فاذكروني بالطاعة والإحسان أذكركم بالثواب ونعيم الجنان. قال صلى الله عليه وسلم :" مَن أطَاعَ الله فقدْ ذكَرَ الله، وإنْ قَلَّتْ صَلاتُه وصيَامُهُ وتِلاوتُه القرآن. ومَنْ عَصيَ اللّهَ فَقَدْ نَسِيَ الله، وإنْ كَثُرتْ صَلاتُهُ وصَيَامُهُ وتِلاوَتُه١ ".
أو فاذكروني بالجَنَانِ أذكركم بنعمة الشهود والعيان، أو فاذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الحجب، أو فاذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات في الجنان. قال الصِّديق رضي الله عنه :( كفَى بالتوحيدِ عبَادةً، وكَفَى بالجنةِ ثَواباً ). أو فاذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة، أو فاذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها : قال الأصمعي :( رأيت أعرابيّاً واقفاً يوم عرفة بعرفات، وهو يقول : إلهي عَجَّتْ لكَ الأصْواتُ بضُروب اللغات يسألونك الحَاجَات، وحاجَتي إليكَ أنْ تَذْكُرني عندَ البلاَءِ إذا نَسِيَني أهلُ الدنيا ).
أو : فاذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى، أو : فاذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، يعني يحييه حياة طيبة. أو : فاذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في أفضل الملأ، دليله الحديث :" أنا عِندَ ظنَّ بي فليُظنَّ بي مَا شاء، وأنا معه إذا ذكَرني، فمن ذَكَرَنيِ في نَفْسِه ذَكَرْتُه في نَفْسِي. ومن ذَكَرَنِي في مَلأ ذَكرْتُه في مَلأ خير من مَلَئِهِ. . . " الحديث.
أو : فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، أو : فاذكروني بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطّلاَق : ٣ ] أو : فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال والقربة. أو : فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة، أو : فاذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء، أو : فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، إلى غير ذلك مما لا ينحصر.
واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع : ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين، وذكر اللسان والقلب وهو ذكر السائرين، وذكر القلب فقط، وهو ذكر الواصلين، والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى، إذا كان بشيخ كامل، واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحَمْدَلَةٍ وحَسْبَلَةٍ وحوقلة وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكلِّ خاصيةٌ وثمرة، وتجتمع في ذكر المفرد، وهو : الله، الله. فإن ثمرته الفناء في الذات، وهي الغاية والمنتهى. انظر ابن جزي.
قال الحقّ تعالى : واشكروا لي ما أوليتكم من إحساني وبرّي بأن تنسبوها لي لا لغيري، ولا تجحدوا إحساني فأسلبكم ما خولتكم من إنعامي.
الإشارة : كما أنعم الله على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولاً منهم يعلمهم الشريعة النبوية، ويطهرهم من شهود الغيرية، ويعلمهم العلوم اللدنية، كذلك منَّ الله تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان، ببعث شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب، ويدخلونهم حضرة الغيوب، ويطلعونهم على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية، ويعلمهم من غرائب العلوم، ويفتح لهم مخازن الفهوم، فَيَطَّلعون على السر المصون، ويعلمون ما لم يكونوا يعلمون، فيقول لهم الحقّ جلّ جلاله : اذكروني بأرواحكم وأسراركم، أذكركم بالغيبة عن رؤية أشباحكم، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود الحضرة، واشكروا لي آلائي وبرّي، ولا تكفروا بالركون إلى غيري فإني أسلبكم من مزيد معونتي ونصري.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي