ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ... (١٢٠)
في هذا النص إشارة إلى أنهم هم الذين يعارضون، ويتعنتون؛ لأنه سبق إليهم ما يحسبون به أنهم فوق أن يتبعوا غيرهم، بل غيرهم عليه هو أن يتبعهم، وقد أكد الله تعالى أن ذلك المعنى في نفوسهم، فنفَى عنهم الرضا على النبي - ﷺ - نفيا مؤكدا للحال التي كانوا عليها عند المبعث المحمدي، لأن رسالته عليه الصلاة والسلام، واجهت في نفوسهم شعورا مملوءًا بالضلال والهوى والانحراف عن الجادة المستقيمة، ولكي يدخل الحق إليها لابد من تفريغ ما فيها من ضلال وفساد، وهداية النفس الخالية من فساد المنكر أقرب من النفس الممتلئة بالباطل.
فهم يريدون أن يكونوا متبوعين لَا تابعين، وتلك توجد فيهم جحودا، وقسوة في قبول الحق لَا يقل عن المشركين، في تمسكهم برياساتهم، وشرف قبائلهم وعشايرهم، والمنافسات بينهم.

صفحة رقم 387

والملة هي الشريعة، وقد قال الراغب في مفرداته: (الملة كالدين وهي اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوسلوا به إلى جوار الله تعالى، والفرق بينها وبين الدين أن الملة لَا تضاف إلا إلى النبي عليه السلام التي تسند إليه نحو (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ...)، (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي...)، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله، ولا إلى آحاد أمة النبي - ﷺ -... لَا يقال: ملة الله، ولا يقال: ملتي، ولا: ملته).
وعلى ذلك يكون: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) أي الملة التي جاءتهم عن أحبارهم ورهبانهم، وإن ملة اليهود، ومثلها ملة النصارى أوهام أوجدتها شهوات حبيسة، فملة اليهود أهواء وملة النصارى أوهام وأهواء، وكلهم ضلال في ضلال.
ولذا قال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) أكد الله سبحانه وتعالى نهى النبي - ﷺ - باللام الدالة على القسم مع إن، وهما أشد ألفاظ التوكيد في بيان عاقبة الاتباع، وأنه إذا كان الاتباع المنهي عنه نهيا مؤكدا، فالعاقبة ألا يكون لمن اتبع أهواءه إلا أن ينزل عليه عقاب الله تعالى، ولا يكون له ولي محب يدفع عنه، ولا نصير ينصره من غير الله.
فمعنى النص السامي أنك أيها الرسول إن اتبعت أهواءهم فإنه من المؤكد أن العذاب نازل، ولا ينجيك منه ولي ولا نصير.
وهنا ملاحظتان بيانيتان: أولاهما - أن تحذير النبي - ﷺ - لَا يقصد به شخصه أولا وبالذات، إنما يقصد به أتباع محمد - ﷺ -، وأن عليهم أن يحرصوا على مجانبتهم، وألا يغتروا بهم، وإنه في وقت ضعف النفوس المؤمنة يكون كيد هؤلاء مستمرا، دائمًا ومذهبا يصلون به إلى قلوب ضعاف الإيمان، فقد يميلون - وإن لم يكفروا - فيستحسنوا ما عندهم، وإنا نرى من ضعفاء الإيمان في عصرنا من يستحسنون كل ما عند النصارى واليهود، فإذا ذكرت أحوالهم استحسنوها، وإذا

صفحة رقم 388

ذكرت مكارم المسلمين استهجنوها، حتى طمع أولئك الفجرة الفسقة في بعض المسلمين، فأخذوا يستهوونهم بكل الأساليب، وقَى الله أهل الإيمان منهم.
الملاحظة الثانية - أن هؤلاء ما عندهم ليس بدين يتبع، ولكنه أهواء باطلة وأوهام فاسدة، وأي عقل يدرك أن الواحد اثنان وأن الاثنين ثلاثة؟!! ولكنها أوهام ضالة، والله المنقذ من الضلال.
وإن الله تعالى منصف في أحكامه، فهو سبحانه وتعالى لَا يعمم فتشمل البريء والسقيم؛ ولذا بعد أن ذكر حال اليهود في عصر النبي - ﷺ - بين أن من أهل الكتاب من يتلونه حق تلاوته، ويتعرفون غايته ومراميه، وإن هؤلاء يؤمنون بمحمد - ﷺ - ويتبعونه؛ ولذا قال تعالت كلماته:

صفحة رقم 389

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية