في العرب، وهم أهله وعشيرته، وكانوا إذا آمنوا يحبون أن تكون وجهتهم الكعبة، وأن يحيوا سنة إبراهيم الخليل في تقديس الكعبة لأنها معبدهم وموطن عزهم وفخارهم، إذن التحويل نعمة تامة من الله لهم، وليتم نعمته عليكم ويهديكم صراطا مستقيما. ومع هذا فقد محص الله بها المؤمنين وظهر الثابت على الإيمان من المنافق.
الحكمة الثالثة: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: وليعدكم بذلك إلى الاهتداء والثبات على الحق وعدم المعارضة فيه.
أتم نعمته عليكم باستيلائكم على بيته الذي جعله قبلة لكم، كما أتمها عليكم بإرسال رسول منكم يتلو عليكم القرآن بلسان عربي مبين، ويطهركم من كل دنس ورجس وعبادة صنم، ويعلمكم ما به تسمو نفوسكم وتزكو من أشرف العلوم وأسناها، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من الإخبار بالمغيبات والقصص الذي لا يخلو من عبر وعظات، فاذكروني يا أمة الإجابة بالامتثال والعمل الصالح، والاقتداء بالرسل أجزكم على هذا، وأذكركم عندي بالثواب والجزاء وأفاخر بكم الملائكة، واشكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم، ولا تكفروا بها فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وسيجازيكم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
الصابرون والمقاتلون في سبيل الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
المفردات:
الصَّلاةِ في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة الاستغفار، ومن الله الرحمة.
بِالصَّبْرِ الصبر: حبس النفس على ما تكره. لَنَبْلُوَنَّكُمْ: لنمتحننكم، أى:
نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم. نقص الْأَنْفُسِ: موتها. نقص الثَّمَراتِ: قلّتها، وقيل موت الأولاد.
المعنى:
علم الله ما سيلاقيه المؤمنون في دعوتهم من الشدائد وما يصادفهم في أمور دينهم من أقوال السفهاء وافتراء أهل الكتاب كما حصل في تحويل القبلة وغيره وسيؤدي هذا إلى القتال حتما، ولا دواء لكل هذا إلا استعانة بالصبر والصلاة وتربية النفوس على تحمل المكروه في سبيل الله، ولقاء الكبير المتعال في كل صباح ومساء، أما الاستعانة بالصلاة فلا تحتاج إلى تعليل وبيان لأنها أم العبادات، وفيها لقاء المؤمن بربه لقاء يقوى روحه ويشد من أزره، ويضاعف من قوته، ومن هنا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا حزبه- اشتد به- أمر همّ إلى الصلاة، وهي عند المؤمنين في المحل الأعلى:
«جعلت قرّة عيني في الصّلاة»
وأما الاستعانة بالصبر فلأن الله- سبحانه- أكد بأنه يكون مع الصابرين، وناهيك بمعيته- سبحانه- إذ المراد منها الولاية والنصرة وإجابة الدعوة وكفاهم فخرا أنهم متبعون في هذا.
يا أيها الذين آمنوا: استعينوا بالصبر، وثقوا تماما بأن عاقبته خير إذ غايته الاستشهاد في سبيل الله، وما هم أولاء الشهداء؟ ليسوا كغيرهم أمواتا بل هم أحياء في قبورهم حياة ويرزقون رزقا على كيفية الله أعلم بها، فنحن لا نشعر بذلك لأنها حياة لا تدرك بالمشاعر ولكنها حياة حدثنا عنها الدين فيجب أن نؤمن بها.
وليصيبنكم أيها المؤمنون بشيء قليل من الخوف والجوع والنقص في الأموال بضياعها، وفي الأنفس بموتها، وفي الثمرات بقلتها أو بموت الأولاد، اختبر الله بهذا لتهدأ قلوب المؤمنين وتسكن، مستسلمين إلى الله راضين بقضائه وقدره إذا ما أصابهم شيء من ذلك في الدنيا محتسبين الأجر عند الله قائلين: إنا ملك لله وإنا إليه راجعون.
البشرى والنجاح لهذا الصنف من الناس فإنهم الصابرون. وإنما يوفى الصابرون
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي