ولهذا نَدَب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره، فقال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ .
قال مجاهد في قوله : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ ١ يقول : كما فعلت فاذكروني.
قال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم : أن موسى، عليه السلام، قال : يا رب، كيف أشكرك ؟ قال له ربه : تذكرُني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني.
وقال الحسن البصري، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره ويعذب من كفره.
وقال بعض السلف في قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [ آل عمران : ١٠٢ ] قال : هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا يُنْسَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، حدثنا مكحول الأزدي قال : قلت لابن عمر : أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ؟ قال : إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته، حتى يسكت.
وقال الحسن البصري في قوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ قال : اذكروني، فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.
وعن سعيد بن جبير : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية : برحمتي.
وعن ابن عباس في قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ٢ قال : ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.
وفي الحديث الصحيح :" يقول الله تعالى : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه ".
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله عز وجل : يا ابن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك، في ملإ من الملائكة - أو قال :[ في ]٣ ملأ خير منهم - وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول "
صحيح الإسناد : أخرجه البخاري من حديث قتادة٤. وعنده قال قتادة : الله أقرب بالرحمة.
وقوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ أمر الله تعالى بشكره، ووعده على شكره بمزيد الخير، فقال : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم : ٧ ].
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن الفضيل٥ بن فضالة - رجل من قيس - حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال : خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطْرف من خز لم نره٦ عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه ". وقال روح مرة :" على عبده " ٧.
٢ في هـ: "اذكروني" والمثبت من ط..
٣ زيادة من أ، والمسند..
٤ المسند (٣/١٣٨) وصحيح البخاري برقم (٧٥٣٦)..
٥ في أ: "عن الفضل"..
٦ في أ: "لم يرد"..
٧ المسند (٤/٤٣٨)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة