ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
المعنى الجملي
كان الكلام فيما سلف في الرد على من أنكر الوحدانية واتخذ لله شريكا – والكلام هنا فيمن أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وطعن في الآيات التي جاء بها وتجنى بطلب آيات أخرى تعنتا وعنادا كما جاء في نحو قوله حكاية عنهم وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا وقوله : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا
الإيضاح :
الطريقة المشروعة للعباد تسمى ملة، لأن الأنبياء أملوها وكتبوها لأمتهم، وتسمى دينا، لأن العباد انقادوا لمن سنها، وتسمى شريعة لأنها مورد للمتعطشين إلى ثواب الله ورحمته.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، ومن ثم كبر عليه إعراضهم عن إجابة دعوته، وإلحافهم في مجاحدته، مع موافقتهم له في أصل دينهم، من توحيد الله وتقويم ما اعوج من الفطرة الإنسانية، بما طرأ عليها من التقاليد الفاسدة بالمعارف الدينية الصالحة إلى أقصى حد مستطاع.
وفي الآية تيئيس له عليه السلام من طمعه في إسلامهم، إذ علق رضاهم عنه بما هو مستحيل أن يكون، وهو اتباع ملتهم والدخول في دينهم، لأنهم اتخذوا الدين جنسية لا يرضون عن أحد إلا إذا دخل في حظيرتها، وانضوى تحت لوائها.
وكلامهم هذا يتضمن أن ملتهم هي الهدى لا ما سواها، ومن ثم رد الله عليهم بقوله آمرا نبيه.
قل إن هدى الله هو الهدى أي إن الهدى هو ما أنزل الله على أنبيائه، لا ما أضافه إليه اليهود والنصارى بالهوى والتشهي، ففرقوا وكانوا شيعا، كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء.
ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم أي ولئن اتبعت ما أضافوه إلى دينهم وجعلوه أصلا من أصول شريعتهم بعد ما حصل لك من اليقين والطمأنينة بالوحي الإلهي الذي نزل عليك، ومنه علمت أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويل، وأنهم نسوا حظا مما ذكروا به.
مالك من الله من ولي ولا نصير أي فالله لا ينصرك ولا يساعدك على ذلك، إذ أن اتباع الهوى لا يكون طريقا موصلا إلى الهدى، وإذا لم ينصرك الله ويتول شئونك فمن ذا الذي ينصرك من بعده ؟
وهذا الإنذار الشديد والوعيد والتهديد وإن كان موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله من الزيغ والزلل وأيده بالكرامة، هو في الحقيقة خطاب للناس كافة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جرى العرف في خطاب الملوك أن يقال للملك : إذا فعلت كذا كانت العاقبة كذا، ويراد إذا فعلته دولتك أو أمتك.
والكلام هنا جاء على هذا لأسلوب ليرشد من يأتي بعده أن يصدع بالحق، وينتصر له ولا يبالي بمن خالفه مهما قوى حزبه واشتد أمره، فمن عرف الحق وعرف أن الله ولي أمره وناصره لا يخاف في تأييده لوم اللائمين، ولا إنكار المعاندين.
تفسير المراغي
المراغي