مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ في التوراةِ أنَّ قولَ محمد - ﷺ - صدقٌ، ودينَهُ حَقُّ.
فَاعْفُوا أي: فاتركوا.
وَاصْفَحُوا أي: تجاوزوا، فالعفوُ: المحوُ، والصفحُ: الإعراضُ، وكان هذا قبلَ آيةِ القتال.
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بعذابِه: القتلُ والسبيُ لبني قريظةَ، والجلاءُ والنفيُ لبني النضير.
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم.
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠).
[١١٠] وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا أي: تُسْلِفوا.
لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ طاعةٍ وعملٍ صالحٍ.
تَجِدُوهُ أي: تجدوا ثوابَهُ.
عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يَضيعُ عندَه عمل.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١).
[١١١] وَقَالُوا عطفٌ على وَدَّ، والضميرُ لأهلِ الكتابَيْنِ.
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أي: يهوديًّا، واليهودُ جمعُ هائدٍ.
أَوْ نَصَارَى وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخلَ الجنةَ (١) إلَّا من كانَ يهوديًّا، ولا دينَ إلا اليهوديةُ، وقالت النصارى: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كان نصرانيًّا، ولا دينَ إلا النصرانيةُ، نزلتْ في وفدِ نجرانَ، وكانوا نصارى، اجتمعوا في مجلسِ رسولِ اللهِ - ﷺ - معَ اليهودِ، فكذَّبَ (٢) بعضُهم بعضًا، قال الله تعالى:
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ شهواتُهم الباطلةُ التي تمنَّوْها على اللهِ بغيرِ الحقِّ. قرأ أبو جعفرٍ: بسكون الياء والتخفيف، مع كسر الهاء، والباقون: بتشديد الياء، وضم الهاء (٣).
قُلْ يا محمدُ.
هَاتُوا أصلهُ: آتوا.
بُرْهَانَكُمْ حُجَّتكم على ما زعمتُمْ.
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في دَعْواكم، ثم قال ردًّا:
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢).
(٢) في "ت": "فكذبت".
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٠٤).
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)}.
[١١٠] ولما قال اليهودُ للمسلمين: نحن أفضلُ منكم، ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه، أنزل الله: كُنْتُمْ (١) أي: أنتم.
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ أُظْهِرَتْ (٢).
لِلنَّاسِ أي: ما أخرجَ الله للناس أمةً خيرًا من أمة محمدٍ - ﷺ -.
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ الإيمان.
خَيْرًا لَهُمْ من كفرِهم.
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ.
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ أي: الكافرون.
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١).
[١١١] روي أن رؤوس اليهود عمدوا إلى مَنْ آمن منهم عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِهِ، فآذَوْهُم، فأنزلَ الله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ (٣) أيها المؤمنون هؤلاءِ اليهودُ.
(٢) في "ن": "ظهرت".
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٠٥).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب