكل
(١) اتخاذ الأسباب التي تمنع مجيئها من الخارج كالذى تفعله الحكومات فى المحاجر الصحية فى الثغور ومداخل البلاد.
(٢) تقوية الأبدان بالأغذية الجيدة والنظافة التامة لتقوى على مقاومة هذه الجنّة والفتك بها إذا وصلت إليها، كما يتقى وصول العثّ إلى الصوف بمنع وصول الغبار إليه أو بوضع الدواء الذي يسمى (النفتالين) إذ يقتله برائحته.
والأولى تتقى أيضا بإرشاد طب الأنفس والأرواح الذي يهدى إلى الوقاية من فتك جنة الشياطين فيها بالوسوسة وتزيين الأباطيل والشرور المحرمة فى هذا الطب لضررها، فمداخلها فى أنفسهم وتأثيرها فى خواطرهم كدخول تلك الجنّة فى أجسادهم وتأثيرها فى أعضائهم من حيث لا ترى.
والوقاية منها على ضربين:
(١) بتقوية الأرواح بالإيمان بالله وصفاته وإخلاص العبادة له والتخلق بالأخلاق الكريمة وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فتبتعد تلك الأرواح الشيطانية عنها ولا تستطيع القرب منها.
(٢) بمعالجة هذا الوسواس بعد طروئه كما يعالج المرض بعد حدوثه بالأدوية التي تقتله وتمنع امتداد ضرره.
والخلاصة- إن هذه الجملة (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) جاءت تعليلا للنهى عن تمكين الشيطان مما يبغى من الفتنة، وتأكيدا للتحذير منه وتذكيرا بشديد عداوته وضرره (والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان شديد الأثر عظيم الخطر).
ثم زاد فى التحذير من الشيطان وبين شديد عداوته للانسان فقال:
(إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي إن سنتنا جرت بأن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الإنس وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى وملائكته إيمان إذعان تزكو به نفوسهم، لما بينهما من التناسب والتشاكل
127
واكتساب الكفار لولاية الشياطين جاءت بسبب استعدادهم لقبول وسوستهم وإغوائهم وعدم احتراسهم من الخواطر الرديئة، كاكتساب ضعفاء البنية للأمراض باستعدادهم لها وعدم احتراسهم من أسبابها كتناول الأطعمة والأشربة الفاسدة والوجود فى جو مملوء بالجراثيم القتالة بعدم تعرضه للشمس والنور والهواء المتجدد
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
تفسير المفردات
الفاحشة: الفعلة المتناهية فى القبح، والمراد بها هنا طواف أهل الجاهلية عراة كما ولدتهم أمهاتهم ويقولون: لا نطوف بيت ربنا فى ثياب عصيناه بها، والقسط:
الاعتدال فى جميع الأمور، وهو الوسط بين الإفراط والتفريط، وإقامة الشيء: إعطاؤه حقه وتوفيته شروطه كإقامة الصلاة وإقامة الوزن بالقسط، والوجه: قد يطلق على العضو المعروف من الإنسان كما فى قوله «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» وقد يطلق على توجه القلب وصحة القصد كما فى قوله: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً»
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
تفسير المفردات
الفاحشة: الفعلة المتناهية فى القبح، والمراد بها هنا طواف أهل الجاهلية عراة كما ولدتهم أمهاتهم ويقولون: لا نطوف بيت ربنا فى ثياب عصيناه بها، والقسط:
الاعتدال فى جميع الأمور، وهو الوسط بين الإفراط والتفريط، وإقامة الشيء: إعطاؤه حقه وتوفيته شروطه كإقامة الصلاة وإقامة الوزن بالقسط، والوجه: قد يطلق على العضو المعروف من الإنسان كما فى قوله «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» وقد يطلق على توجه القلب وصحة القصد كما فى قوله: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً»
128
المعنى الجملي
بعد أن بين عزّ اسمه أنه جعل الشياطين قرناء للكافرين مسلّطين عليهم متمكنين من إغوائهم- ذكر هنا أثر ذلك التسليط عليهم، وهو الطاعة لهم فى أقبح الأشياء مع عدم شعورهم بذلك القبح.
الإيضاح
(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) أي وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله ممن جعلوا الشياطين أولياء لهم- قبيحا من الأفعال كتعرّيهم حين الطواف بالبيت، فلامهم الناس على ذلك، قالوا وجدنا آباءنا يفعلون كما نفعل، فنحن نقتدى بهم ونستنّ بسنتهم، والله أمرنا بذلك فنحن نتبع أمره فيه. وقد رد الله عن الأمر الثاني بأمر رسوله أن يدحضه بقوله:
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) أي إن هذا الفعل من الفحشاء والله بكماله منزه أن يأمر بها وإنما يأمر بها الشيطان كما جاء فى قوله: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ».
ثم ردّ عليهم الوجه الأول ووبخهم على تقليد الآباء والأجداد بقوله:
(أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟) أي إنكم باتباعكم للآباء والأجداد فى الآراء والشرائع غير المسندة إلى الوحى تقولون على الله ما لا تعلمون أنه شرعه لعباده.
والخلاصة- إنهم فى عملهم الفاحشة استندوا إلى أمرين: أمر الله بهما، وتقليد الآباء والأجداد، وقد رد الله عليهما فى كل منهما فرد على الأول ببيان أن الله لا يأمر بفاحشة، وأن الذي يأمر بذلك إنما هو الشيطان. ورد على الثاني بأن التشريع لا يعلم إلا بوحي من عنده إلى رسول يؤيده بالآيات البينات وهو لم ينزل عليهم به، فقولهم
بعد أن بين عزّ اسمه أنه جعل الشياطين قرناء للكافرين مسلّطين عليهم متمكنين من إغوائهم- ذكر هنا أثر ذلك التسليط عليهم، وهو الطاعة لهم فى أقبح الأشياء مع عدم شعورهم بذلك القبح.
الإيضاح
(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) أي وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله ممن جعلوا الشياطين أولياء لهم- قبيحا من الأفعال كتعرّيهم حين الطواف بالبيت، فلامهم الناس على ذلك، قالوا وجدنا آباءنا يفعلون كما نفعل، فنحن نقتدى بهم ونستنّ بسنتهم، والله أمرنا بذلك فنحن نتبع أمره فيه. وقد رد الله عن الأمر الثاني بأمر رسوله أن يدحضه بقوله:
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) أي إن هذا الفعل من الفحشاء والله بكماله منزه أن يأمر بها وإنما يأمر بها الشيطان كما جاء فى قوله: «الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ».
ثم ردّ عليهم الوجه الأول ووبخهم على تقليد الآباء والأجداد بقوله:
(أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟) أي إنكم باتباعكم للآباء والأجداد فى الآراء والشرائع غير المسندة إلى الوحى تقولون على الله ما لا تعلمون أنه شرعه لعباده.
والخلاصة- إنهم فى عملهم الفاحشة استندوا إلى أمرين: أمر الله بهما، وتقليد الآباء والأجداد، وقد رد الله عليهما فى كل منهما فرد على الأول ببيان أن الله لا يأمر بفاحشة، وأن الذي يأمر بذلك إنما هو الشيطان. ورد على الثاني بأن التشريع لا يعلم إلا بوحي من عنده إلى رسول يؤيده بالآيات البينات وهو لم ينزل عليهم به، فقولهم
129
هذا إنما هو اتباع للأهواء فيما هو قبيح تنفر منه الطباع السليمة، وتستنقصه العقول الراجحة الحكيمة.
وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا- بين ما يأمر به من محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق والخصال بقوله لرسوله:
(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي قل لهم: إنما أمرنى ربى بالاستقامة والعدل فى الأمور كلها.
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي وقل لهم:
أمرنى ربى بالقسط، فأقسطوا وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، أي أعطوا توجهكم إلى الله تعالى حقه من صحة النية وحضور القلب وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه، سواء كانت العبادة طوافا أو صلاة أو ذكرا، وادعوه وحده مخلصين له الدين، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين كالملائكة والأنبياء والصالحين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم ويقربونكم إليه زلفى، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على الله وقولا عليه بغير علم.
وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهى فيه- ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال فقال:
(كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) أي كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة وأنتم فريقان:
(١) فريق هداه الله فى الدنيا ببعثة الرسل فاهتدى بهديهم وأقام وجهه له وحده فى العبادة ودعاه مخلصا له الدين لا يترك به أحدا.
(٢) فريق حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء الشيطان وإعراضهم عن طاعة بارئهم.
وكل فريق يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه، وإنما حقت على
وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا- بين ما يأمر به من محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق والخصال بقوله لرسوله:
(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي قل لهم: إنما أمرنى ربى بالاستقامة والعدل فى الأمور كلها.
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي وقل لهم:
أمرنى ربى بالقسط، فأقسطوا وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، أي أعطوا توجهكم إلى الله تعالى حقه من صحة النية وحضور القلب وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه، سواء كانت العبادة طوافا أو صلاة أو ذكرا، وادعوه وحده مخلصين له الدين، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين كالملائكة والأنبياء والصالحين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم ويقربونكم إليه زلفى، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على الله وقولا عليه بغير علم.
وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهى فيه- ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال فقال:
(كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) أي كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة وأنتم فريقان:
(١) فريق هداه الله فى الدنيا ببعثة الرسل فاهتدى بهديهم وأقام وجهه له وحده فى العبادة ودعاه مخلصا له الدين لا يترك به أحدا.
(٢) فريق حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء الشيطان وإعراضهم عن طاعة بارئهم.
وكل فريق يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه، وإنما حقت على
130
الفريق الثاني الضلالة، لأنهم اقترفوا أسبابها فوجدت نتائجها ومسبباتها، لا أنها جعلت غرائز لهم فكانوا عليها مجبورين، يرشد إلى ذلك قوله:
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) أي إنهم حين أطاعوا الشياطين فيما زيّنوا لهم من الفواحش والمنكرات، فكأنهم ولّوهم أمورهم من دون الله الذي يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر، وهم مع عملهم هذا يحسبون أنهم مهتدون فيما تلقّنهم الشياطين من الشبهات، كجعل التوجه إلى غير الله والتوسل إليه فى الدعاء مما يقربهم إلى الله زلفى، قياسا على الملوك الجاهلين الذين لا يقبلون الصفح عن مذنب إلا بوساطة بعض المقربين عنده.
والكثير من أهل الضلال يحسبون أنهم مهتدون، وهم ما بين كافر جحود للحق كبرا وعنادا كأعداء الرسل فى عصورهم وحاسديهم على ما آتاهم الله من فضله كما حكى سبحانه عن فرعون وملئه «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا» وكالكبراء من قريش أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث فى جميع كثير منهم وهم الذين قال الله فيهم: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» وهؤلاء هم الأقلون عددا- وكافر بالتقليد واتباع نزغات الشيطان، أو باتباع الآراء الخاطئة والنظريات الفاسدة، وهم الذين قال الله فيهم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» وهؤلاء هم جمهرة الناس فى جميع الأمم.
وذهب كثير من العلماء إلى أن من بذل جهده فى البحث والنظر فى الحق، ثم اتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت إليه طاقته، وكان مخالفا فى شىء منه لما جاءت به الرسل- لا يدخل فى مدلول هذه الآية ونحوها، بل يكون معذورا عند الله لقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها».
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) أي إنهم حين أطاعوا الشياطين فيما زيّنوا لهم من الفواحش والمنكرات، فكأنهم ولّوهم أمورهم من دون الله الذي يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر، وهم مع عملهم هذا يحسبون أنهم مهتدون فيما تلقّنهم الشياطين من الشبهات، كجعل التوجه إلى غير الله والتوسل إليه فى الدعاء مما يقربهم إلى الله زلفى، قياسا على الملوك الجاهلين الذين لا يقبلون الصفح عن مذنب إلا بوساطة بعض المقربين عنده.
والكثير من أهل الضلال يحسبون أنهم مهتدون، وهم ما بين كافر جحود للحق كبرا وعنادا كأعداء الرسل فى عصورهم وحاسديهم على ما آتاهم الله من فضله كما حكى سبحانه عن فرعون وملئه «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا» وكالكبراء من قريش أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث فى جميع كثير منهم وهم الذين قال الله فيهم: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» وهؤلاء هم الأقلون عددا- وكافر بالتقليد واتباع نزغات الشيطان، أو باتباع الآراء الخاطئة والنظريات الفاسدة، وهم الذين قال الله فيهم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» وهؤلاء هم جمهرة الناس فى جميع الأمم.
وذهب كثير من العلماء إلى أن من بذل جهده فى البحث والنظر فى الحق، ثم اتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت إليه طاقته، وكان مخالفا فى شىء منه لما جاءت به الرسل- لا يدخل فى مدلول هذه الآية ونحوها، بل يكون معذورا عند الله لقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها».
131
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه فى الآية السالفة أنه أمر عباده بالعدل فى كل الأمور واتباع الوسط منها- طلب إلينا أن نأخذ الزينة فى كل مجتمع للعبادة، فنستعمل الثياب الحسنة فى الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله بشرط ألا نسرف فى شىء من ذلك.
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف فى ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على قبلها وقالت:
| اليوم يبدو بعضه أو كله | فما بدا منه فلا أحلّه |
الإيضاح
(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الزينة ما يزين الشيء أو الشخص، وأخذها التزين بها، والمراد بالزينة هنا الثياب الحسنة كما يدل على ذلك سبب نزول الآيات، وأقلّ هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يشينه بين الناس وهو ما يستر عورته، وهو الواجب لصحة الصلاة والطواف، وما زاد على ذلك من التجمل بزينة اللباس عند الصلاة ولا سيما صلاة الجمعة والعيد فهو سنة لا واجب.
132
ويرى بعض العلماء وجوب الزينة للعبادة عند كل مسجد بحسب عرف الناس فى تزينهم فى المجامع والمحافل، ليكون المؤمن حين عبادة ربه مع عباده المؤمنين فى أجمل حال لا تقصير فيها ولا إسراف.
أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله عز وجل أحق من تزيّن له، فإن لم يكن له ثوبان فليتّزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم فى صلاته اشتمال اليهود».
وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شىء».
وعلى الجملة فالزينة تختلف باختلاف حال الإنسان فى السعة والضيق، فمن عنده ثوب واحد يستر جميع بدنه فليستر به جميع بدنه وليصلّ به، فإن لم يستر إلا العورة كلها أو الغليظة منها وهى السوءتان فليستر به ما يستره، ومن وجد ثوبين أو أكثر فليصلّ بهما.
وهذا الأمر بالزينة عند كل مسجد أصل من الأصول الدينية والمدنية عند المسلمين وكان سببا فى تعليم القبائل المتوحشة القاطنة فى الكهوف والغابات أفرادا وجماعات لبس الثياب عند دخولها فى حظيرة الإسلام، وكانوا قبل ذلك يعيشون عراة الأجسام رجالا ونساء حتى ذكر بعض المنصفين من الإفرنج أنّ لانتشار الإسلام فى إفريقية منّة على أوربا بنشرة للمدنية بين أهلها، إذ ألزمهم ترك العرى وأوجب لبس الثياب فكان ذلك سببا فى رواج تجارة المنسوجات.
وبهذا نقل الإسلام أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية إلى الحضارة الراقية.
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات، وكلوا واشربوا من الطيبات، ولا تسرفوا فيها، بل عليكم بالاعتدال فى جميع ذلك، لأن الله الخالق لهذه النعم لا يحب المسرفين فيها، بل يعاقبهم على هذا الإسراف بمقدار ما ينشأ عنه من المضارّ والمفاسد، لأنهم قد خالفوا سنن الفطرة وجنوا
أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله عز وجل أحق من تزيّن له، فإن لم يكن له ثوبان فليتّزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم فى صلاته اشتمال اليهود».
وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شىء».
وعلى الجملة فالزينة تختلف باختلاف حال الإنسان فى السعة والضيق، فمن عنده ثوب واحد يستر جميع بدنه فليستر به جميع بدنه وليصلّ به، فإن لم يستر إلا العورة كلها أو الغليظة منها وهى السوءتان فليستر به ما يستره، ومن وجد ثوبين أو أكثر فليصلّ بهما.
وهذا الأمر بالزينة عند كل مسجد أصل من الأصول الدينية والمدنية عند المسلمين وكان سببا فى تعليم القبائل المتوحشة القاطنة فى الكهوف والغابات أفرادا وجماعات لبس الثياب عند دخولها فى حظيرة الإسلام، وكانوا قبل ذلك يعيشون عراة الأجسام رجالا ونساء حتى ذكر بعض المنصفين من الإفرنج أنّ لانتشار الإسلام فى إفريقية منّة على أوربا بنشرة للمدنية بين أهلها، إذ ألزمهم ترك العرى وأوجب لبس الثياب فكان ذلك سببا فى رواج تجارة المنسوجات.
وبهذا نقل الإسلام أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية إلى الحضارة الراقية.
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات، وكلوا واشربوا من الطيبات، ولا تسرفوا فيها، بل عليكم بالاعتدال فى جميع ذلك، لأن الله الخالق لهذه النعم لا يحب المسرفين فيها، بل يعاقبهم على هذا الإسراف بمقدار ما ينشأ عنه من المضارّ والمفاسد، لأنهم قد خالفوا سنن الفطرة وجنوا
133
على أنفسهم فى أبدانهم وأموالهم، وجنوا على أسرهم وأوطانهم، إذ هم أعضاء فى جسم الأسرة والأمة.
روى النسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا فى غير مخيلة (كبر وإعجاب بالنفس) ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده».
وعن ابن عباس أنه قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة.
والإسراف: تجاوز الحد فى كل شىء، والحدود منها:
(١) طبيعى كالجوع والشّبع والظمأ والرّىّ، فمن أكل إذا أحس بالجوع أو كف عن الأكل إذا شعر بالشبع وإن كان يستلذ الاستزادة، أو شرب إذا شعر بالظمأ واكتفى بما يزيله ولم يزد على ذلك لم يكن مسرفا فى أكله وشربه، وكان طعامه وشرابه نافعين له.
(٢) اقتصادى وهو أن تكون النفقة على نسبة معينة من دخل الإنسان بحيث لا تستغرق كسبه.
(٣) شرعى فإن الشارع حرم من الطعام الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، وحرم من الشراب الخمر، وحرم من اللباس الحرير الخالص، أو الغالب على الرجال دون النساء، وحرم الأكل والشرب فى أوانى الذهب والفضة وعدّه من السرف المنهىّ عنه، فهذه الأشياء لا يباح استعمالها إلا لضرورة تقدر بقدرها.
والمعول عليه فى الإنفاق فى كل طبقة عرف المعتدلين فيها، فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفا، وكم جرّ الإسراف إلى خراب بيوت عامرة ولا سيما فى المهور وتجهيز العرائس وحفل العرس والمأتم و (الزار).
وهذا السرف كبير الضرر عظيم الخطر على الأمم أكثر من ضرره على الأفراد
روى النسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا فى غير مخيلة (كبر وإعجاب بالنفس) ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده».
وعن ابن عباس أنه قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة.
والإسراف: تجاوز الحد فى كل شىء، والحدود منها:
(١) طبيعى كالجوع والشّبع والظمأ والرّىّ، فمن أكل إذا أحس بالجوع أو كف عن الأكل إذا شعر بالشبع وإن كان يستلذ الاستزادة، أو شرب إذا شعر بالظمأ واكتفى بما يزيله ولم يزد على ذلك لم يكن مسرفا فى أكله وشربه، وكان طعامه وشرابه نافعين له.
(٢) اقتصادى وهو أن تكون النفقة على نسبة معينة من دخل الإنسان بحيث لا تستغرق كسبه.
(٣) شرعى فإن الشارع حرم من الطعام الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، وحرم من الشراب الخمر، وحرم من اللباس الحرير الخالص، أو الغالب على الرجال دون النساء، وحرم الأكل والشرب فى أوانى الذهب والفضة وعدّه من السرف المنهىّ عنه، فهذه الأشياء لا يباح استعمالها إلا لضرورة تقدر بقدرها.
والمعول عليه فى الإنفاق فى كل طبقة عرف المعتدلين فيها، فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفا، وكم جرّ الإسراف إلى خراب بيوت عامرة ولا سيما فى المهور وتجهيز العرائس وحفل العرس والمأتم و (الزار).
| ثلاثة تشقى بها الدار | العرس والمأتم والزار |
134
ولا سيما فى البلاد التي تأنى إليها أنواع الزينة من البلاد الأجنبية عنها، إذ تذهب الثروة إلى غير أهلها، وربما ذهبت إلى من يستعين بها على استذلالهم والعدوان عليهم والخلاصة- إن الطعام والشراب من ضرورات الحياة الحيوانية، ولكن ضل فى ذلك فريقان:
(ا) فريق البخلاء والغلاة فى الدين تركوا الأكل والشرب من الطيبات المستلذة، إما بخلا وشحا أو تحرجا وتأثما، إما دائما أو فى أوقات مخصوصة من السنة (ب) فريق المترفين الذين أسرفوا فى اللذات البدنية وجعلوها جلّ همهم، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام، وليس لهم غاية يقفون عندها، أو نهاية ينتهون إليها.
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) إخراج الله للزينة خلق موادها وتعليم طرق صنعها بما أودع فى فطرهم من حبها والميل إلى الافتنان فى استعمالها، إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته فى جميع ما خلق فى هذا العالم الذي يعيشون فيه، بما أودع فى غرائزها من الميل إلى البحث فى كشف المجهول والاطلاع على خفايا الأمور، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى وأوجه لا نهاية لها، ولن تنتهى بحوثهم مادام الإنسان على ظهر البسيطة.
وغريزة حب الزينة وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب فى اتساع أعمال الفلاحة والزراعة ورقىّ ضروب الصناعة، واتساع وسائل العمران، ومعرفة سنن الله وآياته فى الأكوان، وهما لا يذمّان إلا بالإسراف فيهما والغفلة عن شكر المنعم بهما.
والخلاصة- إن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي والكمال الخلقي، وإنه لم يجعل تركهما قربة إلى الله كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم وقلّدهم فى ذلك بعض المسلمين وصاروا يبثون فى الأمم الإسلامية تعاليم تقضى
(ا) فريق البخلاء والغلاة فى الدين تركوا الأكل والشرب من الطيبات المستلذة، إما بخلا وشحا أو تحرجا وتأثما، إما دائما أو فى أوقات مخصوصة من السنة (ب) فريق المترفين الذين أسرفوا فى اللذات البدنية وجعلوها جلّ همهم، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام، وليس لهم غاية يقفون عندها، أو نهاية ينتهون إليها.
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) إخراج الله للزينة خلق موادها وتعليم طرق صنعها بما أودع فى فطرهم من حبها والميل إلى الافتنان فى استعمالها، إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته فى جميع ما خلق فى هذا العالم الذي يعيشون فيه، بما أودع فى غرائزها من الميل إلى البحث فى كشف المجهول والاطلاع على خفايا الأمور، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى وأوجه لا نهاية لها، ولن تنتهى بحوثهم مادام الإنسان على ظهر البسيطة.
وغريزة حب الزينة وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب فى اتساع أعمال الفلاحة والزراعة ورقىّ ضروب الصناعة، واتساع وسائل العمران، ومعرفة سنن الله وآياته فى الأكوان، وهما لا يذمّان إلا بالإسراف فيهما والغفلة عن شكر المنعم بهما.
والخلاصة- إن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي والكمال الخلقي، وإنه لم يجعل تركهما قربة إلى الله كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم وقلّدهم فى ذلك بعض المسلمين وصاروا يبثون فى الأمم الإسلامية تعاليم تقضى
135
بأن روح الدين ومخ العبادة فى التقشف وحرمان النفس من التمتع بلذات الحياة، وقد بين الله وجه الصواب فى ذلك بقوله لرسوله:
(قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي قل أيها الرسول لأمتك: إن الزينة والطيبات من الرزق للذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويشاركهم فيها غيرهم تبعا لهم وإن لم يستحقها مثلهم، وهى خالصة لهم يوم القيامة.
وقصارى ذلك- إن الدين يورث أهله سعادة الدنيا والآخرة جميعا كما يدل على ذلك قوله: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» وقوله: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً».
ذاك أن المؤمن يزداد علما وإيمانا بربه وشكرا له كلما عرف شيئا من سننه وآياته فى نفسه أو فى غيرها من الكائنات، ومن أهم أركان الشكر استعمال النعمة فيما وهبها المنعم لأجله من شكر الجوارح كشكر اللسان بالثناء عليه وشكر سائر الأعضاء كذلك ففى حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي والحاكم «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» والسر فى هذا أن الأكل والشرب من الطيبات بدون إسراف هما قوام الحياة والصحة، وهما الدعامتان اللتان يتوقف عليهما القيام بجميع الأعمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية، ولهما التأثير العظيم فى جودة النسل الذي به يكثر سواد الأمة.
والملابس الجيدة النظيفة لها فوائد:
(١) حفظ الصحة.
(٢) كرامة من يتجمل بها فى نفوس الناس.
(٣) إظهار نعمة الله على لابسها، والمؤمن يثاب بنيته على كل ما هو محمود من هذه الأمور بالشكر عليها.
روى أبو داود عن أبي الأحوص قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي قل أيها الرسول لأمتك: إن الزينة والطيبات من الرزق للذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويشاركهم فيها غيرهم تبعا لهم وإن لم يستحقها مثلهم، وهى خالصة لهم يوم القيامة.
وقصارى ذلك- إن الدين يورث أهله سعادة الدنيا والآخرة جميعا كما يدل على ذلك قوله: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» وقوله: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً».
ذاك أن المؤمن يزداد علما وإيمانا بربه وشكرا له كلما عرف شيئا من سننه وآياته فى نفسه أو فى غيرها من الكائنات، ومن أهم أركان الشكر استعمال النعمة فيما وهبها المنعم لأجله من شكر الجوارح كشكر اللسان بالثناء عليه وشكر سائر الأعضاء كذلك ففى حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي والحاكم «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» والسر فى هذا أن الأكل والشرب من الطيبات بدون إسراف هما قوام الحياة والصحة، وهما الدعامتان اللتان يتوقف عليهما القيام بجميع الأعمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية، ولهما التأثير العظيم فى جودة النسل الذي به يكثر سواد الأمة.
والملابس الجيدة النظيفة لها فوائد:
(١) حفظ الصحة.
(٢) كرامة من يتجمل بها فى نفوس الناس.
(٣) إظهار نعمة الله على لابسها، والمؤمن يثاب بنيته على كل ما هو محمود من هذه الأمور بالشكر عليها.
روى أبو داود عن أبي الأحوص قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
136
فى ثوب دون فقال: ألك مال؟ قلت نعم: قال من أىّ المال؟ قلت قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله فلير أثر نعمته عليك وكرامته لك».
وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».
وقد كانت العرب تحرم زينة اللباس فى الطواف تعبدا، وتحرّم الادّهان ونحوه حال الإحرام بالحج كذلك، وتحرم من الأنعام والحرث ما ذكر فى سورة الأنعام، وحرم أهل الكتاب كثيرا من الطيبات.
فجاء الدين الإسلامى الجامع بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة والمطهّر للنفوس والمهذب للأخلاق، فأنكر هذا التحكم المخالف لسنن الفطرة وبين أن هذا التحريم لم يكن إلا من وساوس الشيطان ولم يوح به الله إلى أنبيائه ورسله المصطفين الأخيار.
(كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي إن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات الذي ضل فيه كثير من الأمم والأفراد ما بين إفراط وتفريط- لا يعقله إلا الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع البشر ومصالحهم، ونحن قد فصلناه على لسان هذا النبي الأمى الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر فى أطوار بداوتهم وأطوار حضارتهم قبل أن ننزلها عليه، فكان ذلك آية دالة على نبوته، إذ ما كان لمثله أن يعلمها إلا بالوحى من عندنا، ولولا الكتاب الكريم لما خرجت العرب من ظلمات الوثنية والجهالة إلى ذلك النور الذي صلحت به وأصلحت أمما كثيرة بالدين والفنون والآداب وما أحيت من علوم الأوائل.
ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله فى الأكوان وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا فى مؤخرة الأمم وصاروا مضرب الأمثال فى التأخر والخمول والكسل، وبذا استكانوا وذلوا وصاروا أفقر الأمم وأضعفهم وأقلهم خدمة لدينهم، وخالفوا ما رسمه لهم ذلك الدين من أن لهم زينة
وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».
وقد كانت العرب تحرم زينة اللباس فى الطواف تعبدا، وتحرّم الادّهان ونحوه حال الإحرام بالحج كذلك، وتحرم من الأنعام والحرث ما ذكر فى سورة الأنعام، وحرم أهل الكتاب كثيرا من الطيبات.
فجاء الدين الإسلامى الجامع بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة والمطهّر للنفوس والمهذب للأخلاق، فأنكر هذا التحكم المخالف لسنن الفطرة وبين أن هذا التحريم لم يكن إلا من وساوس الشيطان ولم يوح به الله إلى أنبيائه ورسله المصطفين الأخيار.
(كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي إن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات الذي ضل فيه كثير من الأمم والأفراد ما بين إفراط وتفريط- لا يعقله إلا الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع البشر ومصالحهم، ونحن قد فصلناه على لسان هذا النبي الأمى الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر فى أطوار بداوتهم وأطوار حضارتهم قبل أن ننزلها عليه، فكان ذلك آية دالة على نبوته، إذ ما كان لمثله أن يعلمها إلا بالوحى من عندنا، ولولا الكتاب الكريم لما خرجت العرب من ظلمات الوثنية والجهالة إلى ذلك النور الذي صلحت به وأصلحت أمما كثيرة بالدين والفنون والآداب وما أحيت من علوم الأوائل.
ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله فى الأكوان وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا فى مؤخرة الأمم وصاروا مضرب الأمثال فى التأخر والخمول والكسل، وبذا استكانوا وذلوا وصاروا أفقر الأمم وأضعفهم وأقلهم خدمة لدينهم، وخالفوا ما رسمه لهم ذلك الدين من أن لهم زينة
137
الدنيا وطيباتها وسعادتها وملكها، وأن عليهم أن يشكروا الله على ما يؤتيهم من ذلك، وأن عليهم أن يقوموا بما يرضيه من اتباع الحق والعدل وكل ما تقتضيه خلافتهم فى الأرض.
ولقد بلغ الجهل بكثير منهم أن ظن و (بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) أن دين الإسلام هو سبب ضعف المسلمين وجهلهم وذهاب ملكهم، ولكن كتاب الله وسنة رسوله وتاريخ هذه الأمة شاهد صدق على فساد هذه القضية وتزييف تلك الدعوى، فليس لها من دعائم تستند إليها، وتقف بها على رجليها.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٣]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)
تفسير المفردات
الفواحش: واحدها فاحشة، وهى الخصلة التي يقبح فعلها لدى أرباب الفطر السليمة والعقول الراجحة، ويطلقونها أحيانا على الزنا والبخل والقذف بالفحشاء والبذاء المتناهي فى القبح. والإثم لغة: القبيح الضار، وهو شامل لجميع المعاصي كبائرها كالفواحش وصغائرها كالنظر بشهوة لغير الحليلة، والبغي: تجاوز الحد: وقد قالوا بغى الجرح:
إذا تجاوز الحد فى الفساد، ومنه قوله تعالى: «فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ».
المعنى الجملي
بعد أن أنكر- تقدست أسماؤه- فى الآية السالفة على المشركين وغيرهم من أرباب الملل الأخرى تحريم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق- ذكر هنا
ولقد بلغ الجهل بكثير منهم أن ظن و (بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) أن دين الإسلام هو سبب ضعف المسلمين وجهلهم وذهاب ملكهم، ولكن كتاب الله وسنة رسوله وتاريخ هذه الأمة شاهد صدق على فساد هذه القضية وتزييف تلك الدعوى، فليس لها من دعائم تستند إليها، وتقف بها على رجليها.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٣]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)
تفسير المفردات
الفواحش: واحدها فاحشة، وهى الخصلة التي يقبح فعلها لدى أرباب الفطر السليمة والعقول الراجحة، ويطلقونها أحيانا على الزنا والبخل والقذف بالفحشاء والبذاء المتناهي فى القبح. والإثم لغة: القبيح الضار، وهو شامل لجميع المعاصي كبائرها كالفواحش وصغائرها كالنظر بشهوة لغير الحليلة، والبغي: تجاوز الحد: وقد قالوا بغى الجرح:
إذا تجاوز الحد فى الفساد، ومنه قوله تعالى: «فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ».
المعنى الجملي
بعد أن أنكر- تقدست أسماؤه- فى الآية السالفة على المشركين وغيرهم من أرباب الملل الأخرى تحريم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق- ذكر هنا
138
أصول المحرمات التي حرمها على عباده لضررها، وجميعها من الأعمال الكسبية لا من المواهب الخلقية، ليستبين للناس أن الله لم يحرم على عباده إلا ما هو ضار لهم.
الإيضاح
(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين وغيرهم ممن ظلموا أنفسهم وافتروا على الله الكذب فزعموا أن الله حرم على عباده ما أخرج لهم من الطيبات كما حرم عليهم الزينة: ما حرم ربى فى كتبه على ألسنة رسله إلا هذه الأنواع الست الآتية لما لها من شديد الضرر وعظيم الخطر على أنفسهم وعلى الأمة جمعاء، ومن ثم جعل تحريمها دائما لا يباح بحال، وهى:
(١- ٢) الفواحش الظاهرة والباطنة وتقدم بيانها وشرحها فى سورة الأنعام وهى إحدى الوصايا العشر التي ذكرت هناك (٣) الإثم أي ما يوجب الإثم والذم- وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص.
(٤) البغي وهو الإثم الذي فيه تجاوز لحدود الحق أو اعتداء على حقوق الأفراد أو جماعاتهم، ومن ثم قرن بالعدوان فى قوله: «تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ».
وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأن تجاوز الحدود المعروفة قد يكون فيما لا ظلم فيه ولا فساد ولا هضم لحقوق الأفراد والجماعات كما فى الأمور التي ليس لهم فيها حقوق أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمصلحة لهم يرجونها ببذلها.
(٥) الشرك بالله وهو أقبح الفواحش، فلا تقوم عليه حجة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجة سلطانا لأن لها سلطانا على العقل والقلب
الإيضاح
(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين وغيرهم ممن ظلموا أنفسهم وافتروا على الله الكذب فزعموا أن الله حرم على عباده ما أخرج لهم من الطيبات كما حرم عليهم الزينة: ما حرم ربى فى كتبه على ألسنة رسله إلا هذه الأنواع الست الآتية لما لها من شديد الضرر وعظيم الخطر على أنفسهم وعلى الأمة جمعاء، ومن ثم جعل تحريمها دائما لا يباح بحال، وهى:
(١- ٢) الفواحش الظاهرة والباطنة وتقدم بيانها وشرحها فى سورة الأنعام وهى إحدى الوصايا العشر التي ذكرت هناك (٣) الإثم أي ما يوجب الإثم والذم- وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص.
(٤) البغي وهو الإثم الذي فيه تجاوز لحدود الحق أو اعتداء على حقوق الأفراد أو جماعاتهم، ومن ثم قرن بالعدوان فى قوله: «تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ».
وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأن تجاوز الحدود المعروفة قد يكون فيما لا ظلم فيه ولا فساد ولا هضم لحقوق الأفراد والجماعات كما فى الأمور التي ليس لهم فيها حقوق أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمصلحة لهم يرجونها ببذلها.
(٥) الشرك بالله وهو أقبح الفواحش، فلا تقوم عليه حجة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجة سلطانا لأن لها سلطانا على العقل والقلب
139
وفى هذا إيماء إلى أن أصول الإيمان لا تقبل إلا بوحي من الله يؤيده البرهان كما قال «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ».
كما أن فيه إرشادا إلى عظم شأن الدليل والبرهان فى الدين، حتى كأنّ من جاء بالبرهان على الشرك يصدق، وهذا من فرض المحال مبالغة فى فضل الاستدلال كما قال «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ».
(٦) القول على الله بغير علم، وهو من أسس المحرمات التي حرمت على ألسنة الرسل جميعا، إذ هو منشأ تحريف الأديان المحرفة، وسبب الابتداع فى الدين الحق، وقد انتشر الابتداع بين أهله وتحكمت بينهم الأهواء واتبعوا سنن من قبلهم كما
جاء فى الحديث: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» رواه الشيخان
ورأس البلية فى هذا الابتداع القول فى الدين بالرأى، فما من أحد يبتدع أو يتبع مبتدعا إلا استدل على بدعته بالرأى، وقد ظهرت مبادئ هذه البدع والأهواء فى القرون الأولى قرون العلم بالسنة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما زال أمرها يستفحل حتى وصلت إلى ما نراه الآن.
وما شرع من اجتهاد الرأى فى حديث معاذ وغيره فهو خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته، فقد أكمل الله دينه فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه بعد وفاة رسوله، وليس لقاض ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادى إلى الله فيقول هذا حكم الله وهذا دينه، بل يقول هذا مبلغ اجتهادي، فإن كان صوابا فمن توفيق الله وإلهامه، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان.
والخلاصة- إنه لا ينبغى لأحد أن يحرّم شيئا تحريما دينيا على عباد الله أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ومن تهجم على ذلك فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن تبعه فى ذلك فقد جعله رباله، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول فى الدين بالرأى.
كما أن فيه إرشادا إلى عظم شأن الدليل والبرهان فى الدين، حتى كأنّ من جاء بالبرهان على الشرك يصدق، وهذا من فرض المحال مبالغة فى فضل الاستدلال كما قال «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ».
(٦) القول على الله بغير علم، وهو من أسس المحرمات التي حرمت على ألسنة الرسل جميعا، إذ هو منشأ تحريف الأديان المحرفة، وسبب الابتداع فى الدين الحق، وقد انتشر الابتداع بين أهله وتحكمت بينهم الأهواء واتبعوا سنن من قبلهم كما
جاء فى الحديث: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» رواه الشيخان
ورأس البلية فى هذا الابتداع القول فى الدين بالرأى، فما من أحد يبتدع أو يتبع مبتدعا إلا استدل على بدعته بالرأى، وقد ظهرت مبادئ هذه البدع والأهواء فى القرون الأولى قرون العلم بالسنة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما زال أمرها يستفحل حتى وصلت إلى ما نراه الآن.
وما شرع من اجتهاد الرأى فى حديث معاذ وغيره فهو خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته، فقد أكمل الله دينه فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه بعد وفاة رسوله، وليس لقاض ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادى إلى الله فيقول هذا حكم الله وهذا دينه، بل يقول هذا مبلغ اجتهادي، فإن كان صوابا فمن توفيق الله وإلهامه، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان.
والخلاصة- إنه لا ينبغى لأحد أن يحرّم شيئا تحريما دينيا على عباد الله أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ومن تهجم على ذلك فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن تبعه فى ذلك فقد جعله رباله، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول فى الدين بالرأى.
140
وقد أنكر الله على من نسب إلى دينه تحليل شىء أو تحريمه من عنده بلا برهان فقال: «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ».
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٤]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
المعنى الجملي
بعد أن أبان سبحانه جماع المحرمات على بنى آدم لما فيها من المفاسد والمضارّ للأفراد والمجتمع إثر بيان المباحات من الزينة والطيبات من الرزق بشرط عدم الإسراف فيها- ذكر هنا حال الأمم فى قبول هذه الأصول أوردها، والسير على منهاجها بعد قبولها أو الزيغ عنها.
الإيضاح
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي قل أيها الرسول لقومك ولغيرهم: لكل أمة أمد مضروب لحياتها مقدّر لها بحسب السنن التي وضعها الخالق لوجودها.
وهذا الأجل على ضربين: أجل لوجودها فى الحياة الدنيا، وأجل لعزها وسعادتها بين الأمم.
(فالأول) أجل لأمة بعث فيها رسول لهدايتها فردوا دعوته كبرا وعنادا واقترحوا عليه الآيات فأعطوها مع إنذارهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا فاستمروا فى تكذيبهم فأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط وغيرهم.
وهذا النوع من الهلاك كان خاصا بأقوام الرسل أولى الدعوة الخاصة بأقوامهم،
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٤]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
المعنى الجملي
بعد أن أبان سبحانه جماع المحرمات على بنى آدم لما فيها من المفاسد والمضارّ للأفراد والمجتمع إثر بيان المباحات من الزينة والطيبات من الرزق بشرط عدم الإسراف فيها- ذكر هنا حال الأمم فى قبول هذه الأصول أوردها، والسير على منهاجها بعد قبولها أو الزيغ عنها.
الإيضاح
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي قل أيها الرسول لقومك ولغيرهم: لكل أمة أمد مضروب لحياتها مقدّر لها بحسب السنن التي وضعها الخالق لوجودها.
وهذا الأجل على ضربين: أجل لوجودها فى الحياة الدنيا، وأجل لعزها وسعادتها بين الأمم.
(فالأول) أجل لأمة بعث فيها رسول لهدايتها فردوا دعوته كبرا وعنادا واقترحوا عليه الآيات فأعطوها مع إنذارهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا فاستمروا فى تكذيبهم فأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط وغيرهم.
وهذا النوع من الهلاك كان خاصا بأقوام الرسل أولى الدعوة الخاصة بأقوامهم،
141
وقد انتهى ذلك ببعثة النبي ﷺ الذي خاطبه الله بقوله: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ».
وقد مضت سنة الله فى الأمم أن الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها، ومن ثم لم يعط الله تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه.
(والثاني) أجل مقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة باستقلالها ومكانتها بين الأمم وهذا منوط بسنن الله فى الاجتماع البشرى وعوامل الرقى والعمران.
وأسباب انتهاء هذا الاجتماع لا تعدو مخالفة ما أرشدت إليه الآيات السالفة كإسراف فى الزينة أو إسراف فى التمتع بالطيبات، أو باقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس، أو بالتوغل فى خرافات الشرك والوثنية، أو بالكذب على الله بإرهاق الأمة بما لم يشرعه الله لها من الأحكام.
فالأمم التي ترتكب هذه الضلالات والمفاسد يسلبها الله سعادتها ويسلط عليها من يستذلها كما قال تعالى: «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ».
وهاكم شاهد صدق على ما نقول:
إن الأمم التي كان لها شأن يذكر فى التاريخ كالرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم ممن سلب ملكهم كله أو بعضه- لم يكن لذلك من سبب سوى ما أسلفنا.
وهذا الضرب من الأجل وإن عرفت أسبابه، لا يمكن أن يحدّ بالسنين والأيام، ولكن الله يعلم تحديده بما أوجده من الأسباب التي تنتهى بمسبباتها، وبالمقدمات التي تترتب عليها نتائجها، كما قال:
(فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) الساعة لغة: أقل مدة من الزمن أي فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم وحلول العقاب بهم لا يتأخرون عنه بالبقاء فى الدنيا أقل تأخر، كما أنهم لا يتقدمون أيضا عن الوقت الذي جعله لهم وقتا للفناء والهلاك.
وقد مضت سنة الله فى الأمم أن الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها، ومن ثم لم يعط الله تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه.
(والثاني) أجل مقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة باستقلالها ومكانتها بين الأمم وهذا منوط بسنن الله فى الاجتماع البشرى وعوامل الرقى والعمران.
وأسباب انتهاء هذا الاجتماع لا تعدو مخالفة ما أرشدت إليه الآيات السالفة كإسراف فى الزينة أو إسراف فى التمتع بالطيبات، أو باقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس، أو بالتوغل فى خرافات الشرك والوثنية، أو بالكذب على الله بإرهاق الأمة بما لم يشرعه الله لها من الأحكام.
فالأمم التي ترتكب هذه الضلالات والمفاسد يسلبها الله سعادتها ويسلط عليها من يستذلها كما قال تعالى: «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ».
وهاكم شاهد صدق على ما نقول:
إن الأمم التي كان لها شأن يذكر فى التاريخ كالرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم ممن سلب ملكهم كله أو بعضه- لم يكن لذلك من سبب سوى ما أسلفنا.
وهذا الضرب من الأجل وإن عرفت أسبابه، لا يمكن أن يحدّ بالسنين والأيام، ولكن الله يعلم تحديده بما أوجده من الأسباب التي تنتهى بمسبباتها، وبالمقدمات التي تترتب عليها نتائجها، كما قال:
(فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) الساعة لغة: أقل مدة من الزمن أي فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم وحلول العقاب بهم لا يتأخرون عنه بالبقاء فى الدنيا أقل تأخر، كما أنهم لا يتقدمون أيضا عن الوقت الذي جعله لهم وقتا للفناء والهلاك.
142
وفى الآية إيماء إلى أن الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيئه أي قبل أن تغلبها على إرادتها أسباب الهلاك، بأن تترك الفواحش والآثام والظلم والبغي والإسراف المفسد للأخلاق وخرافات الشرك المفسدة للعقول وتترك البدع فى التحريم والتحليل بما لم يخاطب به المولى عباده، بأن يقوم فيها جماعة من المصلحين، فيرشدوها إلى تغيير ما بأنفسها من الفساد، فيغيّر الله ما بها.
وهذا من استيخار الهلاك أو منعه عنها قبل مجىء أجلها.
وتأثير الفسق والفساد فى الأمم يشبه تأثيره فى الأفراد، فكما أن الأطباء متفقون على أن السكر من أسباب الأمراض البدنية والعقلية التي تفضى إلى الموت، وعلى أن تأثيره فى البدن القوىّ دون تأثيره فى البدن الضعيف، وعلى أن القليل منه يبطىء تأثير ضرره عن تأثير ضرر الكثير منه- كذلك أطباء الاجتماع متفقون على أن الإسراف فى الفسق والترف مفسد للأمم، وأن الظلم والبغي والغلوّ فى المطامع من أسباب الهلاك والدمار، ولكن قد يكون لدى بعضها ما تقاوم به تأثير هذه الأدواء الاجتماعية كالنظام ومراعاة سنن الاجتماع حتى فى إخفاء الظلم وإتقان الوسائل والأسباب فى إلباس العدل وإبراز إفسادها فى صورة الإصلاح وإيجاد أنصار من المظلومين يساعدون فى بقاء هذا الظلم، وإقناع الكثير منهم بأن هذا خير لهم وأبقى، غير أن كل هذا لا يمنع انتقام الله منهم، وإنما يؤخره على مقتضى سننه فى عباده، ولا يمنعه عنهم إلا الرجوع إلى الحق والاعتدال والصلاح والإصلاح.
والأجل المقدّر بمقتضى نظام الخلق هو الذي يسميه العلماء بالعمر الطبيعي فالطبيب إذا فحص الجسم ورأى أعضاءه الرئيسية ومقدار مناعتها أمكنه أن يقدر له مدة معينة من الحياة إذا عاش بنظام واعتدال بحسب ما وضعه الله من السنن، فإذا هو قتل أو غرق قبل انتهاء العمر المقدر له يقال مات قبل انتهاء عمره الطبيعي أو التقديري ولكن مات بأجله الحقيقي عند الله.
وهذا من استيخار الهلاك أو منعه عنها قبل مجىء أجلها.
وتأثير الفسق والفساد فى الأمم يشبه تأثيره فى الأفراد، فكما أن الأطباء متفقون على أن السكر من أسباب الأمراض البدنية والعقلية التي تفضى إلى الموت، وعلى أن تأثيره فى البدن القوىّ دون تأثيره فى البدن الضعيف، وعلى أن القليل منه يبطىء تأثير ضرره عن تأثير ضرر الكثير منه- كذلك أطباء الاجتماع متفقون على أن الإسراف فى الفسق والترف مفسد للأمم، وأن الظلم والبغي والغلوّ فى المطامع من أسباب الهلاك والدمار، ولكن قد يكون لدى بعضها ما تقاوم به تأثير هذه الأدواء الاجتماعية كالنظام ومراعاة سنن الاجتماع حتى فى إخفاء الظلم وإتقان الوسائل والأسباب فى إلباس العدل وإبراز إفسادها فى صورة الإصلاح وإيجاد أنصار من المظلومين يساعدون فى بقاء هذا الظلم، وإقناع الكثير منهم بأن هذا خير لهم وأبقى، غير أن كل هذا لا يمنع انتقام الله منهم، وإنما يؤخره على مقتضى سننه فى عباده، ولا يمنعه عنهم إلا الرجوع إلى الحق والاعتدال والصلاح والإصلاح.
والأجل المقدّر بمقتضى نظام الخلق هو الذي يسميه العلماء بالعمر الطبيعي فالطبيب إذا فحص الجسم ورأى أعضاءه الرئيسية ومقدار مناعتها أمكنه أن يقدر له مدة معينة من الحياة إذا عاش بنظام واعتدال بحسب ما وضعه الله من السنن، فإذا هو قتل أو غرق قبل انتهاء العمر المقدر له يقال مات قبل انتهاء عمره الطبيعي أو التقديري ولكن مات بأجله الحقيقي عند الله.
143
وما ورد من أن الدعاء وصلة الرحم يطيلان العمر، فإنما ذلك بالنسبة للأجل التقديري أو الطبيعي الذي هو مظهر سنن الله فى الأسباب والمسببات، فإن الدعاء الذي منشؤه قوة الإيمان بالله والرجاء فى معونته وتوفيقه للمؤمن فيما يعجز عن أسبابه، من أسباب طول العمر، وكذلك صلة الرحم من أهم أسباب هناء العيش، وهناؤه من أهم العوامل فى إطالة العمر.
كما دلت التجارب على أن الهموم والأكدار خصوصا ما كان منها داخليا كقطيعة الأرحام واليأس من روح الله ومعونته مما يضعف قوى النفس ويهرم الجسم قبل إبّان هرمه، وقد عرف هذه الحقيقة ذلك الشاعر الحكيم حين قال:
ومثلها فى ذلك قلة الغداء الذي يحتاج إليه البدن أو كثرته، والإسراف فى كل لذة، والسكنى فى الأمكنة التي لا يدخلها ضوء الشمس ولا يتخللها الهواء بالقدر الذي يقتل الجراثيم.
والأمم العريقة فى المدنية والحضارة والعالمة بالسنن الإلهية فى الصحة والسقم، والقوة والضعف، تحصى دائما عدد المرضى والموتى وتضع لذلك نسبا حسابية تعرف بها متوسط الآجال فى كل منها.
وكذلك قد ثبت ثبوتا لا ريب فيه أن من أسباب قلة الوفيّات تحسين وسائل المعيشة والاعتدال فيها، وتوقى الأمراض باجتناب أسبابها المعروفة قبل وقوعها ومعالجتها بعد حدوثها.
وكل ما يقع فالعلم الإلهى قد سبق به وكتاب الله وسنة رسوله يؤيدان ذلك أتم التأييد.
وخلاصة معنى الآية- إن لكل أمة أجلا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضا، فيهلكوا قبل مجيئه.
ونحو الآية قوله: «ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ».
كما دلت التجارب على أن الهموم والأكدار خصوصا ما كان منها داخليا كقطيعة الأرحام واليأس من روح الله ومعونته مما يضعف قوى النفس ويهرم الجسم قبل إبّان هرمه، وقد عرف هذه الحقيقة ذلك الشاعر الحكيم حين قال:
| والهمّ يخترم الجسيم نحافة | ويشيب ناصية الصبى ويهرم |
والأمم العريقة فى المدنية والحضارة والعالمة بالسنن الإلهية فى الصحة والسقم، والقوة والضعف، تحصى دائما عدد المرضى والموتى وتضع لذلك نسبا حسابية تعرف بها متوسط الآجال فى كل منها.
وكذلك قد ثبت ثبوتا لا ريب فيه أن من أسباب قلة الوفيّات تحسين وسائل المعيشة والاعتدال فيها، وتوقى الأمراض باجتناب أسبابها المعروفة قبل وقوعها ومعالجتها بعد حدوثها.
وكل ما يقع فالعلم الإلهى قد سبق به وكتاب الله وسنة رسوله يؤيدان ذلك أتم التأييد.
وخلاصة معنى الآية- إن لكل أمة أجلا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضا، فيهلكوا قبل مجيئه.
ونحو الآية قوله: «ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ».
144
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)المعنى الجملي
بعد أن ذكر جلت أسماؤه أن لكل أمة أجلا لا تعدوه- حكى هنا ما خاطب به كل أمة على لسان رسولها وبيّنه لها من أصول الدين الذي شرعه لهدايتها وتكميل فطرتها، وأرشدها إلى أنها إن كانت مطيعة تتقى الله فيما تأتى وتذر، وتصلح أعمالها فلا يحصل لها فى الآخرة خوف ولا حزن، وإن هى تمردت واستكبرت وكذبت الرسل كانت عاقبتها النار، وبئس القرار.
الإيضاح
(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي يا بنى آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم من البشر يتلون عليكم آياتي التي أنزلها عليكم لبيان ما آمركم به من صالح الأعمال وترك ما أنهاكم عنه من الشرك والرذائل وقبيح الأعمال- فمن اتقى منكم ما نهيته عنه وأصلح نفسه بفعل ما أوجبته عليه فلا خوف عليهم من عذاب الآخرة، ولا هم يحزنون حين الجزا على ما فاتهم.
وحكمة كون الرسول منهم أنه أقطع لعذرهم وأظهر فى الحجة عليهم، إذ معرفتهم بأحواله تبين لهم أن المعجزات التي ظهرت على يديه إنما هى بقدرة الله لا بقدرته إلى ما فى ذلك من حصول الألفة، فالجنس يألف الجنس ويركن إليه، ومن ثم قال:
«وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا».
ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ
ﰤ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ
ﰥ
ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ
ﰦ
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) والاستكبار عن قبول الآيات: رفضها كبرا وعنادا لمن جاء بها كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن يكون محمد ﷺ إماما لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه، لأنهم أكثر منه مالا وأعز نفرا.
والمعنى- إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسدا له على الرياسة وتفضيلا لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها أبدا.
والخلاصة- إن جميع الرسل قد بلّغوا أممهم أن اتقاءهم لما يفسد فطرتهم من الشرك والمعاصي، وإصلاح أنفسهم بالطاعة يوجب الأمن وعدم الخوف مما يتوقع وعدم الحزن على ما وقع منهم فى الدار الأولى، وأن تكذيب ما جاءوا به من الآيات والاستكبار عن اتباعها يترتب عليه المكث فى نار جهنم خالدين فيها أبدا كفاء ما فعلوا من التمرد وعصيان أوامر الديان.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
والمعنى- إن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسدا له على الرياسة وتفضيلا لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها أبدا.
والخلاصة- إن جميع الرسل قد بلّغوا أممهم أن اتقاءهم لما يفسد فطرتهم من الشرك والمعاصي، وإصلاح أنفسهم بالطاعة يوجب الأمن وعدم الخوف مما يتوقع وعدم الحزن على ما وقع منهم فى الدار الأولى، وأن تكذيب ما جاءوا به من الآيات والاستكبار عن اتباعها يترتب عليه المكث فى نار جهنم خالدين فيها أبدا كفاء ما فعلوا من التمرد وعصيان أوامر الديان.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
146
المعنى الجملي
بعد أن ذكر فى الآية السابقة عاقبة المكذبين بآياته المستكبرين عن قبولها والإذعان لها- ذكر هنا أن من أشدهم ظلما من يتقولون على الله الكذب، فينسبون إليه ما لم يقله- كمن يثبت الشريك لله سواء كان صنما أو كوكبا، أو يضيف إليه أحكاما باطله، أو يكذّب ما قاله كمن ينكر أن القرآن نزل من عند الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
الإيضاح
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه، أو حرم عليهم من الدين ما لم يحرمه، أو عزا إلى دينه أحكاما لم تنزل على رسله.
(أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) المنزلة عليهم سواء أكان بالقول أو بما هو أدل منه كالاستهزاء بها أو الاستكبار عن اتباعها أو بتفضيل غيرها عليها بالعمل بها.
(أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) المراد بالنصيب هنا ما قدر لهم من خير أو شر وسعادة أو شقاء، والمراد من الكتاب كتاب المقادير الذي كتب الله فيه نظام العالم كله، ومنها أعمال الاحياء الاختيارية وما يبعث عليها من الأسباب والدواعي وما يترتب عليها من المسببات كالسعادة والشقاء والصحة والمرض إلى نحو ذلك.
والمعنى- إن هؤلاء المفترين يصيبهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال، فهم مع ظلمهم وافترائهم على الله لا يحرمون مما قدر لهم إلى انقضاء آجالهم.
ونحو الآية قوله تعالى: «كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ» وقوله:
«نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ».
بعد أن ذكر فى الآية السابقة عاقبة المكذبين بآياته المستكبرين عن قبولها والإذعان لها- ذكر هنا أن من أشدهم ظلما من يتقولون على الله الكذب، فينسبون إليه ما لم يقله- كمن يثبت الشريك لله سواء كان صنما أو كوكبا، أو يضيف إليه أحكاما باطله، أو يكذّب ما قاله كمن ينكر أن القرآن نزل من عند الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
الإيضاح
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه، أو حرم عليهم من الدين ما لم يحرمه، أو عزا إلى دينه أحكاما لم تنزل على رسله.
(أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) المنزلة عليهم سواء أكان بالقول أو بما هو أدل منه كالاستهزاء بها أو الاستكبار عن اتباعها أو بتفضيل غيرها عليها بالعمل بها.
(أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) المراد بالنصيب هنا ما قدر لهم من خير أو شر وسعادة أو شقاء، والمراد من الكتاب كتاب المقادير الذي كتب الله فيه نظام العالم كله، ومنها أعمال الاحياء الاختيارية وما يبعث عليها من الأسباب والدواعي وما يترتب عليها من المسببات كالسعادة والشقاء والصحة والمرض إلى نحو ذلك.
والمعنى- إن هؤلاء المفترين يصيبهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال، فهم مع ظلمهم وافترائهم على الله لا يحرمون مما قدر لهم إلى انقضاء آجالهم.
ونحو الآية قوله تعالى: «كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ» وقوله:
«نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ».
147
(حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) الرسل هنا هم الملائكة الموكلون بالتوفى أي قبض الأرواح من الأجساد، أي إنهم ينالهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم حتى إذا ما انتهى بانتهاء آجالهم وجاءتهم رسلنا يقبضون أرواحهم.
(قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟) أي سألهم رسل الموت حين التوفى على سبيل الزجر والتوبيخ: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم فى الدنيا من دون الله لقضاء الحاجات ودفع المضرات؟ فلتدعوهم لينجوكم مما أنتم فيه من شدة وعذاب.
(قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) ضلو: أي غابوا وذهبوا، لا ندرى أين مكانهم، أي غابوا عنا فلا نرجو منهم النفع ولا دفع الضر.
(وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) أي واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا بدعائهم إياهم وعبادتهم لهم كافرين، إذ هم قد زعموا أنهم عنده تعالى كأعوان الأمراء والسلاطين، وحاش لله أن يتخذ الأعوان والمساعدين، فالله غنى بعلمه المحيط وقدرته الكاملة عن أن يحتاج إلى الأعوان، فإنما يحتاج إليها من يجهل أمور الناس ويعجز عن معرفة أحوالهم.
وخلاصة هذا- زجر الكافرين عما هم عليه من الكفر وحملهم على النظر والتأمل فى عواقب أمورهم، والتحذير من التقليد الذي سيرديهم فى الهاوية.
(قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أي تقول ملائكته بأمره يوم القيامة لهؤلاء الكافرين: ادخلوا بين أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس، أي أمم تقدم زمانهم على زمانكم.
وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى لا يسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة واحدة، بل يدخلهم فوجا فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد الداخل من الأمة فى النار من سبقه.
(كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) أي كلما دخلت جماعة منهم فى النار ورأت ما حل
(قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟) أي سألهم رسل الموت حين التوفى على سبيل الزجر والتوبيخ: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم فى الدنيا من دون الله لقضاء الحاجات ودفع المضرات؟ فلتدعوهم لينجوكم مما أنتم فيه من شدة وعذاب.
(قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) ضلو: أي غابوا وذهبوا، لا ندرى أين مكانهم، أي غابوا عنا فلا نرجو منهم النفع ولا دفع الضر.
(وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) أي واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا بدعائهم إياهم وعبادتهم لهم كافرين، إذ هم قد زعموا أنهم عنده تعالى كأعوان الأمراء والسلاطين، وحاش لله أن يتخذ الأعوان والمساعدين، فالله غنى بعلمه المحيط وقدرته الكاملة عن أن يحتاج إلى الأعوان، فإنما يحتاج إليها من يجهل أمور الناس ويعجز عن معرفة أحوالهم.
وخلاصة هذا- زجر الكافرين عما هم عليه من الكفر وحملهم على النظر والتأمل فى عواقب أمورهم، والتحذير من التقليد الذي سيرديهم فى الهاوية.
(قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أي تقول ملائكته بأمره يوم القيامة لهؤلاء الكافرين: ادخلوا بين أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس، أي أمم تقدم زمانهم على زمانكم.
وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى لا يسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة واحدة، بل يدخلهم فوجا فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد الداخل من الأمة فى النار من سبقه.
(كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) أي كلما دخلت جماعة منهم فى النار ورأت ما حل
148
بها من الخزي والنكال- لعنت أختها فى الدين والملة، إذ هى قد ضلت باتباعها والاقتداء بها فى كفرها كما قال: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً».
والخلاصة- إن المشركين يلعنون المشركين، واليهود تلعن اليهود، والنصارى تلعن النصارى، وهكذا القول فى سائر الديانات الضالة كالمجوس والصابئة.
(حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ: رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) اداركوا، أي تلاحقوا وأدرك بعضهم بعضا واستقر معه، وضعفا أي مثلا أي حتى إذا تتابعوا واجتمعوا كلهم فيها، قالت أخرى كل منهم وهم أتباعهم وسفلتهم لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء: ربنا هؤلاء أضلونا عن الحق باتباعنا لهم وتقليدنا إياهم فيما كانوا عليه من أمر الدين وسائر أعمالنا، فأعطهم ضعفا من عذاب النار لإضلالهم إيانا فوق العذاب على ضلالهم فى أنفسهم حتى يكون عذابهم ضعفين:
ضعفا للضلال وضعفا للإضلال.
ومعنى قوله لأخراهم أي فى شأنهم ولأجل ضلالهم، وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم، لأنهم ما خاطبوهم، بل خاطبوا الله جلت قدرته بهذا الكلام.
(قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) أي يقول الله تعالى لهم: لكل منهم ضعف من العذاب بإضلاله فوق عذابه على ضلاله، ولكنكم لا تعلمون عذابهم، فإن العذاب روحى ونفسى، والأول أنكى وأشد ألما، فالرئيس العزيز فى قومه إذا دخل السجن مع السّفلة وأوشاب الناس لا يكون ألمه كألمهم، وإن كان يشركهم فيما يأكلون ويشربون وفى جميع ما يعملون، إذ يشعر بعذاب النفس وقهر الذل مما لا يشعر به الآخرون، وإن كانوا يظنون أن عقوبتهما واحدة فى ألمها كما هى فى صورتها.
ونحو الآية قوله فى الآية الأخرى: «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ».
والخلاصة- إن المشركين يلعنون المشركين، واليهود تلعن اليهود، والنصارى تلعن النصارى، وهكذا القول فى سائر الديانات الضالة كالمجوس والصابئة.
(حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ: رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) اداركوا، أي تلاحقوا وأدرك بعضهم بعضا واستقر معه، وضعفا أي مثلا أي حتى إذا تتابعوا واجتمعوا كلهم فيها، قالت أخرى كل منهم وهم أتباعهم وسفلتهم لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء: ربنا هؤلاء أضلونا عن الحق باتباعنا لهم وتقليدنا إياهم فيما كانوا عليه من أمر الدين وسائر أعمالنا، فأعطهم ضعفا من عذاب النار لإضلالهم إيانا فوق العذاب على ضلالهم فى أنفسهم حتى يكون عذابهم ضعفين:
ضعفا للضلال وضعفا للإضلال.
ومعنى قوله لأخراهم أي فى شأنهم ولأجل ضلالهم، وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم، لأنهم ما خاطبوهم، بل خاطبوا الله جلت قدرته بهذا الكلام.
(قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) أي يقول الله تعالى لهم: لكل منهم ضعف من العذاب بإضلاله فوق عذابه على ضلاله، ولكنكم لا تعلمون عذابهم، فإن العذاب روحى ونفسى، والأول أنكى وأشد ألما، فالرئيس العزيز فى قومه إذا دخل السجن مع السّفلة وأوشاب الناس لا يكون ألمه كألمهم، وإن كان يشركهم فيما يأكلون ويشربون وفى جميع ما يعملون، إذ يشعر بعذاب النفس وقهر الذل مما لا يشعر به الآخرون، وإن كانوا يظنون أن عقوبتهما واحدة فى ألمها كما هى فى صورتها.
ونحو الآية قوله فى الآية الأخرى: «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ».
149
(وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) أي إذا كان الأمر كما ذكرتم من أننا أضللناكم فما كان لكم علينا أدنى فضل تطلبون به أن يكون عذابكم دون عذابنا مع أن الذنب واحد وقد اعترفتم بتلبسكم بالضلال المقتضى له، فذوقوا العذاب بكسبكم له مهما يكن سببه.
وقد جاء فى سورة الصافات: «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ. قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ. قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ. فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ. فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ. فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
تفسير المفردات
المراد بالآيات هنا: الآيات الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع كالأدلة على وجود الله ووحدانيته، والأدلة على النبوة والبعث يوم القيامة، والجمل: هو البعير البازل أي الذي طلع نابه، وسمّ الخياط: ثقب الإبرة، وأصل الإجرام: قطع الثمرة من الشجرة، ثم استعمل فى كل إفساد كإفساد الفطرة بالكفر وما يترتب على ذلك من الخرافات والمعاصي، والمهاد: الفراش، والغواشي: واحدها غاشية، وهى ما يغشى الشيء أي يغطّيه ويستره كاللحاف ونحوه.
وقد جاء فى سورة الصافات: «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ. قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ. قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ. فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ. فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ. فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
تفسير المفردات
المراد بالآيات هنا: الآيات الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع كالأدلة على وجود الله ووحدانيته، والأدلة على النبوة والبعث يوم القيامة، والجمل: هو البعير البازل أي الذي طلع نابه، وسمّ الخياط: ثقب الإبرة، وأصل الإجرام: قطع الثمرة من الشجرة، ثم استعمل فى كل إفساد كإفساد الفطرة بالكفر وما يترتب على ذلك من الخرافات والمعاصي، والمهاد: الفراش، والغواشي: واحدها غاشية، وهى ما يغشى الشيء أي يغطّيه ويستره كاللحاف ونحوه.
150
المعنى الجملي
هذا من تتمة ما سلف من وعيد الكفار وجزاء المكذبين بالقرآن المستكبرين عن الإيمان، بين به أنهم خالدون فى النار، وأنهم يلاقون فيها من الشدائد والأهوال ما لا يدرك العقل حقيقة كنهه، وأن هذا كفاء ظلمهم لأنفسهم واستكبارهم عن طاعة ربهم واتباع أوامره.
الإيضاح
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) أي إن الذين كذبوا بأدلتنا ولم يتبعوا رسلنا وتكبروا عن التصديق بما جاءوا به، وأنفوا من الانقياد لها لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم فى حياتهم قول ولا عمل، لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يرفع إلى الله الكلم الطيب والعمل الصالح كما قال: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ».
(وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) العرب تضرب المثل لما لا يكون بنحو قولهم: لا أفعله حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، وحتى يدخل الجمل فى سم الخياط، وهم يريدون بذلك أنهم لا يفعلونه أبدا، والمراد هنا أن هؤلاء لا يدخلون الجنة بحال.
(وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أي ومثل هذا الجزاء نجزى به كل من صار الإجرام وصفا لهم- لامن أجرموا جرما بثورة غضب أو نزوة شهوة- ثم لا يلبثون أن يندموا على ما فرط منهم كما قال تعالى فى وصف المؤمنين: «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» وقال أيضا: «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) أي لهم من نار جهنم فرش من تحتهم، ولهم من فوقهم منها لحف تعطّيهم، والمراد أنها محيطة بهم مطبقة عليهم كما قال:
هذا من تتمة ما سلف من وعيد الكفار وجزاء المكذبين بالقرآن المستكبرين عن الإيمان، بين به أنهم خالدون فى النار، وأنهم يلاقون فيها من الشدائد والأهوال ما لا يدرك العقل حقيقة كنهه، وأن هذا كفاء ظلمهم لأنفسهم واستكبارهم عن طاعة ربهم واتباع أوامره.
الإيضاح
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) أي إن الذين كذبوا بأدلتنا ولم يتبعوا رسلنا وتكبروا عن التصديق بما جاءوا به، وأنفوا من الانقياد لها لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم فى حياتهم قول ولا عمل، لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يرفع إلى الله الكلم الطيب والعمل الصالح كما قال: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ».
(وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) العرب تضرب المثل لما لا يكون بنحو قولهم: لا أفعله حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، وحتى يدخل الجمل فى سم الخياط، وهم يريدون بذلك أنهم لا يفعلونه أبدا، والمراد هنا أن هؤلاء لا يدخلون الجنة بحال.
(وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أي ومثل هذا الجزاء نجزى به كل من صار الإجرام وصفا لهم- لامن أجرموا جرما بثورة غضب أو نزوة شهوة- ثم لا يلبثون أن يندموا على ما فرط منهم كما قال تعالى فى وصف المؤمنين: «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» وقال أيضا: «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) أي لهم من نار جهنم فرش من تحتهم، ولهم من فوقهم منها لحف تعطّيهم، والمراد أنها محيطة بهم مطبقة عليهم كما قال:
151
«إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ» وقال: «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» وقال:
«لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ».
(وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي ومثل هذا الجزاء نجزى به الظالمين لأنفسهم وللناس، والآيتان تدلان على أن المجرمين والظالمين الراسخين فى صفتى الإجرام والظلم هم الكافرون كما قال: «وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» والمؤمنون لا يكونون كذلك بحال.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
تفسير المفردات
الوسع: ما يقدر عليه الإنسان حال السعة والسهولة، لا حال الضيق والشدة، والنزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد من عداوة أو حسد، أورثتموها، أي صارت إليكم بلا منازع كما يصير الميراث إلى أهله.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه وعيد أهل الكفر والمعاصي- أردفه وعد أهل الطاعات وقد جرت سنة القرآن بالجمع بينهما، فيبدأ بأحدهما لمناسبة سياق الكلام قبله ثم يقفوه بالآخر.
«لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ».
(وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي ومثل هذا الجزاء نجزى به الظالمين لأنفسهم وللناس، والآيتان تدلان على أن المجرمين والظالمين الراسخين فى صفتى الإجرام والظلم هم الكافرون كما قال: «وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» والمؤمنون لا يكونون كذلك بحال.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
تفسير المفردات
الوسع: ما يقدر عليه الإنسان حال السعة والسهولة، لا حال الضيق والشدة، والنزع: قلع الشيء من مكانه، والغل: الحقد من عداوة أو حسد، أورثتموها، أي صارت إليكم بلا منازع كما يصير الميراث إلى أهله.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه وعيد أهل الكفر والمعاصي- أردفه وعد أهل الطاعات وقد جرت سنة القرآن بالجمع بينهما، فيبدأ بأحدهما لمناسبة سياق الكلام قبله ثم يقفوه بالآخر.
152
الإيضاح
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحيه وتنزيله وشرائع دينه وعملوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه- هم أهل الجنة دون سواهم، وهم يخلدون فيها أبدا لا يخرجون منها ولا يسلبون نعيمها.
ومعنى قوله: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أننا لا نفرض على المكلف إلا ما يكون فى وسعه وما لا يشق عليه أداؤه ولا يضيق به ذرعا- وقد جاءت هذه الجملة أثناء الكلام للتنبية إلى أن العمل الصالح الذي يوصل إلى الجنة سهل غير صعب، وميسور لا عسر فيه ولا مشقة.
(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) أي وأذهبنا ما كان فى قلوب هؤلاء الذين ذكرت صفتهم من حقد وضغن مما يكون عادة فى الدنيا. فهم لا يدخلون الجنة وفى قلوبهم أدنى عداوة أو بغضاء مما يكون من أسباب تنغيص النعيم فيها، حال كون الأنهار تجرى من تحتهم فيرونها وهم فى غرفات قصورهم تتدفق فى جنانها وبساتينها، فيزدادون حبورا وسرورا لا تشوب صفاءهم شائبة كدر.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعض من بعض ظلاماتهم فى الدنيا، فيدخلون الجنة وليس فى قلوب بعضهم على بعض غلّ».
وروى عن قتادة أن عليا كرم الله وجهه قال: إنى لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً».
(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) أي وقالوا شاكرين لله بألسنتهم معبّرين عن غبطتهم وبهجتهم: الحمد لله الذي هدانا فى الدنيا
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي والذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحيه وتنزيله وشرائع دينه وعملوا ما أمرهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه- هم أهل الجنة دون سواهم، وهم يخلدون فيها أبدا لا يخرجون منها ولا يسلبون نعيمها.
ومعنى قوله: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أننا لا نفرض على المكلف إلا ما يكون فى وسعه وما لا يشق عليه أداؤه ولا يضيق به ذرعا- وقد جاءت هذه الجملة أثناء الكلام للتنبية إلى أن العمل الصالح الذي يوصل إلى الجنة سهل غير صعب، وميسور لا عسر فيه ولا مشقة.
(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) أي وأذهبنا ما كان فى قلوب هؤلاء الذين ذكرت صفتهم من حقد وضغن مما يكون عادة فى الدنيا. فهم لا يدخلون الجنة وفى قلوبهم أدنى عداوة أو بغضاء مما يكون من أسباب تنغيص النعيم فيها، حال كون الأنهار تجرى من تحتهم فيرونها وهم فى غرفات قصورهم تتدفق فى جنانها وبساتينها، فيزدادون حبورا وسرورا لا تشوب صفاءهم شائبة كدر.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعض من بعض ظلاماتهم فى الدنيا، فيدخلون الجنة وليس فى قلوب بعضهم على بعض غلّ».
وروى عن قتادة أن عليا كرم الله وجهه قال: إنى لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً».
(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) أي وقالوا شاكرين لله بألسنتهم معبّرين عن غبطتهم وبهجتهم: الحمد لله الذي هدانا فى الدنيا
153
للإيمان الصحيح والعمل الصالح الذي كان جزاؤه هذا النعيم، وما كان من شأننا ولا مقتضى فكرنا أن نهتدى إليه بأنفسنا لولا أن هدانا الله إليه بتوفيقه إيانا لاتباع رسله ومعونته لنا عليها ورحمته الخاصة بنا- إلى هدايته التي فطرنا عليها وهداية ما خلق لنا من المشاعر والعقل.
(لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي إنهم قالوا حين رأوا ما وعدهم به الرسل عيانا لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وهذا مصداق ما وعدنا به فى الدنيا على التوحيد وصالح العمل.
(وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي ونادتهم الملائكة قائلين لهم: تلكم هى الجنة التي وعدتم بوراثتها جزاء صالح أعمالكم.
أخرج ابن جرير عن السّدى قال: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله فى الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، فيقتسم أهل الجنة منازلهم.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ».
وفى الآية دلالة واضحة على أن الجنة تنال بالعمل، وفى معناها آيات وأحاديث كثيرة.
أما
حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان «لن يدخل أحدا عمله الجنة- قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدّنى الله بفضله ورحمته»
فيراد منه أن عمل الإنسان مهما كان عظيما فلا يستحق به الجنة لذاته لولا رحمة الله وفضله، حين جعل هذا الجزاء العظيم على ذلك العمل القليل، فدخول الجنة بالعمل دخول بفضل
(لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي إنهم قالوا حين رأوا ما وعدهم به الرسل عيانا لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وهذا مصداق ما وعدنا به فى الدنيا على التوحيد وصالح العمل.
(وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي ونادتهم الملائكة قائلين لهم: تلكم هى الجنة التي وعدتم بوراثتها جزاء صالح أعمالكم.
أخرج ابن جرير عن السّدى قال: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله فى الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، فيقتسم أهل الجنة منازلهم.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ».
وفى الآية دلالة واضحة على أن الجنة تنال بالعمل، وفى معناها آيات وأحاديث كثيرة.
أما
حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان «لن يدخل أحدا عمله الجنة- قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدّنى الله بفضله ورحمته»
فيراد منه أن عمل الإنسان مهما كان عظيما فلا يستحق به الجنة لذاته لولا رحمة الله وفضله، حين جعل هذا الجزاء العظيم على ذلك العمل القليل، فدخول الجنة بالعمل دخول بفضل
154
الله ورحمته، ومن ثم قال بعده «فسدّدوا وقاربوا» أي لا تبالغوا ولا تغلوا فى دينكم ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
تفسير المفردات
الوعد خاص بما كان فى الخير، أو يشمل الخير والشر وهو الصحيح، والوعيد خاص بالشر أو السوء، فتسمية ما كان لأهل النار وعدا إما من قبيل التهكم أو للمشاكلة، والتأذين: رفع الصوت بالإعلام بالشيء، واللعنة: الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة، وصدّ عن الشيء: أعرض عنه، وعوجا: أي ذات عوج أي غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد، والعوج (بفتح العين) مختص بالمرئيات (وبكسر العين) مختص بما ليس بمرئىّ كالرأى والقول، والحجاب هو السور الذي بين الجنة والنار كما قال فى سورة الحديد: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» والأعراف واحدها عرف (بزنة قفل) وهو أعلى الشيء وكل مرتفع من الأرض وغيرها، ومنه عرف الديك والفرس
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
تفسير المفردات
الوعد خاص بما كان فى الخير، أو يشمل الخير والشر وهو الصحيح، والوعيد خاص بالشر أو السوء، فتسمية ما كان لأهل النار وعدا إما من قبيل التهكم أو للمشاكلة، والتأذين: رفع الصوت بالإعلام بالشيء، واللعنة: الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة، وصدّ عن الشيء: أعرض عنه، وعوجا: أي ذات عوج أي غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد، والعوج (بفتح العين) مختص بالمرئيات (وبكسر العين) مختص بما ليس بمرئىّ كالرأى والقول، والحجاب هو السور الذي بين الجنة والنار كما قال فى سورة الحديد: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» والأعراف واحدها عرف (بزنة قفل) وهو أعلى الشيء وكل مرتفع من الأرض وغيرها، ومنه عرف الديك والفرس
155
والسحاب، والسيما والسيمياء: العلامة، وصرفت أي حوّلت. والتلقاء: جهة اللقاء، وهى جهة المقابلة، يقال فلان تلقاء فلان إذا كان حذاءه.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان- عقب ذلك ببيان بعض ما يكون بين الفريقين فريق أهل الجنة وفريق أهل السعير من المناظرة والحوار بعد استقرار كل منهما فى داره.
وفيها دليل على أن الدارين فى أرض واحدة يفصل بينهما سور لا يمنع إشراف أهل الجنة وهم فى أعلى عليين على أهل النار وهم فى هاوية الجحيم، وأن بعضهم يخاطب بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة النعمة، ويزيد أهل النار حسرة وشقاء على ما كان من التفريط فى جنب الله.
وهذا التخاطب لا يقتضى قرب المكان على ما هو معهود فى الدنيا، فعالم الآخرة عالم تغلب فيه الروحانية على ظلمة الكثافة الجسدية، فيمكن الإنسان أن يسمع من بعيد المسافات، ويرى من أقاصى الجهات.
وإن ماجدّ الآن من المخترعات والآلات التي يتخاطب بها الناس من شاسع البلاد وتفصل بينهما ألوف الأميال إما بالإشارات الكتابية كالبرق- التلغراف اللاسلكى والسلكى- وإما بالكلام اللساني كالمسّرة- التليفون اللاسلكى- والسلكى ليقرّب هذا أتم التقريب، ويزيدنا فهما له.
وقد تم لهم الآن أن يروا صورة المتكلم بالتليفون مطبوعة على الآلة التي بها الكلام وأن ينقلوا الصور من أقصى البلدان إلى أقصاها بهذه الآلة (التليفزيون).
الإيضاح
(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي إن أصحاب الجنة حين استقرارهم فى الجنة واستقرار
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان- عقب ذلك ببيان بعض ما يكون بين الفريقين فريق أهل الجنة وفريق أهل السعير من المناظرة والحوار بعد استقرار كل منهما فى داره.
وفيها دليل على أن الدارين فى أرض واحدة يفصل بينهما سور لا يمنع إشراف أهل الجنة وهم فى أعلى عليين على أهل النار وهم فى هاوية الجحيم، وأن بعضهم يخاطب بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة النعمة، ويزيد أهل النار حسرة وشقاء على ما كان من التفريط فى جنب الله.
وهذا التخاطب لا يقتضى قرب المكان على ما هو معهود فى الدنيا، فعالم الآخرة عالم تغلب فيه الروحانية على ظلمة الكثافة الجسدية، فيمكن الإنسان أن يسمع من بعيد المسافات، ويرى من أقاصى الجهات.
وإن ماجدّ الآن من المخترعات والآلات التي يتخاطب بها الناس من شاسع البلاد وتفصل بينهما ألوف الأميال إما بالإشارات الكتابية كالبرق- التلغراف اللاسلكى والسلكى- وإما بالكلام اللساني كالمسّرة- التليفون اللاسلكى- والسلكى ليقرّب هذا أتم التقريب، ويزيدنا فهما له.
وقد تم لهم الآن أن يروا صورة المتكلم بالتليفون مطبوعة على الآلة التي بها الكلام وأن ينقلوا الصور من أقصى البلدان إلى أقصاها بهذه الآلة (التليفزيون).
الإيضاح
(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي إن أصحاب الجنة حين استقرارهم فى الجنة واستقرار
156
أهل النار فى النار- إذا ما وجهوا أبصارهم إليهم يسألونهم سؤال افتخار على حسن حالهم وسؤال تهكم وتذكير بجناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل، وسؤال تقرير لهم بصدق ما بلّغهم الرسل من وعد ربهم لمن آمن واتقى بجنات النعيم قائلين لهم:
قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقا لا شبهة فيه، وها نحن أولاء: نستمتع بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر- فهل وجدتم ما أوعدكم ربكم من الخزي والنكال حقا؟
(قالُوا نَعَمْ) أي وجدنا ما أوعدنا به ربنا حاكما بلّغنا على ألسنة الرسل.
(فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فكان ردف السؤال والجواب وقيام الحجة عليهم- أن أذّن مؤذن قائلا: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم الجانين عليها بما أوجب حرمانها من النعيم المقيم، وهذا المؤذن إما مالك خازن النار، وإما ملك غيره يأمره الله بذلك.
ثم بين المراد من الظالمين فقال:
(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي إنهم هم الذين يعرضون عن سلوك سبيل الله الموصلة إلى مرضاته وثوابه، ويمنعون الناس عن سلوكها، ويبغونها معوجّة حتى لا يسلكها أحد.
وبغى الظالمين وطلبهم اعوجاج السبيل يجىء على ضروب شتى:
(١) تدسية أنفسهم بالظلم العظيم وهو الشرك فيشوبون التوحيد بشوائب الوثنية فى العبادة والدعاء ويشركون مع الله غيره على أنه شفيع عنده ووسيلة إليه، وهو ما نهى الله عنه بقوله: «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ» وقوله تعالى «حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ».
(٢) ظلمهم لها بالابتداع، إذ يبغونها عوجا بما يزيدون فى الدين من البدع المحدثات التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، ومستندهم فى ذلك تأويلات جدلية ومحاولات
قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقا لا شبهة فيه، وها نحن أولاء: نستمتع بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر- فهل وجدتم ما أوعدكم ربكم من الخزي والنكال حقا؟
(قالُوا نَعَمْ) أي وجدنا ما أوعدنا به ربنا حاكما بلّغنا على ألسنة الرسل.
(فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فكان ردف السؤال والجواب وقيام الحجة عليهم- أن أذّن مؤذن قائلا: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم الجانين عليها بما أوجب حرمانها من النعيم المقيم، وهذا المؤذن إما مالك خازن النار، وإما ملك غيره يأمره الله بذلك.
ثم بين المراد من الظالمين فقال:
(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) أي إنهم هم الذين يعرضون عن سلوك سبيل الله الموصلة إلى مرضاته وثوابه، ويمنعون الناس عن سلوكها، ويبغونها معوجّة حتى لا يسلكها أحد.
وبغى الظالمين وطلبهم اعوجاج السبيل يجىء على ضروب شتى:
(١) تدسية أنفسهم بالظلم العظيم وهو الشرك فيشوبون التوحيد بشوائب الوثنية فى العبادة والدعاء ويشركون مع الله غيره على أنه شفيع عنده ووسيلة إليه، وهو ما نهى الله عنه بقوله: «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ» وقوله تعالى «حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ».
(٢) ظلمهم لها بالابتداع، إذ يبغونها عوجا بما يزيدون فى الدين من البدع المحدثات التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، ومستندهم فى ذلك تأويلات جدلية ومحاولات
157
للتوفيق بين الدين والفلسفة فى الاعتقاديات، أو زيادات فى العبادات والشعائر كحفل الموالد وترتيلات الجنائز وأذكار المآذن، أو تحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات من الرزق، أو تحليل ما حرم الله كبناء المساجد على القبور وإيقاد المصابيح والشموع وغيرها عليها.
(٣) ظلمهم لها بالزندقة والنفاق، إذ يبغونها عوجا بالتشكيك فيها بضروب من التأويل يقصد بها بطلان الثقة بها والصد عنها.
(٤) ظلمهم لها فى الأحكام فيبغونها عوجا بترك الحق، وإقامة ميزان العدل، والمساواة بين الناس بالقسط.
(٥) ظلمهم لها بالغلوّ فيها بجعل يسرها عسرا وسعتها ضيقا بزيادتهم على ما شرعه الله من أحكام العبادات والمحظورات والمباحات، مما نزل فى كتابه وصح من سنة رسوله.
(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) وهم على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرا متأصلا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابا على جرمهم، ولا ذما ولو ما على إنكارهم يوم البعث والجزاء.
والخلاصة- إنهم جمعوا بين الصد عن سبيل الله وبغيها عوجا، وإنكار البعث والجزاء.
(وَبَيْنَهُما حِجابٌ) أي وبين الفريقين فريقى أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل كلا منهما من الآخر ويمنعه من الاستطراق إليه.
وهذا الحجاب هو السور الذي سيأتى ذكره فى سورة الحديد بقوله: «يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» الآية
(٣) ظلمهم لها بالزندقة والنفاق، إذ يبغونها عوجا بالتشكيك فيها بضروب من التأويل يقصد بها بطلان الثقة بها والصد عنها.
(٤) ظلمهم لها فى الأحكام فيبغونها عوجا بترك الحق، وإقامة ميزان العدل، والمساواة بين الناس بالقسط.
(٥) ظلمهم لها بالغلوّ فيها بجعل يسرها عسرا وسعتها ضيقا بزيادتهم على ما شرعه الله من أحكام العبادات والمحظورات والمباحات، مما نزل فى كتابه وصح من سنة رسوله.
(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) وهم على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرا متأصلا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابا على جرمهم، ولا ذما ولو ما على إنكارهم يوم البعث والجزاء.
والخلاصة- إنهم جمعوا بين الصد عن سبيل الله وبغيها عوجا، وإنكار البعث والجزاء.
(وَبَيْنَهُما حِجابٌ) أي وبين الفريقين فريقى أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل كلا منهما من الآخر ويمنعه من الاستطراق إليه.
وهذا الحجاب هو السور الذي سيأتى ذكره فى سورة الحديد بقوله: «يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» الآية
158
(وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ) أي وعلى أعالى ذلك السور رجال يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيها، فيعرفون كلا منهما بسيماهم التي وصفهم الله بها فى نحو قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ».
وهؤلاء الرجال هم طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينماهم كذلك إذ يطلع عليهم ربهم فيقول: قوموا ادخلوا الجنة فإنى قد غفرت لكم، أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة،
وفى رواية عنه: «يجمع الله الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا ننتظر أمرك فيقال:
إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتى ورحمتى».
(وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين لهم: سلام عليكم، وهذا السلام إما تحية ودعاء وإما إخبار بالسلامة من المكروه والنجاة من العذاب، هذا إن كان قبل دخول الجنة، فإن كان بعدها فهو تحية خالصة تدخل فى عموم قوله تعالى «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً».
(لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) أي نادوهم مسلّمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها بعد وهم طامعون فى دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب.
وقد جاء فى الآثار أن الناس يكونون فى الموقف بين الخوف والرجاء، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها.
روى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو نادى مناديا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى.
دخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل.
وهؤلاء الرجال هم طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينماهم كذلك إذ يطلع عليهم ربهم فيقول: قوموا ادخلوا الجنة فإنى قد غفرت لكم، أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة،
وفى رواية عنه: «يجمع الله الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا ننتظر أمرك فيقال:
إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتى ورحمتى».
(وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين لهم: سلام عليكم، وهذا السلام إما تحية ودعاء وإما إخبار بالسلامة من المكروه والنجاة من العذاب، هذا إن كان قبل دخول الجنة، فإن كان بعدها فهو تحية خالصة تدخل فى عموم قوله تعالى «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً».
(لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) أي نادوهم مسلّمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها بعد وهم طامعون فى دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب.
وقد جاء فى الآثار أن الناس يكونون فى الموقف بين الخوف والرجاء، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها.
روى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو نادى مناديا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى.
دخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل.
159
(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي وكلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى ألا يجعلهم مثلهم، والمقصود من الآية الإنذار والتخويف ليتبصر المرء فى عاقبة أمره، فيفوز بالثواب المقيم فى جنات النعيم.
وفى التعبير بصرف الأبصار وتحويلها إيماء إلى أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام، ويكرهون رؤية أهل النار، فإذا حوّلت أبصارهم إليهم عن غير قصد ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها، قالوا ربنا لا تجعلنا معهم حيث يكونون، وفى ذلك من استعظام حال الظالمين، واستفظاع مآلهم وشناعة أمرهم ما لا يخفى.
وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود رضي الله عنه قال «يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ» الآيتين، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرض أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) تعوّذوا بالله من منازلهم. قال:
«فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا «رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان فى أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله تعالى (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فكان الطمع دخولا».
وفى التعبير بصرف الأبصار وتحويلها إيماء إلى أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام، ويكرهون رؤية أهل النار، فإذا حوّلت أبصارهم إليهم عن غير قصد ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها، قالوا ربنا لا تجعلنا معهم حيث يكونون، وفى ذلك من استعظام حال الظالمين، واستفظاع مآلهم وشناعة أمرهم ما لا يخفى.
وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود رضي الله عنه قال «يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ» الآيتين، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرض أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) تعوّذوا بالله من منازلهم. قال:
«فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا «رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان فى أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله تعالى (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فكان الطمع دخولا».
160
قال سعيد: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم قال: هلك من غلب وحدانه أعشاره. اهـ.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
الإيضاح
(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) هذا نداء آخر من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبرين الذين كانوا يعتزّون فى الدنيا بغناهم وقوتهم، ويحتقرون ضعفاء المؤمنين لفقرهم وضعف عصبيتهم أو لحرمانهم من عصبية تمنعهم وتذود عنهم، ويزعمون أن من أغناه الله وجعله قويا فى الدنيا فهو الذي يكون له نعيم الآخرة كما قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».
ومن هؤلاء زعماء قريش وطغاتها الذين قاوموا الإسلام فى مكة واضطهدوا أهله كأبى جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.
والسيما التي يعرفونهم بها هى سواد الوجوه، ورزقة العيون، وتشويه الخلق واختار أبو مسلم أنهم يعرفونهم بسيماهم الخاصة التي كانوا عليها فى الدنيا، وقيل بسيما المستكبرين إذ قد جاء فى الأثر ما يدل على أن لمن تغلب عليهم رذيلة خاصة- علامة
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
الإيضاح
(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) هذا نداء آخر من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبرين الذين كانوا يعتزّون فى الدنيا بغناهم وقوتهم، ويحتقرون ضعفاء المؤمنين لفقرهم وضعف عصبيتهم أو لحرمانهم من عصبية تمنعهم وتذود عنهم، ويزعمون أن من أغناه الله وجعله قويا فى الدنيا فهو الذي يكون له نعيم الآخرة كما قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ».
ومن هؤلاء زعماء قريش وطغاتها الذين قاوموا الإسلام فى مكة واضطهدوا أهله كأبى جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.
والسيما التي يعرفونهم بها هى سواد الوجوه، ورزقة العيون، وتشويه الخلق واختار أبو مسلم أنهم يعرفونهم بسيماهم الخاصة التي كانوا عليها فى الدنيا، وقيل بسيما المستكبرين إذ قد جاء فى الأثر ما يدل على أن لمن تغلب عليهم رذيلة خاصة- علامة
161
تدل عليهم فيعرفون بها فقد روى البخاري «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيعرفه فيشفع له، فلا تقبل شفاعته، ثم يمسخه الله ذئبا منتنا ليزول عن إبراهيم خزيه» فمسخه ذئبا مناسب لحماقته ونتن الشرك.
والخلاصة- إنهم نادوهم قائلين لهم: ما أغنى عنكم جمعكم للمال ولا استكباركم على المستضعفين والفقراء من أهل الإيمان، إذ لم يمنع عنكم العقاب، ولا أفادكم شيئا من الثواب.
ثم وجّه إليهم سؤال توبيخ وتأنيب بحضرة هؤلاء المستضعفين فقيل لهم:
(أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟) أي وقالوا لهم مع الإشارة إلى أولئك المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم ويعذبونهم فى الدنيا كصهيب الرومي وبلال الحبشي وآل ياسر، والتهكم من خزيهم وفوز من كانوا يحتقرونهم: أهؤلاء الذين حلفتم فى الدنيا إن رحمة الله لن تنالهم؟ إذ لم يعطوا فى الدنيا مثل ما أعطيتم من الأتباع والأشياع وكثرة المال.
(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي قال الله تعالى لأصحاب الأعراف بعد أن يحبسوا على الأعراف، وينظروا إلى الفريقين ويعرفوهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون فى مستقبل أمركم، ولا أنتم تحزنون مما ينغّص عليكم حاضركم.
وفائدة هذه المقالة بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه فى العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون فى حال السابقين، وليعرفوا أن كل أحد يعرف فى ذلك اليوم بسيماه التي يوسم بها، سواء أكان من أهل الخير أم من أهل الشر، فيزيد المحسن فى إحسانه ويرتدع المسيء عن إساءته، وليعلموا أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقل الناس عملا.
والخلاصة- إنهم نادوهم قائلين لهم: ما أغنى عنكم جمعكم للمال ولا استكباركم على المستضعفين والفقراء من أهل الإيمان، إذ لم يمنع عنكم العقاب، ولا أفادكم شيئا من الثواب.
ثم وجّه إليهم سؤال توبيخ وتأنيب بحضرة هؤلاء المستضعفين فقيل لهم:
(أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟) أي وقالوا لهم مع الإشارة إلى أولئك المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم ويعذبونهم فى الدنيا كصهيب الرومي وبلال الحبشي وآل ياسر، والتهكم من خزيهم وفوز من كانوا يحتقرونهم: أهؤلاء الذين حلفتم فى الدنيا إن رحمة الله لن تنالهم؟ إذ لم يعطوا فى الدنيا مثل ما أعطيتم من الأتباع والأشياع وكثرة المال.
(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي قال الله تعالى لأصحاب الأعراف بعد أن يحبسوا على الأعراف، وينظروا إلى الفريقين ويعرفوهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون فى مستقبل أمركم، ولا أنتم تحزنون مما ينغّص عليكم حاضركم.
وفائدة هذه المقالة بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه فى العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون فى حال السابقين، وليعرفوا أن كل أحد يعرف فى ذلك اليوم بسيماه التي يوسم بها، سواء أكان من أهل الخير أم من أهل الشر، فيزيد المحسن فى إحسانه ويرتدع المسيء عن إساءته، وليعلموا أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقل الناس عملا.
162
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه مقال أهل الجنة لأهل النار ومقال أصحاب الأعراف لأهل النار- أردف ذلك ما قال أهل النار لأهل الجنة- وطلبهم منهم بعض ما عندهم من نعم الله عليهم.
الإيضاح
(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) إفاضة الماء: صبه ثم استعملت فى الشيء الكثير فيقال: فاض الرزق والخير، وأفاض عليه النعم، وقالوا أعطاه غيضا من فيض أي قليلا من كثير، وما رزقهم الله يشمل الطعام والأشربة غير الماء.
والمعنى- إن أهل النار يستغيثون بأهل الجنة ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام.
وعن ابن عباس «ينادى الرجل أخاه فيقول: يا أخى أغثنى فإنى قد احترقت فأفض علىّ من الماء، فيقال: أجبه فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين».
وعن أبي الدرداء «إن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضّريع (نبات رطبه يسمى شبرقا، ويابسه يسمى ضريعا لا تقر به دابة لنتن ريحه) لا يسمن ولا يغنى من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذى غصة،
163
ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما فى بطونهم ويستغيثون إلى أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: إن الله حرمهما على الكافرين».
وهذا طلب منهم مع علمهم باليأس من إجابته، إذ هم يعرفون دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم أبدا، ولكن اليأس من الشيء قد يطلبه كما قالوا فى أمثالهم (الغريق يتعلق بالزبد).
(قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) التحريم المنع وهو إما تحريم تكليف كتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإما تحريم قهر كتحريم الجنة وما فيها على الكافرين فى مثل هذه الآية.
والمعنى- إن أهل الجنة قالوا جوابا عن هذا الاستجداء: إن الله قد حرم ماء الجنة ورزقها على الكافرين، كما حرم عليهم دخولها، فلا سبيل لإفاضة شىء منهما عليهم وهم فى النار، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم وطعامها من الضريع والزقوم.
وقد وصف أهل الجنة الكافرين بأنهم هم الذين كانوا السبب فى هذا المنع والحرمان، إذ جعلوا ديدنهم أعمالا لا تزكّى الأنفس ولا تجعلها أهلا للتشريف والكرامة، بل هى إما لهو يشغل الإنسان عن الجدّ والأعمال المفيدة، وإما لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة فهو كأعمال الأطفال، وقد غرتهم الحياة الدنيا بشهواتها ولذاتها من الحرام والحلال، أما أهل الجنة فقد سعوا لها سعيها، وعلموا أن الدنيا مزرعة الآخرة، ومن ثم لم يكن من قصدهم من التمتع بنعم الله إلا الاستعانة بها على ما يرضيه من إقامة الحق والعدل، والاستعداد لحياة أبدية لا نهاية لها.
والخلاصة- إن الدنيا شغلتهم بزخارفها العاجلة وشهواتها الباطلة، فعزّتهم وضرتهم، وهى من شأنها أن تغرّ وتضر وتمرّ.
ثم ذكر عاقبة أمرهم فقال:
(فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) أي فاليوم نعاملهم معاملة الشيء المنسى
وهذا طلب منهم مع علمهم باليأس من إجابته، إذ هم يعرفون دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم أبدا، ولكن اليأس من الشيء قد يطلبه كما قالوا فى أمثالهم (الغريق يتعلق بالزبد).
(قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) التحريم المنع وهو إما تحريم تكليف كتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإما تحريم قهر كتحريم الجنة وما فيها على الكافرين فى مثل هذه الآية.
والمعنى- إن أهل الجنة قالوا جوابا عن هذا الاستجداء: إن الله قد حرم ماء الجنة ورزقها على الكافرين، كما حرم عليهم دخولها، فلا سبيل لإفاضة شىء منهما عليهم وهم فى النار، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم وطعامها من الضريع والزقوم.
وقد وصف أهل الجنة الكافرين بأنهم هم الذين كانوا السبب فى هذا المنع والحرمان، إذ جعلوا ديدنهم أعمالا لا تزكّى الأنفس ولا تجعلها أهلا للتشريف والكرامة، بل هى إما لهو يشغل الإنسان عن الجدّ والأعمال المفيدة، وإما لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة فهو كأعمال الأطفال، وقد غرتهم الحياة الدنيا بشهواتها ولذاتها من الحرام والحلال، أما أهل الجنة فقد سعوا لها سعيها، وعلموا أن الدنيا مزرعة الآخرة، ومن ثم لم يكن من قصدهم من التمتع بنعم الله إلا الاستعانة بها على ما يرضيه من إقامة الحق والعدل، والاستعداد لحياة أبدية لا نهاية لها.
والخلاصة- إن الدنيا شغلتهم بزخارفها العاجلة وشهواتها الباطلة، فعزّتهم وضرتهم، وهى من شأنها أن تغرّ وتضر وتمرّ.
ثم ذكر عاقبة أمرهم فقال:
(فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) أي فاليوم نعاملهم معاملة الشيء المنسى
164
الذي لا يبحث عنه أحد، كما جعلوا هذا اليوم منسيا، والمراد من النسيان عدم إجابة دعائهم وتركهم فى النار.
(وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) أي وكما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله إنكارا مستمرا، ورفضوا ما جاءت به رسله ظلما وعلوا.
والخلاصة- فاليوم نتركهم فى العذاب كما تركوا العمل فى الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما كانوا بآيات الله وحججه التي احتج بها عليهم الأنبياء والرسل يجحدون ولا يصدّقون بشىء منها.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
تفسير المفردات
الكتاب هو القرآن الكريم، والتفصيل جعل المسائل المراد بيانها مفصولا بعضها من بعض بما يزيل اشتباهها وينظرون أي ينتظرون، وتأويله أي عاقبته، والحق هو الأمر الثابت، والخسران: الغبن، وضل عنهم، أي غاب عنهم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أحوال أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف وذكر الحوار الذي كان بين هذه الفرق الثلاثة على وجه يحمل الناظر فيها على الحذر والاحتراس والتأمل
(وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) أي وكما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله إنكارا مستمرا، ورفضوا ما جاءت به رسله ظلما وعلوا.
والخلاصة- فاليوم نتركهم فى العذاب كما تركوا العمل فى الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما كانوا بآيات الله وحججه التي احتج بها عليهم الأنبياء والرسل يجحدون ولا يصدّقون بشىء منها.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
تفسير المفردات
الكتاب هو القرآن الكريم، والتفصيل جعل المسائل المراد بيانها مفصولا بعضها من بعض بما يزيل اشتباهها وينظرون أي ينتظرون، وتأويله أي عاقبته، والحق هو الأمر الثابت، والخسران: الغبن، وضل عنهم، أي غاب عنهم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أحوال أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف وذكر الحوار الذي كان بين هذه الفرق الثلاثة على وجه يحمل الناظر فيها على الحذر والاحتراس والتأمل
165
فى العواقب، لعله يرعوى عن غيه ويهتدى إلى سبيل رشده، عقّب ذلك بذكر حال الكتاب الكريم وعظيم فضله وجليل منفعته، وأنه حجة الله على البشر كافة، وأنه أزاح به علل الكفار وأبطل معاذيرهم، ثم بذكر حال المكذبين وما يكون منهم يوم القيامة من الندم والحسرة وتمنى العودة إلى الدنيا لإصلاح أعمالهم.
الإيضاح
(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ، هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي ولقد جئنا هؤلاء القوم بكتاب كامل البيان وهو القرآن، فصلنا آياته تفصيلا على علم منا بما يحتاج إليه المكلفون من العلم والعمل، تزكية لنفوسهم وتطهيرا لقلوبهم، وجعلناه سبب سعادتهم فى معاشهم ومعادهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به إيمانا يبعثه على العمل بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
انظر إليه تجده قد أوضح أصول الدين العامة بما لا يطلب معه زيادة لمستزيد، فنعى على المقلدين الأخذ بآراء من تقدمهم من آبائهم ورؤسائهم دون بحث ولا تمحيص فى مثل قوله: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» وكرر القول ببطلان التقليد وضلال المقلدين، وحث على النظر والاستدلال والاعتماد على البرهان فى مثل قوله: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» وبهذا كان الإسلام دين العقل والفطرة، وينبوع الهدى والحكمة والرحمة.
وحين وجد الناس افتنّوا فى الشرك، وفرقوا بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية فظنوا أن الإيمان بوحدة الرب خالق الكون- كاف فى الإيمان ولا يضر التوجه إلى غيره من المقربين بالدعاء وطلب ما يعجز المرء عن نيله من طريق الأسباب، ظنا منهم أن التوسل به إليه وشفاعته عنده مما يرضيه- أبطل هذه الشبهات، وأزال هذه
الإيضاح
(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ، هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي ولقد جئنا هؤلاء القوم بكتاب كامل البيان وهو القرآن، فصلنا آياته تفصيلا على علم منا بما يحتاج إليه المكلفون من العلم والعمل، تزكية لنفوسهم وتطهيرا لقلوبهم، وجعلناه سبب سعادتهم فى معاشهم ومعادهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به إيمانا يبعثه على العمل بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
انظر إليه تجده قد أوضح أصول الدين العامة بما لا يطلب معه زيادة لمستزيد، فنعى على المقلدين الأخذ بآراء من تقدمهم من آبائهم ورؤسائهم دون بحث ولا تمحيص فى مثل قوله: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» وكرر القول ببطلان التقليد وضلال المقلدين، وحث على النظر والاستدلال والاعتماد على البرهان فى مثل قوله: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» وبهذا كان الإسلام دين العقل والفطرة، وينبوع الهدى والحكمة والرحمة.
وحين وجد الناس افتنّوا فى الشرك، وفرقوا بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية فظنوا أن الإيمان بوحدة الرب خالق الكون- كاف فى الإيمان ولا يضر التوجه إلى غيره من المقربين بالدعاء وطلب ما يعجز المرء عن نيله من طريق الأسباب، ظنا منهم أن التوسل به إليه وشفاعته عنده مما يرضيه- أبطل هذه الشبهات، وأزال هذه
166
التعلات وبسط ذلك كل البسط. وأطنب فيه أيّما إطناب. إلى نحو ذلك من مسائل تبصّر المرء فى دينه ودنياه. وتعرفه مبدأه ومنتهاه.
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي هل ينتظرون إلا عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، أي ليس أمامهم شىء ينتظرونه فى أمره إلا وقوع تأويله وهو وقوع ما أخبر به من أمر الغيب الذي يقع فى المستقبل فى الدنيا ثم فى الآخرة مما وعد به المؤمنين من نصر وثواب، والكافرين من خذلان وعقاب.
روى عن الربيع بن أنس أنه قال: لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة حين يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ.
(يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي يأتى تأويله ونهايته يوم القيامة وتزول كل شبهة فيقول الذين نسوه من قبل أي تركوه وجعلوه كالشىء المنسى وأعرضوا عنه فلم يهتدوا به: قد جاءت رسل ربنا بالحق، أي قد تبين أنهم قد جاءوا بما هو متحقق ثابت، فتمارينا فيه وأعرضنا عنه حتى حق علينا الجزاء.
ثم ذكر حالهم فى ذلك اليوم وتلهفهم على النجاة فيتمنون إما شفاعة الشافعين أو رجوعهم إلى الدنيا ليصلحوا أعمالهم فقال:
(فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟) أي إنهم يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة، إما بشفاعة الشفعاء، وإما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها غير ما كانوا يعملون فى حياتهم الأولى فيكونوا أهلا لمرضاة ربهم.
وإنما تمنّوا الشفعاء وتساءلوا عنهم، من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، وعند ما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل وهو أن النجاة إنما تكون بالإيمان الصحيح والعمل الصالح يتمنون لو يردون إلى الدنيا ليعملوا بما أمرهم به الرسل.
(قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي هم قد غبنوا أنفسهم
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي هل ينتظرون إلا عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، أي ليس أمامهم شىء ينتظرونه فى أمره إلا وقوع تأويله وهو وقوع ما أخبر به من أمر الغيب الذي يقع فى المستقبل فى الدنيا ثم فى الآخرة مما وعد به المؤمنين من نصر وثواب، والكافرين من خذلان وعقاب.
روى عن الربيع بن أنس أنه قال: لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة حين يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ.
(يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي يأتى تأويله ونهايته يوم القيامة وتزول كل شبهة فيقول الذين نسوه من قبل أي تركوه وجعلوه كالشىء المنسى وأعرضوا عنه فلم يهتدوا به: قد جاءت رسل ربنا بالحق، أي قد تبين أنهم قد جاءوا بما هو متحقق ثابت، فتمارينا فيه وأعرضنا عنه حتى حق علينا الجزاء.
ثم ذكر حالهم فى ذلك اليوم وتلهفهم على النجاة فيتمنون إما شفاعة الشافعين أو رجوعهم إلى الدنيا ليصلحوا أعمالهم فقال:
(فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟) أي إنهم يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة، إما بشفاعة الشفعاء، وإما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها غير ما كانوا يعملون فى حياتهم الأولى فيكونوا أهلا لمرضاة ربهم.
وإنما تمنّوا الشفعاء وتساءلوا عنهم، من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، وعند ما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل وهو أن النجاة إنما تكون بالإيمان الصحيح والعمل الصالح يتمنون لو يردون إلى الدنيا ليعملوا بما أمرهم به الرسل.
(قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي هم قد غبنوا أنفسهم
167
حظوظها وباعوا نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل، ويومئذ يغيب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء ومقالاتهم التي كانوا يقولونها كقولهم فى معبوداتهم «هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ».
وخلاصة ذلك- إنهم قد خسروا أنفسهم بتدنيسها بالشرك والمعاصي وعدم تزكيتها بالفضائل والأعمال الصالحة، فخسروا حظوظهم فيها.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
تفسير المفردات
الرب: هو السيد والمالك والمدبر والمربى، والإله: هو المعبود الذي يدعى لكشف الضر أو جلب النفع ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه، والله: اسم الخالق الخلق أجمعين، ولا يثبت الموحّدون ربا سواه، وأكثر المشركين يقولون إنه أكبر الأرباب أو رئيسهم وأعظم الآلهة، وكان مشركوا العرب لا يثبتون ربا سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه، والسموات والأرض: يراد بهما العالم العلوي والعالم السفلى، واليوم: الزمن الذي يمتاز عن غيره بما يحدث فيه كامتياز اليوم المعروف بما يحده من النور والظلام، وامتياز أيام العرب بما كان يقع فيها من الحرب والخصام، وليست هذه الأيام الستة من أيام الأرض وهى التي مجموع ليلها ونهارها أربع وعشرون ساعة، فإن هذه إنما وجدت بعد خلق هذه الأرض، فكيف يعدّ خلقها بأيام منها، ولأن الله تعالى يقول «وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ويقول فى وصف يوم القيامة «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» والعرش لغة: كل شىء له سقف،
وخلاصة ذلك- إنهم قد خسروا أنفسهم بتدنيسها بالشرك والمعاصي وعدم تزكيتها بالفضائل والأعمال الصالحة، فخسروا حظوظهم فيها.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
تفسير المفردات
الرب: هو السيد والمالك والمدبر والمربى، والإله: هو المعبود الذي يدعى لكشف الضر أو جلب النفع ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه، والله: اسم الخالق الخلق أجمعين، ولا يثبت الموحّدون ربا سواه، وأكثر المشركين يقولون إنه أكبر الأرباب أو رئيسهم وأعظم الآلهة، وكان مشركوا العرب لا يثبتون ربا سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه، والسموات والأرض: يراد بهما العالم العلوي والعالم السفلى، واليوم: الزمن الذي يمتاز عن غيره بما يحدث فيه كامتياز اليوم المعروف بما يحده من النور والظلام، وامتياز أيام العرب بما كان يقع فيها من الحرب والخصام، وليست هذه الأيام الستة من أيام الأرض وهى التي مجموع ليلها ونهارها أربع وعشرون ساعة، فإن هذه إنما وجدت بعد خلق هذه الأرض، فكيف يعدّ خلقها بأيام منها، ولأن الله تعالى يقول «وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ويقول فى وصف يوم القيامة «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» والعرش لغة: كل شىء له سقف،
168
ويطلق على هودج للمرأة يشبه عريش الكرم، وعلى سرير الملك وكرسيه فى مجلس الحكم والتدبير، والاستواء لغة: استقامة الشيء واعتداله، واستوى الملك على عرشه أي ملك، وثلّ عرشه أي هلك، وغشّى الشيء الشيء: ستره وغطاه، وأغشاه إياه: جعله يغشاه أي يغطّيه ويستره، ومنه إغشاء الليل النهار، وحثيثا أي مسرعا، من قولهم فرس حثيث السير أي سريعه، بأمره أي بتدبيره وتصرفه. مسخرات أي مذلّلات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته والخلق: التقدير والمراد هنا الإيجاد بقدر تبارك الله: تعاظمت بركاته والبركة: الخير الكثير الثابت.
المعنى الجملي
علمت مما سلف من قبل أن الأسس التي عنى القرآن الكريم بشأنها هى التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، وإثبات المعاد موقوف على إثبات الوحدانية لله والعلم الشامل والقدرة التامة.
ولما بسط القول فيما سلف فى أمر المعاد وبين فئات الناس فى ذلك اليوم وما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة- قفّى على ذلك بذكر الخلق والتكوين وبيان مقدوراته تعالى وعظيم مصنوعاته، لتكون دليلا على الربوبية والألوهية وأنه لا معبود سواه.
الإيضاح
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) يخاطب سبحانه الناس كافة بأن ربكم واحد وهو الذي خلق السموات والأرض فى ستة أيام ودبّر أمورهما فيجب عليكم أن تعبدوه وحده، إذ لا إله لكم غيره.
وقد جاء فى معنى الآية قوله فى سورة حم السجدة «قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ
المعنى الجملي
علمت مما سلف من قبل أن الأسس التي عنى القرآن الكريم بشأنها هى التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، وإثبات المعاد موقوف على إثبات الوحدانية لله والعلم الشامل والقدرة التامة.
ولما بسط القول فيما سلف فى أمر المعاد وبين فئات الناس فى ذلك اليوم وما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة- قفّى على ذلك بذكر الخلق والتكوين وبيان مقدوراته تعالى وعظيم مصنوعاته، لتكون دليلا على الربوبية والألوهية وأنه لا معبود سواه.
الإيضاح
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) يخاطب سبحانه الناس كافة بأن ربكم واحد وهو الذي خلق السموات والأرض فى ستة أيام ودبّر أمورهما فيجب عليكم أن تعبدوه وحده، إذ لا إله لكم غيره.
وقد جاء فى معنى الآية قوله فى سورة حم السجدة «قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ
169
فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ»
وقوله فى سورة الأنبياء: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟».
وبالتأمل فى هذه الآيات نستخلص منها الأمور الآتية:
(١) إن المادة التي خلقت منها السموات والأرض كانت دخانا أي مثل الدخان.
(٢) إن هذه المادة الدخانية كانت واحدة ثم فتق الله رتقها أي التئامها بأن فصل بعضها من بعض، فخلق منها هذه الأرض والسموات السبع.
(٣) إن خلق الأرض كان فى يومين، وأن تكون اليابسة والجبال الرواسي فيها وأنواع النبات والحيوان كان فى يومين آخرين تتمة أيام أربع.
(٤) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية خلقت من الماء.
(٥) إن اليوم الأول من أيام خلق الأرض هو الزمن الذي كانت فيه كالدخان حين فتقت من رتق المادة العامة التي خلق منها كل شىء سواء أكان ذلك بواسطة أم بدونها.
(٦) إن اليوم الثاني هو الزمن الذي كانت فيه مائية بعد أن كانت بخارية أو دخانية.
(٧) إن اليوم الثالث هو الزمن الذي تكونت فيه اليابسة ونتأت منها الرواسي فتماسكت بها (٨) إن اليوم الرابع هو الزمن الذي ظهرت فيه أجناس الأحياء من الماء وهى النبات والحيوان.
وقوله فى سورة الأنبياء: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟».
وبالتأمل فى هذه الآيات نستخلص منها الأمور الآتية:
(١) إن المادة التي خلقت منها السموات والأرض كانت دخانا أي مثل الدخان.
(٢) إن هذه المادة الدخانية كانت واحدة ثم فتق الله رتقها أي التئامها بأن فصل بعضها من بعض، فخلق منها هذه الأرض والسموات السبع.
(٣) إن خلق الأرض كان فى يومين، وأن تكون اليابسة والجبال الرواسي فيها وأنواع النبات والحيوان كان فى يومين آخرين تتمة أيام أربع.
(٤) إن جميع الأحياء النباتية والحيوانية خلقت من الماء.
(٥) إن اليوم الأول من أيام خلق الأرض هو الزمن الذي كانت فيه كالدخان حين فتقت من رتق المادة العامة التي خلق منها كل شىء سواء أكان ذلك بواسطة أم بدونها.
(٦) إن اليوم الثاني هو الزمن الذي كانت فيه مائية بعد أن كانت بخارية أو دخانية.
(٧) إن اليوم الثالث هو الزمن الذي تكونت فيه اليابسة ونتأت منها الرواسي فتماسكت بها (٨) إن اليوم الرابع هو الزمن الذي ظهرت فيه أجناس الأحياء من الماء وهى النبات والحيوان.
170
(٩) إن السماء- العالم العلوي بالنسبة إلى أهل الأرض- قد سوّيت أجرامها من مادتها الدخانية فى يومين آخرين أي زمنين شبيهين بالزمنين اللذين خلق فيهما جرم الأرض.
وما استنبط من هذه الآيات يوافق ما أقره علماء الفلك فى العصر الحديث، فقد قالوا: إن المادة التي خلقت منها الأجرام السماوية وخلقت منها الأرض كانت سديما، وكانت واحدة رتقا ثم انفصل بعضها من بعض، وكانت مؤلفة من أجزاء دقيقة متحركة تجمّع بعضها إلى بعض، بمقتضى قانون الجاذبية فتكون منها كرة عظيمة تدور على محورها واشتعلت من شدة الحركة فكانت ضياء ونورا تصحبه حرارة شديدة، وهذه الكرة العظيمة فى عالمنا هى التي نسميها بالشمس والكواكب الدراري التابعة لها فيما نرى ونشاهد ومنها أرضنا، انفتقت من رتقها وانفصلت من جرمها وكانت مشتعلة مثلها وتدور على محاورها.
ثم إن الأرض تحولت من طور الغازية المشتعلة إلى طور المائية بنظام مقدر فى أزمنة طويلة، إذ كان الأكسجين والإيدروجين وهما العنصران اللذان يتكون منهما الماء يرتفعان فى الجو لخفتهما فيبردان فيكونان نحارا فماء وما زال أمرها كذلك حتى غلب عليها طور المائية.
ثم تكونت اليابسة فى هذا الماء بسبب حركة أجزاء المادة وتجمع بعضها مع بعض بنسب ومقادير مختلفة، ثم تولدت فيها المعادن على أنواع شتى، وما زالت تبرد قشرتها الظاهرة وتجفّ شيئا فشيئا حتى صلحت لتوالد النبات والحيوان فوجدت فيها الأحياء النباتية ثم الحيوانية.
ولا شك أن هذه الأقوال إن صحت كانت بيانا لما أجمل فى الكتاب الكريم وإن لم تصح فالقرآن لا يناقض شيئا منها، ولكنها أقرب النظريات إلى سنن الكون وصفة عناصره البسيطة وحركتها، وتعتبر تفصيلا لخلق العالم أطوارا بسنن ثابتة وتقدير منظم.
وما استنبط من هذه الآيات يوافق ما أقره علماء الفلك فى العصر الحديث، فقد قالوا: إن المادة التي خلقت منها الأجرام السماوية وخلقت منها الأرض كانت سديما، وكانت واحدة رتقا ثم انفصل بعضها من بعض، وكانت مؤلفة من أجزاء دقيقة متحركة تجمّع بعضها إلى بعض، بمقتضى قانون الجاذبية فتكون منها كرة عظيمة تدور على محورها واشتعلت من شدة الحركة فكانت ضياء ونورا تصحبه حرارة شديدة، وهذه الكرة العظيمة فى عالمنا هى التي نسميها بالشمس والكواكب الدراري التابعة لها فيما نرى ونشاهد ومنها أرضنا، انفتقت من رتقها وانفصلت من جرمها وكانت مشتعلة مثلها وتدور على محاورها.
ثم إن الأرض تحولت من طور الغازية المشتعلة إلى طور المائية بنظام مقدر فى أزمنة طويلة، إذ كان الأكسجين والإيدروجين وهما العنصران اللذان يتكون منهما الماء يرتفعان فى الجو لخفتهما فيبردان فيكونان نحارا فماء وما زال أمرها كذلك حتى غلب عليها طور المائية.
ثم تكونت اليابسة فى هذا الماء بسبب حركة أجزاء المادة وتجمع بعضها مع بعض بنسب ومقادير مختلفة، ثم تولدت فيها المعادن على أنواع شتى، وما زالت تبرد قشرتها الظاهرة وتجفّ شيئا فشيئا حتى صلحت لتوالد النبات والحيوان فوجدت فيها الأحياء النباتية ثم الحيوانية.
ولا شك أن هذه الأقوال إن صحت كانت بيانا لما أجمل فى الكتاب الكريم وإن لم تصح فالقرآن لا يناقض شيئا منها، ولكنها أقرب النظريات إلى سنن الكون وصفة عناصره البسيطة وحركتها، وتعتبر تفصيلا لخلق العالم أطوارا بسنن ثابتة وتقدير منظم.
171
وقد أرشد الكتاب الكريم إلى مثل هذه الحقائق فى نحو قوله: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» وقوله حكاية عن رسوله نوح ﷺ مخاطبا قومه:
«ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً».
فهذه الحقائق العلمية التي بينهما القرآن ولم يكن أحد من المخاطبين فى عصر التنزيل يعرفها- من أكبر الأدلة على إعجازه وأنه من كلام العليم الخبير بكل شىء لا من كلام البشر.
وهذا النظام والتدريج فى الخلق من الدلائل على الإرادة والاختيار والحكمة ووحدانية الخالق، فإن ما لا نظام فيه قد يظن أن وجوده أمر اتفاقي أو من فعل الكثير لا من فعل الواحد، فإنك ترى الفرق واضحا بين كومة من الحصى تراها فى الصحراء وبين حصن مشيد فيه جميع العدد والآلات المعدة للقتال.
وما ورد فى الأخبار مما يدل على أن هذه الأيام الستة هى من أيام دنيانا
كحديث أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال:
«خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الرواسي يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق فى آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»
فهو من الإسرائيليات التي لم يصح فيها حديث مرفوع- إلى أن هذا الحديث مردود من جهة متنه لمخالفته لنص كتاب الله، ومن جهة سنده لأنه مروى عن حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وقد اختلط عقله فى آخر عمره، ومن ثم قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد الحديث فى تفسيره: وفيه استيعاب الأيام
«ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً».
فهذه الحقائق العلمية التي بينهما القرآن ولم يكن أحد من المخاطبين فى عصر التنزيل يعرفها- من أكبر الأدلة على إعجازه وأنه من كلام العليم الخبير بكل شىء لا من كلام البشر.
وهذا النظام والتدريج فى الخلق من الدلائل على الإرادة والاختيار والحكمة ووحدانية الخالق، فإن ما لا نظام فيه قد يظن أن وجوده أمر اتفاقي أو من فعل الكثير لا من فعل الواحد، فإنك ترى الفرق واضحا بين كومة من الحصى تراها فى الصحراء وبين حصن مشيد فيه جميع العدد والآلات المعدة للقتال.
وما ورد فى الأخبار مما يدل على أن هذه الأيام الستة هى من أيام دنيانا
كحديث أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال:
«خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الرواسي يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق فى آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»
فهو من الإسرائيليات التي لم يصح فيها حديث مرفوع- إلى أن هذا الحديث مردود من جهة متنه لمخالفته لنص كتاب الله، ومن جهة سنده لأنه مروى عن حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وقد اختلط عقله فى آخر عمره، ومن ثم قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد الحديث فى تفسيره: وفيه استيعاب الأيام
172
السبعة والله تعالى قال: «فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ فيه وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وليس مرفوعا اهـ.
(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي إنه تعالى قد استوى على عرشه بعد تكوين هذا الملك يدبر أمره ويصرّف نظامه بحسب تقديره الذي اقتضته حكمته.
وفى معنى الآية قوله فى سورة يونس: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ».
واستواؤه تعالى على العرش: هو استقامة أمر السموات والأرض وانفراده بتدبيرهما، والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقة ذلك التدبير ولا معرفة صفته ولا كيف يكون، فالصحابة رضوان الله عليهم والأئمة من بعدهم لم يشتبه أحد منهم فيه، وقد أثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك أنه سئل عن قوله: «اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» كيف استوى؟
فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.
وقال الحافظ ابن كثير: مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعى والثّورى واللّيث ابن سعد والشافعي وأحمد وإسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري:
من شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله- تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى اهـ.
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) أي إنه تعالى جعل الليل وهو الظلمة يغشى النهار وهو ضوء الشمس على الأرض أي يتبعه ويغيب على المكان الذي كان فيه ويستره
(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي إنه تعالى قد استوى على عرشه بعد تكوين هذا الملك يدبر أمره ويصرّف نظامه بحسب تقديره الذي اقتضته حكمته.
وفى معنى الآية قوله فى سورة يونس: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ».
واستواؤه تعالى على العرش: هو استقامة أمر السموات والأرض وانفراده بتدبيرهما، والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقة ذلك التدبير ولا معرفة صفته ولا كيف يكون، فالصحابة رضوان الله عليهم والأئمة من بعدهم لم يشتبه أحد منهم فيه، وقد أثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك أنه سئل عن قوله: «اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» كيف استوى؟
فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.
وقال الحافظ ابن كثير: مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعى والثّورى واللّيث ابن سعد والشافعي وأحمد وإسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري:
من شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله- تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى اهـ.
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) أي إنه تعالى جعل الليل وهو الظلمة يغشى النهار وهو ضوء الشمس على الأرض أي يتبعه ويغيب على المكان الذي كان فيه ويستره
173
حال كون الطلب حثيثا أي بسرعة، المراد أنه يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شىء.
ويظهر ذلك الطلب السريع أتم الظهور بما أثبته العلم حديثا من كروية الأرض وأنها تدور على محورها حول الشمس، فيكون نصفها مضيئا بنورها دائما ونصفها الآخر مظلما دائما، وقد قال بهذا القول كثير من علماء الإسلام كالغزالى والرازي وابن تيمية وابن القيّم وغيرهم.
وهذه الجملة كالدليل على ما قبلها، فإنه بعد أن أخبر عباده باستوائه على العرش وتدبيره لجميع المخلوقات- أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه منها ليضم العيان إلى الخبر وتزول الشبه- إلى ما فى تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة، إذ بتعاقبهما الحياة وتكمل المنفعة والمصلحة.
(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) أي وخلق هذه الأشياء حال كونها مذللات خاضعات لتصرفه منقادات لحكمه.
(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) أي ألا إن الله الخلق، فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات وله فيها الأمر أي التصرف والتدبير، إذ هو المالك لها لا شريك له فى ملكه.
ومن هذا التدبير ما سخر له الملائكة من نظام العالم وتنفيذ سننه فى خلقه، كما جاء فى قوله: «فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً» ومن ذلك الوحى الذي ينزل به الملائكة على الرسل كما جاء فى قوله: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ».
وفى معنى الآية قوله: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وقوله: «فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ» وقوله: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» وجاءت هذه الجملة توكيدا لما قبلها لبيان أنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو الذي دبرهما وصرفهما بحسب إرادته.
ويظهر ذلك الطلب السريع أتم الظهور بما أثبته العلم حديثا من كروية الأرض وأنها تدور على محورها حول الشمس، فيكون نصفها مضيئا بنورها دائما ونصفها الآخر مظلما دائما، وقد قال بهذا القول كثير من علماء الإسلام كالغزالى والرازي وابن تيمية وابن القيّم وغيرهم.
وهذه الجملة كالدليل على ما قبلها، فإنه بعد أن أخبر عباده باستوائه على العرش وتدبيره لجميع المخلوقات- أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه منها ليضم العيان إلى الخبر وتزول الشبه- إلى ما فى تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة، إذ بتعاقبهما الحياة وتكمل المنفعة والمصلحة.
(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) أي وخلق هذه الأشياء حال كونها مذللات خاضعات لتصرفه منقادات لحكمه.
(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) أي ألا إن الله الخلق، فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات وله فيها الأمر أي التصرف والتدبير، إذ هو المالك لها لا شريك له فى ملكه.
ومن هذا التدبير ما سخر له الملائكة من نظام العالم وتنفيذ سننه فى خلقه، كما جاء فى قوله: «فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً» ومن ذلك الوحى الذي ينزل به الملائكة على الرسل كما جاء فى قوله: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ».
وفى معنى الآية قوله: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» وقوله: «فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ» وقوله: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» وجاءت هذه الجملة توكيدا لما قبلها لبيان أنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو الذي دبرهما وصرفهما بحسب إرادته.
174
(تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) أي تعالى الله بوحدانيته وألوهيته، وتعظم بالتفرد بربوبيته، وأن كل ما فى هذا العالم من الخيرات الكثيرة والنعم العظيمة فهو منه، فيجب على عباده أن يشكروه عليها ويعبدوه دون غيره مما عبدوه معه وليس له من الخلق ولا من الأمر شىء.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
تفسير المفردات
التضرع: التذلل، وهو إظهار ذل النفس من قولهم ضرع فلان لفلان وتضرّع له: إذا أظهر الذل فى معرض السؤال، والخفية: ضد العلانية من أخفيت الشيء أي سترته، والاعتداء: تجاوز الحدود، ومحبة الله للعمل: ثوابه عليه، ومحبته للعامل:
رضاه عنه.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه الأدلة على توحيد الربوبية- قفّى على ذلك بالأمر بتوحيد الإلهية بإفراده تعالى بالعبادة، وروحها ومخّها الدعاء والتضرع له.
الإيضاح
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) أي ادعوا ربكم ومتولى أموركم حال كونكم متضرعين مبتهلين إليه مخفين دعاءكم.
وفى هذا إيماء إلى أن الدعاء فى الخفية إن لم يكن واجبا فهو مندوب على الأقل، ويدل على ذلك وجوه:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
تفسير المفردات
التضرع: التذلل، وهو إظهار ذل النفس من قولهم ضرع فلان لفلان وتضرّع له: إذا أظهر الذل فى معرض السؤال، والخفية: ضد العلانية من أخفيت الشيء أي سترته، والاعتداء: تجاوز الحدود، ومحبة الله للعمل: ثوابه عليه، ومحبته للعامل:
رضاه عنه.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه الأدلة على توحيد الربوبية- قفّى على ذلك بالأمر بتوحيد الإلهية بإفراده تعالى بالعبادة، وروحها ومخّها الدعاء والتضرع له.
الإيضاح
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) أي ادعوا ربكم ومتولى أموركم حال كونكم متضرعين مبتهلين إليه مخفين دعاءكم.
وفى هذا إيماء إلى أن الدعاء فى الخفية إن لم يكن واجبا فهو مندوب على الأقل، ويدل على ذلك وجوه:
175
(١) إنه تعالى أثنى على زكريا فقال: «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا» أي إنه أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه.
(٢)
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ فى سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله ﷺ «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» رواه مسلم.
(٣)
روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «دعوة فى السر تعدل سبعين دعوة فى العلانية»
وقال: «خير الذكر الخفىّ، وخير الرزق ما يكفى».
(٤) روى عن الحسن البصري أنه قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده الزّور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعلموه فى السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» اهـ.
(٥) إن النفس شديدة الرغبة فى الرياء والسمعة، فإذا رفع المرء صوته بالدعاء امتزج الرياء به، فلا يبقى فيه فائدة البتة، ومن ثم كان الأولى الإخفاء ليبقى مصونا عن الرياء.
وفصّل بعض العلماء فقال: إن التضرع بالجهر المعتدل يحسن فى حال الخلوة والأمن من رؤية الناس للداعى ومن سماعهم لصوته، فلا جهره يؤذيهم، ولا الفكر فيهم يشغله عن التوجه إلى الرب وحده، أو يفسد عليه دعاءه بحب الرياء والسمعة، ويحسن الإسرار فى حال اجتماع الناس فى المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد فيه رفع الصوت من الجميع كالتلبية فى الحج وتكبير العيدين.
(٢)
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ فى سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله ﷺ «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» رواه مسلم.
(٣)
روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «دعوة فى السر تعدل سبعين دعوة فى العلانية»
وقال: «خير الذكر الخفىّ، وخير الرزق ما يكفى».
(٤) روى عن الحسن البصري أنه قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده الزّور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعلموه فى السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» اهـ.
(٥) إن النفس شديدة الرغبة فى الرياء والسمعة، فإذا رفع المرء صوته بالدعاء امتزج الرياء به، فلا يبقى فيه فائدة البتة، ومن ثم كان الأولى الإخفاء ليبقى مصونا عن الرياء.
وفصّل بعض العلماء فقال: إن التضرع بالجهر المعتدل يحسن فى حال الخلوة والأمن من رؤية الناس للداعى ومن سماعهم لصوته، فلا جهره يؤذيهم، ولا الفكر فيهم يشغله عن التوجه إلى الرب وحده، أو يفسد عليه دعاءه بحب الرياء والسمعة، ويحسن الإسرار فى حال اجتماع الناس فى المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد فيه رفع الصوت من الجميع كالتلبية فى الحج وتكبير العيدين.
176
وإذ كان الليل سترا ولباسا شرع فيه الجهر فى قراءة الصلاة- إلى أنه يطرد الوسواس، ويقاوم فتور النّعاس ويعين على تدبر القرآن، وبكاء الخشوع للرحمن، لدى المتهجدين فى خلواتهم.
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي المتجاوزين ما أمروا به، ونحو الآية قوله: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
وللاعتداء فى الدعاء مظاهر شتى:
(١) اعتداء خاص بالألفاظ كالمبالغة فى رفع الصوت والتكلف فى صيغ الدعاء.
(٢) اعتداء خاص بالمعنى وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد وطلب إبطال سنن الله فى الخلق، أو تبديلها كطلب النصر على الأعداء مع ترك وسائله كأنواع السلاح والعتاد، وطلب الغنى بلا كسب، وطلب المغفرة مع الإصرار على الذنب مع أن الله يقول «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا».
(٣) اعتداء بالتوجه فيه إلى غير الله ليشفع له عنده، وهذا شر أنواع الاعتداء كما قال «فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» ومن طلب ذلك من غير الله فقد اتخذه إلها، لأن الإله هو المعبود كما
روى أحمد عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال «الدعاء هو العبادة»
وروى الترمذي عن أنس مرفوعا «الدعاء مخ العبادة»
وروى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «سلوا الله لى الوسيلة، قالوا وما الوسيلة؟ قال: القرب من الله عز وجل، ثم قرأ «يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»
وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره.
وقد جاءت آيات كثيرة فى الإنكار على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة له وشركا بالله، ولكن مدعى العلم الذين يقولون على الله: يقولون لا بأس بدعاء
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي المتجاوزين ما أمروا به، ونحو الآية قوله: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
وللاعتداء فى الدعاء مظاهر شتى:
(١) اعتداء خاص بالألفاظ كالمبالغة فى رفع الصوت والتكلف فى صيغ الدعاء.
(٢) اعتداء خاص بالمعنى وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد وطلب إبطال سنن الله فى الخلق، أو تبديلها كطلب النصر على الأعداء مع ترك وسائله كأنواع السلاح والعتاد، وطلب الغنى بلا كسب، وطلب المغفرة مع الإصرار على الذنب مع أن الله يقول «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا».
(٣) اعتداء بالتوجه فيه إلى غير الله ليشفع له عنده، وهذا شر أنواع الاعتداء كما قال «فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» ومن طلب ذلك من غير الله فقد اتخذه إلها، لأن الإله هو المعبود كما
روى أحمد عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال «الدعاء هو العبادة»
وروى الترمذي عن أنس مرفوعا «الدعاء مخ العبادة»
وروى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «سلوا الله لى الوسيلة، قالوا وما الوسيلة؟ قال: القرب من الله عز وجل، ثم قرأ «يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»
وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره.
وقد جاءت آيات كثيرة فى الإنكار على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة له وشركا بالله، ولكن مدعى العلم الذين يقولون على الله: يقولون لا بأس بدعاء
177
الأولياء والصالحين عند قبورهم والتضرع والخشوع لهم، ويكون توسلا بهم إلى الله ليقربوهم منه بشفاعتهم، لا عبادة لهم.
وقد علمت أن التوسل إنما هو التقرب إلى الله بما يرتضيه وبما شرعه من عبادته دون غيرها، وآيات الكتاب الكريم صريحة فى ذلك.
نعم إن طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء لا من الأموات، ويسمى ذلك توسلا لأنه قد شرعه الله كما توسل عمر والصحابة بالعباس بصلاة الاستسقاء وما بعدها من الدعاء.
وما ذم الله المشركين إلا لأنهم أشركوا مع الله غيره فى الدعاء، وهم كانوا يؤمنون بالله وبعضهم كان يؤمن باليوم الآخر، ولكن طرأ عليهم الشرك الذي أحبط أعمالهم، وهكذا يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله.
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) أي ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاح الله لها بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس إليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم وامتنانه بذلك فى مثل قوله «وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
وهذا الإفساد شامل لإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة، وإفساد الأديان بالكفر والمعاصي، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنا، وإفساد العقول بشرب المسكر ونحوه.
والخلاصة- إن الإفساد شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية والاجتماعية والمعايش والمرافق من زراعة وصناعة وتجارة ووسائل تعاون بين الناس.
وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي كان رحمة للعالمين، فبه أصلحت عقائد البشر، وهذبت أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها من مصالح الروح والجسد، وما شرع لهم
وقد علمت أن التوسل إنما هو التقرب إلى الله بما يرتضيه وبما شرعه من عبادته دون غيرها، وآيات الكتاب الكريم صريحة فى ذلك.
نعم إن طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء لا من الأموات، ويسمى ذلك توسلا لأنه قد شرعه الله كما توسل عمر والصحابة بالعباس بصلاة الاستسقاء وما بعدها من الدعاء.
وما ذم الله المشركين إلا لأنهم أشركوا مع الله غيره فى الدعاء، وهم كانوا يؤمنون بالله وبعضهم كان يؤمن باليوم الآخر، ولكن طرأ عليهم الشرك الذي أحبط أعمالهم، وهكذا يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله.
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) أي ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاح الله لها بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس إليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم وامتنانه بذلك فى مثل قوله «وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
وهذا الإفساد شامل لإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة، وإفساد الأديان بالكفر والمعاصي، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنا، وإفساد العقول بشرب المسكر ونحوه.
والخلاصة- إن الإفساد شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية والاجتماعية والمعايش والمرافق من زراعة وصناعة وتجارة ووسائل تعاون بين الناس.
وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي كان رحمة للعالمين، فبه أصلحت عقائد البشر، وهذبت أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها من مصالح الروح والجسد، وما شرع لهم
178
من التعاون والتراحم، وبما حفظ لهم من العدل والمساواة، وبما شرع لهم من الشورى المقيدة بقاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح، وبذا امتاز به دينهم عن بقية الأديان.
انظر إلى الأمم ذوات الحضارة والمدنية ترها أصلحت كل شىء من معدن ونبات وحيوان، ولكنها عجزت عن إصلاح نفس الإنسان، ومن ثم تحوّل كل ما هدوا إليه من وسائل العمران إلى إفساد نوع الإنسان، وتعادت الشعوب وتنازعت على الملك والسلطان، وأباحت الكفر والعصيان، وبذل الثروة فى سبيل التنكيل بالخصوم والجناية على الأعداء ولو بالجناية على أنفسهم، وما الحروب القائمة فى مشارق الأرض ومغاربها بين الدول الكبرى والتي أكلت الحرث والنسل وأزهقت أرواح الملايين من الناس بين حين وآخر إلا شاهد صدق على ما نقول.
وبعد أن بين فى الآية الأولى شرط الدعاء أعاد الأمر به إيذانا بأن من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه مفتقر إليها، ولا يدعو ربه تضرعا وخفية ولا يخاف من عقابه ولا يطمع فى غفرانه بكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح فقال:
(وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) الخوف توقع مكروه يحصل بعد، والطمع توقع محبوب يحصل كذلك أي ادعوه خائفين من عقابه على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم وأجسامكم، طامعين فى رحمته وإحسانه فى دنياكم وآخرتكم.
ودعاء المولى حين الشعور بالعجز والافتقار إليه مما يقوّى الأمل بالإجابة، ويحول بينها وبين اليأس إذا تقطعت الأسباب، وجهلت وسائل النجاح.
والدعاء مخ العبادة ولبّها، وإجابته مرجوّة متى استكملت شرائطها وآدابها، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه فربما كانت بما يعلم الله أنه خير له منه.
ثم بين فائدة الدعاء وعلّل سبب طلبه فقال:
(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم، لأن الجزاء من جنس العمل كما قال «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ».
انظر إلى الأمم ذوات الحضارة والمدنية ترها أصلحت كل شىء من معدن ونبات وحيوان، ولكنها عجزت عن إصلاح نفس الإنسان، ومن ثم تحوّل كل ما هدوا إليه من وسائل العمران إلى إفساد نوع الإنسان، وتعادت الشعوب وتنازعت على الملك والسلطان، وأباحت الكفر والعصيان، وبذل الثروة فى سبيل التنكيل بالخصوم والجناية على الأعداء ولو بالجناية على أنفسهم، وما الحروب القائمة فى مشارق الأرض ومغاربها بين الدول الكبرى والتي أكلت الحرث والنسل وأزهقت أرواح الملايين من الناس بين حين وآخر إلا شاهد صدق على ما نقول.
وبعد أن بين فى الآية الأولى شرط الدعاء أعاد الأمر به إيذانا بأن من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه مفتقر إليها، ولا يدعو ربه تضرعا وخفية ولا يخاف من عقابه ولا يطمع فى غفرانه بكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح فقال:
(وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) الخوف توقع مكروه يحصل بعد، والطمع توقع محبوب يحصل كذلك أي ادعوه خائفين من عقابه على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم وأجسامكم، طامعين فى رحمته وإحسانه فى دنياكم وآخرتكم.
ودعاء المولى حين الشعور بالعجز والافتقار إليه مما يقوّى الأمل بالإجابة، ويحول بينها وبين اليأس إذا تقطعت الأسباب، وجهلت وسائل النجاح.
والدعاء مخ العبادة ولبّها، وإجابته مرجوّة متى استكملت شرائطها وآدابها، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه فربما كانت بما يعلم الله أنه خير له منه.
ثم بين فائدة الدعاء وعلّل سبب طلبه فقال:
(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم، لأن الجزاء من جنس العمل كما قال «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ».
179
فمن أحسن فى عبادته نال حسن الثواب، ومن أحسن فى الدعاء أعطى خيرا مما طلبه، أو مثل ما طلبه.
وقد طلب الله الإحسان فى كل شىء يهدى إليه دين الفطرة، وحرم الإساءة فى كل شىء وجعل جزاءها من جنسها كما قال: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى».
وقال ﷺ «إن الله كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» رواه مسلم.
ومن هذا تعلم أنه طلب الإحسان إلى الحيوان والرفق به حين ذبحه حتى لا يتعذب، كما حرم أكل الموقوذة وهى التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت. وطلب الإحسان فى قتال الأعداء، لأنه فى حكم الضرورات التي تقدر بقدرها ويتقّى ما يمكن الاستغناء عنه كما قال: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها».
فقد طلب إلينا فى هذه الآية أن نضرب رقاب الأعداء حين قتالهم، لأنه أسرع إلى قتلهم وأبعد عن تعذيبهم بمثل ضرب الرءوس وتقطيع الأعضاء، حتى إذا ظهر لنا عليهم الغلب بالإثخان فيهم أمرنا بترك القتل وأن نعمد إلى الأسر وبعد ذلك إما أن نمن على الأسرى بالعتق، أو نفاديهم بمن أسرمنا.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
وقد طلب الله الإحسان فى كل شىء يهدى إليه دين الفطرة، وحرم الإساءة فى كل شىء وجعل جزاءها من جنسها كما قال: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى».
وقال ﷺ «إن الله كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» رواه مسلم.
ومن هذا تعلم أنه طلب الإحسان إلى الحيوان والرفق به حين ذبحه حتى لا يتعذب، كما حرم أكل الموقوذة وهى التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت. وطلب الإحسان فى قتال الأعداء، لأنه فى حكم الضرورات التي تقدر بقدرها ويتقّى ما يمكن الاستغناء عنه كما قال: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها».
فقد طلب إلينا فى هذه الآية أن نضرب رقاب الأعداء حين قتالهم، لأنه أسرع إلى قتلهم وأبعد عن تعذيبهم بمثل ضرب الرءوس وتقطيع الأعضاء، حتى إذا ظهر لنا عليهم الغلب بالإثخان فيهم أمرنا بترك القتل وأن نعمد إلى الأسر وبعد ذلك إما أن نمن على الأسرى بالعتق، أو نفاديهم بمن أسرمنا.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
180
تفسير المفردات
الريح: الهواء المتحرك، والرياح عند العرب أربع بحسب مهابّها من الجهات الأربع: الشّمال والجنوب، وسميا كذلك باسم الجهة التي يهبان منها. والصّبا أو القبول وهى الشرقية وقد ينسبونها إلى نجد كما ينسبون الجنوب إلى اليمن والشمال إلى الشام.
والدّبور، وهى الغربية. والريح التي تنحرف عن الجهات الأصلية فتكون بين اثنتين منها يسمى النّكباء.
قال الراغب: كل موضع ذكر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب وكل موضع ذكر فيه بلفظ الجمع كان للرحمة،
وفى الخبر «إنه ﷺ كان يجثو على ركبتيه حين هبوب الرياح ويقول: اللهم اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».
وبشرا: مخفف بشرا واحدها بشير: كغدر جمع غدير، والرحمة هنا المطر، وأقلّت: رفعت قال فى المصباح: كل شىء حملته فقد أقللته، والسحاب: الغيم واحده سحابة، والثقال منه: المشبعة ببخار الماء، وسقناه: سيرناه، والبلد والبلدة: الموضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وبلد ميت: أرض لا نبات فيها ولا مرعى، والثمرات واحدها ثمرة، والثمرة واحدة الثمر: وهو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أولا، فيقال ثمر الأراك وثمر النخل والعنب، والنكد كل شىء خرج إلى طالبه بتعسر يقال رجل نكد (بفتح الكاف وكسرها) وناقة نكداء: خفيفة الدر صعبة الحلب، والتصريف: تبديل الشيء من حال إلى حال، ومنه تصريف الرياح.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه تفرده بالملك والملكوت وتصرفه فى العالم العلوي والسفلى وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن
الريح: الهواء المتحرك، والرياح عند العرب أربع بحسب مهابّها من الجهات الأربع: الشّمال والجنوب، وسميا كذلك باسم الجهة التي يهبان منها. والصّبا أو القبول وهى الشرقية وقد ينسبونها إلى نجد كما ينسبون الجنوب إلى اليمن والشمال إلى الشام.
والدّبور، وهى الغربية. والريح التي تنحرف عن الجهات الأصلية فتكون بين اثنتين منها يسمى النّكباء.
قال الراغب: كل موضع ذكر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب وكل موضع ذكر فيه بلفظ الجمع كان للرحمة،
وفى الخبر «إنه ﷺ كان يجثو على ركبتيه حين هبوب الرياح ويقول: اللهم اجعلها لنا رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».
وبشرا: مخفف بشرا واحدها بشير: كغدر جمع غدير، والرحمة هنا المطر، وأقلّت: رفعت قال فى المصباح: كل شىء حملته فقد أقللته، والسحاب: الغيم واحده سحابة، والثقال منه: المشبعة ببخار الماء، وسقناه: سيرناه، والبلد والبلدة: الموضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وبلد ميت: أرض لا نبات فيها ولا مرعى، والثمرات واحدها ثمرة، والثمرة واحدة الثمر: وهو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أولا، فيقال ثمر الأراك وثمر النخل والعنب، والنكد كل شىء خرج إلى طالبه بتعسر يقال رجل نكد (بفتح الكاف وكسرها) وناقة نكداء: خفيفة الدر صعبة الحلب، والتصريف: تبديل الشيء من حال إلى حال، ومنه تصريف الرياح.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر عز اسمه تفرده بالملك والملكوت وتصرفه فى العالم العلوي والسفلى وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن
181
الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها، وأبان لنا أن رحمته قريب من المحسنين- قفّى على ذلك بذكر بعض ضروب من رحمته، إذ أرسل إلينا الرياح وما فيها من منافع للناس- فبها ينزل المطر الذي هو مصدر الرزق وسبب حياة كل حى فى هذه الأرض، وفى ذلك عظيم الدلالة على قدرته تعالى على البعث والنشور.
الإيضاح
(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إن ربكم المدبّر لأمور الخلق، هو الذي يرسل الرياح بين يدى رحمته: أي بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها، فينشىء بها سحابا ثقالا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله.
ونحو الآية قوله: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ».
(فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ) أي فأنزلنا بالسحاب الماء، إذ قد ثبت أنه حينما يسخن الهواء القريب من سطوح البحار وغيرها بتأثير الحرارة، يرتفع فى الجو ويبرد لوصوله إلى منطقة باردة، أو لا متزاجه بتيار من الهواء البارد، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء وتكوّن السحاب، فالسحاب ناشىء من تكاثف بخار الماء من الهواء فى الطبقات العالية من الجو، وهو لا يكون ثابتا فى مكان، بل يسير فى اتجاه أفقى مدفوعا بقوة الريح، ويتراوح بعده عن الأرض بين ميل وعشرة أميال، ويكون معتما مشبعا بالماء إذا كان قريبا من سطح الأرض، وهو الذي ينشأ عنه المطر لتجمع قطيرات الماء التي فيه
الإيضاح
(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إن ربكم المدبّر لأمور الخلق، هو الذي يرسل الرياح بين يدى رحمته: أي بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها، فينشىء بها سحابا ثقالا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله.
ونحو الآية قوله: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ».
(فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ) أي فأنزلنا بالسحاب الماء، إذ قد ثبت أنه حينما يسخن الهواء القريب من سطوح البحار وغيرها بتأثير الحرارة، يرتفع فى الجو ويبرد لوصوله إلى منطقة باردة، أو لا متزاجه بتيار من الهواء البارد، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء وتكوّن السحاب، فالسحاب ناشىء من تكاثف بخار الماء من الهواء فى الطبقات العالية من الجو، وهو لا يكون ثابتا فى مكان، بل يسير فى اتجاه أفقى مدفوعا بقوة الريح، ويتراوح بعده عن الأرض بين ميل وعشرة أميال، ويكون معتما مشبعا بالماء إذا كان قريبا من سطح الأرض، وهو الذي ينشأ عنه المطر لتجمع قطيرات الماء التي فيه
182
بعضها مع بعض بتأثير البرودة، فتتكوّن قطيرات كبيرة تسقط من خلاله نحو الأرض لثقلها بحسب سنة الله فى جاذبية الثقل كما قال تعالى فى سورة الروم: «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ- المطر- يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ» وفى سورة النور «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي- يسوق- سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً- مجتمعا- فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ» والمراد بالسماء السحاب، إذ هى لغة:
كل ما علا الإنسان وأظله.
وقد أثبت العلم ودلت المشاهدة أن سكان الجبال الشامخة يبلغون فى العلو حذاء السحاب المطر أو يتجاوزونه إلى ما فوقه فيكون دونهم كما شاهد ذلك بعض النازلين فى بعض الفنادق فى جنيف بسو يسرا.
(فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي فأخرجنا بالماء أنواع الثمار على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها، فتخرج كل أرض أنواعا مختلفة منها تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله كما قال: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ، وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».
وبعد أن ذكّرهم بهذه الآيات قفّى على ذلك بما يزيل إنكارهم للبعث فقال:
(كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) أي ومثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من الناس وغيرهم، إذ القادر على هذا قادر على ذلك.
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) هذا الشّبه فيزول استبعادكم للبعث بنحو قولكم «مَنْ
كل ما علا الإنسان وأظله.
وقد أثبت العلم ودلت المشاهدة أن سكان الجبال الشامخة يبلغون فى العلو حذاء السحاب المطر أو يتجاوزونه إلى ما فوقه فيكون دونهم كما شاهد ذلك بعض النازلين فى بعض الفنادق فى جنيف بسو يسرا.
(فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي فأخرجنا بالماء أنواع الثمار على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها، فتخرج كل أرض أنواعا مختلفة منها تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله كما قال: «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ، وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».
وبعد أن ذكّرهم بهذه الآيات قفّى على ذلك بما يزيل إنكارهم للبعث فقال:
(كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) أي ومثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من الناس وغيرهم، إذ القادر على هذا قادر على ذلك.
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) هذا الشّبه فيزول استبعادكم للبعث بنحو قولكم «مَنْ
183
يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟»
وقولكم «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ» وقولكم «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ».
فأمثال هذه المقالات الدالة على إنكار خروج الحي من الميت تزول إذا أنتم تذكرتم خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لا فارق بين حياة النبات وحياة الحيوان، فكل منهما خاضع لقدرة الإله القادر على كل شىء.
والحياة فى عرف المخاطبين كانت تعرف بالتغذي والنمو فى النبات والحس والحركة فى الحيوان.
وما يقوله علماء الطبيعة الآن من أن الحي لا يولد إلا من حى سواء فى ذلك الحيوان والنبات، فالنبات الذي يخرج فى الأرض الفقراء بعد سقيها بالماء لا بد أن تكون له بذور فيها حياة كامنة لا تظهر إلا بالماء- فمثل هذه الحياة لم يكن معروفا عند واضعى اللغة، على أنه لا ينفى صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لولا تغذى البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت.
والقرآن الكريم قد حدثنا بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها ثم يعيدها الله كما بدأها فقال «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا. فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا» فهذه الرجة هى التي سميت فى الآيات الأخرى بالقارعة والصاخة، إذ ربما يقرعها كوكب ويصطدم بها فتتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق فى الجو المسمى بالسديم.
إعادة الموتى
جاء فى الكتاب الكريم قوله: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» وقوله: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» وقوله: «قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».
وقولكم «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ» وقولكم «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ».
فأمثال هذه المقالات الدالة على إنكار خروج الحي من الميت تزول إذا أنتم تذكرتم خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لا فارق بين حياة النبات وحياة الحيوان، فكل منهما خاضع لقدرة الإله القادر على كل شىء.
والحياة فى عرف المخاطبين كانت تعرف بالتغذي والنمو فى النبات والحس والحركة فى الحيوان.
وما يقوله علماء الطبيعة الآن من أن الحي لا يولد إلا من حى سواء فى ذلك الحيوان والنبات، فالنبات الذي يخرج فى الأرض الفقراء بعد سقيها بالماء لا بد أن تكون له بذور فيها حياة كامنة لا تظهر إلا بالماء- فمثل هذه الحياة لم يكن معروفا عند واضعى اللغة، على أنه لا ينفى صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة، إذ لولا تغذى البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت.
والقرآن الكريم قد حدثنا بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها ثم يعيدها الله كما بدأها فقال «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا. فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا» فهذه الرجة هى التي سميت فى الآيات الأخرى بالقارعة والصاخة، إذ ربما يقرعها كوكب ويصطدم بها فتتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق فى الجو المسمى بالسديم.
إعادة الموتى
جاء فى الكتاب الكريم قوله: «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» وقوله: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» وقوله: «قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».
184
فأثبت فى هؤلاء الآيات الإعادة وشبهها بالبدء، وهو تشبيه فى جملة ذلك لا فى تفصيله، فإنه كما خلق جسد الإنسان الأول خلقا ذاتيا مبتدأ ونفخ فيه الروح- يخلق أجسام أفراد الإنسان خلقا ذاتيا معادا، ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسىّ فى الحياة الدنيا، فما الأجساد إلا كالسكن للأرواح.
وليس بالبعيد على خالق العالم كله أن يعيد أجساد ألوف الملايين دفعة واحدة ولا سيما بعد أن أثبت العلم أنه يمكن تحليل بعض المواد المؤلفة من عناصر مختلفة، ثم إعادة تركيبها، وقد كان لتقدم الإنسان فى العصر الحديث ومعرفته لكثير من ظواهر الكون أثر عظيم فى تعرفنا لكثير من أخبار عالم الغيب وسهولة إدراك العقول لها، ومن ثم قال كثير من علماء العصر الحديث: ليس فى العالم شىء مستحيل.
ولا يراد بحشر الأجساد حشرها بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها، ألا ترى أن العلماء يقولون: إن الأجساد تتجدد فى قليل من السنين. ومع ذلك لا يعتقد أحد من القضاة أن العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فحقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل، إذ ليس هذا إلا كتبدل الثياب ونحوها، إذ المستحق للثواب والعقاب هو الروح، لأن مبنى الطاعة والعصيان الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات.
والخلاصة- إن الإنسان الحقيقي هو الذرة التي تحل فى القلب وفيها تحل الروح وتكسبها الحياة وتسرى منها إلى الهيكل الجسماني، فهذا الهيكل هو آلة قضاء أعمال تلك الذرة فى هذا الكون واكتساب العلوم والمعارف، وهى مع الروح الحالّ فيها هما المخاطبان بالتكليف، وهما المعادان والمنعّمان والمعذبان إلى نحو ذلك.
وبعد أن ضرب الله إحياء البلاد بالمطر مثلا لبعث الموتى- ضرب اختلاف نتاج البلاد مثلا لما فى البشر من اختلاف الاستعداد لكل من الهدى والكفر والرشاد والغى فقال:
(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) قوله
وليس بالبعيد على خالق العالم كله أن يعيد أجساد ألوف الملايين دفعة واحدة ولا سيما بعد أن أثبت العلم أنه يمكن تحليل بعض المواد المؤلفة من عناصر مختلفة، ثم إعادة تركيبها، وقد كان لتقدم الإنسان فى العصر الحديث ومعرفته لكثير من ظواهر الكون أثر عظيم فى تعرفنا لكثير من أخبار عالم الغيب وسهولة إدراك العقول لها، ومن ثم قال كثير من علماء العصر الحديث: ليس فى العالم شىء مستحيل.
ولا يراد بحشر الأجساد حشرها بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها، ألا ترى أن العلماء يقولون: إن الأجساد تتجدد فى قليل من السنين. ومع ذلك لا يعتقد أحد من القضاة أن العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فحقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل، إذ ليس هذا إلا كتبدل الثياب ونحوها، إذ المستحق للثواب والعقاب هو الروح، لأن مبنى الطاعة والعصيان الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات.
والخلاصة- إن الإنسان الحقيقي هو الذرة التي تحل فى القلب وفيها تحل الروح وتكسبها الحياة وتسرى منها إلى الهيكل الجسماني، فهذا الهيكل هو آلة قضاء أعمال تلك الذرة فى هذا الكون واكتساب العلوم والمعارف، وهى مع الروح الحالّ فيها هما المخاطبان بالتكليف، وهما المعادان والمنعّمان والمعذبان إلى نحو ذلك.
وبعد أن ضرب الله إحياء البلاد بالمطر مثلا لبعث الموتى- ضرب اختلاف نتاج البلاد مثلا لما فى البشر من اختلاف الاستعداد لكل من الهدى والكفر والرشاد والغى فقال:
(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) قوله
185
والذي خبث أي والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكدا، وأصل النكد هو العسر الممتنع من إعطاء الخير بخلا.
والمعنى- إن الأرض منها الطيبة الكريمة التربة التي يخرج نباتها بسهولة وينمى بسرعة ويكون كثير الغلّة طيب الثمرة، ومنها الخبيثة التربة كالخرّة- الحجرية- والسّبخة التي لا يخرج نباتها على قلته وخبثه إلا بعسر وصعوبة.
قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر أي للبر والفاجر اهـ أي إنه تعالى شبههما بالأرض الخيّرة والأرض السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فالأرض الخيّرة يحصل فيها بنزول المطر أنواع الأزهار والثمار، والأرض السبخة إن نزل عليها المطر لا تنبت من النبات إلا النذر القليل، فكذلك الروح الطيب النقي من شوائب الجهل ورذائل الأخلاق إذ اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع الطاعات والأخلاق الحميدة، والروح الخبيث الكدر وإن اتصل به نور القرآن لا يظهر فيه من المعارف وجميل الأخلاق إلا النذر القليل.
روى أحمد والشيخان والنسائي من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب التي لا تشرب ولا تنبت- أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هى قيعان- أرض مستوية- لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»
وقد فسر النبي ﷺ القسم الأول وهو الذي نفع وانتفع بالهادي والمهتدى، وفسر القسم الثالث وهو الذي لم ينفع ولم ينتفع بالجاحد وسكت عن القسم الثاني وهو الذي نفع غيره بعلمه ولم ينتفع به هو، لأن له أحوالا كثيرة فمنه المنافقون ومنه المفرطون فى دينهم، والمشاهدة تدل
والمعنى- إن الأرض منها الطيبة الكريمة التربة التي يخرج نباتها بسهولة وينمى بسرعة ويكون كثير الغلّة طيب الثمرة، ومنها الخبيثة التربة كالخرّة- الحجرية- والسّبخة التي لا يخرج نباتها على قلته وخبثه إلا بعسر وصعوبة.
قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر أي للبر والفاجر اهـ أي إنه تعالى شبههما بالأرض الخيّرة والأرض السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فالأرض الخيّرة يحصل فيها بنزول المطر أنواع الأزهار والثمار، والأرض السبخة إن نزل عليها المطر لا تنبت من النبات إلا النذر القليل، فكذلك الروح الطيب النقي من شوائب الجهل ورذائل الأخلاق إذ اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع الطاعات والأخلاق الحميدة، والروح الخبيث الكدر وإن اتصل به نور القرآن لا يظهر فيه من المعارف وجميل الأخلاق إلا النذر القليل.
روى أحمد والشيخان والنسائي من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب التي لا تشرب ولا تنبت- أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هى قيعان- أرض مستوية- لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»
وقد فسر النبي ﷺ القسم الأول وهو الذي نفع وانتفع بالهادي والمهتدى، وفسر القسم الثالث وهو الذي لم ينفع ولم ينتفع بالجاحد وسكت عن القسم الثاني وهو الذي نفع غيره بعلمه ولم ينتفع به هو، لأن له أحوالا كثيرة فمنه المنافقون ومنه المفرطون فى دينهم، والمشاهدة تدل
186
ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ
ﰺ
ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ
ﰻ
ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ
ﰼ
ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ
ﰽ
ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ
ﰾ
ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ
ﰿ
على أن الطيبي الأخلاق يفعلون الخير والبر بلا تكلف، وأن الخبيثين لا يفعلون الخير ولا يؤدون الواجب إلا نكدا بعد إلحاف أو إيذاء حين الطلب أو إدلاء إلى الحكام.
(كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) أي مثل ذلك التصريف البديع نرّدد الآيات الدالة على القدرة الباهرة، ونكررها لقوم يشكرون نعمنا باستعمالها فيما تتم حكمتنا، وبذا يستحقون منا المزيد ويكافئون بالثواب عليها.
وختم هذه الآية بالشكر، إذ كان موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد، والآية التي قبلها بالتذكر لما كان موضوعها الاعتبار والاستدلال.
قصص نوح عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
تفسير المفردات
اليوم هنا: يوم القيامة، والملأ: أشراف القوم لأنهم يملئون العيون بهجة ورواء بتأنقهم فى زيّهم وتجميل منظرهم، والنصح: الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية
(كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) أي مثل ذلك التصريف البديع نرّدد الآيات الدالة على القدرة الباهرة، ونكررها لقوم يشكرون نعمنا باستعمالها فيما تتم حكمتنا، وبذا يستحقون منا المزيد ويكافئون بالثواب عليها.
وختم هذه الآية بالشكر، إذ كان موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد، والآية التي قبلها بالتذكر لما كان موضوعها الاعتبار والاستدلال.
قصص نوح عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
تفسير المفردات
اليوم هنا: يوم القيامة، والملأ: أشراف القوم لأنهم يملئون العيون بهجة ورواء بتأنقهم فى زيّهم وتجميل منظرهم، والنصح: الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية
187
من شوائب المكر، والذكر: الموعظة، وعلى رجل أي على لسانه، منكم أي من جنسكم، والفلك: السفينة، وعمين واحدهم عم: وهو ذو العمى، أو هو خاص بعمى القلب والبصيرة، والأعمى أعمى البصر كما قال زهير:
المعنى الجملي
بعد أن ذكر- عظمت آلاؤه- الإنسان ومعاده وأن مردّه إلى الله فى يوم تجازى فيه كل نفس بما كسبت- قفّى على ذلك بذكر قصص الأنبياء مع أممهم وإعراضهم عن دعوتهم، ليبين للرسول أن الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء ليس ببدع فى قومك، بل سبق به أقوام كثيرون، وفى ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم- إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله لا يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون العاقبة للمتقين، ومن العظة والاعتبار بما حل بمن قبلهم من النكال والوبال كما قال «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ».
الإيضاح
(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية من أهل مكة ومن جاورهم من العرب بأنه سبحانه أرسل نوحا إلى قومه منذرا لهم بأسه، ومخوّفهم سخطه، على عبادتهم غيره، وقد كانوا ينكرون الرسالة والوحى، إذ ليس عندهم من علوم الرسل والأمم شىء إلا ما يتلقونه من اليهود والنصارى فى بلاد العرب والشام.
ونوح أول رسول أرسله الله إلى قومه المشركين كما هو رأى كثير من المحققين كما ثبت فى حديث الشفاعة وغيره.
(فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي فدعا من كفر منهم إلى عبادة
| وأعلم علم اليوم والأمس قبله | ولكننى عن علم ما فى غد عمى |
بعد أن ذكر- عظمت آلاؤه- الإنسان ومعاده وأن مردّه إلى الله فى يوم تجازى فيه كل نفس بما كسبت- قفّى على ذلك بذكر قصص الأنبياء مع أممهم وإعراضهم عن دعوتهم، ليبين للرسول أن الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء ليس ببدع فى قومك، بل سبق به أقوام كثيرون، وفى ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم- إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله لا يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون العاقبة للمتقين، ومن العظة والاعتبار بما حل بمن قبلهم من النكال والوبال كما قال «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ».
الإيضاح
(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية من أهل مكة ومن جاورهم من العرب بأنه سبحانه أرسل نوحا إلى قومه منذرا لهم بأسه، ومخوّفهم سخطه، على عبادتهم غيره، وقد كانوا ينكرون الرسالة والوحى، إذ ليس عندهم من علوم الرسل والأمم شىء إلا ما يتلقونه من اليهود والنصارى فى بلاد العرب والشام.
ونوح أول رسول أرسله الله إلى قومه المشركين كما هو رأى كثير من المحققين كما ثبت فى حديث الشفاعة وغيره.
(فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي فدعا من كفر منهم إلى عبادة
188
الله تعالى وحده، إذ ليس لهم إله غيره يتوجهون إليه فى عبادتهم بدعاء يطلبون به ما لا يقدرون عليه بكسبهم، فرهم هو الخالق لكل شىء وبيده ملكوت كل شىء، وهو الإله الحق الذي يجب أن تتوجه إليه القلوب بالدعاء وغيره.
ثم ذكر السبب فى الأمر بعبادته وحده، وترك أدنى شوائب الشرك، مثبتا للبعث والجزاء فقال:
(إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي إنى أخاف عليكم عذاب يوم شديد هو له وهو يوم البعث والجزاء إذا لم تمتثلوا ما أمرتكم به.
(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي قال له أشراف قومه: إنا لنراك فى ضلال بيّن عن الحق بنهيك لنا عن عبادة آلهتنا: ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهم شفعاؤنا عند الله ووسيلتنا إليه، فببركتهم يتقبّل منا صالح أعمالنا، ويعطينا سؤلنا، لما كانوا عليه من الصلاح والتقوى، ونحن لا نستطيع أن نوجه إليه دعواتنا دون وساطتهم، لما نجترحه من السيئات التي تبعدنا عن حظيرة ذلك القدس الأعظم.
وخلاصة مقالهم- أنت فى غمرة من الضلال أحاطت بك، فجعلتك لا تجد إلى الصواب سبيلا.
(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي قال نوح مجيبا لهم: يا قوم لم آمركم بما أمرتكم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة له دون الآلهة والأنداد خروجا منى عن محجة الحق، وضلالا عن سبيل الرشاد، ولكنى رسول من رب العالمين إليكم، أهديكم باتباعى إلى ما يوصلكم إلى السعادة فى دنياكم وآخرتكم، وأنقذكم من الهلاك الأبدى بالشرك بالله والمعاصي المدنسة للأنفس والمفسدة للأرواح.
ومن رحمة ربكم بكم ألا يدعكم فى عمايتكم وشرككم الذي ابتدعتموه بجهلكم حتى يبين لكم الحق من الباطل على يد رسول من لدنه يسلك بكم السبيل السوي الموصل إلى النجاة.
ثم ذكر السبب فى الأمر بعبادته وحده، وترك أدنى شوائب الشرك، مثبتا للبعث والجزاء فقال:
(إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي إنى أخاف عليكم عذاب يوم شديد هو له وهو يوم البعث والجزاء إذا لم تمتثلوا ما أمرتكم به.
(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي قال له أشراف قومه: إنا لنراك فى ضلال بيّن عن الحق بنهيك لنا عن عبادة آلهتنا: ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهم شفعاؤنا عند الله ووسيلتنا إليه، فببركتهم يتقبّل منا صالح أعمالنا، ويعطينا سؤلنا، لما كانوا عليه من الصلاح والتقوى، ونحن لا نستطيع أن نوجه إليه دعواتنا دون وساطتهم، لما نجترحه من السيئات التي تبعدنا عن حظيرة ذلك القدس الأعظم.
وخلاصة مقالهم- أنت فى غمرة من الضلال أحاطت بك، فجعلتك لا تجد إلى الصواب سبيلا.
(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي قال نوح مجيبا لهم: يا قوم لم آمركم بما أمرتكم به من توحيد الله وإخلاص الطاعة له دون الآلهة والأنداد خروجا منى عن محجة الحق، وضلالا عن سبيل الرشاد، ولكنى رسول من رب العالمين إليكم، أهديكم باتباعى إلى ما يوصلكم إلى السعادة فى دنياكم وآخرتكم، وأنقذكم من الهلاك الأبدى بالشرك بالله والمعاصي المدنسة للأنفس والمفسدة للأرواح.
ومن رحمة ربكم بكم ألا يدعكم فى عمايتكم وشرككم الذي ابتدعتموه بجهلكم حتى يبين لكم الحق من الباطل على يد رسول من لدنه يسلك بكم السبيل السوي الموصل إلى النجاة.
189
(أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) أي أرسلنى إليكم لأبلغكم ما طلب إلى تبليغه من التوحيد والإيمان واليوم الآخر والوحى والرسالة والملائكة والجنة والنار والآداب والمواعظ والأحكام العامة من عبادات ومعاملات إلى نحو ذلك.
(وَأَنْصَحُ لَكُمْ) بتحذيركم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم لى وردكم نصحى.
روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي وأنا فى هذا التبليغ وذلك النصح على علم من الله أوحاه إلىّ لا تعلمون منه شيئا، كما أنى أعلم من الله وشئونه ما لا تعلمون فى نظام هذا العالم وما ينتهى إليه، كما أعلم ما بعده من أمر الآخرة والحساب والجزاء- فإذا نصحت لكم وأنذرتكم عاقبة شرككم من إنزال العذاب بكم فى الدنيا إذا جحدتم وعاندتم، فإنما أنصح لكم عن علم يقينى لا تعلمونه.
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم، ليحذّركم عاقبة كفركم ويعلمكم بما أعدّ لكم من العذاب على ذلك ولتتقوا بهذا الإنذار ما يسخط ربكم عليكم بالشرك فى عبادته، والإفساد فى أرضه، وليعدّكم بالتقوى لرحمته التي ترجى لكل من أجاب الدعوة واتقى.
وفى قوله: على رجل منكم، بيان لشبهتهم على الرسالة وهى أن الرسول بشر مثلهم، فكأنهم كانوا يرون أن الاشتراك فى البشرية والصفات العامة يقتضى التساوي فى جميع الخصائص والمزايا ويمنع الانفراد بشىء منها، والمشاهدة أكبر برهان على بطلان هذه القضية، فالتفاوت فى الغرائز والصفات الفاضلة والاختلاف فى القوى العقلية والمعارف والأعمال الكسبية- جدّ عظيم فى البشر، وليس فى الأنواع الأخرى ما يشبه الإنسان فى ذلك- إلى أنه لو فرض التساوي بينهم، فهل هذا يمنع أن يختص الله
(وَأَنْصَحُ لَكُمْ) بتحذيركم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم لى وردكم نصحى.
روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي وأنا فى هذا التبليغ وذلك النصح على علم من الله أوحاه إلىّ لا تعلمون منه شيئا، كما أنى أعلم من الله وشئونه ما لا تعلمون فى نظام هذا العالم وما ينتهى إليه، كما أعلم ما بعده من أمر الآخرة والحساب والجزاء- فإذا نصحت لكم وأنذرتكم عاقبة شرككم من إنزال العذاب بكم فى الدنيا إذا جحدتم وعاندتم، فإنما أنصح لكم عن علم يقينى لا تعلمونه.
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم، ليحذّركم عاقبة كفركم ويعلمكم بما أعدّ لكم من العذاب على ذلك ولتتقوا بهذا الإنذار ما يسخط ربكم عليكم بالشرك فى عبادته، والإفساد فى أرضه، وليعدّكم بالتقوى لرحمته التي ترجى لكل من أجاب الدعوة واتقى.
وفى قوله: على رجل منكم، بيان لشبهتهم على الرسالة وهى أن الرسول بشر مثلهم، فكأنهم كانوا يرون أن الاشتراك فى البشرية والصفات العامة يقتضى التساوي فى جميع الخصائص والمزايا ويمنع الانفراد بشىء منها، والمشاهدة أكبر برهان على بطلان هذه القضية، فالتفاوت فى الغرائز والصفات الفاضلة والاختلاف فى القوى العقلية والمعارف والأعمال الكسبية- جدّ عظيم فى البشر، وليس فى الأنواع الأخرى ما يشبه الإنسان فى ذلك- إلى أنه لو فرض التساوي بينهم، فهل هذا يمنع أن يختص الله
190
ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ
ﱀ
ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ
ﱁ
ﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ
ﱂ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗ
ﱃ
ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ
ﱄ
ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ
ﱅ
ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ
ﱆ
ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ
ﱇ
بعض عباده بما هو فوق المعهود فى الغرائز والمكتسب بالتعلم؟ كلا، إنه تعالى قدير على ذلك، وقد قضت به مشيئته، ونفذت به قدرته.
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) أي فكذبه جمهورهم وأصرّوا على ذلك وخالفوا أمر ربهم ولجّوا فى طغيانهم يعمهون، فأنجيناه من الغرق والذين سلكهم معه فى الفلك من المؤمنين: «وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» وقد جاءت القصة مفصلة فى سورة هود، قيل كانت عدتهم ثلاث عشرة: نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وأزواجهم وستة ممن كانوا آمنوا به.
(وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) أي وأغرقنا من كذب بآياتنا بالطوفان بسبب تكذيبهم، وما كان ذلك التكذيب إلا لعمى بصائرهم الذي حال بينهم وبين الاعتبار بالآيات وفهمهم للدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته على إرسال الرسل وحكمته فى ذلك، والثواب والعقاب فى يوم الجزاء، يوم يحشر الناس لرب العالمين، «يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنهم من شدة العذاب حيارى».
قصص هود عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) أي فكذبه جمهورهم وأصرّوا على ذلك وخالفوا أمر ربهم ولجّوا فى طغيانهم يعمهون، فأنجيناه من الغرق والذين سلكهم معه فى الفلك من المؤمنين: «وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» وقد جاءت القصة مفصلة فى سورة هود، قيل كانت عدتهم ثلاث عشرة: نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وأزواجهم وستة ممن كانوا آمنوا به.
(وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) أي وأغرقنا من كذب بآياتنا بالطوفان بسبب تكذيبهم، وما كان ذلك التكذيب إلا لعمى بصائرهم الذي حال بينهم وبين الاعتبار بالآيات وفهمهم للدلائل الدالة على وحدانية الله وقدرته على إرسال الرسل وحكمته فى ذلك، والثواب والعقاب فى يوم الجزاء، يوم يحشر الناس لرب العالمين، «يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنهم من شدة العذاب حيارى».
قصص هود عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
191
تفسير المفردات
الأخ هنا: الأخ فى النسب، وتقول العرب فى أخوة الجنس يا أخا العرب، والسفاهة: خفة العقل، والآلاء واحدها ألى: وهى النعمة، والرجس: العذاب، والغضب: الانتقام، والمجادلة: المماراة والمخاصمة، والسلطان: الحجة والدليل، والدابر:
الآخر، ويراد به الاستئصال أي أهلكناهم جميعا.
المعنى الجملي
أخرج ابن إسحق من طريق الكلبي قال: إن عادا كانوا أصحاب أوثان يعبدونها- اتخذوها على مثال ود وسواع ويغوث ونسر، فاتخذوا صنما يقال له صمود وآخر يقال له الهتار، فبعث الله إليهم هودا وكان من قبيلة يقال لها الخلود، وكان
الأخ هنا: الأخ فى النسب، وتقول العرب فى أخوة الجنس يا أخا العرب، والسفاهة: خفة العقل، والآلاء واحدها ألى: وهى النعمة، والرجس: العذاب، والغضب: الانتقام، والمجادلة: المماراة والمخاصمة، والسلطان: الحجة والدليل، والدابر:
الآخر، ويراد به الاستئصال أي أهلكناهم جميعا.
المعنى الجملي
أخرج ابن إسحق من طريق الكلبي قال: إن عادا كانوا أصحاب أوثان يعبدونها- اتخذوها على مثال ود وسواع ويغوث ونسر، فاتخذوا صنما يقال له صمود وآخر يقال له الهتار، فبعث الله إليهم هودا وكان من قبيلة يقال لها الخلود، وكان
192
من أوسطهم نسبا وأصبحهم وجها، فدعاهم إلى عبادة الله وأمرهم أن يوحّدوه، وأن يكفوا عن ظلم الناس فأبوا ذلك وكذبوه: «وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟».
وكانت منازلهم بالأحقاف- الرمل- فيما بين عمان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا فى الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله اهـ.
الإيضاح
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم فى النسب هودا، والحكمة فى كون رسول القوم منهم أن يفهمهم ويفهم منهم، وأن يكونوا أقرب إلى إجابة دعوتهم لمعرفتهم شمائله وأخلاقه.
(قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي قال هود لهم: يا قوم أفردوا العبادة لله ولا تجعلوا معه إلها غيره.
(أَفَلا تَتَّقُونَ) ربكم وتبتعدون عما يسخطه من الشرك والمعاصي لتنجوا من عقابه؟ وجاء فى سورة هود: «أَفَلا تَعْقِلُونَ».
وقد يكون قال لهم هذا وذاك فى وقت واحد أو يكون قد قال لهم هذا مرة وذاك أخرى.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) أي قال الملأ الذين جحدوا توحيد الله وأنكروا رسالة هود إليهم: إنا لنراك فى ضلال عن الحق والصواب بتركك ديننا وعبادة آلهتنا الذين اتخذت لهم الأمة الصور والتماثيل تخليدا لذكراهم والتقرب بشفاعتهم إلى ربنا وربهم.
ووصف الملأ هنا بالكفر دون ملأ قوم نوح، لأن منهم من كان قد آمن.
(وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) فى قيلك إنى رسول من رب العالمين، وفى قولهم هذا إيماء إلى تكذيبهم كل رسول، إذ هم قد عبروا عن أصحاب هذه الدعوى بالكاذبين وجعلوه واحدا منهم.
وكانت منازلهم بالأحقاف- الرمل- فيما بين عمان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا فى الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله اهـ.
الإيضاح
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم فى النسب هودا، والحكمة فى كون رسول القوم منهم أن يفهمهم ويفهم منهم، وأن يكونوا أقرب إلى إجابة دعوتهم لمعرفتهم شمائله وأخلاقه.
(قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي قال هود لهم: يا قوم أفردوا العبادة لله ولا تجعلوا معه إلها غيره.
(أَفَلا تَتَّقُونَ) ربكم وتبتعدون عما يسخطه من الشرك والمعاصي لتنجوا من عقابه؟ وجاء فى سورة هود: «أَفَلا تَعْقِلُونَ».
وقد يكون قال لهم هذا وذاك فى وقت واحد أو يكون قد قال لهم هذا مرة وذاك أخرى.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) أي قال الملأ الذين جحدوا توحيد الله وأنكروا رسالة هود إليهم: إنا لنراك فى ضلال عن الحق والصواب بتركك ديننا وعبادة آلهتنا الذين اتخذت لهم الأمة الصور والتماثيل تخليدا لذكراهم والتقرب بشفاعتهم إلى ربنا وربهم.
ووصف الملأ هنا بالكفر دون ملأ قوم نوح، لأن منهم من كان قد آمن.
(وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) فى قيلك إنى رسول من رب العالمين، وفى قولهم هذا إيماء إلى تكذيبهم كل رسول، إذ هم قد عبروا عن أصحاب هذه الدعوى بالكاذبين وجعلوه واحدا منهم.
193
(قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي ليس بي أىّ ضلالة عن الحق والصواب كما تدّعون، ولكنى رسول من رب العالمين أرسلنى إليكم، لأبلغكم رسالات ربى وأؤديها إليكم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار لها إلا من عرفوا برجحان العقل وحصافة الرأى وكمال الصدق.
ثم بين وظيفة الرسول وحاله عليه السلام فيما بلغ فقال:
(أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) أي أبلغكم ما أرسلت به من التكاليف، وإنى ناصح لكم فيما أبلغكموه وأدعوكم إليه، أمين فيما أبلغ عن الله، فلا أكذب عليه فى وحيه إلىّ.
وفى إجابة هؤلاء الأنبياء لأقوامهم بتلك الإجابة الصادرة عن الحكمة والإغضاء عما قالوا من وصفهم إياهم بالسفاهة والضلالة- أدب حسن وخلق عظيم وتعليم لعباده كيف يقابلون السفهاء، وكيف يغضون عن قالة السوء التي تصدر عنهم.
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ؟) أي أكذّبتم وعجبتم أن أنزل ربكم وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة على لسان رجل منكم لينذركم بأسه ويخوفكم عقابه؟
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) أي واذكروا فضل الله عليكم ونعمته، إذ جعلكم ورثة قوم نوح وزادكم بسطة فى خلق أبدانكم- وقد كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان- واتقوا الله فى أنفسكم واحذروا أن يحل بكم من العذاب مثل ما حل بهم، فيهلككم ويبدل منكم غيركم، سنته فيهم وقد جاء فى سورة هود والشعراء وفصلت ما يدل على ما كان لهم من قوة وجبروت وبطش شديد.
(فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي فاذكروا نعم الله وفضله عليكم، واشكروه على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به، وهجر الأوثان والأصنام
ثم بين وظيفة الرسول وحاله عليه السلام فيما بلغ فقال:
(أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) أي أبلغكم ما أرسلت به من التكاليف، وإنى ناصح لكم فيما أبلغكموه وأدعوكم إليه، أمين فيما أبلغ عن الله، فلا أكذب عليه فى وحيه إلىّ.
وفى إجابة هؤلاء الأنبياء لأقوامهم بتلك الإجابة الصادرة عن الحكمة والإغضاء عما قالوا من وصفهم إياهم بالسفاهة والضلالة- أدب حسن وخلق عظيم وتعليم لعباده كيف يقابلون السفهاء، وكيف يغضون عن قالة السوء التي تصدر عنهم.
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ؟) أي أكذّبتم وعجبتم أن أنزل ربكم وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة على لسان رجل منكم لينذركم بأسه ويخوفكم عقابه؟
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) أي واذكروا فضل الله عليكم ونعمته، إذ جعلكم ورثة قوم نوح وزادكم بسطة فى خلق أبدانكم- وقد كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان- واتقوا الله فى أنفسكم واحذروا أن يحل بكم من العذاب مثل ما حل بهم، فيهلككم ويبدل منكم غيركم، سنته فيهم وقد جاء فى سورة هود والشعراء وفصلت ما يدل على ما كان لهم من قوة وجبروت وبطش شديد.
(فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي فاذكروا نعم الله وفضله عليكم، واشكروه على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به، وهجر الأوثان والأصنام
194
لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين لنعمه، الراجين للمزيد منها، وتدركون الخلود والبقاء والنعيم الأبدى فى دار القرار.
ثم ذكر ما ردوا به عليه فقال:
(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) يقال: جاء يعلم الناس كيف يحاربون، وذهب يقيم قواعد العمران، على معنى شرع يفعل ذلك.
والمعنى- أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا معه من الأولياء والشفعاء وهم الوسيلة عنده، وهم الذين يقربوننا إليه زلفى، وهل يقبل الله عبادتنا مع ذنوبنا إلا بهم ولأجلهم.
وبعد أن استنكروا التوحيد واحتجوا عليه بما لا يصلح عقلا ولا شرعا أن يكون حجة من تقليد الآباء والأجداد استعملوا الوعيد فقالوا:
(فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي فجئنا بما تعدنا به من العذاب على ترك الإيمان بك، والعمل بما جئت به من التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده- إن كنت صادقا فى قولك ووعيدك.
فأجابهم هود على مقالتهم بقوله:
(قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) أي قال هود لقومه: قد قضى عليكم ربكم مالك أمركم بعذاب وطرد من رحمته، وقد كان عذابهم ريحا صرصرا ذات صوت شديد عاتية تنزع الناس من الأرض ثم ترميهم بها صرعى «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» أي قد قلع من منابته، وزال من أماكنه.
(أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟) أي أتخاصمونني فى أسماء وضعتموها أنتم وآباؤكم الذين قلدتموهم على غير علم ولا هدى منكم ولا منهم لمسميات اتخذوها فاتخذتموها آلهة زاعمين أنها تقربكم إلى الله زلفى وتشفع عنده لكم، ما أنزل الله من حجة ولا برهان يصدق زعمكم بأنه رضى أن تكون واسطة بينه
ثم ذكر ما ردوا به عليه فقال:
(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) يقال: جاء يعلم الناس كيف يحاربون، وذهب يقيم قواعد العمران، على معنى شرع يفعل ذلك.
والمعنى- أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا معه من الأولياء والشفعاء وهم الوسيلة عنده، وهم الذين يقربوننا إليه زلفى، وهل يقبل الله عبادتنا مع ذنوبنا إلا بهم ولأجلهم.
وبعد أن استنكروا التوحيد واحتجوا عليه بما لا يصلح عقلا ولا شرعا أن يكون حجة من تقليد الآباء والأجداد استعملوا الوعيد فقالوا:
(فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي فجئنا بما تعدنا به من العذاب على ترك الإيمان بك، والعمل بما جئت به من التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده- إن كنت صادقا فى قولك ووعيدك.
فأجابهم هود على مقالتهم بقوله:
(قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) أي قال هود لقومه: قد قضى عليكم ربكم مالك أمركم بعذاب وطرد من رحمته، وقد كان عذابهم ريحا صرصرا ذات صوت شديد عاتية تنزع الناس من الأرض ثم ترميهم بها صرعى «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» أي قد قلع من منابته، وزال من أماكنه.
(أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟) أي أتخاصمونني فى أسماء وضعتموها أنتم وآباؤكم الذين قلدتموهم على غير علم ولا هدى منكم ولا منهم لمسميات اتخذوها فاتخذتموها آلهة زاعمين أنها تقربكم إلى الله زلفى وتشفع عنده لكم، ما أنزل الله من حجة ولا برهان يصدق زعمكم بأنه رضى أن تكون واسطة بينه
195
ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ
ﱈ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ
ﱉ
ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ
ﱊ
ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ
ﱋ
ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ
ﱌ
ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ
ﱍ
ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ
ﱎ
وبينكم، وكيف وهو الواحد الأحد الذي يصمد إليه عباده فى العبادة، وطلب مالم يمكنهم بالأسباب العادية.
والخلاصة- إنه هو الذي يتوجه إليه وحده، ولا يشرك معه أحد من خلقه كما قال إبراهيم: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
وكل ما يتعلق بعبادة الله لا يعلم إلا بوحي منه ينزله على رسله؟ إذ لا يعلم إلا من عباده المبلغين عنه.
(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) أي فانتظروا نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) إنى معكم من المنتظرين لنزوله بكم، وفصل قضائه فينا وفيكم، وإننى لموقن بذلك وأنتم مرتابون.
(فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) أي فلما جاء أمرنا ووقع ما وقع- أنجينا هودا والذين آمنوا به وبما دعا إليه من توحيد الله وهجر الأوثان- برحمة عظيمة منا، واستأصلنا دابر الذين جحدوا بآياتنا ولم نبق منهم أحدا بريح صرصر عاتية: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ».
قصص صالح عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
والخلاصة- إنه هو الذي يتوجه إليه وحده، ولا يشرك معه أحد من خلقه كما قال إبراهيم: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
وكل ما يتعلق بعبادة الله لا يعلم إلا بوحي منه ينزله على رسله؟ إذ لا يعلم إلا من عباده المبلغين عنه.
(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) أي فانتظروا نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) إنى معكم من المنتظرين لنزوله بكم، وفصل قضائه فينا وفيكم، وإننى لموقن بذلك وأنتم مرتابون.
(فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) أي فلما جاء أمرنا ووقع ما وقع- أنجينا هودا والذين آمنوا به وبما دعا إليه من توحيد الله وهجر الأوثان- برحمة عظيمة منا، واستأصلنا دابر الذين جحدوا بآياتنا ولم نبق منهم أحدا بريح صرصر عاتية: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ».
قصص صالح عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
196
تفسير المفردات
ثمود: قبيلة من العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، سميت باسم جدهم ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح وأخوّة صالح لهم:
أخوة فى النسب كأخوة هود لقومه، والبينة: المعجزة الظاهرة الدلالة، واذكروا أي تذكروا، وبوأكم فى الأرض أي أنزلكم فيها وجعلها مباءة لكم، والأرض: أرض الحجر بين الحجاز والشام، والنحت: نحر الشيء الصّلب، والعيث والعثى: الفساد، استكبروا: عتوا وتكبروا، وعقروا الناقة: نحروها، وأصل العقر الجرح، وعقر الإبل:
قطع قوائمها، وكانوا يفعلون ذلك بها قبل نحرها لتموت فى مكانها ولا تنتقل، وعتوا:
تمردوا مستكبرين، التمرد، والامتناع إما عن عجز وضعف، ومنه عتا الشيخ عتيا: إذا أسنّ وكبر، وإما عن قوة كعتو الجبارين والمستكبرين، ويقولون نخلة عاتية: إذا كانت عالية يمتنع جناها على من يريدها إلا بمشقة التسلق والصعود، الرجفة: المرة من الرجف وهو الحركة والاضطراب، يقال رجف البحر: إذا اضطربت أمواجه ورجفت
ثمود: قبيلة من العرب كانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، سميت باسم جدهم ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح وأخوّة صالح لهم:
أخوة فى النسب كأخوة هود لقومه، والبينة: المعجزة الظاهرة الدلالة، واذكروا أي تذكروا، وبوأكم فى الأرض أي أنزلكم فيها وجعلها مباءة لكم، والأرض: أرض الحجر بين الحجاز والشام، والنحت: نحر الشيء الصّلب، والعيث والعثى: الفساد، استكبروا: عتوا وتكبروا، وعقروا الناقة: نحروها، وأصل العقر الجرح، وعقر الإبل:
قطع قوائمها، وكانوا يفعلون ذلك بها قبل نحرها لتموت فى مكانها ولا تنتقل، وعتوا:
تمردوا مستكبرين، التمرد، والامتناع إما عن عجز وضعف، ومنه عتا الشيخ عتيا: إذا أسنّ وكبر، وإما عن قوة كعتو الجبارين والمستكبرين، ويقولون نخلة عاتية: إذا كانت عالية يمتنع جناها على من يريدها إلا بمشقة التسلق والصعود، الرجفة: المرة من الرجف وهو الحركة والاضطراب، يقال رجف البحر: إذا اضطربت أمواجه ورجفت
197
الأرض: زلزلت واهتزت، ورجف القلب والفؤاد من الخوف، ودار الرجل:
ما يسكنها هو وأهله، ويطلق على البلد وهو المراد هنا، وجثم الناس: قعدوا لا حراك بهم، قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير كالبروك للإبل.
الإيضاح
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) أي ولقد أرسلنا إلى بنى ثمود أخاهم صالحا.
(قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم من إله تعبدونه سواه.
(قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما أدعو إليه من إخلاص التوحيد له وإفراده بالعبادة دون سواه.
وفى قوله: من ربكم، إيماء إلى أنها ليست من فعله، ولا مما ينالها كسبه، وهكذا سائر ما يؤيد به الله الرسل من خوارق العادات.
وهذه المقالة كانت لهم بعد نصحهم وتذكيرهم بنعم الله وتكذيبهم له كما جاء فى سورة هود من قوله: «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» إلى آخر الآيات.
(هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أضاف الناقة إلى الله تعظيما لشأنها، ولأنها لم تأت بنتاج معتاد وأسباب معهودة، ومن ثم كانت آية. وأىّ آية؟.
وإنما استشهد صالح على صحة نبوته بالناقة، لأنهم سألوه إياها آية دالة على صدق دعوته وصحة نبوته.
ثم ذكر ما يترتب على كونها آية أنه لا ينبغى التعرض لها فقال:
(فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي إن الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فاتركوها تأكل ما تأكل فى أرض ربها، وليس لكم أن تحولوا بينها وبينها، ولا تتعرضوا لها بسوء فى نفسها ولا فى أكلها، فإنكم إن
ما يسكنها هو وأهله، ويطلق على البلد وهو المراد هنا، وجثم الناس: قعدوا لا حراك بهم، قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير كالبروك للإبل.
الإيضاح
(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) أي ولقد أرسلنا إلى بنى ثمود أخاهم صالحا.
(قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) أي قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم من إله تعبدونه سواه.
(قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما أدعو إليه من إخلاص التوحيد له وإفراده بالعبادة دون سواه.
وفى قوله: من ربكم، إيماء إلى أنها ليست من فعله، ولا مما ينالها كسبه، وهكذا سائر ما يؤيد به الله الرسل من خوارق العادات.
وهذه المقالة كانت لهم بعد نصحهم وتذكيرهم بنعم الله وتكذيبهم له كما جاء فى سورة هود من قوله: «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» إلى آخر الآيات.
(هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أضاف الناقة إلى الله تعظيما لشأنها، ولأنها لم تأت بنتاج معتاد وأسباب معهودة، ومن ثم كانت آية. وأىّ آية؟.
وإنما استشهد صالح على صحة نبوته بالناقة، لأنهم سألوه إياها آية دالة على صدق دعوته وصحة نبوته.
ثم ذكر ما يترتب على كونها آية أنه لا ينبغى التعرض لها فقال:
(فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي إن الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فاتركوها تأكل ما تأكل فى أرض ربها، وليس لكم أن تحولوا بينها وبينها، ولا تتعرضوا لها بسوء فى نفسها ولا فى أكلها، فإنكم إن
198
فعلتم ذلك أخذكم عذاب أليم، وقد وصف فى سورة هود العذاب بالقريب وهو أنه يقع بعد ثلاثة أيام من مسهم إياها بالسوء، وكذلك كان، وجاء فى سورة القمر:
«وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ».
وجاء تفسير هذا فى سورة الشعراء: «هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» أي إن الماء الذي كانوا يشربون منه قسمة بينهم وبين الناقة، إذ كان ماء قليلا، فكانوا يشربونه يوما وتشرب هى يوما، وقد روى عن ابن عباس أنهم كانوا يستعيضون عن الماء يوم شربها بلبنها.
ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم وبوجوب شكرها بعبادته تعالى وحده فقال:
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) أي وتذكروا نعم الله عليكم وإحسانه إليكم، إذ جعلكم خلفاء لعاد فى الحضارة والعمران والقوة والبأس وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورا زاهية، ودورا عالية، بما ألهمكم من حذق فى الصناعة، فجعلكم تضربون اللبن وتحرقونه آجرا (الطوب المحرق) وتستعملون الجص وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتا، إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد.
روى أنهم كانوا يسكنون الجبال فى الشتاء لما فى البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول فى باقى الفصول للزراعة والعمل.
(فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي وتذكروا هذه النعم العظام، واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، ولا تتصرفوا فيها تصرف كفران وجحود بفعل ما لا يرضى الله الذي خلقها لكم، فما بالكم بالكفر والعثى فى الأرض بالفساد.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ: أَتَعْلَمُونَ
«وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ».
وجاء تفسير هذا فى سورة الشعراء: «هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» أي إن الماء الذي كانوا يشربون منه قسمة بينهم وبين الناقة، إذ كان ماء قليلا، فكانوا يشربونه يوما وتشرب هى يوما، وقد روى عن ابن عباس أنهم كانوا يستعيضون عن الماء يوم شربها بلبنها.
ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم وبوجوب شكرها بعبادته تعالى وحده فقال:
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) أي وتذكروا نعم الله عليكم وإحسانه إليكم، إذ جعلكم خلفاء لعاد فى الحضارة والعمران والقوة والبأس وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورا زاهية، ودورا عالية، بما ألهمكم من حذق فى الصناعة، فجعلكم تضربون اللبن وتحرقونه آجرا (الطوب المحرق) وتستعملون الجص وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتا، إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد.
روى أنهم كانوا يسكنون الجبال فى الشتاء لما فى البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول فى باقى الفصول للزراعة والعمل.
(فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي وتذكروا هذه النعم العظام، واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، ولا تتصرفوا فيها تصرف كفران وجحود بفعل ما لا يرضى الله الذي خلقها لكم، فما بالكم بالكفر والعثى فى الأرض بالفساد.
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ: أَتَعْلَمُونَ
199
أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟)
قد جرت سنة الله أن يكون الفقراء المستضعفون أسرع الناس إلى إجابة دعوة الأنبياء والرسل، وإلى كل دعوة لإصلاح، فإنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تابعين لغيرهم، وأن يكفر بها أكابر القوم وأغنياؤهم المترفون، إذ يشق عليهم أن يكونوا مرءوسين لسواهم، كما يصعب عليهم الامتناع عن الإسراف فى الشهوات، والوقوف عند حدود الاعتدال.
وعلى هذا السنن سار الملأ من قوم صالح إذ قالوا للمؤمنين منهم: أتعلمون أن صالحا رسول من عند الله؟ ومرادهم بهذا التهكم والاستهزاء بهم.
(قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أي إنا بما أرسل به صالح من الحق والهدى مصدّقون ومقرون بأنه من عند الله، وأن الله أمر به، وعن أمر الله دعانا صالح.
وفى جوابهم هذا دون أن يقولوا- نعم، أو نعلم أنه مرسل منه، أو إنا برسالته عالمون- إيماء إلى أنهم علموا بذلك علما يقينيا إذ عانيا له السلطان على عقولهم وقلوبهم وما كل من يعلم شيئا يصل علمه إلى هذه المرتبة، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان لكنه يجحده ويحاربه وهو موقن به حسدا لأهله، أو استكبارا عنه كما قال تعالى:
«وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا».
(قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) أي قال الذين استكبروا عن أمر الله وأمر رسوله صالح: إنا بالذي صدقتم به من نبوة صالح وإن الذي جاء به هو الحق- جاحدون منكرون لا نصدق به ولا نقر.
وإنما لم يقولوا إنا بالذي أرسل به صالح كافرون- لأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة فلو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بجحود الحق على علمهم به استكبارا وعنادا.
ثم ذكر ما فعلوه مما يدل على كفرهم بآيات ربهم فقال:
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أي فعقر أولئك المستكبرون الناقة، ونسب الفعل إليهم جميعا والفاعل واحد منهم كما جاء فى سورة القمر: «فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ»
قد جرت سنة الله أن يكون الفقراء المستضعفون أسرع الناس إلى إجابة دعوة الأنبياء والرسل، وإلى كل دعوة لإصلاح، فإنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تابعين لغيرهم، وأن يكفر بها أكابر القوم وأغنياؤهم المترفون، إذ يشق عليهم أن يكونوا مرءوسين لسواهم، كما يصعب عليهم الامتناع عن الإسراف فى الشهوات، والوقوف عند حدود الاعتدال.
وعلى هذا السنن سار الملأ من قوم صالح إذ قالوا للمؤمنين منهم: أتعلمون أن صالحا رسول من عند الله؟ ومرادهم بهذا التهكم والاستهزاء بهم.
(قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أي إنا بما أرسل به صالح من الحق والهدى مصدّقون ومقرون بأنه من عند الله، وأن الله أمر به، وعن أمر الله دعانا صالح.
وفى جوابهم هذا دون أن يقولوا- نعم، أو نعلم أنه مرسل منه، أو إنا برسالته عالمون- إيماء إلى أنهم علموا بذلك علما يقينيا إذ عانيا له السلطان على عقولهم وقلوبهم وما كل من يعلم شيئا يصل علمه إلى هذه المرتبة، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان لكنه يجحده ويحاربه وهو موقن به حسدا لأهله، أو استكبارا عنه كما قال تعالى:
«وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا».
(قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) أي قال الذين استكبروا عن أمر الله وأمر رسوله صالح: إنا بالذي صدقتم به من نبوة صالح وإن الذي جاء به هو الحق- جاحدون منكرون لا نصدق به ولا نقر.
وإنما لم يقولوا إنا بالذي أرسل به صالح كافرون- لأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة فلو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بجحود الحق على علمهم به استكبارا وعنادا.
ثم ذكر ما فعلوه مما يدل على كفرهم بآيات ربهم فقال:
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أي فعقر أولئك المستكبرون الناقة، ونسب الفعل إليهم جميعا والفاعل واحد منهم كما جاء فى سورة القمر: «فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ»
200
وجاء فى حديث البخاري مرفوعا «فانتدب لها رجل ذو عزه ومنعة فى قومه كأبى زمعة»
لأنهم لما اتفقوا عليه ورضوا به صاروا كأنهم فعلوه جميعا.
وفى ذلك تهويل وتفظيع لأمرهم، وأن أضراره ستصيبهم جميعا، ومثل هذا من الأعمال ينسب إلى الأمة فى جملتها، وتعاقب عليه جميعها كما قال: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً».
(وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي وتمردوا وتجبروا عن اتباع الحق الذي بلّغهم صالح إياه، وهو ما سلف ذكره.
روى أحمد والحاكم عن جابر قال: «لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان فى حرم الله- وهو أبو رغال- فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه».
(وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الوعد يكون فى الخير والشر أي قالوا له: ائتنا بما وعدتنا به من عذاب الله ونقمته، إن كنت رسولا إلينا، وتدّعى أن وعيدك تبليغ عنه، فالله ينصر رسله على أعدائه، فعجّل ذلك لنا.
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) وفى سورة هود «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» وفى سورة حم السجدة «فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ» وفى سورة الذاريات «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» والمراد بالجميع الصاعقة، فإن لنزولها صيحة شديدة القوة ترجف من هولها الأفئدة وتضطرب الأعصاب، وربما اضطربت الأرض وتصدع ما فيها من بنيان.
وقد علم أن سبب حدوثها اتصال كهربائية الأرض بكهربائية الجو التي يحملها
لأنهم لما اتفقوا عليه ورضوا به صاروا كأنهم فعلوه جميعا.
وفى ذلك تهويل وتفظيع لأمرهم، وأن أضراره ستصيبهم جميعا، ومثل هذا من الأعمال ينسب إلى الأمة فى جملتها، وتعاقب عليه جميعها كما قال: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً».
(وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي وتمردوا وتجبروا عن اتباع الحق الذي بلّغهم صالح إياه، وهو ما سلف ذكره.
روى أحمد والحاكم عن جابر قال: «لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان فى حرم الله- وهو أبو رغال- فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه».
(وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الوعد يكون فى الخير والشر أي قالوا له: ائتنا بما وعدتنا به من عذاب الله ونقمته، إن كنت رسولا إلينا، وتدّعى أن وعيدك تبليغ عنه، فالله ينصر رسله على أعدائه، فعجّل ذلك لنا.
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) وفى سورة هود «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» وفى سورة حم السجدة «فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ» وفى سورة الذاريات «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» والمراد بالجميع الصاعقة، فإن لنزولها صيحة شديدة القوة ترجف من هولها الأفئدة وتضطرب الأعصاب، وربما اضطربت الأرض وتصدع ما فيها من بنيان.
وقد علم أن سبب حدوثها اتصال كهربائية الأرض بكهربائية الجو التي يحملها
201
السحاب، فتحدث صوتا كالصوت الذي يحدث باشتعال قذائف المدافع، وهذا الصوت هو المسمى بالرعد.
وتحدث الصاعقة تأثيرات عظيمة كصعق الناس والحيوان وهدم المبانى أو تصديعها وإحراق الشجر ونحو ذلك، وقد هدى العلم إلى الطريق فى اتقاء أضرارها بالمباني العظيمة بوضع ما يسمونه (مانعة الصواعق).
وقد يجوز أن الله سبحانه جعل هلاكهم فى وقت ساق فيه السحاب المشبع بالكهرباء إلى أرضهم بحسب السنن المعروفة، وقد يجوز أن الله قد خلق تلك الصاعقة لأجلهم على سبيل خرق العادة، وأيهما كان قد وقع، فقد صدق الله رسوله وحدث ما أنذرهم به.
(فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) أي لم يلبثوا أن سقطوا مصعوقين جثثا هامدة حين نزلت بهم الصيحة فى أرضهم.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) أي قال لهم صالح بعد أن جرى عليهم ما جرى مغتما متحسرا كما يقول المتحسر على من مات جانيا على حياته بالتفانى فى شهواته: ألم أنهك عما يوردك ريب المنون. ألم أحذرك تلك العاقبة الوخيمة التي لم تتداركها قبل وقوعها، فماذا أفعل، إذ فضلت لذة الساعات والأيام، على عيش هنىء يدوم عشرات الأعوام.
وروى مثل هذا مرفوعا عن النبي ﷺ من ندائه بعض قتلى قريش ببدر بعد دفنهم فى القليب (البئر غير المبنية).
«يا فلان بن فلان، وفلان بن فلان: أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟. قال راوى الحديث أبو طلحة الأنصاري: قال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟
وتحدث الصاعقة تأثيرات عظيمة كصعق الناس والحيوان وهدم المبانى أو تصديعها وإحراق الشجر ونحو ذلك، وقد هدى العلم إلى الطريق فى اتقاء أضرارها بالمباني العظيمة بوضع ما يسمونه (مانعة الصواعق).
وقد يجوز أن الله سبحانه جعل هلاكهم فى وقت ساق فيه السحاب المشبع بالكهرباء إلى أرضهم بحسب السنن المعروفة، وقد يجوز أن الله قد خلق تلك الصاعقة لأجلهم على سبيل خرق العادة، وأيهما كان قد وقع، فقد صدق الله رسوله وحدث ما أنذرهم به.
(فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) أي لم يلبثوا أن سقطوا مصعوقين جثثا هامدة حين نزلت بهم الصيحة فى أرضهم.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) أي قال لهم صالح بعد أن جرى عليهم ما جرى مغتما متحسرا كما يقول المتحسر على من مات جانيا على حياته بالتفانى فى شهواته: ألم أنهك عما يوردك ريب المنون. ألم أحذرك تلك العاقبة الوخيمة التي لم تتداركها قبل وقوعها، فماذا أفعل، إذ فضلت لذة الساعات والأيام، على عيش هنىء يدوم عشرات الأعوام.
وروى مثل هذا مرفوعا عن النبي ﷺ من ندائه بعض قتلى قريش ببدر بعد دفنهم فى القليب (البئر غير المبنية).
«يا فلان بن فلان، وفلان بن فلان: أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟. قال راوى الحديث أبو طلحة الأنصاري: قال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟
202
أو فيها- فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسى بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» رواه البخاري وغيره من طريق قتادة عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، ثم قال: قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما اهـ.
قال العلماء ومثل هذا مما اختص به الأنبياء وبهذا الحديث ونحوه مما ورد من حياة الأنبياء والشهداء فى البرزخ، يستدل زوار الأضرحة والقبور الذين يدعون أصحابها لقضاء حاجاتهم ويقولون: إن كل من دعا ميتا من الصالحين يسمع منه ويقضى حاجته، قياسا على ذلك، مع علمهم بأن الأمور الغيبية يقتصر فيها على ما سمع عن الأنبياء ولا يدخلها باب القياس.
قصص لوط عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
تفسير المفردات
لوط: هو لوط بن حاران ابن أخى إبراهيم عليه السلام، ولد فى (أور الكدانيين) فى الطرف الشرقي من جنوب العراق وكانت تسمى أرض بابل، وكان قد سافر بعد موت والده مع عمه إبراهيم ﷺ إلى ما بين النهرين وكان يسمى جزيرة
قال العلماء ومثل هذا مما اختص به الأنبياء وبهذا الحديث ونحوه مما ورد من حياة الأنبياء والشهداء فى البرزخ، يستدل زوار الأضرحة والقبور الذين يدعون أصحابها لقضاء حاجاتهم ويقولون: إن كل من دعا ميتا من الصالحين يسمع منه ويقضى حاجته، قياسا على ذلك، مع علمهم بأن الأمور الغيبية يقتصر فيها على ما سمع عن الأنبياء ولا يدخلها باب القياس.
قصص لوط عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
تفسير المفردات
لوط: هو لوط بن حاران ابن أخى إبراهيم عليه السلام، ولد فى (أور الكدانيين) فى الطرف الشرقي من جنوب العراق وكانت تسمى أرض بابل، وكان قد سافر بعد موت والده مع عمه إبراهيم ﷺ إلى ما بين النهرين وكان يسمى جزيرة
203
قورا، وهناك كانت مملكة أشور، ثم أسكنه إبراهيم شرقى الأردن لجودة مراعيها، وكان فى ذلك المكان المسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت أو بحر لوط، قرى خمس، سكن لوط فى إحداها المسماة بسدوم، وكانت تعمل الخبائث ولا يوجد الآن ما يدل على موضعها بالتحديد، وبعض الناس يقول: إن البحر قد غمرها ولا دليل لهم على ذلك.
الإيضاح
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ؟) أي واذكر لوطا حين قال لقومه موبّخا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية فى القبح والفحش.
(ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) أي ما عملها أحد قبلكم فى أي زمان، بل هى من مبتدعاتكم فى الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة، فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة.
وفى هذا بيان لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، ومن ثم لم تتطلع إليه نفوس أحد من البشر قبلهم، إلى ما فيه من مخالفة لهدى الدين.
(إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) يراد بالإتيان الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين، وداعيته الشهوة وقصد النسل.
وقد سجل عليهم هنا أنهم يبتغون الشهوة وحدها، فهم أخس من سائر أفراد الحيوان، لأن الذكور منها تطلب الإناث بدافع الشهوة والنسل الذي يحفظ النوع، ألا ترى أن الطيور والحشرات تبدأ حياتها الزوجية ببناء الأعشاش فى أعلى الأشجار أو الوكن فى قلل الجبال أو الأحجار فى باطن الأرضين، ولكن هؤلاء المجرمين لا غرض لهم إلا إرضاء شهواتهم، ومن يقصد اللذة وحدها دون النسل أسرف فيها وانقلب نفعها ضرا وصار خيرها شرا.
وفى هذا مزيد تقريع وتوبيخ لهم كأن ذلك لا ينبغى أن يصدر من أحد.
الإيضاح
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ؟) أي واذكر لوطا حين قال لقومه موبّخا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية فى القبح والفحش.
(ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) أي ما عملها أحد قبلكم فى أي زمان، بل هى من مبتدعاتكم فى الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة، فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة.
وفى هذا بيان لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، ومن ثم لم تتطلع إليه نفوس أحد من البشر قبلهم، إلى ما فيه من مخالفة لهدى الدين.
(إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) يراد بالإتيان الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين، وداعيته الشهوة وقصد النسل.
وقد سجل عليهم هنا أنهم يبتغون الشهوة وحدها، فهم أخس من سائر أفراد الحيوان، لأن الذكور منها تطلب الإناث بدافع الشهوة والنسل الذي يحفظ النوع، ألا ترى أن الطيور والحشرات تبدأ حياتها الزوجية ببناء الأعشاش فى أعلى الأشجار أو الوكن فى قلل الجبال أو الأحجار فى باطن الأرضين، ولكن هؤلاء المجرمين لا غرض لهم إلا إرضاء شهواتهم، ومن يقصد اللذة وحدها دون النسل أسرف فيها وانقلب نفعها ضرا وصار خيرها شرا.
وفى هذا مزيد تقريع وتوبيخ لهم كأن ذلك لا ينبغى أن يصدر من أحد.
204
وفى قوله: من دون النساء، إيماء إلى أنهم تجاوزوا النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوى الفطر السليمة إلى غيرهن.
(بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أي إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون على ما فعلتم، بل أنتم قوم مسرفون فيها وفى سائر أعمالكم ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال، وقد جاء فى سورة النمل: «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» أي أنتم ذوو سفه وطيش، وفى سورة العنكبوت «أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ».
وفى كل هذا دليل على أنهم كانوا مسرفين فى لذاتهم، متعدين حدود العقل والفطرة، لا يعقلون ضرر ما يفعلون بجنايتهم على النسل والصحة والآداب العامة، فهم لو عقلوا ذلك لاجتنبوها، ولو كان لديهم شىء من الفضيلة لا نصرفوا عنها.
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك النصيحة شيئا من الحجج المقنعة أو الأعذار المسكنة لثورة الغضب، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم، وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن قالوا إن هولاء أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم فى فسوقهم ورجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم، لما بينهم من الفوارق فى الصفات والأخلاق.
وهذا الجواب منهم يدل على منتهى السخرية والتهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظوهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد.
وقد بلغ من قحتهم وفجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها ويحتقروا من يتنزه عنها، وهذا أسفل الدركات، ولا يهبط إليه إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) يقال غبر أي بقي، وغبر: ذهب
(بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أي إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون على ما فعلتم، بل أنتم قوم مسرفون فيها وفى سائر أعمالكم ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال، وقد جاء فى سورة النمل: «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» أي أنتم ذوو سفه وطيش، وفى سورة العنكبوت «أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ».
وفى كل هذا دليل على أنهم كانوا مسرفين فى لذاتهم، متعدين حدود العقل والفطرة، لا يعقلون ضرر ما يفعلون بجنايتهم على النسل والصحة والآداب العامة، فهم لو عقلوا ذلك لاجتنبوها، ولو كان لديهم شىء من الفضيلة لا نصرفوا عنها.
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك النصيحة شيئا من الحجج المقنعة أو الأعذار المسكنة لثورة الغضب، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم، وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن قالوا إن هولاء أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم فى فسوقهم ورجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم، لما بينهم من الفوارق فى الصفات والأخلاق.
وهذا الجواب منهم يدل على منتهى السخرية والتهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظوهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد.
وقد بلغ من قحتهم وفجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها ويحتقروا من يتنزه عنها، وهذا أسفل الدركات، ولا يهبط إليه إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) يقال غبر أي بقي، وغبر: ذهب
205
وهلك، أي فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه إلا امرأته، فإنها لم تؤمن به، بل خانته بولاية قومه الكافرين، فكانت من جماعة الهالكين أو الباقين الذين نزل بهم العذاب فى الدنيا، وبعده عذاب الآخرة.
(وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً) الإمطار حقيقة فى المطر مجاز فيما يشبهه فى الكثرة من خير وشر مما يجىء من السماء أو من الأرض أي وأرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره وهو الحجارة التي رجموا بها، وجاء فى سورتى هود والحجر إنها حجارة من سجيل مسوّمة أي معلمة ببياض فى حمرة.
وقد يكون سبب إمطار الحجارة عليهم إرسال إعصار من الريح حمل تلك الحجارة وألقاها عليهم، أو أن تلك الحجارة من بعض النجوم المحطّمة التي يسميها علماء الفلك الحجارة النيزكية وهى بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صار بالقرب منها، وهى تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته، وهى الشهب التي ترى بالليل، فإذا سلم منها شىء من الاحتراق ووصل إلى الأرض ساخ فيها وكان لسقوطه صوت شديد، وقد وجد الناس بعض هذه الحجارة ووضعوها فى دور الآثار.
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) أي فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق التأمل، لتعلم عقاب الأمم على ذنوبها فى الدنيا قبل الآخرة.
وهذا العقاب أثر طبيعى لذلك، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان أخلاق الأمم ويذهبان ببأسها ويفرّقان كلمتها ويجعلانها شيعا وأحزابا متعادية، فيسلط الله عليها من يستذلها ويسلبها استقلالها، ويسخرها لمنافعه، ولا يزال بها هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين.
وقد يكون هلاكها بسنن الله فى الأرض من إرسال الجوائح كالزلازل والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض، أو بالأوبئة والأمراض الفتاكة، أو بالثورات والفتن والحروب ونحو ذلك مما يكون سببا فى انقراض الأمم وفنائها
(وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً) الإمطار حقيقة فى المطر مجاز فيما يشبهه فى الكثرة من خير وشر مما يجىء من السماء أو من الأرض أي وأرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره وهو الحجارة التي رجموا بها، وجاء فى سورتى هود والحجر إنها حجارة من سجيل مسوّمة أي معلمة ببياض فى حمرة.
وقد يكون سبب إمطار الحجارة عليهم إرسال إعصار من الريح حمل تلك الحجارة وألقاها عليهم، أو أن تلك الحجارة من بعض النجوم المحطّمة التي يسميها علماء الفلك الحجارة النيزكية وهى بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صار بالقرب منها، وهى تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته، وهى الشهب التي ترى بالليل، فإذا سلم منها شىء من الاحتراق ووصل إلى الأرض ساخ فيها وكان لسقوطه صوت شديد، وقد وجد الناس بعض هذه الحجارة ووضعوها فى دور الآثار.
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) أي فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق التأمل، لتعلم عقاب الأمم على ذنوبها فى الدنيا قبل الآخرة.
وهذا العقاب أثر طبيعى لذلك، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان أخلاق الأمم ويذهبان ببأسها ويفرّقان كلمتها ويجعلانها شيعا وأحزابا متعادية، فيسلط الله عليها من يستذلها ويسلبها استقلالها، ويسخرها لمنافعه، ولا يزال بها هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين.
وقد يكون هلاكها بسنن الله فى الأرض من إرسال الجوائح كالزلازل والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض، أو بالأوبئة والأمراض الفتاكة، أو بالثورات والفتن والحروب ونحو ذلك مما يكون سببا فى انقراض الأمم وفنائها
206
وخلاصة القول فى تحريم هذه الفاحشة:
(١) إنها مفسدة للشبان بالإسراف فى الشهوات.
(٢) إنها مفسدة للنساء اللواتى ينصرف أزواجهن عنهم ويقصرون فيما يجب عليهن من إحصانهن.
(٣) قلة النسل فإن من لوازم ذلك الرغبة عن الزواج والرغبة فى إتيان الأزواج فى غير مأتى الحرث.
وفى الحياة الزوجية الشرعية إحصان كل من الزوجين للآخر بقصر لذة الاستمتاع عليه وجعل ذلك وسيلة للحياة الوالدية التي تنمو بها الأمة ويحفظ بها النوع البشرى من الزوال.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
تفسير المفردات
يقال بخسه حقه أي نقصه، والإفساد: شامل لإفساد نظام الاجتماع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب: بارتكاب الإثم والفواحش،
(١) إنها مفسدة للشبان بالإسراف فى الشهوات.
(٢) إنها مفسدة للنساء اللواتى ينصرف أزواجهن عنهم ويقصرون فيما يجب عليهن من إحصانهن.
(٣) قلة النسل فإن من لوازم ذلك الرغبة عن الزواج والرغبة فى إتيان الأزواج فى غير مأتى الحرث.
وفى الحياة الزوجية الشرعية إحصان كل من الزوجين للآخر بقصر لذة الاستمتاع عليه وجعل ذلك وسيلة للحياة الوالدية التي تنمو بها الأمة ويحفظ بها النوع البشرى من الزوال.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
تفسير المفردات
يقال بخسه حقه أي نقصه، والإفساد: شامل لإفساد نظام الاجتماع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب: بارتكاب الإثم والفواحش،
207
وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام، وإصلاحها: هو إصلاح حال أهلها بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة المزكّية للأنفس، والأعمال المرقية للعمران المحسّنة لأحوال المعيشة، والصراط: الطريق، وتوعدون: تخوّفون الناس. وروى عن ابن عباس أنهم كانوا يجلسون فى الطريق فيقولون لمن أتى إليهم إن شعيبا كذاب، فلا يفتنّنكم عن دينكم، فكثّركم أي بما بارك فى نسلكم.
المعنى الجملي
شعيب نبى من أنبياء العرب، وفى التوراة إن اسمه رعوئيل فقد جاء فى سفر الخروج أن حمى موسى كان يدعى رعوئيل.
(رعو: صديق، وئيل: الله) أي صديق الله أي الصادق فى عبادته، وفى موضع آخر من سفر الخروج إن موسى كان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين، ويثرون لقب وظيفته، وهو من نسل إبراهيم.
وفى الفصل الخامس من سفر التكوين إن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان أو مدين أو مديان (معناه خصام) وكانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سينا، وفى رواية إنها كانت تمتد من شبه جزيرة سينا إلى الفرات.
وقال الآلوسى: ومدين وسمع مديان علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم سميت به القبيلة.
الإيضاح
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) نقدم مثل هذا فى قصة صالح عليه السلام، ولكن هناك بيّن الآية
المعنى الجملي
شعيب نبى من أنبياء العرب، وفى التوراة إن اسمه رعوئيل فقد جاء فى سفر الخروج أن حمى موسى كان يدعى رعوئيل.
(رعو: صديق، وئيل: الله) أي صديق الله أي الصادق فى عبادته، وفى موضع آخر من سفر الخروج إن موسى كان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين، ويثرون لقب وظيفته، وهو من نسل إبراهيم.
وفى الفصل الخامس من سفر التكوين إن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان أو مدين أو مديان (معناه خصام) وكانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سينا، وفى رواية إنها كانت تمتد من شبه جزيرة سينا إلى الفرات.
وقال الآلوسى: ومدين وسمع مديان علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم سميت به القبيلة.
الإيضاح
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) نقدم مثل هذا فى قصة صالح عليه السلام، ولكن هناك بيّن الآية
208
بأنها الناقة، ولم يذكر هنا ولا فى أي سورة أخرى آية معينة لشعيب عليه السلام، ولكن لا بد أن تكون له آية تدل على صدقه، وتقوم بها الحجة عليهم.
فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «ما من الأنبياء نبى إلا أعطى من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلىّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»
أي إن كل نبى مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله.
والبينة كل ما يتبين به الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تدعن إلا لخوارق العادات.
وبعد أن أتى شعيب صلوات الله عليه بالمعجزات القاطعة للعذر ومكابرة الحق رتب على ذلك قوله:
(فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) وقد ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا، والنهى عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا بعد أن أمرهم بتوحيد الله، لأن ذلك كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي ومن ثم اهتم به كما اهتم لوط بنهي قومه عن الفاحشة السوءى التي كانت فاشية فيهم، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم أو يزيدون عليه وإذا كالوهم أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان أي ينقصونه فيبخسونهم أشياءهم وينقصونهم حقوقهم.
والبخس يشمل نقص المكيل والموزون وغيرهما من المبيعات كالمواشى والأشياء المعدودة، ويشمل البخس فى المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وفى الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل.
فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «ما من الأنبياء نبى إلا أعطى من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلىّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»
أي إن كل نبى مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله.
والبينة كل ما يتبين به الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تدعن إلا لخوارق العادات.
وبعد أن أتى شعيب صلوات الله عليه بالمعجزات القاطعة للعذر ومكابرة الحق رتب على ذلك قوله:
(فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) وقد ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا، والنهى عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا بعد أن أمرهم بتوحيد الله، لأن ذلك كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي ومن ثم اهتم به كما اهتم لوط بنهي قومه عن الفاحشة السوءى التي كانت فاشية فيهم، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم أو يزيدون عليه وإذا كالوهم أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان أي ينقصونه فيبخسونهم أشياءهم وينقصونهم حقوقهم.
والبخس يشمل نقص المكيل والموزون وغيرهما من المبيعات كالمواشى والأشياء المعدودة، ويشمل البخس فى المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وفى الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل.
209
وقد فشاكل من هذين النوعين فى هذا العصر، فكثير من التجار باخسون مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخّاسون لحقوق بنى جلدتهم، مدّعون للتفوق عليهم، منكرون لما خص الله به سواهم من المزايا والخصائص حسدا عليهم وبغيا.
وقد روى أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس أي بالنقصان.
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) أي إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ومكّنهم فى الأرض، بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح، وبما أودع فى خلق الأرض من سنن حكيمة، وقوانين مستقيمة، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ونظم فى المعاملات والاجتماع، وبما أرشد إليه المصلحين من العلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، ويهدون الناس إلى ما فيه صلاحهم فى دينهم، والعاملين من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة الذين ينفعون الناس فى دنياهم.
فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغى ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش، ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوّض نظم المجتمع، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها.
(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي ذلكم الذي تقدم من الأمر والنهى خير لكم فى دينكم ودنياكم، فإن ربكم لا يأمر إلا بالنافع ولا ينهى إلا عن الضار.
وإنما يكون ذلك خيرا لكم إن كنتم مؤمنين بوحدانية الله وبرسوله وبما جاءكم من شرع وبما آتاكم به من هدى، فالإيمان يقتضى الامتثال والعمل بما جاء به الرسول من عند الله وإن خالف النفس والهوى.
وقد روى أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس أي بالنقصان.
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) أي إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ومكّنهم فى الأرض، بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح، وبما أودع فى خلق الأرض من سنن حكيمة، وقوانين مستقيمة، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ونظم فى المعاملات والاجتماع، وبما أرشد إليه المصلحين من العلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، ويهدون الناس إلى ما فيه صلاحهم فى دينهم، والعاملين من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة الذين ينفعون الناس فى دنياهم.
فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغى ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش، ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوّض نظم المجتمع، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها.
(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي ذلكم الذي تقدم من الأمر والنهى خير لكم فى دينكم ودنياكم، فإن ربكم لا يأمر إلا بالنافع ولا ينهى إلا عن الضار.
وإنما يكون ذلك خيرا لكم إن كنتم مؤمنين بوحدانية الله وبرسوله وبما جاءكم من شرع وبما آتاكم به من هدى، فالإيمان يقتضى الامتثال والعمل بما جاء به الرسول من عند الله وإن خالف النفس والهوى.
210
والمؤمن الموحّد لا يخضع إلا لربه، وإنما يطيع رسوله لأنه مبلّغ عنه كما قال:
«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ»
وفى حديث أحمد بن خديج أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر مثلكم، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشىء من رأيى فإنما أنا بشر».
هذا، والبشر لم يصلوا فى عصر من العصور إلى عشر ما وصلوا إليه فى هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار ومعرفة المصالح والمفاسد فى المعاملات والآداب، ومع هذا فإن العلم وحده لم يغنهم شيئا، فكثرت فى البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور ونحو ذلك مما كان سببا فى تدهور نظم المجتمعات.
فخير وسيلة لإصلاح الأمم تربية. الأحداث والنابتة تربية دينية بإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل، وإقناعهم بمضار الرذائل، لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي.
(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً) أي ولا تقعدوا بكل طريق تخوّفون من آمن بالقتل، وقد روى عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا ويقولون لهم إنه كذاب فلا يفتننكم عن دينكم.
وقد رتب سبحانه هذه الأوامر والنواهي بحسب الترتيب الزمنى، فوجهت الدعوة أولا إلى أقرب الناس فى بلده، ثم إلى الأقرب فالأقرب من الذين يزورون أرضهم، وقد كان الأقربون دارا هم الأبعدين استجابة له، وحين رأوا غيرهم يقبل دعوته ويهتدى بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل إليه إلا قعد بها من يتوعد سالكيها إليه، ويصدونهم عن سبيل الله التي يدعوهم إليها، ويطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا، وهداها ضلالا.
«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ»
وفى حديث أحمد بن خديج أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر مثلكم، إذا أمرتكم بشىء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشىء من رأيى فإنما أنا بشر».
هذا، والبشر لم يصلوا فى عصر من العصور إلى عشر ما وصلوا إليه فى هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار ومعرفة المصالح والمفاسد فى المعاملات والآداب، ومع هذا فإن العلم وحده لم يغنهم شيئا، فكثرت فى البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور ونحو ذلك مما كان سببا فى تدهور نظم المجتمعات.
فخير وسيلة لإصلاح الأمم تربية. الأحداث والنابتة تربية دينية بإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل، وإقناعهم بمضار الرذائل، لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي.
(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً) أي ولا تقعدوا بكل طريق تخوّفون من آمن بالقتل، وقد روى عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا ويقولون لهم إنه كذاب فلا يفتننكم عن دينكم.
وقد رتب سبحانه هذه الأوامر والنواهي بحسب الترتيب الزمنى، فوجهت الدعوة أولا إلى أقرب الناس فى بلده، ثم إلى الأقرب فالأقرب من الذين يزورون أرضهم، وقد كان الأقربون دارا هم الأبعدين استجابة له، وحين رأوا غيرهم يقبل دعوته ويهتدى بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل إليه إلا قعد بها من يتوعد سالكيها إليه، ويصدونهم عن سبيل الله التي يدعوهم إليها، ويطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا، وهداها ضلالا.
211
والخلاصة- إنه نهاهم عن أشياء ثلاثة:
(١) قعودهم على الطرقات التي توصل إليه مخوّفين من يجيئه ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته.
(٢) صدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين.
(٣) ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجّة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها، وهم بعلمهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية للآباء والأجداد، وضلالة الغلو فى الحرية الشخصية التي أباحت لهم الطعن فى الأديان حتى بلغوا فى ذلك حد الطغيان.
(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) أي وتذكروا الزمن الذي كنتم فيه قليلى العدد فكثركم الله بما بارك فى نسلكم، واشكروا له ذلك بعبادته وحده، واتباع وصاياه فى الحق، والإعراض عن الفساد فى الأرض. وقد روى أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله فى نسلها البركة والنماء فكثروا.
وقد يكون المعنى- إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين- أو المراد:
إذ كنتم أذلة قليلى العدد فأعزكم بكثرة العدد والعدد.
(وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) من الأمم والشعوب المجاورة لكم كقوم نوح وعاد وثمود، وكيف أهلكهم الله بفسادهم وبغيهم فى الأرض، فاعتبروا بما حل بهم، واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
(وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)، حكم الله بين عباده ضربان:
(١) حكم شرعى يوحيه إلى رسله، وعليه جاء قوله فى سورة المائدة بعد الأمر بالوفاء بالعقود وإحلال بهيمة الأنعام: «إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ».
(١) قعودهم على الطرقات التي توصل إليه مخوّفين من يجيئه ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته.
(٢) صدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين.
(٣) ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجّة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها، وهم بعلمهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية للآباء والأجداد، وضلالة الغلو فى الحرية الشخصية التي أباحت لهم الطعن فى الأديان حتى بلغوا فى ذلك حد الطغيان.
(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) أي وتذكروا الزمن الذي كنتم فيه قليلى العدد فكثركم الله بما بارك فى نسلكم، واشكروا له ذلك بعبادته وحده، واتباع وصاياه فى الحق، والإعراض عن الفساد فى الأرض. وقد روى أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله فى نسلها البركة والنماء فكثروا.
وقد يكون المعنى- إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين- أو المراد:
إذ كنتم أذلة قليلى العدد فأعزكم بكثرة العدد والعدد.
(وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) من الأمم والشعوب المجاورة لكم كقوم نوح وعاد وثمود، وكيف أهلكهم الله بفسادهم وبغيهم فى الأرض، فاعتبروا بما حل بهم، واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
(وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)، حكم الله بين عباده ضربان:
(١) حكم شرعى يوحيه إلى رسله، وعليه جاء قوله فى سورة المائدة بعد الأمر بالوفاء بالعقود وإحلال بهيمة الأنعام: «إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ».
212
(٢) حكم فعلى يفصل فيه بين الخلق بمقتضى سننه فيهم كقوله فى آخر سورة يونس: «وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ».
والمعنى- وإن كان جماعة منكم صدقوا بالذي أرسلت به من إخلاص العبادة لله وترك معاصيه من ظلم الناس وبخسهم فى المكاييل والموازين، واتبعونى فى كل ذلك، وجماعة أخرى لم يصدّقونى وأصروا على شركهم وإفسادهم- فاصبروا على قضاء الله الفاصل بيننا وبينكم وهو خير من يفصل، وأعدل من يقضى، لتنزهه عن الباطل والجور، وليعتبر كفاركم بعاقبة من قبلهم وسيحل بهم مثل ما حل بأولئك بحسب السنن التي قدرها العليم الحكيم، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
اللهم وفقنا للسير على سنن العدل والرشاد، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكان الفراغ من مسودة هذا الجزء فى الثامن عشر من رجب المعظم سنة ثنتين وستين وثلاثمائة هجرية.
وصل ربنا على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والمعنى- وإن كان جماعة منكم صدقوا بالذي أرسلت به من إخلاص العبادة لله وترك معاصيه من ظلم الناس وبخسهم فى المكاييل والموازين، واتبعونى فى كل ذلك، وجماعة أخرى لم يصدّقونى وأصروا على شركهم وإفسادهم- فاصبروا على قضاء الله الفاصل بيننا وبينكم وهو خير من يفصل، وأعدل من يقضى، لتنزهه عن الباطل والجور، وليعتبر كفاركم بعاقبة من قبلهم وسيحل بهم مثل ما حل بأولئك بحسب السنن التي قدرها العليم الحكيم، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
اللهم وفقنا للسير على سنن العدل والرشاد، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكان الفراغ من مسودة هذا الجزء فى الثامن عشر من رجب المعظم سنة ثنتين وستين وثلاثمائة هجرية.
وصل ربنا على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
213
فهرست أهم المباحث العامة التي فى هذا الجزء
الصفحة المبحث ٥ المستهزءون بالقرآن ٩ الأدلة على نبوة محمد ﷺ ١٥ الأصل فى عبادة الأوثان ١٦ حكم ترك التسمية حين الذبح ١٧ حكم ما يذبح لدى استقبال أمير أو وزير ٢٠ جرت سنة الله أن يكون فى كل عاصمة زعماء مجرمون ٢٤ عذاب الأمم بذنوبها فى الدنيا مطرد دون عذاب الأفراد ٢٩ أثبتت السنة الاتصال بين الإنسان والأرواح الشريرة كما أثبتت وجود الجراثيم الميكروبات ٣٢ الإسلام وضع مبدأ الشورة فى مهام الأمور ٣٣ الجن عالم غيبى لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص ٣٥ هلاك الأمم يكون بما يغلب عليها من العصيان والفسوق.
٣٩ أنار العلم فى هذا العصر أمر البعث وقربه إلى العقول ٤٣ حكم العرب فى التحليل والتحريم ٥١ تحريم التشريع لا يكون إلا لله ٥٧ أحلت لنا ميتتان ودمان ٥٨ ما حرم من الأنعام عقوبة على بنى إسرائيل
الصفحة المبحث ٥ المستهزءون بالقرآن ٩ الأدلة على نبوة محمد ﷺ ١٥ الأصل فى عبادة الأوثان ١٦ حكم ترك التسمية حين الذبح ١٧ حكم ما يذبح لدى استقبال أمير أو وزير ٢٠ جرت سنة الله أن يكون فى كل عاصمة زعماء مجرمون ٢٤ عذاب الأمم بذنوبها فى الدنيا مطرد دون عذاب الأفراد ٢٩ أثبتت السنة الاتصال بين الإنسان والأرواح الشريرة كما أثبتت وجود الجراثيم الميكروبات ٣٢ الإسلام وضع مبدأ الشورة فى مهام الأمور ٣٣ الجن عالم غيبى لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص ٣٥ هلاك الأمم يكون بما يغلب عليها من العصيان والفسوق.
٣٩ أنار العلم فى هذا العصر أمر البعث وقربه إلى العقول ٤٣ حكم العرب فى التحليل والتحريم ٥١ تحريم التشريع لا يكون إلا لله ٥٧ أحلت لنا ميتتان ودمان ٥٨ ما حرم من الأنعام عقوبة على بنى إسرائيل
214
الصفحة المبحث ٦٦ الوصايا العشر التي أمر الرسول بتلاوتها على المشركين ٨٠ تمادى المشركين فى تكذيب الرسول وعدم الاعتداد بما معه من الآيات ٨٣ أهل الكتاب فرقوا دينهم وجعلوه شيعا ٨٤ أسباب التفرق فى الدين فى هذه الأمة ٨٦ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ٨٩ الدين القيم هو ملة إبراهيم لا ما يدعيه أهل الكتاب والمشركون ٩٠ المؤمن حياته لله ومماته لله ٩٢ سعادة الناس وشقاؤهم بأعمالهم فحسب ٩٣ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ١٠٠ بيان الرسول ﷺ للدين داخل فيما أنزل علينا ١٠٦ الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ١١١ معاذير إبليس فى عدم سجوده لآدم عليه السلام ١١٣ هل الجنة التي هبطها آدم بستان أو هى جنة الجزاء ١١٩ الشيطان أو هم آدم وزوجه أن الأكل من الشجرة يقتضى الخلود ١٢٢ العقاب أثر طبيعى للذنب ١٢٦ فعل الجنة فى أرواح البشر كفعل الميكروبات فى الأجسام ١٢٩ معاذير المشركين فى عمل الفاحشة ١٣٣ وجوب الزينة للعبادة ١٣٦ الدين يورث أهله سعادة الدنيا والآخرة ١٣٧ أصبح المسلمون من أجهل الشعوب لسنن الله فى الأكوان ١٤٠ الاجتهاد خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته ١٤٣ الأجل المقدر بمقتضى نظام الخلق هو العمر الطبيعي
215
الصفحة المبحث ١٥٣ ينزع الغل والحسد من قلوب أهل الجنة ١٦١ يعرف المجرمون بسيماهم يوم القيامة ١٦٣ يغاث المجرمون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغنى من جوع ١٧٠ الأيام الستة التي كانت حين الخلق ١٧١ السموات والأرض كانتا سديما ١٧٢ ما ورد فى الخلق من الإسرائيليات لا يعول عليه ١٧٥ الدعاء خفية أفضل من الدعاء جهرا ١٧٧ الاعتداء فى الدعاء على ضروب ١٨٠ طلب الله الإحسان فى كل شىء ١٨١ أسماء الرياح لدى العرب ١٨٤ الحياة فى عرف العرب ولدى علماء الطبيعة ١٩٩ استدل العلماء على نظام مناوبات الري بقوله تعالى: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ٢٠١ أسباب رجفة قوم صالح ٢٠٢ نادى النبي ﷺ بعض قتلى قريش ببدر بعد دفنهم فى القليب ٢٠٤ ما فعله قوم لوط لم يفعله أخس أنواع الحيوان ٢٠٦ الفسق والفجور يفسدان أخلاق الأمم ٢٠٧ السبب فى تحريم فاحشة قوم لوط ٢١٢ نهى شعيب قومه عن ثلاثة أشياء ٢١٢ حكم الله بين عباده ضربان
216
الجزء التاسع
[تتمة سورة الأعراف]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
المعنى الجملي
هذه الآيات من تتمة قصص شعيب ذكر فيها جواب الملإ من قومه عما أمرهم به:
من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد فى الأرض، وعما ختم به حديثه من التهديد والإنذار بقوله: فاصبروا حتى يحكم الله بيننا.
وتولى الرد عليه أشراف قومه كما هو الشأن فى بحث كبريات المسائل ومهامّ الأمور.
[تتمة سورة الأعراف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
المعنى الجملي
هذه الآيات من تتمة قصص شعيب ذكر فيها جواب الملإ من قومه عما أمرهم به:
من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد فى الأرض، وعما ختم به حديثه من التهديد والإنذار بقوله: فاصبروا حتى يحكم الله بيننا.
وتولى الرد عليه أشراف قومه كما هو الشأن فى بحث كبريات المسائل ومهامّ الأمور.
3
الإيضاح
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أي قال أشراف قومه الذين استكبروا عن الإيمان وعن اتباع ما أمرهم به وما نهاهم عنه: قسما لنخرجنك يا شعيب أنت ومن آمن معك- من بلادنا كلها- بغضا لكم ودفعا لفتنتكم، أو لترجعن إلى ديننا ومعتقداتنا التي ورثناها عن آبائنا، وتدخلنّ فى زمرتنا وتندمجنّ فى غمارنا.
والخلاصة- ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم من البلاد، أو عودتكم فى الملة، فاختاروا لأنفسكم ما ترونه أرفق بكم وأوفق لكم.
وشعيب عليه السلام لم يكن قبل النبوة على ملة أخرى غير ملة قومه، فساغ لهم أن يطالبوه بالعود إلى ملتهم، وكونه لم يشاركهم فى شركهم ولا بخس الناس أشياءهم- أمر سلبى لا يعدّه به جمهورهم خروجا عنهم- فلا منافاة بين هذا وعصمة الأنبياء عن الكفر.
(قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) أي أتأمروننا أن نعود فى ملتكم وتهدوننا بالنفي من أوطاننا، والإخراج من ديارنا إن لم نفعل ولو كنا كارهين لكل من الأمرين؟.
إنكم لقد جهلتم أن الدين عقيدة وأعمال يتقرّب بها إلى الله الذي شرعها لتكميل الفطرة البشرية، كما جهلتم أن حب الوطن لا يبلغ منزلة حب الدين لدىّ ولدي قومى، فظنتم فىّ وفيمن آمن معى أننا نؤثر التمتع بالإقامة فى الوطن، على مرضاة الله بالتوحيد المطهّر من أدران الخرافات، وبالفضائل المهذبة للنفوس والمرقّية لها فى معارج الكمال حتى تتم لنا سعادة الدنيا والآخرة.
فللدين منزلة فى النفوس لا تسمو إليها منزلة أخرى، فإن تمكن صاحبه من إقامته فى وطنه وإصلاح أهله به فهم أحق به، وإن فتن فى دينه فيه كان تركه واجبا عليه،
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أي قال أشراف قومه الذين استكبروا عن الإيمان وعن اتباع ما أمرهم به وما نهاهم عنه: قسما لنخرجنك يا شعيب أنت ومن آمن معك- من بلادنا كلها- بغضا لكم ودفعا لفتنتكم، أو لترجعن إلى ديننا ومعتقداتنا التي ورثناها عن آبائنا، وتدخلنّ فى زمرتنا وتندمجنّ فى غمارنا.
والخلاصة- ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم من البلاد، أو عودتكم فى الملة، فاختاروا لأنفسكم ما ترونه أرفق بكم وأوفق لكم.
وشعيب عليه السلام لم يكن قبل النبوة على ملة أخرى غير ملة قومه، فساغ لهم أن يطالبوه بالعود إلى ملتهم، وكونه لم يشاركهم فى شركهم ولا بخس الناس أشياءهم- أمر سلبى لا يعدّه به جمهورهم خروجا عنهم- فلا منافاة بين هذا وعصمة الأنبياء عن الكفر.
(قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) أي أتأمروننا أن نعود فى ملتكم وتهدوننا بالنفي من أوطاننا، والإخراج من ديارنا إن لم نفعل ولو كنا كارهين لكل من الأمرين؟.
إنكم لقد جهلتم أن الدين عقيدة وأعمال يتقرّب بها إلى الله الذي شرعها لتكميل الفطرة البشرية، كما جهلتم أن حب الوطن لا يبلغ منزلة حب الدين لدىّ ولدي قومى، فظنتم فىّ وفيمن آمن معى أننا نؤثر التمتع بالإقامة فى الوطن، على مرضاة الله بالتوحيد المطهّر من أدران الخرافات، وبالفضائل المهذبة للنفوس والمرقّية لها فى معارج الكمال حتى تتم لنا سعادة الدنيا والآخرة.
فللدين منزلة فى النفوس لا تسمو إليها منزلة أخرى، فإن تمكن صاحبه من إقامته فى وطنه وإصلاح أهله به فهم أحق به، وإن فتن فى دينه فيه كان تركه واجبا عليه،
4
فإن لم يخرج منه شعيب ومن آمن معه إخراجا وهم كارهون، كما أخرج خاتم النبيين مع صحبه السابقين الأولين إلى الإسلام- خرجوا مهاجرين كما فعل إبراهيم عليه السلام- كما حكى الله عنه: «وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
وقد أوجب الله الهجرة على من يستضعف فى وطنه، فيمنع من إقامة دينه فيه، فإن لم يفعل ذلك دخل تحت وعيد قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ- قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً».
ثم بين أحق الأمرين بالرفض وأجدرهما بالبغض متعجبا من كلامهم فقال:
(قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) أي ما أعظم افتراءنا على الله إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم.
وإذا كان اتباع ملتكم يعدّ افتراء على الله، لأنه قول عليه لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل، فكيف بمن يفترى عليه ويضل عن صراطه على علم؟، فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر، والافتراء على الله فيه أفظع ضروب الافتراء التي لا تقبل فيها الأعذار بحال.
وفى قوله إذ نجانا أي نجا أصحابى منها فهو تغليب بإدخاله فى زمرتهم، أو نجانى من الانتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أو من بعقيدتها ولا أعمل بعمل أهلها، ولم أهتد بعقلي ورأيى إلى ملة خير منها فوقفت موقف الحيرة فى شأنها، كما جاء فى خطاب النبي ﷺ قوله: «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» وقوله: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
وقد أوجب الله الهجرة على من يستضعف فى وطنه، فيمنع من إقامة دينه فيه، فإن لم يفعل ذلك دخل تحت وعيد قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ- قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً».
ثم بين أحق الأمرين بالرفض وأجدرهما بالبغض متعجبا من كلامهم فقال:
(قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) أي ما أعظم افتراءنا على الله إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم.
وإذا كان اتباع ملتكم يعدّ افتراء على الله، لأنه قول عليه لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل، فكيف بمن يفترى عليه ويضل عن صراطه على علم؟، فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر، والافتراء على الله فيه أفظع ضروب الافتراء التي لا تقبل فيها الأعذار بحال.
وفى قوله إذ نجانا أي نجا أصحابى منها فهو تغليب بإدخاله فى زمرتهم، أو نجانى من الانتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أو من بعقيدتها ولا أعمل بعمل أهلها، ولم أهتد بعقلي ورأيى إلى ملة خير منها فوقفت موقف الحيرة فى شأنها، كما جاء فى خطاب النبي ﷺ قوله: «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» وقوله: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
5
رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا».
(وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) يقولون ما يكون لى أن أفعل كذا على معنى أنه غير مستطاع لى ولا جار على السنن المعقولة.
أي ليس من شأننا أن نعود فيها فى حال من الأحوال إلا حال مشيئة ربنا المتصرف فى جميع شئوننا، فهو وحده القادر على ذلك، لا أنتم ولا نحن، لأنا موقنون بأن ملتكم باطلة، وملتنا هى الحق التي بها صلاح حال البشر وعمران الأرض.
وهذه الجملة رفضن آخر للعود إلى ملتهم مؤكد أبلغ التأكيد، مؤيس لهم من عودته ومن آمن معه إلى ملتهم، فبعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم نفاه نفيا مؤكدا بأنه ليس من شأنهم ولا يجىء من قبلهم بحال من الأحوال كالترغيب والترهيب بالرجاء فى المنافع والخوف من المضار كالإخراج من الديار، إلا حالا واحدة وهى مشيئة الله ومشيئته تجرى بحسب علمه وحكمته فى خلقه، وسنته فى خلقه أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل ما داموا ناصرين له وقائمين بما هداهم إليه منه.
وخلاصة ذلك- لا تطمعوا أن يشاء ربنا الحفىّ بنا عودتنا فى ملتكم بعد إذ نجانا منها بفضله، فما كان الله ليدحض حجته ويغيّر سنته.
(وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة، ومشيئته تجرى على موجب الحكمة، فكل ما يقع فهو مشتمل عليها، وفى هذا إيماء إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ».
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) أي إلى الله وحده وكلنا أمورنا مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا من الحفاظ على شرعه ودينه، فهو الذي يكفينا تهديدكم وما ليس فى استطاعتنا من جهادكم: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» إذ من شروط التوكل الصحيح القيام بالأحكام الشرعية ومراعاة السنن الكونية والاجتماعية، فمن يترك العمل بالأسباب فهو الجاهل المغرور لا المتوكل المأجور، كيف
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
(وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) يقولون ما يكون لى أن أفعل كذا على معنى أنه غير مستطاع لى ولا جار على السنن المعقولة.
أي ليس من شأننا أن نعود فيها فى حال من الأحوال إلا حال مشيئة ربنا المتصرف فى جميع شئوننا، فهو وحده القادر على ذلك، لا أنتم ولا نحن، لأنا موقنون بأن ملتكم باطلة، وملتنا هى الحق التي بها صلاح حال البشر وعمران الأرض.
وهذه الجملة رفضن آخر للعود إلى ملتهم مؤكد أبلغ التأكيد، مؤيس لهم من عودته ومن آمن معه إلى ملتهم، فبعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم نفاه نفيا مؤكدا بأنه ليس من شأنهم ولا يجىء من قبلهم بحال من الأحوال كالترغيب والترهيب بالرجاء فى المنافع والخوف من المضار كالإخراج من الديار، إلا حالا واحدة وهى مشيئة الله ومشيئته تجرى بحسب علمه وحكمته فى خلقه، وسنته فى خلقه أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل ما داموا ناصرين له وقائمين بما هداهم إليه منه.
وخلاصة ذلك- لا تطمعوا أن يشاء ربنا الحفىّ بنا عودتنا فى ملتكم بعد إذ نجانا منها بفضله، فما كان الله ليدحض حجته ويغيّر سنته.
(وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة، ومشيئته تجرى على موجب الحكمة، فكل ما يقع فهو مشتمل عليها، وفى هذا إيماء إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ».
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) أي إلى الله وحده وكلنا أمورنا مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا من الحفاظ على شرعه ودينه، فهو الذي يكفينا تهديدكم وما ليس فى استطاعتنا من جهادكم: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» إذ من شروط التوكل الصحيح القيام بالأحكام الشرعية ومراعاة السنن الكونية والاجتماعية، فمن يترك العمل بالأسباب فهو الجاهل المغرور لا المتوكل المأجور، كيف
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
6
لمن سأله أيترك ناقته سائبة ويتوكل على الله؟ «اعقلها وتوكل» رواه الترمذي،
وقال تعالى مخاطبا رسوله بعد أن أمره بمشورة أصحابه فى غزوة أحد: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» وإنما يكون العزم بعد الأخذ بالأسباب فقد لبس من يومئذ درعين وأعدّ العدة لقتال أعدائه، ورتب الجيوش بحسب القوانين المعروفة فى ذلك العصر.
وخلاصة رد شعيب على الملأ من قومه- إنه عجب من تهديدهم وإنذارهم، وأقام الأدلة على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم، وعدم استطاعة أحد إجبارهم عليه غير الله الفعال لما يريد. ثم ثنى بذكر توكله على الله الذي يكفى من توكل عليه ما أهمّه مما هو فوق كسبه واختياره، ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون مرجو الإجابة إلا بعد القيام بعمل ما فى الطاقة من الأعمال الكسبية مع التوكل على الله فقال:
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) الفتح إزالة الأغلاق والأشكال، وهو قسمان: حسى يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي، ومعنوى يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم والنصر فى وقائع الحرب والمبهم من قضايا الحكم، ويقال فتح الله عليه إذا جدّ وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه: نصره، وفتح الحاكم بينهم وما أحسن فتاحته أي حكمه كما قال شاعرهم:
ويقال بينهم فتاحات أي خصومات، وولى الفتاحة أي القضاء، وعن ابن عباس:
ما كنت أدرى ما قوله تعالى: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا» حتى سمعت بنت ذى يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك، وقالت أعرابية لزوجها: بينى وبينك الفتاح.
والمعنى- ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك فى التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين المحقين والمبطلين، وأنت خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم، وتنزهك عن اتباع الظلم، واتباع الهوى فى الحكم.
وقال تعالى مخاطبا رسوله بعد أن أمره بمشورة أصحابه فى غزوة أحد: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» وإنما يكون العزم بعد الأخذ بالأسباب فقد لبس من يومئذ درعين وأعدّ العدة لقتال أعدائه، ورتب الجيوش بحسب القوانين المعروفة فى ذلك العصر.
وخلاصة رد شعيب على الملأ من قومه- إنه عجب من تهديدهم وإنذارهم، وأقام الأدلة على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم، وعدم استطاعة أحد إجبارهم عليه غير الله الفعال لما يريد. ثم ثنى بذكر توكله على الله الذي يكفى من توكل عليه ما أهمّه مما هو فوق كسبه واختياره، ثم ثلث بالدعاء الذي لا يكون مرجو الإجابة إلا بعد القيام بعمل ما فى الطاقة من الأعمال الكسبية مع التوكل على الله فقال:
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) الفتح إزالة الأغلاق والأشكال، وهو قسمان: حسى يدرك بالبصر كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي، ومعنوى يدرك بالبصيرة كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم والنصر فى وقائع الحرب والمبهم من قضايا الحكم، ويقال فتح الله عليه إذا جدّ وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه: نصره، وفتح الحاكم بينهم وما أحسن فتاحته أي حكمه كما قال شاعرهم:
| ألا أبلغ بنى وهب رسولا | بأنى عن فتاحتهم غنىّ |
ما كنت أدرى ما قوله تعالى: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا» حتى سمعت بنت ذى يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك، وقالت أعرابية لزوجها: بينى وبينك الفتاح.
والمعنى- ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك فى التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين المحقين والمبطلين، وأنت خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم، وتنزهك عن اتباع الظلم، واتباع الهوى فى الحكم.
7
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٣]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)تفسير المفردات
الرجف: الحركة والاضطراب، والمراد بها الزلزلة، ومنه: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ» وغنى بالمكان يغنى: كرضى يرضى، إذا نزل به وأقام فيه، والأسى:
شدة الحزن.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه جواب الملأ من قوم شعيب وطلبهم منه العود إلى ملتهم وبين يأسهم منه بما كان من جوابه لهم الدال على ثباته فى مقارعتهم وأنه دائب النصح والتذكير لهم، علّهم يرعون عن غيّهم.
ذكر هنا أنهم حذّروا من آمن منهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، إذ سيلحقهم الخسار فى دينهم والخسار فى دنياهم، لعل ذلك يثنيهم عن عزيمتهم ويردّهم إلى الرشاد من أمرهم بحسب ما يزعمون، فكانت عاقبة ذلك أن أصبحوا كأمس الدابر وأصبحت ديارهم خرابا يبابا لا أنيس فيها ولا جليس.
الإيضاح
(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) أي وقال الكافرون من قوم شعيب وهم الملأ الذين جحدوا آيات الله وكذبوا رسوله وتمادوا
8
فى غيّهم لآخرين منهم: لئن اتبعتم شعيبا فيما يقول، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله وأقررتم بنبوته، إنكم إذا لخاسرون فى فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها مقيمون، إلى دينه الذي يدعوكم إليه.
وعمموا الخسران ليشمل خسران الشرف والمجد إذ بإيثاركم ملته على ملة آبائكم وأجدادكم تعترفون بأنهم كانوا ضالين ومعذّبين عند الله وخسران الثروة والربح بما تحترفونه من تطفيف الكيل والميزان وبخس الغرباء أشياءهم لابتزاز أموالهم.
ووصف الملأ- أولا بالاستكبار- لأنه هو الذي جرأهم على تهديده وإنذاره بالإخراج من القرية وإشعاره بأنهم أرباب السلطان فيها، وثانيا: بالكفر لأنه هو الحامل على الإغواء وصدهم عن الإيمان والأخذ بما جاء به، ثم عللوا لهم صدهم بأن فى ذلك لهم مصلحة أيّما مصلحة وفائدة أيّما فائدة.
والخلاصة- إنه تعالى وصفهم أولا بالضلال ثم وصفهم ثانيا بالإغواء والإضلال ثم ذكر عاقبة أمرهم وما أصابهم من نكال فقال:
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) أي فأخذتهم الزلزلة فأصبحوا فى دارهم منكبّين على وجوههم ميتين، وقد عبر عنه هنا بالرّجفة، وفى هود بالصيحة كعذاب ثمود، وستعلم هناك وجه الجمع بينهما.
وقد بيّن سبحانه فى سورة الشعراء أن الله أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة وهم إخوة مدين فى النسب، أخرج ابن عساكر عن ابن عباس فى قوله: «كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ» قال كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر ومدين- وفى ذلك دليل على أن الله أرسله إلى أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر، وأن حال الفريقين فى الكفر والمعاصي كانت واحدة، وكان ينذرهم متنقلا بينهم.
وكان عذاب مدين بالصيحة والرّجفة المصاحبة لها، وعذاب أصحاب الأيكة بالسّموم والحر الشديد وقد انتهى ذلك بظلة من السحاب فزعوا إليها ينبردون بظلها فأطبقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون.
وعمموا الخسران ليشمل خسران الشرف والمجد إذ بإيثاركم ملته على ملة آبائكم وأجدادكم تعترفون بأنهم كانوا ضالين ومعذّبين عند الله وخسران الثروة والربح بما تحترفونه من تطفيف الكيل والميزان وبخس الغرباء أشياءهم لابتزاز أموالهم.
ووصف الملأ- أولا بالاستكبار- لأنه هو الذي جرأهم على تهديده وإنذاره بالإخراج من القرية وإشعاره بأنهم أرباب السلطان فيها، وثانيا: بالكفر لأنه هو الحامل على الإغواء وصدهم عن الإيمان والأخذ بما جاء به، ثم عللوا لهم صدهم بأن فى ذلك لهم مصلحة أيّما مصلحة وفائدة أيّما فائدة.
والخلاصة- إنه تعالى وصفهم أولا بالضلال ثم وصفهم ثانيا بالإغواء والإضلال ثم ذكر عاقبة أمرهم وما أصابهم من نكال فقال:
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) أي فأخذتهم الزلزلة فأصبحوا فى دارهم منكبّين على وجوههم ميتين، وقد عبر عنه هنا بالرّجفة، وفى هود بالصيحة كعذاب ثمود، وستعلم هناك وجه الجمع بينهما.
وقد بيّن سبحانه فى سورة الشعراء أن الله أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة وهم إخوة مدين فى النسب، أخرج ابن عساكر عن ابن عباس فى قوله: «كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ» قال كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر ومدين- وفى ذلك دليل على أن الله أرسله إلى أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر، وأن حال الفريقين فى الكفر والمعاصي كانت واحدة، وكان ينذرهم متنقلا بينهم.
وكان عذاب مدين بالصيحة والرّجفة المصاحبة لها، وعذاب أصحاب الأيكة بالسّموم والحر الشديد وقد انتهى ذلك بظلة من السحاب فزعوا إليها ينبردون بظلها فأطبقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون.
9
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) جاءت هذه الجملة بيانا من الله لما انتهى إليه أمرهم وكيف كانت عاقبة عملهم فكأن سائلا سأل عما آل إليه تهديدهم لشعيب وقومه بقولهم: «لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا» وقولهم لقومهم: «لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» فأجاب عن الأول جوابا مناقضا له بقوله: الذين كذبوا شعيبا إلخ. أي الذين كذبوا شعيبا وأنذروه بالإخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم فحرموها كأن لم يقيموا ولم يعيشوا فيها بحال، وأجاب عن الثاني بقوله: الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين: أي الذين كذبوا وزعموا أن من يتبعه يكون خاسرا- كانوا هم الخاسرين لما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة، دون الذين اتبعوه فإنهم كانوا هم الفائزين المفلحين.
وفى الآية إيماء إلى أن الحريص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق تكون عاقبته الحرمان الأبدى منه، كما أن الحريص على الربح بأكل أموال الناس بالباطل ينتهى بالحرمان منه ومن غيره.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي فأدبر شعيب عنهم وخرج من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، وقال حزنا عليهم: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم. وقد تقدم مثل هذا فى قصة صالح، وقد اتحد إعذار الرسولين لاتحاد حال القومين.
(فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) أي فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم بعد أن أعذرت إليهم وبذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم فاختاروا ما فيه هلاكهم، وإنما يأسى من قصّر فيما يجب عليه من النصح والإنذار.
وفى الآية إيماء إلى أن الحريص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق تكون عاقبته الحرمان الأبدى منه، كما أن الحريص على الربح بأكل أموال الناس بالباطل ينتهى بالحرمان منه ومن غيره.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي فأدبر شعيب عنهم وخرج من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، وقال حزنا عليهم: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم. وقد تقدم مثل هذا فى قصة صالح، وقد اتحد إعذار الرسولين لاتحاد حال القومين.
(فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) أي فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم بعد أن أعذرت إليهم وبذلت جهدى فى سبيل هدايتهم ونجاتهم فاختاروا ما فيه هلاكهم، وإنما يأسى من قصّر فيما يجب عليه من النصح والإنذار.
10
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٥]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)تفسير المفردات
القرية: المدنية الجامعة لزعماء الأمة ورؤسائها (العاصمة) والبأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر، والضراء: ما يضر الإنسان فى بدنه أو نفسه أو معيشته، والأخذ بها: جعلها عقابا لهم، والتضرع: إظهار الضراعة أي الضعف والخضوع، وعفوا: كثروا ونموا، من قولك: عفا النبات والشعر إذا كثر، وبغتة: فجأة.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه حال الأمم السابقة مع أنبيائها وبين ما فى قصصهم من العظة والعبرة فقد كانت العاقبة فى كل حال للمتقين، والدائرة تدور على المبطلين.
أشار هنا إلى سنة الله فى الأمم التي تكذب رسلها أن ينزل بها البؤس وشظف العيش وسوء الحال فى دنياهم ليتضرعوا إلى ربهم وينيبوا إليه بالإقلاع عن كفرهم والتوبة من تكذيب أنبيائهم، وفى هذا من التحذير لقريش والتخويف لهم ما لا يخفى.
ثم ذكر أنه بدل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا، لكنهم لم يفعلوا فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
الإيضاح
(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أي إن سنتنا قد جرت (ولا مبدل لها) أننا إذا أرسلنا نبيّا فى قوم وكذبوه أنزلنا بهم الشدائد والمصائب لنعدّهم ونؤهلهم للتضرع والإخلاص فى دعائنا بكشفها، وقد ثبت بالتجارب لدى علماء الأخلاق أن الشدائد تربى الناس وتصلح فساد أحوالهم،
11
فالمؤمن قد يشغله هناء العيش عن حاجته إلى ربه، لكن الشدائد تذكره به، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها له بفقدها، وتنبهه الشدائد والأهوال إلى وجود الرّب الخالق المدبر لأمور الخلق وتذكره الأهوال بمصدر هذا النظام فى الكون.
(ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي ثم أعطينا بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، الرخاء والسعة.
(حَتَّى عَفَوْا) أي حتى كثر عددهم ونموا، إذ أن الرخاء مما يكون سببا فى كثرة النسل وبه تتم النعمة فى الدنيا على الموسرين، ومن هذه الحسنات ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها وذكرهم هود بها فى قوله: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» وكذا ما قاله صالح لقومه: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي وقالوا قولا يدل على أنهم لا يعتبرون بأحداث الزمان. قالوا قدمس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وما نحن إلا مثلهم فيصيبنا مثل ما أصابهم، والدهر بالناس قلّب. وتلك عادة الدهر بأبنائه، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب.
وخلاصة هذا- إنهم لم يفهموا السنن التي وضعها المولى سبحانه فى أسباب السعادة والشقاء فى البشر والتي أرشد إليها قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ومن ثم لم يتذكروا ولم يعتبروا حين ذكرهم رسولهم، بل أعرضوا ونأوا.
(فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم، إذ هم قد جهلوا سنن الله التي وضعها فى شئون
(ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي ثم أعطينا بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، الرخاء والسعة.
(حَتَّى عَفَوْا) أي حتى كثر عددهم ونموا، إذ أن الرخاء مما يكون سببا فى كثرة النسل وبه تتم النعمة فى الدنيا على الموسرين، ومن هذه الحسنات ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها وذكرهم هود بها فى قوله: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» وكذا ما قاله صالح لقومه: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» (وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي وقالوا قولا يدل على أنهم لا يعتبرون بأحداث الزمان. قالوا قدمس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وما نحن إلا مثلهم فيصيبنا مثل ما أصابهم، والدهر بالناس قلّب. وتلك عادة الدهر بأبنائه، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب.
وخلاصة هذا- إنهم لم يفهموا السنن التي وضعها المولى سبحانه فى أسباب السعادة والشقاء فى البشر والتي أرشد إليها قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ومن ثم لم يتذكروا ولم يعتبروا حين ذكرهم رسولهم، بل أعرضوا ونأوا.
(فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم، إذ هم قد جهلوا سنن الله التي وضعها فى شئون
12
الاجتماع، فلاهم اهتدوا إليها بعقولهم، ولا هم صدقوا الرسل فيما أنذروهم به، وجاء بمعنى الآية قوله تعالى فى سورة الأنعام: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ».
فالكافرون إذا مسهم الشر يئسوا وابتأسوا، وإذا مسهم الخير بطروا واستكبروا وبغوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، والمؤمنون بالله وما جاء به رسله تكون الشدائد والمصايب تربية لهم وتمحيصا.
ولما ترك المسلمون هدى القرآن فى حكوماتهم ومصالحهم العامة، فى أعمال الأفراد سلبهم الله ما أعطاهم من أنواع العلم والحكمة واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، فاتبعوا أهل الكتاب فى خرافاتهم وحفلهم وتقليد آبائهم وأجدادهم وطلب النفع والضر من دجّالى الأحياء وقبور الأموات، فغشيهم الجهل، والنابتة منهم قلدوا الإفرنج فى الفسق والفجور وشر ما وصلوا إليه فى طور فساد حضارتهم وقلدوهم حتى فيما لا يوافق أحوالهم وبلادهم ومصالحهم.
وهكذا ضلت الفئتان عن هدى القرآن، وأضاعتا ما بقي من ملك الإسلام.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٦ الى ١٠٠]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
فالكافرون إذا مسهم الشر يئسوا وابتأسوا، وإذا مسهم الخير بطروا واستكبروا وبغوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، والمؤمنون بالله وما جاء به رسله تكون الشدائد والمصايب تربية لهم وتمحيصا.
ولما ترك المسلمون هدى القرآن فى حكوماتهم ومصالحهم العامة، فى أعمال الأفراد سلبهم الله ما أعطاهم من أنواع العلم والحكمة واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، فاتبعوا أهل الكتاب فى خرافاتهم وحفلهم وتقليد آبائهم وأجدادهم وطلب النفع والضر من دجّالى الأحياء وقبور الأموات، فغشيهم الجهل، والنابتة منهم قلدوا الإفرنج فى الفسق والفجور وشر ما وصلوا إليه فى طور فساد حضارتهم وقلدوهم حتى فيما لا يوافق أحوالهم وبلادهم ومصالحهم.
وهكذا ضلت الفئتان عن هدى القرآن، وأضاعتا ما بقي من ملك الإسلام.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٦ الى ١٠٠]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
13
تفسير المفردات
بركات السماء: تشمل معارف الوحى العقلية ونفحات الإلهام الربانية، والمطر ونحوه مما يوجب الخصب والخير فى الأرض، وبركات الأرض: الخصب والمعادن ونحوهما، والبأس: العذاب وبياتا: أي وقت بيات وهو الليل، والضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار ويسمى به الوقت، ويلعبون: أي يلهون من فرط غفلتهم، المكر: التدبير الخفي الذي يفضى بالممكور به إلى ما لا يحتسب، وهداه السبيل وهداه إليه وهداه له: أي دلّه عليه وبيّنه له.
المعنى الجملي
بعد أن بين عز اسمه أخذه لأهل القرى الذين كذبوا رسلهم، وكفروا بما جاءوا به وظلموا أنفسهم وظلموا الناس بما افتنّوا فيه من أفانين الشرك والمعاصي كما حكى الله فى محاورتهم لرسلهم وإجابة الرسل لهم بما سلف ذكره.
ذكر هنا لأهل مكة ولسائر الناس ما كان يكون من إغداق نعمه تعالى عليهم لو آمنوا بالرسل واهتدوا بهديهم واعتبروا بسنة الله فى الأمم من قبلهم، فإن سنته تعالى فى الأمم واحدة لا تبديل فيها ولا تحويل.
الإيضاح
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي ولو أن أهل مكة ومن حولهم من أهل القرى آمنوا بما دعاهم إليه خاتم الرسل صلوات الله عليه من عبادته تعالى وحده واتّقوا ما نهاهم عنه من الشرك والفساد فى الأرض بارتكاب الفواحش والآثام- لفتحنا عليهم أنواعا من بركات السماء والأرض لم يعهدوها من قبل، فتكون لهم أبواب نعم وبركات غير التي عهدوا فى صفاتها ونمائها وثباتها وأثرها فيهم، فأنزلنا عليهم الأمطار النافعة التي تخصب الأرض وتكسب
بركات السماء: تشمل معارف الوحى العقلية ونفحات الإلهام الربانية، والمطر ونحوه مما يوجب الخصب والخير فى الأرض، وبركات الأرض: الخصب والمعادن ونحوهما، والبأس: العذاب وبياتا: أي وقت بيات وهو الليل، والضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار ويسمى به الوقت، ويلعبون: أي يلهون من فرط غفلتهم، المكر: التدبير الخفي الذي يفضى بالممكور به إلى ما لا يحتسب، وهداه السبيل وهداه إليه وهداه له: أي دلّه عليه وبيّنه له.
المعنى الجملي
بعد أن بين عز اسمه أخذه لأهل القرى الذين كذبوا رسلهم، وكفروا بما جاءوا به وظلموا أنفسهم وظلموا الناس بما افتنّوا فيه من أفانين الشرك والمعاصي كما حكى الله فى محاورتهم لرسلهم وإجابة الرسل لهم بما سلف ذكره.
ذكر هنا لأهل مكة ولسائر الناس ما كان يكون من إغداق نعمه تعالى عليهم لو آمنوا بالرسل واهتدوا بهديهم واعتبروا بسنة الله فى الأمم من قبلهم، فإن سنته تعالى فى الأمم واحدة لا تبديل فيها ولا تحويل.
الإيضاح
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي ولو أن أهل مكة ومن حولهم من أهل القرى آمنوا بما دعاهم إليه خاتم الرسل صلوات الله عليه من عبادته تعالى وحده واتّقوا ما نهاهم عنه من الشرك والفساد فى الأرض بارتكاب الفواحش والآثام- لفتحنا عليهم أنواعا من بركات السماء والأرض لم يعهدوها من قبل، فتكون لهم أبواب نعم وبركات غير التي عهدوا فى صفاتها ونمائها وثباتها وأثرها فيهم، فأنزلنا عليهم الأمطار النافعة التي تخصب الأرض وتكسب
14
البلاد رفاهية العيش، وآتيناهم من العلوم والمعارف وفهم سنن الكون ما لم يصل إلى مثله البشر من قبل.
والخلاصة- إنهم لو آمنوا لو سعنا عليهم الخير من كل جانب ويسرناه لهم بدل لما أصابهم من عقوبات بعضها من السماء وبعضها من الأرض.
والقاعدة التي أقرها القرآن الكريم أن الإيمان الصحيح ودين الحق سبب فى سعادة الدنيا، ويشارك المؤمنين فى المادي منها الكفار كما قال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» أي إن ذلك الفتح كان ابتلاء واختبارا لحالهم، وكان من أثره فيهم البطر والأشر بدلا من الشكر لمولى النعم فكان نقمة لا نعمة، وفتنة لا بركة، ولكن المؤمنين إذا فتح الله عليهم كان أثره فيهم شكر الله عليه والاغتباط بفضله واستعماله فى سبيل الخير دون الشر وفى الإصلاح دون الإفساد، ويكون جزاؤهم على ذلك زيادة النعم فى الدنيا وحسن الثواب عليها فى الآخرة.
(وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا فأخذناهم بما كانوا يعملون من أعمال الشرك والمعاصي التي تفسد نظم المجتمع البشرى.
وذلك الأخذ بالشدة أثر لازم لكسبهم المعاصي بحسب السنن التي وضعها المولى فى الكون ويكون فيه العبرة لأمثالهم إن كانوا يعقلون هذه النواميس العامة التي لا نبديل فيها ولا تغيير.
ثم عجب من حالهم وذكر من غفلتهم فقال:
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ؟) أي أجهل أهل مكة وغيرهم من أهل القرى الذين بلغتهم الدعوة والذين ستبلغهم ما نزل بمن قبلهم وغرّهم ما هم فيه من نعمة فأمنوا أن يأتيهم عذابنا وقت بياتهم وهم نائمون؟.
والخلاصة- إنهم لو آمنوا لو سعنا عليهم الخير من كل جانب ويسرناه لهم بدل لما أصابهم من عقوبات بعضها من السماء وبعضها من الأرض.
والقاعدة التي أقرها القرآن الكريم أن الإيمان الصحيح ودين الحق سبب فى سعادة الدنيا، ويشارك المؤمنين فى المادي منها الكفار كما قال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» أي إن ذلك الفتح كان ابتلاء واختبارا لحالهم، وكان من أثره فيهم البطر والأشر بدلا من الشكر لمولى النعم فكان نقمة لا نعمة، وفتنة لا بركة، ولكن المؤمنين إذا فتح الله عليهم كان أثره فيهم شكر الله عليه والاغتباط بفضله واستعماله فى سبيل الخير دون الشر وفى الإصلاح دون الإفساد، ويكون جزاؤهم على ذلك زيادة النعم فى الدنيا وحسن الثواب عليها فى الآخرة.
(وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا فأخذناهم بما كانوا يعملون من أعمال الشرك والمعاصي التي تفسد نظم المجتمع البشرى.
وذلك الأخذ بالشدة أثر لازم لكسبهم المعاصي بحسب السنن التي وضعها المولى فى الكون ويكون فيه العبرة لأمثالهم إن كانوا يعقلون هذه النواميس العامة التي لا نبديل فيها ولا تغيير.
ثم عجب من حالهم وذكر من غفلتهم فقال:
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ؟) أي أجهل أهل مكة وغيرهم من أهل القرى الذين بلغتهم الدعوة والذين ستبلغهم ما نزل بمن قبلهم وغرّهم ما هم فيه من نعمة فأمنوا أن يأتيهم عذابنا وقت بياتهم وهم نائمون؟.
15
(أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ؟) أي أو أمن أهل القرى أن يأتيهم عذابنا فى وقت الضحى وهم منهمكون فى أعمالهم التي كأنها لعب أطفال لعدم الفائدة التي تترتب عليها.
والخلاصة- إنه تعالى خوّفهم نزول العذاب بهم فى أوقات الغفلات، إما حين النوم وإما وقت الضحى، إذ يكثر فيه تشاغل الناس باللذات.
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ؟) أي أكان سبب أمنهم إتيان بأسنا بياتا أو ضحى وهم غافلون عن مكر الله بهم بإتيانهم ببأسنا من حيث لا يحتسبون ولا يقدرون؟ إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وإذا كانت الآية ناطقة بأن أمن الصالح المتعبد من مكر الله جهلا يورث الخسر فما بال من يأمن مكر الله وهو مسترسل فى معاصيه اتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته؟
وقد كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بقوله: «اللهم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبى على دينك».
وذكر سبحانه أن الراسخين فى العلم يدعونه فيقولون:
«رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً».
وكما أن الأمن من مكر الله خسران ومفسدة، فاليأس من رحمة الله كذلك فكلاهما مفسدة تتبعها مفاسد.
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ؟) أي أكان ما ذكر آنفا مجهولا لأهل القرى وأنه هو سنة الله ولم يتبين لأولئك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل أن شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقهم فهم خاضعون لمشيئتنا، فلو نشاء أن نعذبهم بسبب ذنوبهم لعذبناهم كما أصبنا أمثالهم ممن قبلهم بمثلها وأهلكناهم كما أهلكناهم، فإن لم نهلكهم بالعذاب نطبع على قلوبهم فلا يسمعون الحكم
والخلاصة- إنه تعالى خوّفهم نزول العذاب بهم فى أوقات الغفلات، إما حين النوم وإما وقت الضحى، إذ يكثر فيه تشاغل الناس باللذات.
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ؟) أي أكان سبب أمنهم إتيان بأسنا بياتا أو ضحى وهم غافلون عن مكر الله بهم بإتيانهم ببأسنا من حيث لا يحتسبون ولا يقدرون؟ إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وإذا كانت الآية ناطقة بأن أمن الصالح المتعبد من مكر الله جهلا يورث الخسر فما بال من يأمن مكر الله وهو مسترسل فى معاصيه اتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته؟
وقد كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بقوله: «اللهم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبى على دينك».
وذكر سبحانه أن الراسخين فى العلم يدعونه فيقولون:
«رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً».
وكما أن الأمن من مكر الله خسران ومفسدة، فاليأس من رحمة الله كذلك فكلاهما مفسدة تتبعها مفاسد.
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ؟) أي أكان ما ذكر آنفا مجهولا لأهل القرى وأنه هو سنة الله ولم يتبين لأولئك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل أن شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقهم فهم خاضعون لمشيئتنا، فلو نشاء أن نعذبهم بسبب ذنوبهم لعذبناهم كما أصبنا أمثالهم ممن قبلهم بمثلها وأهلكناهم كما أهلكناهم، فإن لم نهلكهم بالعذاب نطبع على قلوبهم فلا يسمعون الحكم
16
والنصائح سماع تفقه وتدبر «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» إذ أن قلوبهم فد ملئت بمعتقدات وشهوات تصرفها عن غيرها فجعلتهم من «بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً».
وقد كان فى مثل هذا القصص عبرة للمسلمين أيّما عبرة، فكتابهم يقصّ عليهم قصص الأمم قبلهم ويبين لهم أن ذنوب الأمم لا تغفر كذنوب الأفراد وسنته فيها لا تتبدل ولا تتحول فكان عليهم أن يتقوا كل ما قصه من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم وزالت بها الدّولة لأعدائهم، ولكنهم قصّروا فى وعظ الأمة بها وإنذارهم عاقبة الإعراض عنها وترك الإعراض عن تدبرها، وكان عليهم أن يعتبروا
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شيبّتنى هود وأخواتها»
وقوله تعالى: «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
تفسير المفردات
العهد: الوصية. والوصية تارة يراد بها إنشاؤها وإيجادها، وأخرى يراد بها ما يوصى به، ويقال عهدت إليه بكذا أي وصيته بفعله أو حفظه، وهو إما أن يكون بين طرفين وهو المعاهدة، وإما من طرف واحد بأن يعهد إليك بشىء أو تلزم بشىء، والميثاق: هو العهد الموثّق بضرب من ضروب التوكيد.
وقد كان فى مثل هذا القصص عبرة للمسلمين أيّما عبرة، فكتابهم يقصّ عليهم قصص الأمم قبلهم ويبين لهم أن ذنوب الأمم لا تغفر كذنوب الأفراد وسنته فيها لا تتبدل ولا تتحول فكان عليهم أن يتقوا كل ما قصه من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم وزالت بها الدّولة لأعدائهم، ولكنهم قصّروا فى وعظ الأمة بها وإنذارهم عاقبة الإعراض عنها وترك الإعراض عن تدبرها، وكان عليهم أن يعتبروا
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شيبّتنى هود وأخواتها»
وقوله تعالى: «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ».
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
تفسير المفردات
العهد: الوصية. والوصية تارة يراد بها إنشاؤها وإيجادها، وأخرى يراد بها ما يوصى به، ويقال عهدت إليه بكذا أي وصيته بفعله أو حفظه، وهو إما أن يكون بين طرفين وهو المعاهدة، وإما من طرف واحد بأن يعهد إليك بشىء أو تلزم بشىء، والميثاق: هو العهد الموثّق بضرب من ضروب التوكيد.
17
وقال الراغب: عهد الله تارة يكون بما ركزه فى عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به فى الكتاب وألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم فى أصل الشرع كالنذور وما يجرى مجراها اهـ.
والفسوق: الخروج عن كل عهد فطرى وشرعى بالنكث والغدر وغير ذلك من المعاصي، ووجدنا الأولى بمعنى: ألفينا. والثانية بمعنى: علمنا.
المعنى الجملي
هذا خطاب وجه إلى النبي ﷺ تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته بتذكيره بما فى قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من وجوه العبر والموعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم يدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم وطروق أرضهم فى حلهم وترحالهم فى رحلتى الشتاء والصيف.
الإيضاح
(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها) أي تلك القرى التي بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها وجهل قومك حقيقة حالها نقص عليك بعض أنبائها مما فيه العبرة لقومك ولك.
والمراد بها القرى المعهودة فى هذا القصص، والحكمة فى تخصيصها بالذكر أنها كانت فى بلاد العرب وما جاورها، وكان أهل مكة وغيرهم ممن وجّهت إليهم الدعوة أول الإسلام يتناقلون بعض أخبارها وهى جميعا طبعت على غرار واحد فى تكذيب الرسل والمماراة فيما جاءوا به من النذر فحل بهم النكال بعذاب الاستئصال، فالعبرة فى جميعها واحدة، ومن ثم فصلها من قصة موسى الآتية لأن قومه آمنوا به وإنما كذب فرعون وملؤه فعذبوا.
والفسوق: الخروج عن كل عهد فطرى وشرعى بالنكث والغدر وغير ذلك من المعاصي، ووجدنا الأولى بمعنى: ألفينا. والثانية بمعنى: علمنا.
المعنى الجملي
هذا خطاب وجه إلى النبي ﷺ تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته بتذكيره بما فى قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من وجوه العبر والموعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم يدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم وطروق أرضهم فى حلهم وترحالهم فى رحلتى الشتاء والصيف.
الإيضاح
(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها) أي تلك القرى التي بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها وجهل قومك حقيقة حالها نقص عليك بعض أنبائها مما فيه العبرة لقومك ولك.
والمراد بها القرى المعهودة فى هذا القصص، والحكمة فى تخصيصها بالذكر أنها كانت فى بلاد العرب وما جاورها، وكان أهل مكة وغيرهم ممن وجّهت إليهم الدعوة أول الإسلام يتناقلون بعض أخبارها وهى جميعا طبعت على غرار واحد فى تكذيب الرسل والمماراة فيما جاءوا به من النذر فحل بهم النكال بعذاب الاستئصال، فالعبرة فى جميعها واحدة، ومن ثم فصلها من قصة موسى الآتية لأن قومه آمنوا به وإنما كذب فرعون وملؤه فعذبوا.
18
(وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) أي ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم، فجاء كل رسوله قومه بما أعذر به إليهم، ولكن لم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجىء البينات بما كذبوا به من قبل مجيئها حين بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده بما شرعه وترك الشرك والمعاصي.
ذاك أن شأن المكذبين عنادا أو تقليدا أن يصروا على التكذيب بعد إقامة البينة، إذ لا قيمة لها فى نظرهم، فهم إما جاحدون معاندون ضلوا على علم، وإما مقلدون يأبون النظر والفهم.
وفى معنى الآية قوله فى سورة يونس: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ».
(كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) أي مثل ما ذكر من عناد هؤلاء وإصرارهم على الضلال وعدم تأثير الدلائل والبينات فى عقولهم يكون الطبع على قلوب من ران الكفر على قلوبهم وصار العناد ديدنهم سنة الله فى أخلاق البشر وأحوالهم، إذ هم يأنسون بالكفر وأعماله وتستحوذ أوهامه على عقولهم ويملأ حب الشهوات أفئدتهم فلا يقبلون بحثا ولا فيما هم عليه نقدا، فما مثلها إلا مثل السكة التي طبعت على طابع خاص أثناء صهر معدنها، وإذابته ثم جمدت فلا تقبل بعد ذلك نقضا ولا شكلا آخر.
وفى الآية تسلية للنبى ﷺ وإعلام له بأن أهل مكة قد وصلوا إلى حال من الجمود والعناد وفساد الفطرة وإهمال النظر والعقل لا تؤثر فيها البينات وإن وضحت، ولا الآيات وإن اقترحت.
وقد كانوا يقترحون عليه الآيات، وكان يتمنى أن يؤتيه الله ما اقترحوا منها حرصا
ذاك أن شأن المكذبين عنادا أو تقليدا أن يصروا على التكذيب بعد إقامة البينة، إذ لا قيمة لها فى نظرهم، فهم إما جاحدون معاندون ضلوا على علم، وإما مقلدون يأبون النظر والفهم.
وفى معنى الآية قوله فى سورة يونس: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ».
(كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) أي مثل ما ذكر من عناد هؤلاء وإصرارهم على الضلال وعدم تأثير الدلائل والبينات فى عقولهم يكون الطبع على قلوب من ران الكفر على قلوبهم وصار العناد ديدنهم سنة الله فى أخلاق البشر وأحوالهم، إذ هم يأنسون بالكفر وأعماله وتستحوذ أوهامه على عقولهم ويملأ حب الشهوات أفئدتهم فلا يقبلون بحثا ولا فيما هم عليه نقدا، فما مثلها إلا مثل السكة التي طبعت على طابع خاص أثناء صهر معدنها، وإذابته ثم جمدت فلا تقبل بعد ذلك نقضا ولا شكلا آخر.
وفى الآية تسلية للنبى ﷺ وإعلام له بأن أهل مكة قد وصلوا إلى حال من الجمود والعناد وفساد الفطرة وإهمال النظر والعقل لا تؤثر فيها البينات وإن وضحت، ولا الآيات وإن اقترحت.
وقد كانوا يقترحون عليه الآيات، وكان يتمنى أن يؤتيه الله ما اقترحوا منها حرصا
19
ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ
ﱦ
ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ
ﱧ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ
ﱨ
ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ
ﱩ
ﭱﭲﭳﭴﭵﭶ
ﱪ
ﭸﭹﭺﭻﭼﭽ
ﱫ
ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ
ﱬ
ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ
ﱭ
ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ
ﱮ
ﮚﮛﮜﮝ
ﱯ
على إيمانهم، حتى بيّن الله له طباعهم وأخلاقهم ليعرف مبلغ أمرهم فى قبول دعوته وأنه لا أمل له فيهم بحال.
(وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) أي وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام عهدا ما يفون به سواء كان عهد الفطرة التي فطر الله الناس عليها- إذ قد فطر الله أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبى فوق جميع القوى، وعلى إيثار الحسن واجتناب غيره وعلى حب الكمال وكراهة النقص- أم كان العهد الذي أخذه ربهم عليهم وهم فى الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا معه غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع،
وقد جاء فى صحيح مسلم: «يقول الله: إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم»
وفى الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
(وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) أي وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد فطرى وشرعى وعرفى، فهم ناكثون غادرون للعهود مرتكبون أفانين المعاصي.
وفى التعبير بالأكثر إيماء إلى أن بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده الله عليه أو تعاهد عليه مع الناس.
وهذا من دأب القرآن فى تحقيق الحقائق على وجه الصدق بحيث لا تشوبها شبهات المبالغة بما يسلب أحدا حقه أو يعطى أحدا حق غيره.
قصص موسى عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١٢]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
(وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) أي وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام عهدا ما يفون به سواء كان عهد الفطرة التي فطر الله الناس عليها- إذ قد فطر الله أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبى فوق جميع القوى، وعلى إيثار الحسن واجتناب غيره وعلى حب الكمال وكراهة النقص- أم كان العهد الذي أخذه ربهم عليهم وهم فى الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا معه غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع،
وقد جاء فى صحيح مسلم: «يقول الله: إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم»
وفى الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
(وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) أي وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد فطرى وشرعى وعرفى، فهم ناكثون غادرون للعهود مرتكبون أفانين المعاصي.
وفى التعبير بالأكثر إيماء إلى أن بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده الله عليه أو تعاهد عليه مع الناس.
وهذا من دأب القرآن فى تحقيق الحقائق على وجه الصدق بحيث لا تشوبها شبهات المبالغة بما يسلب أحدا حقه أو يعطى أحدا حق غيره.
قصص موسى عليه السلام
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١٢]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
20
تفسير المفردات
موسى: هو موسى بن عمران (بكسر العين) وأهل الكتاب يقولون: (عمرام) بفتح أوله، وإنما سمى موسى لأنه ألقى بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية (مو) والشجر:
(سى) وذلك أن أمه وضعته بعد ولادته فى تابوت: (صندوق) وأقفلته إقفالا محكما وألقته فى (نهر النيل) خوفا من فرعون وحكومته أن يعلموا به فيقتلوه، إذ كانوا يذبحون ذكور بنى إسرائيل عند ولادتهم ويتركون نساءهم.
وفرعون لقب لملوك مصر القدماء كلقب قيصر لملوك الروم وكسرى لملوك الفرس.
والراجح لدى كثير ممن يعنون بالتاريخ المصري القديم أن فرعون موسى هو الملك منفتاح وكان يلقب بسليل الإله. (رع) أي الشمس وقد كتب بجانب هيكله الذي بدار الآثار المصرية الآية الكريمة: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً».
والملأ أشراف القوم، وظلموا بها: جحدوا بها وكفروا، وحقيق: أي جدير وخليق به، يقولون أنت حقيق بكذا كما يقول: أنت جدير به وخليق به، والنزع: إخراج الشيء من مكانه، وتأمرون: أي تشيرون فى أمره، يقولون: مرنى بكذا على معنى: أشر علىّ وأدل برأيك، وأرجئ: أي أرجئ أمره وأخره ولا تفصل فيه بادى الرأى، وفى المدائن
موسى: هو موسى بن عمران (بكسر العين) وأهل الكتاب يقولون: (عمرام) بفتح أوله، وإنما سمى موسى لأنه ألقى بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية (مو) والشجر:
(سى) وذلك أن أمه وضعته بعد ولادته فى تابوت: (صندوق) وأقفلته إقفالا محكما وألقته فى (نهر النيل) خوفا من فرعون وحكومته أن يعلموا به فيقتلوه، إذ كانوا يذبحون ذكور بنى إسرائيل عند ولادتهم ويتركون نساءهم.
وفرعون لقب لملوك مصر القدماء كلقب قيصر لملوك الروم وكسرى لملوك الفرس.
والراجح لدى كثير ممن يعنون بالتاريخ المصري القديم أن فرعون موسى هو الملك منفتاح وكان يلقب بسليل الإله. (رع) أي الشمس وقد كتب بجانب هيكله الذي بدار الآثار المصرية الآية الكريمة: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً».
والملأ أشراف القوم، وظلموا بها: جحدوا بها وكفروا، وحقيق: أي جدير وخليق به، يقولون أنت حقيق بكذا كما يقول: أنت جدير به وخليق به، والنزع: إخراج الشيء من مكانه، وتأمرون: أي تشيرون فى أمره، يقولون: مرنى بكذا على معنى: أشر علىّ وأدل برأيك، وأرجئ: أي أرجئ أمره وأخره ولا تفصل فيه بادى الرأى، وفى المدائن
21
أي مدائن ملكت، وحاشرين أي جامعين سائقين السحرة منها، وعليم: أي بفنون السحر، ماهر فيها
المعنى الجملي
هذه هى القصة السادسة من قصص الأنبياء التي ذكرت فى هذه السورة وفيها من الإيضاح والتفصيل ما لم يذكر فى غيرها، لأن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات غيره ممن سبق ذكرهم، وجهل قومه كان أفحش. وقد ذكرت قصته فى عدة سور مكية بين مطولة ومختصرة، وذكر اسمه فى سور كثيرة زادت على مائة وثلاثين مرة وسر هذا:
أن قصته أشبه قصص الرسل بقصص النبي ﷺ إذ أنه أوتى شريعة دينية دنيوية، وكوّن الله تعالى به أمة عظيمة ذات ملك ومدنية.
