فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
المعنى الجملي :
بعد أن أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب ؛ فذكر أنهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبي حقا، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأن جحدهم لتحويل القبلة عناد ومكابرة، لأنه متى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه – ذكر هنا أن كل أمة لها قبلة خاصة توجه إليها، والواجب التسليم فيها لأمر الوحي، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس، وأن الواجب التسابق إلى فعل الخيرات، والله يجازي كل عامل بما عمل، وأن استقبال الكعبة واجب في الصلاة في أي جهة كان المصلي، في البر أو في البحر، وأنه ينبغي لكم ألا تخشوا محاجة المشركين في القبلة بل اخشوا الله ولا تعصوا له أمرا
الإيضاح :
أي اذكروني بالطاعة بألسنتكم بالحمد والتسبيح، وقراءة كتابي الذي أنزلته على عبدي، وبقلوبكم بالفكر في الأدلة التي نصبتها في الكون لتكون علامة على عظمتي، وبرهانا على قدرتي ووحدانيتي، وبجوارحكم بالقيام بما أمرتكم به، واجتنابكم ما نهيتكم عنه، أجازكم بالثواب والإحسان وإفاضة الخير وفتح أبواب السعادة ودوام النصر والسلطان.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يقول الله عز وجل :( أنا عند ظن عبدي وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ) الحديث.
وهذه أفضل تربية من الله تعالى لعباده، إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل.
وبعد أن أعلمهم بما يحفظ النعم، أرشدهم إلى ما يوجب المزيد منها بمقتضى الجود والكرم فقال :
وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ أي واشكروا لي هذه النعم بالعمل بها وتوجيهها إلى ما وجدت لأجله، والثناء علي بالقلب واللسان، والاعتراف بإحساني إليكم، ولا تكفروا هذه المنن التي أوليتكموها في غير ما يبيحه الشرع والسنن الإلهية.
وهذا تحذير من الله لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت لأجله، فسلبها ما كان قد وهبها تأديبا لها ولغيرها.
وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر حينا من الدهر ثم تركوها بالتدرج فحل بهم ما ترى من النكال الوبال، كما قال تعالى : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد .
تفسير المراغي
المراغي