( قال الأستاذ ) ثم بعد الوعد بالنصر والإرشاد إلى الاعتماد فيه على القدرة دلهم على بعض وسائل تحققه، وهي الصلاة التي توثق عروة الإيمان وتعلى الهمة وترفع النفس بمناجاة الله العلي الكبير، وتؤلف بين القلوب بالاجتماع لها، والتعارف في مساجدها، والزكاة التي تصل بين الأغنياء والفقراء فتتكون باتصالهم وحدة الأمة حتى تكون كجسم واحد، فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولم تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في موضع من الكتاب الحكيم إلا والمقام يقتضي الذكر لبيان فائدة خاصة لهذا الأمر لا يمكن أن تستفاد من ذكرهما في موضع آخر.
وقد تقدم أن إقامة الصلاة ليست عبارة عن أدائها مطلقا، وإنما هي عبارة عن القيام بحقوقها الروحية في صورتها العملية وذلك بالتوجه إلى الله تعالى ومناجاته والانقطاع إليه عما عداه، وإشعار القلب عظمته وكبريائه، فبهذا الشعور ينمو الإيمان وتقوى الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش والمنكرات، وتستنير البصيرة فتكون أقوى نفاذا في الحق وأشد بعدا عن الأهواء، فنفوس المصلين جديرة بالنصر لما تعطيها الصلاة من القوة المعنوية ومن الثقة بقدرة الله تعالى، فإذا كان قوله تعالى بعد الوعد بالنصر إن الله على كل شيء قدير دليلا أيد به الوعد فقوله وأقيموا الصلاة هداية إلى طريق الاقتناع التام بهذا الدليل حتى يكون وجدانا للنفس لا تزلزله الشبهات، ولا تؤثر فيه المشاغبات والمجادلات.
وقد مضت سنة القرآن بقرن الزكاة بالصلاة لأن الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، والزكاة لإصلاح شئون الاجتماع، ثم إن فيها من معنى العبادة ما في الصلاة فإن المال – كما يقولون – شقيق الروح، فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كان بذله مزيدا في إيمانه، فهي إصلاح روحي أيضا.
وبعد أن أمر بالصلاة والزكاة في سياق كشف شبهة من يشتبه من ضعفاء الإيمان في نصر الله المؤمنين، وجعل السلطان لهم على الكافرين، وبيان أن إقامة هذين الركنين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا بين لهم أنها من أسباب السعادة في الآخر، فقال وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ولكن البيان جاء في صورة عامة، وهذا من الأساليب التي لا تكاد تجد لها في غير القرآن نظيرا – ينتقل من بيان حكم إلى آخر، فيكون الثاني قائما بنفسه وشاملا للأول بعمومه وتكون صلة العموم والخصوص هي الرابط في النظم. وقوله تعالى تجدوه هو كقوله فمن يعلم مثقال ذرة خيرا يره وقالوا : إن المراد أنه يرى ويجد جزاءه، ولكن لما كان مبينا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه. ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الإحسان فيه ويدل على تحققه، فقال إن الله بما تعملون بصير فلا يخفى عليه منه شيء فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئا.
( الأستاذ الإمام ) هذه الآيات هي آخر ما أدب الله تعالى به المؤمنين في هذا المقام على ما يخامر البعض منهم وما يعن له من الشبه في مستقبل الإسلام وتأييده تعالى لنبيه وإزاره لحزبه، وكان أولها قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وكأن منشأ تلك الخواطر هو ما يرونه في التنزيل المرة بعد المرة وما يشاهدونه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم من الجزم بأن الأسباب مقرونة بمسبباتها وأن حوادث الكون جارية على سنن مطردة ؛ وما كان هذا الفريق من المؤمنين يعلم قبل إعلام الله تعالى إياهم بأن الإيمان الصحيح الذي يتوكل صاحبه – بعد اتخاذ الأساليب والوسائل – على القدرة الإلهية والعناية الغيبية، وعمل الصالحات الذي يصلح النفوس، ويؤلف مع الاعتقاد بين القلوب، هما أكبر أسباب القوة، وأقرب وسائل السيادة والسعادة، وقد جاء هذا الإرشاد والتأديب في سياق الكلام على أهل الكتاب، لأن مكرهم السيئ كان مثارا لبعض الخواطر في المسلمين فالكلام تأديب للمؤمنين ورد على اليهود.
تفسير المنار
رشيد رضا