الإيضاح
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها) أي ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى بالمعجزات التي تدل على صدقه فيما يبلغه عنا إلى فرعون وأشراف قومه فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر بها كبرا وجحودا فكان عليهم إثم ذلك وإثم قومهم الذين حرموا من الإيمان باتباعهم لهم، وقال: «إلى فرعون وملئه» ولم يقل فرعون وقومه لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل وبيدهم أمرهم وليس لسائر المصريين من الأمر شىء لأنهم كانوا مستعبدين أيضا، ولكن الظلم كان على بنى إسرائيل الغرباء أشد، ولو آمن فرعون وملؤه لآمن سائر المصريين لأنهم كانوا تبعا لهم، وقد كان موسى مرسلا إلى قومه بنى إسرائيل قصدا وإلى فرعون وملئه وسيلة.
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي فانظر أيها الرسول كيف كان عاقبة فرعون وملئه المفسدين فى الأرض بالظلم واستعباد البشر حين جحدوا آيات الله وكفروا بها.
المعنى الجملي
هذه هى القصة السادسة من قصص الأنبياء التي ذكرت فى هذه السورة وفيها من الإيضاح والتفصيل ما لم يذكر فى غيرها، لأن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات غيره ممن سبق ذكرهم، وجهل قومه كان أفحش. وقد ذكرت قصته فى عدة سور مكية بين مطولة ومختصرة، وذكر اسمه فى سور كثيرة زادت على مائة وثلاثين مرة وسر هذا:
أن قصته أشبه قصص الرسل بقصص النبي ﷺ إذ أنه أوتى شريعة دينية دنيوية، وكوّن الله تعالى به أمة عظيمة ذات ملك ومدنية.
الإيضاح
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها) أي ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى بالمعجزات التي تدل على صدقه فيما يبلغه عنا إلى فرعون وأشراف قومه فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر بها كبرا وجحودا فكان عليهم إثم ذلك وإثم قومهم الذين حرموا من الإيمان باتباعهم لهم، وقال: «إلى فرعون وملئه» ولم يقل فرعون وقومه لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل وبيدهم أمرهم وليس لسائر المصريين من الأمر شىء لأنهم كانوا مستعبدين أيضا، ولكن الظلم كان على بنى إسرائيل الغرباء أشد، ولو آمن فرعون وملؤه لآمن سائر المصريين لأنهم كانوا تبعا لهم، وقد كان موسى مرسلا إلى قومه بنى إسرائيل قصدا وإلى فرعون وملئه وسيلة.
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي فانظر أيها الرسول كيف كان عاقبة فرعون وملئه المفسدين فى الأرض بالظلم واستعباد البشر حين جحدوا آيات الله وكفروا بها.
22
وفى هذا تشويق وتوجيه للنظر إلى ما سيقصه الله تعالى من عاقبة أمرهم، إذ نصر رسوله موسى وهو واحد من شعب مستضعف مستعبد لهم، على فرعون وملئه وهم أعظم أهل الأرض قوة وصولة بأن أبطل سحرهم وأقنع علماءهم وسحرتهم بصحة رسالته وكون آياته من عند الله، ثم نصره بإرسال أنواع العذاب على البلاد ثم بإنقاذ قومه وإغراق فرعون ومن تبعه من ملئه وجنوده. وهذه عبرة قائمة على وجه الدهر وحجة على أن الغلب ليس للقوة المادية فحسب، كما يقوله المغرورون بعظمة الأمم الظالمة فى الغرب لمن استضعفتهم من أهل الشرق.
وبعد التشويق والتنبيه المتقدم، قص الله تعالى ما كان من أولئك القوم فى مبدأ أمرهم حتى انتهوا إلى تلك العاقبة.
(وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي إن موسى ﷺ بلّغ فرعون أنه رسول من رب العالمين كلهم: أي سيدهم ومالكهم ومدبر جميع أمورهم، فهو لا يقول على الله إلا الحق، إذ لا يمكن أن يبعث الله رسولا يكذب عليه وهو الذي بيده ملكوت كل شىء، فهو معصوم من الكذب والخطأ فى التبليغ.
والخلاصة- إن كلامه اشتمل على عقيدة الوحدانية، وهى أن للعالمين ربا واحدا وعلى عقيدة الرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة فى التبليغ والهداية.
ثم ذكر بعد هذا أن الله أيده ببينة تدل على صدقه فى دعواه فقال:
(قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي قد جئتكم ببرهان من ربكم شاهد على صدق ما أقول.
وفى قوله: من ربكم إيماء إلى أنهم مربوبون وأن فرعون ليس ربا ولا إلها، وإلى أن البينة ليست من كسب موسى ولا مما يستقل به عليه السلام. ثم رتب على مجيئه بالبينة طلبه منه أن يرسل معه بنى إسرائيل أي يطلقهم من أسره ويعتقهم من رقه وقهره ليذهبوا معه إلى دار غير داره ويعبدوا فيها ربهم وربه.
وبعد التشويق والتنبيه المتقدم، قص الله تعالى ما كان من أولئك القوم فى مبدأ أمرهم حتى انتهوا إلى تلك العاقبة.
(وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي إن موسى ﷺ بلّغ فرعون أنه رسول من رب العالمين كلهم: أي سيدهم ومالكهم ومدبر جميع أمورهم، فهو لا يقول على الله إلا الحق، إذ لا يمكن أن يبعث الله رسولا يكذب عليه وهو الذي بيده ملكوت كل شىء، فهو معصوم من الكذب والخطأ فى التبليغ.
والخلاصة- إن كلامه اشتمل على عقيدة الوحدانية، وهى أن للعالمين ربا واحدا وعلى عقيدة الرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة فى التبليغ والهداية.
ثم ذكر بعد هذا أن الله أيده ببينة تدل على صدقه فى دعواه فقال:
(قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي قد جئتكم ببرهان من ربكم شاهد على صدق ما أقول.
وفى قوله: من ربكم إيماء إلى أنهم مربوبون وأن فرعون ليس ربا ولا إلها، وإلى أن البينة ليست من كسب موسى ولا مما يستقل به عليه السلام. ثم رتب على مجيئه بالبينة طلبه منه أن يرسل معه بنى إسرائيل أي يطلقهم من أسره ويعتقهم من رقه وقهره ليذهبوا معه إلى دار غير داره ويعبدوا فيها ربهم وربه.
23
ثم حكى سبحانه ما قاله فرعون حينئذ:
(قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي قال فرعون لموسى إن كنت قد جئت مؤيدا بآية من عند من أرسلك كما تدّعى فأتنى بها وأظهرها لدىّ إن كنت ممن يقول الصدق ويلتزم قول الحق.
ثم ذكر أن موسى أجابه إلى ما طلبه فقال:
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) أي فلم يلبث موسى أن ألقى عصاه التي كانت بيمينه أمام فرعون فإذا هى ثعبان- ذكر الحيات- مبين، أي ظاهر بيّن لا خفاء فى كونه ثعبانا حقيقيا يسعى وينتقل من مكان إلى آخر وتراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر فيخيل إليها أنها تسعى، وقوله:
ونزع يده، أي أخرجها من جيب قميصه بعد أن وضعها فيه بعد إلقاء العصا فإذا هى بيضاء ناصعة البياض تتلألأ لكل من ينظر إليها.
وقد ذكر رواة التفسير بالمأثور روايات غاية فى الغرابة فى وصف الثعبان ليس لها سند يوثق به وما هى إلا إسرائيليات تلقفها المفسرون من أهل الكتاب الذين كانوا يكيدون للإسلام وللعرب كروايات وهب بن منبّه وهو فارسى الأصل أخرج كسرى والده إلى بلاد اليمن فأسلم فى زمن النبي ﷺ وكان ابنه من بعده يختلف إلى بلاده بعد فتحها، ومثله روايات كعب الأحبار الإسرائيلى، وقد كان كلاهما كثير الرواية للغرائب التي لا يعرف لها أصل معقول ولا منقول، وقومهما كانوا يكيدون للمسلمين الذين فتحوا بلاد الفرس وأجلوا اليهود من الحجاز، ألا ترى أن قاتل الخليفة الثاني فارسى مرسل من جماعة سرية لقومه، وقتلة الخليفة الثالث كانوا مفتونين بدسائس عبد الله بن سبأ اليهودي.
ويرى المحققون من أعلام المسلمين أن الفتن السياسية والأكاذيب التي حدثت فى الرواية فى الصدر الأول يرجع أمرها إلى جماعة السبئيين وجماعات الفرس التي كانت تزوّد هؤلاء الوضاعين بأسلحة من الغش والتدليس ليفسد الإسلام على أهله، ولولا أن قيض الله للاسلام جماعة من أهل التحقيق أخرجوا البهرج والزيوف وألقوه
(قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي قال فرعون لموسى إن كنت قد جئت مؤيدا بآية من عند من أرسلك كما تدّعى فأتنى بها وأظهرها لدىّ إن كنت ممن يقول الصدق ويلتزم قول الحق.
ثم ذكر أن موسى أجابه إلى ما طلبه فقال:
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) أي فلم يلبث موسى أن ألقى عصاه التي كانت بيمينه أمام فرعون فإذا هى ثعبان- ذكر الحيات- مبين، أي ظاهر بيّن لا خفاء فى كونه ثعبانا حقيقيا يسعى وينتقل من مكان إلى آخر وتراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر فيخيل إليها أنها تسعى، وقوله:
ونزع يده، أي أخرجها من جيب قميصه بعد أن وضعها فيه بعد إلقاء العصا فإذا هى بيضاء ناصعة البياض تتلألأ لكل من ينظر إليها.
وقد ذكر رواة التفسير بالمأثور روايات غاية فى الغرابة فى وصف الثعبان ليس لها سند يوثق به وما هى إلا إسرائيليات تلقفها المفسرون من أهل الكتاب الذين كانوا يكيدون للإسلام وللعرب كروايات وهب بن منبّه وهو فارسى الأصل أخرج كسرى والده إلى بلاد اليمن فأسلم فى زمن النبي ﷺ وكان ابنه من بعده يختلف إلى بلاده بعد فتحها، ومثله روايات كعب الأحبار الإسرائيلى، وقد كان كلاهما كثير الرواية للغرائب التي لا يعرف لها أصل معقول ولا منقول، وقومهما كانوا يكيدون للمسلمين الذين فتحوا بلاد الفرس وأجلوا اليهود من الحجاز، ألا ترى أن قاتل الخليفة الثاني فارسى مرسل من جماعة سرية لقومه، وقتلة الخليفة الثالث كانوا مفتونين بدسائس عبد الله بن سبأ اليهودي.
ويرى المحققون من أعلام المسلمين أن الفتن السياسية والأكاذيب التي حدثت فى الرواية فى الصدر الأول يرجع أمرها إلى جماعة السبئيين وجماعات الفرس التي كانت تزوّد هؤلاء الوضاعين بأسلحة من الغش والتدليس ليفسد الإسلام على أهله، ولولا أن قيض الله للاسلام جماعة من أهل التحقيق أخرجوا البهرج والزيوف وألقوه
24
وراءهم ظهريا وأبقوا الجيّد الذي لا لبس فيه ولا شك فى صحة روايته لكان خطبهم قد استفحل فى الإسلام وأفسدوا كثيرا منه على أهله، ولكن الله قد حفظ الحنيفية لأهلها بيضاء نقية سمحة لا عنت فيها ولا إرهاق:
ثم حكى ما قاله قومه بعد أن رأوا من موسى ما رأوا.
(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ) أي قال الأشراف من قوم فرعون وهم أهل مشورته ورؤساء دولته: إن هذا لساحر عليم: أي ماهر فى فنون السحر قد وجه كل همه لسلب ملككم منكم وإخراجكم من أرضكم بسحره، إذ به يستميل الشّعب وينتزع منكم الملك، ثم يخرج الملك وعظماء رجاله من البلاد حتى لا يناوئوه فى شئون الملك واستعادته منه.
وقد أبان هذا المعنى بوضوح بقوله فى سورة يونس حكاية عنهم من مراجعتهم لموسى وأخيه: «قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ».
ولم يكن هذا القول منهم إلا صدى لما قاله فرعون وقد حكاه الله عنه فى سورة الشعراء بقوله: «قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ» وقد ردّدوه بعده وصار بعضهم يلقيه إلى بعض كما هى عادة الناس فى ترديد كلام الملوك والرؤساء إظهارا للموافقة عليه وتعميما لتبليغه، وبعد أن أتموا مقالتهم موافقين ما قاله فرعون تشاوروا فى أمره بماذا يحتالون لإطفاء نوره وإخماد نار دعوته متخوّفين أن يستميل الناس بسحره، فاتفقت كلمتهم على ما حكاه الله عنهم بقوله:
(قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي قال الملأ لفرعون حين استشارهم بقوله: فماذا تأمرون؟ أخّر الفصل فى أمره وأمر أخيه وأرسل فى مدائن ملكك جماعات من رجال شرطتك وجندك جاشرين: أي جامعين لك السحرة منها وسائقيهم إليك
ثم حكى ما قاله قومه بعد أن رأوا من موسى ما رأوا.
(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ) أي قال الأشراف من قوم فرعون وهم أهل مشورته ورؤساء دولته: إن هذا لساحر عليم: أي ماهر فى فنون السحر قد وجه كل همه لسلب ملككم منكم وإخراجكم من أرضكم بسحره، إذ به يستميل الشّعب وينتزع منكم الملك، ثم يخرج الملك وعظماء رجاله من البلاد حتى لا يناوئوه فى شئون الملك واستعادته منه.
وقد أبان هذا المعنى بوضوح بقوله فى سورة يونس حكاية عنهم من مراجعتهم لموسى وأخيه: «قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ».
ولم يكن هذا القول منهم إلا صدى لما قاله فرعون وقد حكاه الله عنه فى سورة الشعراء بقوله: «قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ» وقد ردّدوه بعده وصار بعضهم يلقيه إلى بعض كما هى عادة الناس فى ترديد كلام الملوك والرؤساء إظهارا للموافقة عليه وتعميما لتبليغه، وبعد أن أتموا مقالتهم موافقين ما قاله فرعون تشاوروا فى أمره بماذا يحتالون لإطفاء نوره وإخماد نار دعوته متخوّفين أن يستميل الناس بسحره، فاتفقت كلمتهم على ما حكاه الله عنهم بقوله:
(قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي قال الملأ لفرعون حين استشارهم بقوله: فماذا تأمرون؟ أخّر الفصل فى أمره وأمر أخيه وأرسل فى مدائن ملكك جماعات من رجال شرطتك وجندك جاشرين: أي جامعين لك السحرة منها وسائقيهم إليك
25
وقد كان السحر فى زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا، ومن ثمّ خيّل إلى كثير منهم أن ما جاء به موسى من قبيل ما تشعبذ به سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما حكى الله عن فرعون حيث قال: «أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً. قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى».
(يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) أي فإن ترسلهم يأتوك بكل ساحر مجيد لفنون السحر ماهر فيها فيكشفوا لك حقيقة ما جاء به موسى فلا يفتنّ به أحد.
وإنما قال فى المدائن لأن السحر من العلوم التي توجد فى المدائن الجامعة المأهولة بدور العلم والصناعة، وإنما نصحوه بإحضار السحرة الماهرين، لأنهم الجديرون أن يأتوا موسى بمثل ما أتى به من الأمر العظيم.
فذلكة فى السحر وضروبه
السحر أعمال غريبة وحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم لأسبابها، وقد كان فنا من الفنون التي يتعلمها قدماء المصريين فى مدارسهم الجامعة مع كثير من العلوم الكونية، واقتفى أثرهم فى ذلك البابليون والهنود وغيرهم ولا يزال يؤثر عن الوثنيين من الهنود أعمال غريبة مدهشة من السحر اهتم بعض الإنكليز وغيرهم بالبحث بن حقيقة أمرها فعرفوا بعضا وجهلوا تعليل الأكثر.
وهو لا يروج إلا بين الجاهلين وله مكانة عظيمة فى القبائل الهمجية، والبلاد ذات الحضارة تسميه بالشّعوذة والاحتيال والدجل، وهو أنواع ثلاثة:
(١) ما بعمل بأسباب طبيعية من خواص المادة معروفة للساحر مجهولة عند من يسحرهم بها كالزئبق الذي قيل إن سحرة فرعون وضعوه فى حبالهم وعصيّهم كما سنذكره بعد، ولو ادعى علماء الطبيعة والكيمياء فى هذا العصر السحر فى أواسط إفريقيا
(يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) أي فإن ترسلهم يأتوك بكل ساحر مجيد لفنون السحر ماهر فيها فيكشفوا لك حقيقة ما جاء به موسى فلا يفتنّ به أحد.
وإنما قال فى المدائن لأن السحر من العلوم التي توجد فى المدائن الجامعة المأهولة بدور العلم والصناعة، وإنما نصحوه بإحضار السحرة الماهرين، لأنهم الجديرون أن يأتوا موسى بمثل ما أتى به من الأمر العظيم.
فذلكة فى السحر وضروبه
السحر أعمال غريبة وحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم لأسبابها، وقد كان فنا من الفنون التي يتعلمها قدماء المصريين فى مدارسهم الجامعة مع كثير من العلوم الكونية، واقتفى أثرهم فى ذلك البابليون والهنود وغيرهم ولا يزال يؤثر عن الوثنيين من الهنود أعمال غريبة مدهشة من السحر اهتم بعض الإنكليز وغيرهم بالبحث بن حقيقة أمرها فعرفوا بعضا وجهلوا تعليل الأكثر.
وهو لا يروج إلا بين الجاهلين وله مكانة عظيمة فى القبائل الهمجية، والبلاد ذات الحضارة تسميه بالشّعوذة والاحتيال والدجل، وهو أنواع ثلاثة:
(١) ما بعمل بأسباب طبيعية من خواص المادة معروفة للساحر مجهولة عند من يسحرهم بها كالزئبق الذي قيل إن سحرة فرعون وضعوه فى حبالهم وعصيّهم كما سنذكره بعد، ولو ادعى علماء الطبيعة والكيمياء فى هذا العصر السحر فى أواسط إفريقيا
26
وغيرها من البلاد التي يروج فيها السحر لأروهم العجب العجاب من غرائب الكهرباء وغيرها حتى لو ادّعوا فيهم الألوهية لخضعوا لهم فضلا عن النبوة والولاية.
(٢) الشعوذة التي ملاك أمرها خفة اليدين فى إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعض وإراءة بعضها بغير صورها وغير ذلك مما هو معروف فى هذه البلاد وغيرها من البلاد المتمدينة.
(٣) ما يكون مداره على تأثير الأنفس ذات الإرادة القوية فى الأنفس الضعيفة القابلة للأوهام والانفعالات التي يسميها علماء النفس: (بالأنفس الهستيرية) وأصحاب هذا النوع يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين ومنهم من يكتب الأوفاق والطلسمات للحب والبغض إلى نحو ذلك.
ومن ذلك ما استحدث فى هذا العصر من التنويم المغناطيسى.
وعلى الجملة فالسحر صناعة تتلقي بالتعليم كما ثبت بنص الكتاب الكريم.
وبالاختبار الذي لم يبق فيه شك بين العلماء فى هذا العصر.
قال أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص وهو من فقهاء الحنفية فى القرن الرابع:
زعموا أن النبي ﷺ سحر وأن السحر عمل فيه حتى قال فيه: (إنه يخيّل إلىّ أنى أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله وإن امرأة يهودية سحرته فى جفّ طلعة: (وعاء طلع النخل) ومشط ومشاطة حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته فى جفّ طلعة وهو تحت راعوفة البئر «١». فاستخرج وزال عن النبي ﷺ ذلك العارض.
إلى أن قال: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطّغام واستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وأن جميعه من نوع واحد. والعجب ممن يجمع بين
(٢) الشعوذة التي ملاك أمرها خفة اليدين فى إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعض وإراءة بعضها بغير صورها وغير ذلك مما هو معروف فى هذه البلاد وغيرها من البلاد المتمدينة.
(٣) ما يكون مداره على تأثير الأنفس ذات الإرادة القوية فى الأنفس الضعيفة القابلة للأوهام والانفعالات التي يسميها علماء النفس: (بالأنفس الهستيرية) وأصحاب هذا النوع يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين ومنهم من يكتب الأوفاق والطلسمات للحب والبغض إلى نحو ذلك.
ومن ذلك ما استحدث فى هذا العصر من التنويم المغناطيسى.
وعلى الجملة فالسحر صناعة تتلقي بالتعليم كما ثبت بنص الكتاب الكريم.
وبالاختبار الذي لم يبق فيه شك بين العلماء فى هذا العصر.
قال أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص وهو من فقهاء الحنفية فى القرن الرابع:
زعموا أن النبي ﷺ سحر وأن السحر عمل فيه حتى قال فيه: (إنه يخيّل إلىّ أنى أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله وإن امرأة يهودية سحرته فى جفّ طلعة: (وعاء طلع النخل) ومشط ومشاطة حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته فى جفّ طلعة وهو تحت راعوفة البئر «١». فاستخرج وزال عن النبي ﷺ ذلك العارض.
إلى أن قال: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطّغام واستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وأن جميعه من نوع واحد. والعجب ممن يجمع بين
(١) المشاطة: بالضم الشعر الذي يسقط حين تسريحه بالمشط، وراعوفة البئر: الحجر الثابت الذي يقف عليه المستقى من البئر، أي إنها وضعت المشط والمشاطة فى جف طلعة تحت حجر البئر.
27
تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى: «وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى» فصدّق هؤلاء من كذبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله، وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا منها بأن ذلك يعمل فى الأجساد وقصدت به النبي عليه الصلاة والسلام فأطلع الله نبيه على موضع سرها وأظهر جهلها فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أن ذلك ضره، وخلط عليه أمره، ولم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد فى الحديث ولا أصل له اهـ.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٣ الى ١١٦]
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر فيما سلف أنهم طلبوا إليه تأخير الفصل فى أمره حتى يحضر السحرة ليفسدوا عليه أعماله ويبينوا خبىء حيله- ذكر هنا أن السحرة جاءوا وطلبوا المثوبة من فرعون إن هم نفذوا ما طلبه فأجابهم إلى ذلك ففعلوا أفاعيلهم السحرية التي أوقعت الرهب فى قلوب المشاهدين.
الإيضاح
(وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ) أي وجاء السحرة الذين حشرهم أعوان فرعون وشرطته إليه، وحين جاءوا قالوا لفرعون: هل لنا من أجر كفاء ما نقوم به من العمل العظيم الذي يتم به الغلب على موسى.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٣ الى ١١٦]
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر فيما سلف أنهم طلبوا إليه تأخير الفصل فى أمره حتى يحضر السحرة ليفسدوا عليه أعماله ويبينوا خبىء حيله- ذكر هنا أن السحرة جاءوا وطلبوا المثوبة من فرعون إن هم نفذوا ما طلبه فأجابهم إلى ذلك ففعلوا أفاعيلهم السحرية التي أوقعت الرهب فى قلوب المشاهدين.
الإيضاح
(وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ) أي وجاء السحرة الذين حشرهم أعوان فرعون وشرطته إليه، وحين جاءوا قالوا لفرعون: هل لنا من أجر كفاء ما نقوم به من العمل العظيم الذي يتم به الغلب على موسى.
28
(قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي قال فرعون مجيبا لهم إلى ما طلبوا: نعم إن لكم أجرا عظيما على ما تقومون به من ذلك العمل الجليل، وأنتم مع ذلك تكونون من المقرّبين منا فتجمعون بين المال والجاه وذلك منتهى ما تطمعون فيه من نعيم الدنيا وسعادتها.
(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) أي قال السحرة لموسى بعد عدة فرعون لهم: إما أن تلقى ما عندك أولا، وإما أن نلقى ما عندنا وفى هذا التخيير منهم له- دليل على اعتدادهم بسحرهم وثقتهم بأنفسهم وعدم المبالاة بعمله، ولولا ذلك لما خيروه. إذ المتأخر فى العمل يكون أبصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى جهد خصمه.
(قالَ أَلْقُوا) أي قال موسى عليه السلام وهو واثق بشأنه محتقر لهم غير مبال بهم:
ألقوا ما أنتم ملقون وهو عليه السلام لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء وإنما أمر بأن يتقدموه فيما جاءوا لأجله ولا بد لهم منه، وأراد بذلك التوسل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه، ولم يكن هناك وسيلة للإبطال إلا ذلك، وقد صرح به فيما حكاه تعالى عنه: «قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ».
(فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) استرهبه أوقع فى قلبه الرّهب والخوف، أي فلما ألقوا ما ألقوا من حبالهم وعصيّهم سحروا أعين النظارة ومنهم موسى عليه السلام كما جاء فى سورة طه: «فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى» وجاءوا بسحر عظيم فى مظهره كبير فى تأثيره فى أعين الناس.
(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) أي قال السحرة لموسى بعد عدة فرعون لهم: إما أن تلقى ما عندك أولا، وإما أن نلقى ما عندنا وفى هذا التخيير منهم له- دليل على اعتدادهم بسحرهم وثقتهم بأنفسهم وعدم المبالاة بعمله، ولولا ذلك لما خيروه. إذ المتأخر فى العمل يكون أبصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى جهد خصمه.
(قالَ أَلْقُوا) أي قال موسى عليه السلام وهو واثق بشأنه محتقر لهم غير مبال بهم:
ألقوا ما أنتم ملقون وهو عليه السلام لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء وإنما أمر بأن يتقدموه فيما جاءوا لأجله ولا بد لهم منه، وأراد بذلك التوسل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه، ولم يكن هناك وسيلة للإبطال إلا ذلك، وقد صرح به فيما حكاه تعالى عنه: «قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ».
(فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) استرهبه أوقع فى قلبه الرّهب والخوف، أي فلما ألقوا ما ألقوا من حبالهم وعصيّهم سحروا أعين النظارة ومنهم موسى عليه السلام كما جاء فى سورة طه: «فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى» وجاءوا بسحر عظيم فى مظهره كبير فى تأثيره فى أعين الناس.
29
قال ابن كثير أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة فى الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال.
قال ابن عباس رضي الله عنه: إنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فأقبلت يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قال ابن اسحق: إن السحرة كانوا خمسة عشر ألف ساحر. وإن الحيات التي أظهروها بخيال سحرهم كانت كأمثال الجبال قد ملأت الوادي. وقال السدى: إن السحرة كانوا بضعا وثلاثين ألفا اهـ.
وكل هذا مبالغات إسرائيلية وتهويلات لم يصح شىء منها وليس فى التوراة ما يؤيدها.
وقال الجصاص فى تفسيره: سحروا أعين الناس، يعنى موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، كما قال: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى».
فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخيلا. وقد قيل إنها كانت عصيا مجوّفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من جلد محشوة زئبقا. وقيل حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملئوها نارا فلما طرحت عليه وحمى الزئبق حركها لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير اهـ.
فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها. ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثرت فى الأعين فجعلتها تبصر ذلك، أو أن الحبال والعصى جعلت على صورة الحيات وحركت بمحركات خفية سريعة لا تدركها أبصار الناظرين.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٢]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
قال ابن عباس رضي الله عنه: إنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فأقبلت يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قال ابن اسحق: إن السحرة كانوا خمسة عشر ألف ساحر. وإن الحيات التي أظهروها بخيال سحرهم كانت كأمثال الجبال قد ملأت الوادي. وقال السدى: إن السحرة كانوا بضعا وثلاثين ألفا اهـ.
وكل هذا مبالغات إسرائيلية وتهويلات لم يصح شىء منها وليس فى التوراة ما يؤيدها.
وقال الجصاص فى تفسيره: سحروا أعين الناس، يعنى موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، كما قال: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى».
فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخيلا. وقد قيل إنها كانت عصيا مجوّفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من جلد محشوة زئبقا. وقيل حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملئوها نارا فلما طرحت عليه وحمى الزئبق حركها لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير اهـ.
فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها. ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثرت فى الأعين فجعلتها تبصر ذلك، أو أن الحبال والعصى جعلت على صورة الحيات وحركت بمحركات خفية سريعة لا تدركها أبصار الناظرين.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٢]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
30
تفسير المفردات
لقف الشيء وتلقفه: تناوله بحذق وسرعة، والمأفوك: المصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومن ثم يقال للرياح التي عدلت عن مهابها مؤتفكة كما قال:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ» وقال: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» أي يصرفون عن الحق فى الاعتقاد إلى الباطل، وعن الصدق فى المقال إلى الكذب، وعن الجميل فى الفعل إلى القبيح، فالإفك يكون بالقول كالكذب وقد يكون بالفعل كعمل سحرة فرعون، وانقلبوا عادوا، وصاغرين أي أذلة بما رزئوا به من الخذلان والخيبة، وألقى السحرة ساجدين: أي خرّوا سجدا لأن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود.
الإيضاح
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) أي أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام فى ذلك الموقف العظيم الذي قرن فيه بين الحق والباطل- أن يلقى ما فى يمينه وهى عصاه فإذا هى تبتلع ما يلقون ويوهمون به أنه حق وهو باطل- قال ابن عباس فجعلت لا تمرّ بشىء من حبالهم ولا خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شىء من السماء وليس بسحر فخروا سجدا و «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ».
ويرى جماعة من المفسرين أن لقفها لما يأفكون- هو أنها أتت عليه حتى أظهرت بطلانه وبيان حقيقة أمره فى نفسه بسرعة، فإن كان إفكهم بما أحدثوه من التأثير فى الأعين فلقفها إياه إزالته وإبطاله برؤية الحبال والعصىّ على حقيقتها، وإن كان تحريكا لها بمحركات خفية سريعة فكذلك وإن كان قد حصل بجعلها مجوفة محشوّة
لقف الشيء وتلقفه: تناوله بحذق وسرعة، والمأفوك: المصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومن ثم يقال للرياح التي عدلت عن مهابها مؤتفكة كما قال:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ» وقال: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» أي يصرفون عن الحق فى الاعتقاد إلى الباطل، وعن الصدق فى المقال إلى الكذب، وعن الجميل فى الفعل إلى القبيح، فالإفك يكون بالقول كالكذب وقد يكون بالفعل كعمل سحرة فرعون، وانقلبوا عادوا، وصاغرين أي أذلة بما رزئوا به من الخذلان والخيبة، وألقى السحرة ساجدين: أي خرّوا سجدا لأن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود.
الإيضاح
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) أي أوحى الله إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام فى ذلك الموقف العظيم الذي قرن فيه بين الحق والباطل- أن يلقى ما فى يمينه وهى عصاه فإذا هى تبتلع ما يلقون ويوهمون به أنه حق وهو باطل- قال ابن عباس فجعلت لا تمرّ بشىء من حبالهم ولا خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شىء من السماء وليس بسحر فخروا سجدا و «قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ».
ويرى جماعة من المفسرين أن لقفها لما يأفكون- هو أنها أتت عليه حتى أظهرت بطلانه وبيان حقيقة أمره فى نفسه بسرعة، فإن كان إفكهم بما أحدثوه من التأثير فى الأعين فلقفها إياه إزالته وإبطاله برؤية الحبال والعصىّ على حقيقتها، وإن كان تحريكا لها بمحركات خفية سريعة فكذلك وإن كان قد حصل بجعلها مجوفة محشوّة
31
بالزئبق وتحريكه إياها بفعل الحرارة: (سواء كانت نارا أعدت لها أو الشمس حين أصابتها) فلقفها لذلك يكون بعمل من الحية أخرجت به الزئبق من الحبال والعصى فانكشفت به الحيلة ولو كانت قد ابتلعتها لبقى الأمر ملتبسا على الناس، إذ قصاراه أن كلا من السحرة وموسى قد أظهر أمرا غريبا ولكن أحد الفريقين كان أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم ولا مفهوم، وهذا لا ينافى كونهما من جنس واحد- ولكن زوال غشاوة السحر وتخييله حتى رأى الناس أن الحبال والعصى التي ألقاها السحرة ليست إلا حبالا وعصيا لا تسعى ولا تتحرك، وأن عصا موسى لم تزل حية تسعى هو الذي ماز الحق من الباطل وعرفت به الآية الإلهية والحيلة الصناعية وقد فعلت ذلك بسرعة ومن ثم عبر عنه باللقف، ولكن لا يعرف بما كان لها هذا التأثير؟ لأنها آية إلهية لا أمر صناعى حتى تدرك حقيقته.
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي فثبت الحق وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره، إذ تبين لمن شهده وحضره أن موسى رسول من عند الله يدعو إلى الحق وأن ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله.
(فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ) أي فغلب موسى فرعون وجموعه فى ذلك الجمع العظيم الذي كان فى عيد لهم ضربه موسى موعدا لهم كما جاء فى سورة طه:
«قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» وعادوا من ذلك الحفل صاغرين أذلة بما رزئوا به من خيبة وخذلان.
(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) أي وألقى السحرة حينما عاينوا عظيم قدرة الله ساقطين على وجوههم سجّدا لربهم، لأن الحق قد بهرهم واضطرهم إلى السجود، حتى كأن أحدا دفقهم وألقاهم.
والخلاصة- إن ظهور بطلان سحرهم وإدراكهم فجأة لآية موسى وعلمهم بأنها من عند الله لا صنع فيها لمخلوق ملأت عقولهم يقينا وقلوبهم إيمانا فكأنّ اليقين الحاكم
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي فثبت الحق وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره، إذ تبين لمن شهده وحضره أن موسى رسول من عند الله يدعو إلى الحق وأن ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله.
(فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ) أي فغلب موسى فرعون وجموعه فى ذلك الجمع العظيم الذي كان فى عيد لهم ضربه موسى موعدا لهم كما جاء فى سورة طه:
«قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» وعادوا من ذلك الحفل صاغرين أذلة بما رزئوا به من خيبة وخذلان.
(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) أي وألقى السحرة حينما عاينوا عظيم قدرة الله ساقطين على وجوههم سجّدا لربهم، لأن الحق قد بهرهم واضطرهم إلى السجود، حتى كأن أحدا دفقهم وألقاهم.
والخلاصة- إن ظهور بطلان سحرهم وإدراكهم فجأة لآية موسى وعلمهم بأنها من عند الله لا صنع فيها لمخلوق ملأت عقولهم يقينا وقلوبهم إيمانا فكأنّ اليقين الحاكم
32
على الأعضاء والجوارح هو الذي ألقاهم على وجوههم سجدا لرب العالمين الذي بيده ملكوت كل شىء- وزالت من نفوسهم عظمة فرعون الدنيوية الزائلة- بعد أن ظهر لهم صغاره أمام هذه الآية فنطقوا بما حكى الله عنهم.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) أي قالوا صدقنا بما جاءنا به موسى، وأن الذي علينا أن نعبده هو رب الإنس والجن وجميع الأشياء المدبر لها رب موسى وهارون.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
تفسير المفردات
المكر: صرف الإنسان عن مقصده بحيلة، وهو نوعان: محمود ويراد به الخير.
ومذموم يقصد به الشر، وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والعكس بالعكس، والصلب الشد على خشبة ونحوها، وشاع فى تعليق الشخص بنحو حبل فى عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم- ونقمت الشيء:
إذا أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة كما قال تعالى «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» - «وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ» وأفرغ علينا: أي أفض علينا صبرا يغمرنا كما يفرغ الماء من القرب.
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) أي قالوا صدقنا بما جاءنا به موسى، وأن الذي علينا أن نعبده هو رب الإنس والجن وجميع الأشياء المدبر لها رب موسى وهارون.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
تفسير المفردات
المكر: صرف الإنسان عن مقصده بحيلة، وهو نوعان: محمود ويراد به الخير.
ومذموم يقصد به الشر، وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والعكس بالعكس، والصلب الشد على خشبة ونحوها، وشاع فى تعليق الشخص بنحو حبل فى عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم- ونقمت الشيء:
إذا أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة كما قال تعالى «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» - «وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ» وأفرغ علينا: أي أفض علينا صبرا يغمرنا كما يفرغ الماء من القرب.
33
المعنى الجملي
فى هذه الآية إخبار بما توعد به فرعون السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام وبما عزم عليه من التنكيل بهم وبما رد به السحرة عليه من استسلامهم لأمر الله لا لأمره ودعائهم ربهم بالتوفى على ملة الإسلام.
الإيضاح
(قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) آمنتم إما خبر يراد به التوبيخ، وإما استفهام يراد به الإنكار والتوبيخ: أي آمنتم به واتبعتموه مذعنين لرسالته قبل أن آذن لكم؟
(إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) أي إن هذا الذي فعلتموه أنتم وهو- ليس إلا مكرا مكرتموه واتفاقا دبّرتموه من قبل بما أظهرتم من المعارضة والرغبة فى الغلب عليه- مع إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته كما جاء فى سورة طه:
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» فأجمعتم كيدكم لنا فى هذه المدينة لأجل أن تخرجو المصريين منها بسحركم، ويكون لكم فيها مع بنى إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والرياسة والتصرف فى البلاد.
وكل ذى لب وفطنة يعلم أن هذه مقالة لا نصيب لها من الصحة، ولا ظل لها من الحقيقة، فإن موسى إثر مجيئه من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة، فلم يكن من فرعون إلا أن أرسل فى المدائن حاشرين ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى لا يعرف منهم أحدا ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال ذلك تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ».
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ما أصنع بكم من العذاب جزاء على هذا المكر والخداع.
ثم بين ذلك بقوله:
فى هذه الآية إخبار بما توعد به فرعون السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام وبما عزم عليه من التنكيل بهم وبما رد به السحرة عليه من استسلامهم لأمر الله لا لأمره ودعائهم ربهم بالتوفى على ملة الإسلام.
الإيضاح
(قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) آمنتم إما خبر يراد به التوبيخ، وإما استفهام يراد به الإنكار والتوبيخ: أي آمنتم به واتبعتموه مذعنين لرسالته قبل أن آذن لكم؟
(إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) أي إن هذا الذي فعلتموه أنتم وهو- ليس إلا مكرا مكرتموه واتفاقا دبّرتموه من قبل بما أظهرتم من المعارضة والرغبة فى الغلب عليه- مع إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته كما جاء فى سورة طه:
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» فأجمعتم كيدكم لنا فى هذه المدينة لأجل أن تخرجو المصريين منها بسحركم، ويكون لكم فيها مع بنى إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والرياسة والتصرف فى البلاد.
وكل ذى لب وفطنة يعلم أن هذه مقالة لا نصيب لها من الصحة، ولا ظل لها من الحقيقة، فإن موسى إثر مجيئه من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة، فلم يكن من فرعون إلا أن أرسل فى المدائن حاشرين ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى لا يعرف منهم أحدا ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال ذلك تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ».
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ما أصنع بكم من العذاب جزاء على هذا المكر والخداع.
ثم بين ذلك بقوله:
34
(لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) أي قسما لأنكلنّ بكم أشد التنكيل، لأقطعن الأيدى والأرجل من خلاف ثم لأصلبنّ كل واحد منكم وهو على تلك الحال لتكونوا عبرة لمن تحدّثه نفسه بالكيد لنا والترفع عن الخضوع لعظمتنا.
والخلاصة- إن اتهامه السحرة بالتواطؤ مع موسى إثما كان تمويها على قومه المصريين، إذ خاف عاقبة إيمان الشعب بموسى فادّعى أنه لا ينتقم من السحرة إلا حبّا فيهم ودفاعا عنهم وإبقاء لاستقلالهم فى وطنهم كما هو شأن كل رئيس أو ملك فى شعب يخاف أن ينتقض عليه وتجتمع كلمته على اختيار زعيم آخر يقوم بدعوة دينية أو سياسية.
وعند ما سمع السحرة هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبار المتكبر أجابوه.
(قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) أي إنهم لا يأبهون بقتلهم، لأنهم راجعون إلى ربهم راجون مغفرته ورحمته، فتعجيل القتل يكون سببا لقرب لقائه والتمتع بجزائه.
وقد يكون المعنى- إنا وإياك سننقلب إلى ربنا وما أنت بمخلّد بعدنا، فلئن قتلتنا فسيحكم الله بعدله بينك وبيننا.
وفى هذا إيماء إلى تكذيبه فى دعوى الربوبية وتصريح بإيثار ما عند الله على ما عنده من الشهوات الدنيوية الزائلة.
وما جاء فى سورة الشعراء من قولهم: «قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ» يؤيد المعنى الأول.
(وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا) أي وما تعيب منا وما تنكر إلا خير الأعمال وأصل المفاخر وهو الإيمان بالله، ومثل هذا لا يمكن العدول عنه مرضاة لك ولا طلبا للزلفى إليك.
وفيه تيئيس له، وكأنهم قالوا لا مطمع لك فى رجوعنا عن إيماننا، وإلى أن تهديدك لا يجدى فائدة.
والخلاصة- إن اتهامه السحرة بالتواطؤ مع موسى إثما كان تمويها على قومه المصريين، إذ خاف عاقبة إيمان الشعب بموسى فادّعى أنه لا ينتقم من السحرة إلا حبّا فيهم ودفاعا عنهم وإبقاء لاستقلالهم فى وطنهم كما هو شأن كل رئيس أو ملك فى شعب يخاف أن ينتقض عليه وتجتمع كلمته على اختيار زعيم آخر يقوم بدعوة دينية أو سياسية.
وعند ما سمع السحرة هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبار المتكبر أجابوه.
(قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) أي إنهم لا يأبهون بقتلهم، لأنهم راجعون إلى ربهم راجون مغفرته ورحمته، فتعجيل القتل يكون سببا لقرب لقائه والتمتع بجزائه.
وقد يكون المعنى- إنا وإياك سننقلب إلى ربنا وما أنت بمخلّد بعدنا، فلئن قتلتنا فسيحكم الله بعدله بينك وبيننا.
| إلى ديّان يوم الدين نمضى | وعند الله تجتمع الخصوم |
وما جاء فى سورة الشعراء من قولهم: «قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ» يؤيد المعنى الأول.
(وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا) أي وما تعيب منا وما تنكر إلا خير الأعمال وأصل المفاخر وهو الإيمان بالله، ومثل هذا لا يمكن العدول عنه مرضاة لك ولا طلبا للزلفى إليك.
وفيه تيئيس له، وكأنهم قالوا لا مطمع لك فى رجوعنا عن إيماننا، وإلى أن تهديدك لا يجدى فائدة.
35