{ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( البقرة : ١٥٣ )
التفسير :
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ؛ سبق أن الكلام إذا صدَّر بالنداء فهو دليل على الاهتمام به ؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه ؛ وسبق بيان فوائد تصدير الخطاب بوصف الإيمان(١).
قوله تعالى : استعينوا بالصبر والصلاة أي اجعلوا الصبر عوناً لكم ؛ وكذلك استعينوا بالصلاة ؛ وسبق الكلام على نظير هذه الجملة(٢).
قوله تعالى : إن الله مع الصابرين : هذه بشرى عظيمة لمن صبر ؛ وقال تعالى : مع الصابرين لوجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أن الصلاة من الصبر ؛ لأنها صبر على طاعة الله.
الوجه الثاني : أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة ؛ لأن الصبر مُرّ :
الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول : هذا مريض.
الوجه الثالث : أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه(٣) - وهو على عرشه سبحانه وتعالى.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان ؛ لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا... .
٢ ومنها : الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة ؛ لقوله تعالى : استعينوا بالصبر والصلاة .
٣ ومنها : بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره.
٤ ومنها : جواز الاستعانة بغير الله فيما يمكن أن يعين فيه ؛ لقوله تعالى :{ واستعينوا بالصبر والصلاة وجاء في الحديث :«وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة »(٤).
٥ ومنها : أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان ؛ لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استعينوا... إلخ.
٦ ومنها : فضيلة الصبر ؛ لأنه يعين على الأمور ؛ والصبر ثقيل جداً على النفس ؛ لأن الإنسان إذا أصابه ضيق، أو بلاء ثقل عليه تحمله، فاحتاج إلى الصبر ؛ ولهذا قال الله تعالى للنبي ( ص ) : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين [ هود : ٤٩ ] ؛ فقال تعالى : فاصبر إشارة إلى أن هذا الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى صبر، وتحمل ؛ لأنه سيجد من ينازع، ويضاد ؛ ونظيره قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً [ الإنسان : ٢٣، ٢٤ ] ؛ إذاً الصبر شاق على النفوس ؛ لكن يجب على الإنسان أن يصبر ؛ ولهذا من لم يوفق للصبر فاته خير كثير ؛ والذي يصبر أيضاً غالباً ينتظر الفرج لا سيما إذا صبر بإخلاص، وحسن نية ؛ وانتظار الفرج عبادة، وباب للفرج ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :«واعلم أن النصر مع الصبر ؛ وأن الفرج مع الكرب ؛ وأن مع العسر يسراً »(٥) ؛ لأنه إذا كان منتظراً للفرج هان عليه الصبر ؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول، وأن دوام الحال من المحال ؛ فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا هان عليه الصبر كثيراً ؛ وهذه لا شك من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، ودليل على أن الأمور تسهل بالصبر ؛ مهما بلغتك الأمور اصبر، فتهون ؛ ولهذا جعل الله الصبر عوناً.
٧ ومن فوائد الآية : أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها ؛ لقوله تعالى : إن الله مع الصابرين ؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً ؛ وكون الله سبحانه وتعالى مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها ؛ ولهذا لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتناضلون قال :«ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان ؛ قال الآخرون : يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل ؛ فقال : ارموا وأنا معكم كلكم »(٦).
٨ ومن فوائد الآية : إثبات معية الله سبحانه وتعالى ؛ ومعيته تعالى نوعان :
النوع الأول : عامة لجميع الخلق، ومقتضاها الإحاطة بهم علماً، وقدرة، وسلطاناً، وسمعاً، وبصراً، وغير ذلك من معاني ربوبيته ؛ لقوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا [ المجادلة : ٧ ].
والنوع الثاني : خاصة ؛ ومقتضاها مع الإحاطة : النصر، والتأييد ؛ وهي نوعان : مقيدة بوصف، كقوله تعالى : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : ١٢٨ ] ؛ و مقيدة بشخص، كقوله تعالى لموسى، وهارون : إنني معكما أسمع وأرى [ طه : ٤٦ ]، وقوله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [ التوبة : ٤٠ ].
٢ ١/١٦٠..
٣ راجع البخاري ص٣٥، كتاب الصلاة، باب ٣٣: حك البزاق باليد من المسجد، حديث رقم٤٠٦، وراجع صحيح مسلم ص٧٦٣، كتاب المساجد، باب ١٣: النهي عن البصاق في المسجد... ، حديث رقم ١٢٢٣[٥٠] ٥٤٧..
٤ سبق تخريجه ١/١٤..
٥ سبق تخريجه ١/٣٤٣..
٦ أخرجه البخاري ص٢٣٣، كتاب الجهاد، باب ٧٨: التحريض على الرمي... ، حديث رقم ٢٨٩٩..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي