ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

ثم ذكر سبحانه بعض الوسائل التي تحقق النصر الذي وعدوا به فقال : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة .
المعنى الجملي
بعد أن نهى عز اسمه المؤمنين في الآيات السالفة عن الاستماع لنصح اليهود وعدم قبول آرائهم في شيء من أمور دينهم – ذكر هنا وجه العلة في ذلك، وهي أن كثيرا منهم يودون لو ترجعون كفارا حسدا لكم ولنبيكم، فهم لا يكتفون بكفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم والكيد له بنقض ما عاهدهم عليه، بل يحسدونكم على نعمة الإسلام ويتمنون أن تحرموا منها.
وقد كان لأهل الكتاب حيل في تشكيك المسلمين في دينهم، فقد طلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره كي يتأسى بهم بعض ضعاف الإيمان من المسلمين، وكانوا يلقون بعض الشبه على المؤمنين ليشككوهم في دينهم
الإيضاح :
لما في الصلاة من توثيق عرا الإيمان، وإعلاء الهمة، ورفعة النفس بمناجاة الله، وتأليف قلوب المؤمنين حين الاجتماع لأدائها، وتعارفهم في المساجد، وبهذا ينمو الإيمان، وتقوى الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتكون أقوى نفاذا في الحق، فتكون جديرة بالنصر، ولما في الزكاة من توكيد الصلة بين الأغنياء والفقراء، فتتحقق وحدة الأمة وتكون كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تألم باقي الأعضاء بالحمى والسهر.
وقد جرت سنة القرآن أن يقرن الزكاة بالصلاة، لما في الصلاة من إصلاح حال الفرد، ولما في الزكاة من إصلاح حال المجتمع، إلى أن المال شقيق الروح، فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله سهل عليه بذل نفسه في سبيل الله تأييدا لدينه وإعلاء لكلمته.
وبعد أن أبان أن الصلاة والزكاة من أسباب النصر في الدنيا أردف هذا ببيان أنهما من أسباب السعادة في الآخرة أيضا فقال :
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله أي وما تعملوا من خير تجدوا جزاءه عند ربكم يوم توفى كل نفس جزاء عملها بالقسطاس المستقيم.
ونحو الآية قوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .
ونسب إلى العمل والذي يوجد هو جزاؤه، لما للعمل من أثر في نفس العامل، فكأن الجزاء بمثابة العمل نفسه.
ثم ختم الآية بما يحث المرء على الإحسان في العمل فقال :
إن الله بما تعملون بصير فهو عالم بجميع أعمالكم كثيرها وقليلها، لا تخفى عليه خافية من أمركم، خيرا كانت أو شرا وهو مجازيكم عليها.
ولا يخفى ما في هذا من الترغيب والترهيب.
ومن مواعظ علي كرم الله وجهه أنه كان إذا دخل المقبرة قال : السلام عليكم أهل هذه الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات – ثم قال : أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم ؟ والذي نفسي بيده لو أن لهم في الكلام لقالوا : إن خير الزاد التقوى.
وفي الحديث الصحيح :( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) والأول يشمل بناء المساجد ومعاهد العلم والمستشفيات والملاجئ، والأحباس على المعوزين والمحتاجين، والثاني : ينضوي تحته ما يخلفه الإنسان من تصنيف نافع، أو تعليم للعلوم الدينية.
وقيد الولد بكونه صالحا، لأن الأجر لا يحصل من غيره، أما الوزر فلا يلحق الأب سيئة ابنه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير