( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )
المعنى الجملي :
بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب ؛ فذكر أنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبي حقا، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأن جحدهم لتحويل القبلة عناد ومكابرة، لأنه متى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه – ذكر هنا أن كل أمة لها قبلة خاصة توجه إليها، والواجب التسليم فيها لأمر الوحي، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس، وأن الواجب التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، وأن استقبال الكعبة واجب في الصلاة في أي جهة كان المصلي، في البر أو في البحر، وأنه ينبغي لكم ألا تخشوا محاجة المشركين في القبلة بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمرا
الإيضاح :
أي ومن أي مكان خرجت، وفي أي بقعة حللت، فول وجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام، وقد أعاد الأمر مرة أخرى ليبين أن هذا التولي عام في كل زمان ومكان، ولا يختص ببلاد دون أخرى، ولا بحضر دون سفر، ولا بالصلاة التي كان يصليها وقد نزل عليه التحويل فيها، بل هو شريعة عامة في كل حين وفي كل مكان.
وأصحاب هذه القبلة يصلون إلى جميع الجهات بتوليهم إياها في بقاع الأرض المختلفة شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا.
ثم وثق ذلك ووكده بقوله :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ أي وإن توليك إياه لهو الحق الثابت الموافق للحكمة والمصلحة.
وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي فالله ليس بغافل عن أعمالكم وإخلاصكم في متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما يجيء به من أمر الدين، وسيجازيكم بذلك خير الجزاء.
ولا يخفى ما في هذا من الوعد والبشارة للمؤمنين بنيل المكافأة على ما يفعلون.
تفسير المراغي
المراغي