ولمّا أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده ؛ إذ الشكر في النعمة والصبر في البلية، فقال :
يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا استعينوا على نيل رضواني وبرِّي وإحساني بالصبر على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات، وبالصلاة التي هي أم العبادات، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة، فيها تشرق شوارق الأنوار، وتتسع ميادين الأسرار، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن الله مع الصابرين ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب، وذهاب العشائر والأصحاب، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد ؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هَدْم وغَرَق وحرق ونفاسٍ وطاعون.
ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق : والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ؛ ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، وبشر الصابرين الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أمَّلُوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تَحنُّنٌ من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب.
قال ابن جزي : فائدة : وَرَدَ ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعاً ؛ وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره ؛ لقوله تعالى : إِنَمَّا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ الزمر : ١٠ ]. وذكر الله للصابرين ثمانياً من الكرامات.
أولها : المحبة، قال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عِمرَان : ١٤٦ ]، والثاني : النصر، قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البَقَرَة : ١٥٣ ]، والثالث : غرفات الجنة، قال : يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ [ الفرقان : ٧٥ ]، والرابع : الأجر الجزيل، قال : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال : وبشر الصابرين ، والصلاة والرحمة والهداية قال : أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
والصبر على أربعة أوجه : صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبّر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهراً، وترك الكراهية باطناً، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي