(وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَكَاةَ).
إقامة الصلاة أداؤها على الوجه الأكمل بأن يأتي بأركانها الظاهرة، وأركانها الباطنة مقومة غير معوجة طيبة خارجة من القلوب ليست النفس منفصلة عما تقوم به الجوارح، فإذا قال: " الله أكبر " شعر بعظمة الله وأحس برقابته، وأنه دخل بالتكبير في ظل رحمته، وأنه رقيب عليه وأنه يواجهه، وأنه في حضرة منشئ هذا الوجود بما فيه من سماء وأرض وجبال ووهاد، وأن نفسه في قبضة يده، والوجود كله في قبضته، وإنه بذلك يحس كأنه يرى الله لأنه في حضرته، وبذلك يعلو عن الأحقاد وعن الحسد، وعن كل ضغن وإحن، ولذا قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ...).
والزكاة تعاون إنساني، لأنها معاونة القوي للضعيف وإعطاء الغني للفقير، والربط بين الإنسان بالأخوة الجامعة والمحبة الراحمة والمودة الواصلة، وعندها يزول الحسد ولا يتمنى أحد زوال نعمة أحد، وعند ذلك يكون العفو الشامل والصفح الجميل، ويدرك معنى قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل، ويراه بقلبه عيانا. وإن الأمر بالصلاة التي هي رمز للطهارة النفسية والائتلاف النفسي، وإيتاء الزكاء التي تدل على الطهارة الجماعية والائتلاف - أمر سبحانه وتعالى بفعل الخير
في شتى صوره، وقال تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) و " ما " هنا من أسماء الشرط، وفعله تقدموا، وجوابه تجدوه عند الله، والنص الكريم حث على فعل الخير وبيان جزائه؛ لأن جزاءه يجده عند الله تعالى وما يجده عند الله أوفى مما قدَّم، وأكثر مما فعل، وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ) ونلاحظ ثلاثة أمور في كل واحدة إشارة بيانية، وحكمة ربانية.
الإشارة الأولى - أن الله تعالى عبر عنِ فعل الخير سواء أكان لنفسه أم كان للجماعة بقوله: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ) لأن فعل الخير للجماعة فعل لنفسه، والخير يعود على فاعله ابتداء، ويعود على الجماعة انتهاء، فمن تصدق فإنما يتصدق لنفسه؛ لأن الفائدة إليه إذ يعيش في مجتمع متكافل غير متدابر، ولتطيب بفعله القلوب وتسود المحبة الكامنة، وكذلك كل فعل خير يكون لنفسه، وهو يقدمه لنفسه أو يكون له ثوابه.
الإشارة الثانية - أنه يجد العمل قائما ثابتًا عند الله، فيكون مهيأ حاضرًا يراه ويعاينه، وذلك كناية عن جزائه الذي لاينقص عنه، بل قد يزيد عليه رحمة من الله تعالى، ويراه عند الله محفوظا لَا يضيع.
الإشارة الثالثة - تذييل الآية الكريمة بما يفيد علم الله تعالى بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهذه الجملة السامية تفيد علم الله الذي لا تخفى عليه خافية، فلا يضيع عمل عامل منكم، وقد أكد سبحانه وتعالى إحاطة علمه بما يظهر وما يخفى مؤكدات ثلاث:
أولها - إحاطته وسموا ذلك بالتعبير بـ " ما " الدالة على العموم، فإنها بمعنى الذي، وهي تدل على العموم الشامل.
ثانيها - بالجملة الاسمية وتأكيد الجملة بأن وتقديم الجار والمجرور على بصير، والتقديم دال على التخصيص.
وثالثها - التعبير عن العلم بالبصير؛ فمعناه علم كأنه مبصور بالبصر، يعلم
الخفي الدقيق، والجلي الواضح، فلا يخفى عليه شيء من عمل الإنسان ويعلمه علم من يبصره.
ذكر سبحانه وتعالى حسد اليهود بالمدينة، وكيف يداوي المؤمنون داء الحسد عند هؤلاء وهو بالعفو والصفح رجاء أن يقربوا بدل أن يستمروا على جفوتهم ونفرتهم، حتى يكون اليأس من إدنائهم فيكون القصاص أو الكشف والإبعاد، والله تعالى على كل شيء قدير.
ولقد بين سبحانه سبب حسدهم وهو غرورهم بأنهم أهل الجنة وحدهم فقال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة